موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القسم الأول- الولايات - السياسة الشرعية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / السياسة الشرعية لـ شيخ الإسلام ابن تيمية
  
 
السياسة الشرعية - القسم الأول: الولايات

القسم الأول: الولايات

أما أداء الأمانات ففيه نوعان:

أحدهما: الولايات، وهو كان سبب نزول الآية.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلَّم مفاتيح الكعبة من بني شيبة، طلبها منه العباس ليجمع له بين سِقاية الحاج وسِدانة البيت، فأنزل الله هذه الآية، فدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة.

فيجب على وليِّ الأمر أن يولِّي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من وَليَ من أمر المسلمين شيئًا، فولى رجلًا وهو يَجِد من هو أصلحُ للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين»(1). رواه الحاكم في صحيحه.

وفي رواية: «من قلَّدَ رجلًا عملاً على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين»(2).

وروى بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر، روي ذلك عنه.

وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ((من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولىَّ رجلًا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين)).

وهذا واجبٌ عليه، فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نُوَّابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نُوَّاب ذي السلطنة، والقضاة ونحوهم، ومن أمراء الأجناد ومُقدِّمي العساكر الكبار والصغار، وولاة الأموال؛ من الوزراء والكتاب والشادِّين، والسُّعاة على الخراج والصدقات، وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين.

وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة، والمؤذنين، والمقرئين، والمعلمين، وأمراء الحاج، والبُرُد، والعيون -الذين هم القصاد- وخُزَّان الأموال، وحُرَّاس الحصون، والحدادين -الذين هم البوابون على الحصون والمدائن- ونُقباء العساكر الكبار والصغار، وعُرَفاء القبائل والأسواق، ورؤساء القرى -الذين هم الدهاقين-.

 فيجب على كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلبَ الولاية، أو سبق في الطلب، بل ذلك سبب المنع. فإن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم:  أن قومًا دخلوا عليه فسألوه ولاية، فقال: «إنا لا نوليِّ أمرنا هذا من طلبه»(3).

وقال لعبد الرحمن بن سَمُرَة: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعْطِيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها»(4) أخرجـاه في الصحيحين.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من طلب القضاء واستعان عليه وُكِلَ إليه، ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه، أنزل الله عليه ملكًا يُسَدِّدُه»(5). رواه أهل السنن.

فإن عَدَل عن الأحقِّ الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة، أو صداقة، أو مرافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب، أو لِضِغَنٍ في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما = فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهُي عنه في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(6).

فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه، قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته. وكذلك قد يؤثر زيادةَ ماله أو حفظه بأخذ ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله والرسول وأمانته.

ثم إن المؤدي للأمانة -مع مخالفة هواه- يُثَبِّته الله فيحفظه في أهله وماله بعده. والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيُذِلُّ أهله ويُذهِب مالَه.

وفي ذلك الحكاية المشهورة: أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عن بعض ما أدرك، فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز وقد قيل له: يا أمير المؤمنين أفرغت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم -وكان في مرض موته- فقال: أدخلوهم عليَّ، فأدخلوهم -وهم بضعة عشر ذكرًا، ليس فيهم بالغ- فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: لهم: يا بني والله ما منعتكم حقًّا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموالَ الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولَّى الصالحين، وإما غير صالح فلا أخَلِّف له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني.

قال: فلقد رأيت بعضَ بنيه حَمَل على مائة فرس في سبيل الله. يعني أعطاها لمن يغزو عليها.

قلت: هذا وقد كان خليفةَ المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بالأندلس وغيرها، ومن جزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى أقصى اليمن. وإنما أخذ كل واحد من أولاده من ماله شيئًا يسيرًا يقال: أقل من عشرين درهمًا.

قال: وحضرتُ بعضَ الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار. ولقد رأيت بعضهم يتكَفَّفُ الناس –أي: يسألهم بكفه-. وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في هذا الزمان، والمسموعة عما قبله، ما فيه عبرة لكل ذي لب.

وقد دلَّت سنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع: مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ذر -رضي الله عنه- في الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها»(7) رواه مسلم.

وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» قيل: يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»(8).

وقد أجمع المسلمون على معنى هذا، فإنَّ وصيَّ اليتيم، وناظر الوقف، ووكيل الرجل في ماله، عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح، كما قـال الله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(9) ولم يقل: إلا بالتي هي حسنة.

وذلك لأن الوالي راع على الناس، بمنزلة راعي الغنم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»(10). أخرجاه في الصحيحين.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من راعٍ يسترعيه الله رعيةً يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لها إلا حرم الله عليه رائحة الجنة»(11).

ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليكم أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير. فقال السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال السلام عليك أيها الأجير، فقالوا قل السلام عليك أيها الأمير. فقال معاوية. دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول. فقال: إنما أنت أجير استأجرك ربُّ هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هَنَأْتَ جرباها، وداويتَ مرضاها، وحبست أُولاها على أُخراها وفَّاك سيدُها أجرَك، وإن أنت لم تَهْنَأ جرباها، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سَيِّدُها.

وهذا ظاهر الاعتبار، فإن الخلقَ عبادُ الله، والولاة نُوَّاب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم، بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيهم معنى الولاية والوكالة.

ثم الولي والوكيل متى استناب في أموره رجلاً وترك من هو أصلح للتجارة أو العقار منه، أو باع السلعة بثمن، وهو يجد من يشتريها بخير من ذلك الثمن، فقد خان صاحبه، لا سيما إن كان بينه وبين من حاباه مودة أو قرابة، فإن صاحبه يبغضه ويذمه، ويرى أنه قد خانه وداهن قريبه أو صديقه.

* * *

فصل

الأصلح هو الأولى

إذا عُرِفَ هذا فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصبٍ بحسبه. وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخْذِه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصـار في هذا المواضع من أئمة العدل المقسطين عند الله.

وإن اختلَّت بعضُ الأمـور بسبب مـن غيره إذا لم يمـكن إلا ذلك، فـإن الله سبحانه وتعالى يقـول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ(12)، وقال عز وجل: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا(13)، وقـال جل جلاله في الجهاد: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ(14)، وقال عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ(15).

فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم»(16). أخرجاه في الصحيحين، لكن إن كان منه عجزٌ فلا حاجة إليه، أو خيانة عوقب على ذلك.

وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القـوة، والأمانة، كما قـال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ(17). وقال صاحب مصر ليوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ(18). وقال تعالى في صفـة جبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ(41) وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ(19).

 والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها -فإن الحرب خدعة- وإلى القدرة على أنواع القتال؛ مـن رمي وطعن وضرب، وركوبٍ وكرٍّ وفرٍّ، ونحو ذلك، كما قـال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ(20). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليَّ من أن تركبوا، ومن تعلَّمَ الرميَ ثم نسيه فليس مِنّا»(21). وفي رواية: «فهي نعمةٌ جَحَدها»(22) رواه مسلم.

والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.

والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى وترك خشية الناس، وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلًا، وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كلِّ حكم على الناس، في قـوله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناًّ قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ(23). ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. فرجلٌ عرفَ الحقَّ وقضى بخلافه فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجلٌ علمَ الحقَّ وقضى به فهو في الجنة»(24). رواه أهل السنن.

فالقاضي اسم لكل من حكم بين اثنين، سواء سُمِّيَ خليفةً أو سلطانًا أو نائبًا أو واليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع، أو نائبًا له، حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا. هكذا ذكر أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ظاهر.

* * *

فصل

القوة والأمانة هما المطلوب في الشرع

اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: اللهم أشكو إليك جَلَدَ الفاجر وعجز الثقة.

فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا عُيِّنَ رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها، فيُقَدَّم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا، كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قويٌ فاجر والآخر ضعيفٌ صالح، مع أيهما يُغْزَى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يُغْزَى مع القوي الفاجر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»(25)، وروي: «بأقوام لا خلاق لهم»(26) فإذا لم يكن فاجرًا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسدَّه.

 ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم، وقال: « إن خالدًا سيف سلَّه الله على المشركين»(27). مع أنه أحيانًا قد كان يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه مرةً رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فَعَل خالد»(28) لما أرسله إلى جَذِيمة، فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يُجَوِّز ذلك، وأنكره عليه بعض من كان معه من الصحابة، حتى وَدَاهم النبي صلى الله عليه وسلم وضمن أموالهم. ومع هذا فما زال يقدِّمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفَعَل ما فَعَلَه بنوع تأويل.

وكان أبو ذر -رضي الله عنه- أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحبُّ لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مـالَ يتيم»(29). رواه مسلم. ونهى أبا ذر عن الإمارة والولاية؛ لأنه رآه ضعيفًا. مع أنه قد رُوِي: « ما أظلَّت الخضراُء ولا أقلَّت الغَبْراء أصدقُ لهجةً مِن أبي ذر»(30).

وأمَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مرةً عَمْرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل -استعطافًا لأقاربه الذين بعثه إليهم- على من هم أفضل منه. وأمَّر أسامة بن زيد -لأجل طلب ثأر أبيه. وكذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة راجحة، مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان.

وهكذا كان أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنه- ما زال يستعمل خالدًا في حرب أهل الرِّدَّة، وفي فتوح العراق والشام، وبَدَت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذُكِر له عنه أنه كان له فيها هوى، فلم يعزِلْه من أجلها، بل عَتَبَه عليها لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير إذا كان خُلُقه يميل إلى الشِّدَّة، فينبغي أن يكون خُلُق نائبه يميل إلى اللين؛ وإذا كان خُلُقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، ليعتدل الأمر.

ولهذا كان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يُؤْثِر استنابةَ خالد، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يؤثر عزلَ خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح؛ لأن خالدًا كان شديدًا كعمر، وأبا عبيدة كان ليِّنًا كأبي بكر، فكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه؛ ليكون أمره معتدلًا، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو معتـدل، حتى قـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا نبيُّ الرحمة، أنا نبيُّ المَلْحَمَة»(31).

وقال: «أنا الضَّحُوك القتال» (32) وأمته وسط، قال الله تعالى فيهم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ(33). وقال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ(34).

ولهذا لما ولي أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- صارا كامِلَين في الولاية، واعتدل منهما ما كانا يُنْسَبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من لين أحدهما وشدة الآخر، حتى قـال فيهمـا النبي صلى الله عليه وسلم: « اقتدوا باللذْيِن من بعدي أبي بكر وعمر»(35).

وظهر من أبي بكر من شجاعة القلب في قتال أهل الردة وغيرهم ما بَرَّزَ به على عمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

وإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قُدِّم الأمين؛ مثل حفظ الأموال ونحوها. فأما استخراجها وحفظها فلا بد فيه من قوة وأمانة، فيولى عليها شادّ قوي يستخرج الأموال بقوته، وكاتبٌ أمينٌ يحفظها بخبرته وأمانته. وكذلك في إمارة الحرب إذا أمر الأمير بمشاورة أولي العلم والدين جمع بين المصلحتين. وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جُمِع بين عدد، فلا بد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولَّى إذا لم تقع الكفاية بواحدٍ تام.

ويُقَدَّم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم والأخر أورع قُدِّمَ -فيما قد يظهر حكمُه ويُخاف فيه الهوى- الأورعُ، وفيما يدِقُّ حكمه ويُخاف فيه الاشتباه الأعلم. ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات»(36).

ويقدَّمان على الأكفأ إن كان القاضي مؤيدًا تأييدًا تامًا من جهة والي الحرب أو العامة.

ويقدَّم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إِلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع؛ فإن القاضي المُطْلَق يحتاج أن يكون عالمًا عادلاً قادرًا، بل وكذلك كل والٍ للمسلمين، فأيُّ صفةٍ من هذه الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه. والكفاءةُ: إما بقهر ورهبة، وإما بإحسان ورغبهّ، وفي الحقيقة فلا بد منهما.

وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يتولى القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل دَيِّن، فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدِّين أكثر لغلبة الفساد، قُدِّم الدَّيِّن، فإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات، قُدِّم العالم.

وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين، فإن الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلًا أهلاً للشهادة.

واختلفوا في اشتراط العلم هل يجب أن يكون مجتهدًا، أو يجوز أن يكون مقلدًا؟ أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال. وبَسْط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.

ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لا بد منه من أمور الولايات والإِمارات ونحوها، كما يجب على المُعْسِر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يُطْلَب منه إلا ما يقدر عليه، وكما يجب الاستعدادُ للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إِلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها، فإنه لا يجب تحصيلها؛ لأن الوجوب هناك لا يتم إلا بها.

* * *

فصل

كيفية معرفة الأصلح في الولاية

والمهم في هذا الباب معرفة الأصلح وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عُرِفَت المقاصد والوسائل تم الأمر. فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين قدَّموا في ولايتهم من يُعِينهم على تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم مَنْ يقيم رئاسته.

وقد كانت السُّنَّة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم هم أمراء الحرب، الذين هم نُوَّاب ذي السلطان على الجند، ولهذا لما قدَّم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة، قدَّمَه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على حرب كان هو الذي يؤمُّ الصلاة بأصحابه. وكذلك إذا استعمل رجلًا نائبًا على مدينة كما استعمل عَتَّاب ابن أَسِيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعليًّا ومعاذًا وأبا موسى على اليمن، وأبا سفيان وعَمْرو بن حزم على نجران = كان نائبه هو الذي يصلي بهم، ويقيم فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب.

وكذلك خلفاؤه بعده، ومن بعدهم من الملوك الأمويين وبعض العباسيين؛ وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد، ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد.  وكان إذا عاد مريضًا يقول: «اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاةً، وينكأ لك عدوًا»(37).

ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن قال: «يا معاذ إن أهمَّ أمرك عندي الصلاة»(38).

وكذلك كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يكتب إلى عماله: إن أهمَّ أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حَفِظَ دينَه، ومن ضيعها كان لما سِواها من عمله أشد إضاعة(39).

وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الصلاة عماد الدين»(40). فإذا أقام المتولي عماد الدين، فالصلاة تنهى عـن الفحشاء والمنكر، وهي التي تُعِين الناس على ما سواها من الطاعات، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ(41). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(42). وقـال عز وجل لعبده ونبيـه صلى الله عليه وسلم ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى(43)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ(56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ(57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ(44).

والمقصود الواجب بالولايات: إصلاحُ دين الخلق الذين متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نَعِمُوا به في الدنيا، وإصلاحُ ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قَسْم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين.

فمن لم يَعْتَدِ أصلحَ له دينَه ودنياه؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: ((إنما بعثتُ عُمَّالي إليكم ليعَلِّموكم كتابَ ربكم، وسنة نبيكم، ويقسموا بينكم فيأكم)).

فلما تغيرت الرعية من وجه، والرُّعاة من وجه، تناقضت الأمور. فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله تعالى، فقد رُوِي: « يوم من إمامٍ عادل أفضل من عبادة ستين سنة»(45)، وفي المسنـد للإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنـه قـال: « أحبُّ الخلقِ إلى الله إمامٌ عادل، وأبغضهم إلى الله إمام جائر»(46).

وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سبعة يظلهم الله في ظله لِوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشابٌ نشأ في طاعة الله، ورجلٌ قلبه معلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه، ورجلٌ ذَكَر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف اللهَ ربَّ العالمين، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تنفق يمينُه»(47).

وفي صحيح مسلم عن عِياض بن حمِار -رضي الله عنه- قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: « أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقْسِط، ورجلٌ رحيم رقيق القلب بكل ذي قُرْبى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق»(48).

وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « الساعي على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله»(49).

وقد قال سبحانه وتعالى -لما أمر بالجهاد-: ﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ(50).

وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، الرجلُ يقاتل شجاعةً، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»(51) أخرجاه في الصحيحين.

فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله العليا. وكلمة الله: اسم جامع لكلماته التي تضمَّنها كتابه، وهكذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ(52). فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ(53). فمن عَدَلَ عن الكتاب قُوِّمَ بالحديد، ولهذا كان قِوامُ الدين بالمصحف والسيف.

وقد رُوِي عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا -يعني السيف- من عَدَل عن هذا -يعني المصحف(54).

فإذا كان هذا هو المقصود فإنه يُتَوسَّل إليه بالأقرب فالأقرب، ويُنظر إلى الرجلين أيهما كان أقرب إلى المقصود وُلِّي؛ فإذا كانت الولاية –مثلاً- إمامة صلاة فقط، قُدِّم من قدمه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: « يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًّا، ولا يُؤمَّنَّ الرجلُ في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه»(55). رواه مسلم.

فإذا تكافأ رجلان: أو خفي أصلحُهما، أُقْرِع بينهما، كما أقرع سعد بن أبي وقاص بين الناس يوم القادسية لما تشاجروا على الأذان، متابعةً لقوله، صلى الله عليه وسلم: « لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِموا عليه لاستهموا»(56).

فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، أو بفعله -وهو ما يُرَجِّحه بالقرعة إذا خفي الأمر- كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات إلى أهلها.

* * *

فصل

القوة في الولايات تجمع قوة المرء في نفسه، وقوته على غيره؛ فقوته على نفسه بالحلم والصبر، كما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»(57). وهذا هو السيد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً(58)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن: «إنَّ ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين»(59).

فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل الشديد القوي ليس هو القوي في بدنه الذي يصرع الناسَ ويغلبهم كثيرًا، وإنما هو القوي في نفسه الذي يملك نفسه ويغلبها عند الغضب.

وأما قوته على غيره؛ فالشجاعة في نفسه، والخبرة وسائر أسباب القوى من الرجال والأموال، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ(60).

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعُك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشيطان»(61).

فبالقوَّة الأولى يصير المرء من المهاجرين الذين هجروا ما نهى الله عنه، ومن المجاهدين الذين جاهدوا نفوسهم في الله، وهو جهاد العدو الباطن من الشيطان والهوى.

وبالقوة الثانية يصير من المهاجرين المجاهدين في سبيل الله، الذين جاهدوا أعداءه ونصروا الله ورسوله، وبهم يقوم الدين.

وكثيرًا ما يحصل للرجل إحدى القوتين دون الأخرى، فيختلُّ من أمره بحسب ذلك؛ ولهذا وصَّى العلما لمن ولي القضاء وغيره من الولايات: أن يكون قويًّا من غير عنف، ليِّنًا من غير ضعف، بمنزلة كف الإنسان اجتمعت فيه القوة واللين، ليس يابسًا في قوته كالعظم والحجر، ولا ضعيفًا في لِيْنِه كالدم والماء، فإنَّ من كان قويًّا على الناس ولم يكن قويًّا على نفسه حتى يكون حليمًا كريمًا ليِّنًا للناس صبورًا على أذاهم = كان فيه من الهَلَع والضيق ما يصير به عاسفًا لهم ولنفسه حتى قد تهلكه شجاعته.

ومن كان قويًّا على نفسه مخالفًا لهواه، إلا أنه ليس فيه قوة على الناس وسلطان يحملهم به على الحق = خرجوا عن الحق، ولم يؤدوا الواجبات ولم يتركوا المحرَّمات.

وقد يكون الرجلان مُتَّصِفَين بالصفات الحميدة، وبعضهم أكمل في بعضها من بعض، فإن الخلفاء الراشدين كلٌّ منهم موصوف بالفضائل التي سبقوا بها الخلق، وكان عثمان وعلي –رضي الله عنهما- متفاضلين في الحلم والشجاعة، وفي الزهد في المال والزهد في الرياسة، وفي الجهاد بالنفس والجهاد بالمال، وفي العلم بالكتاب والعلم بالسنة، فيظهر فضل أحدهما في أحد النوعين كما يظهر فضل الآخر في النوع الآخر، وكما يظهر فضل أبي بكر وعمر في عامة ذلك عليهما، وكما يظهر فضلهم –رضوان الله عليهم- على من سواهم في عامة ذلك، وكما يظهر هدي محمد صلى الله عليه وسلم على هدي موسى وعيسى –صلوات الله عليهم أجمعين-.

وهؤلاء الأربعة هم الذين يجب على المسلمين عمومًا وعلى العلماء والأمراء خصوصًا أن ينظروا في سيرتهم ويقتدوا بهديهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ثبت في السنن عن العِرْباض بن سارية أنه قال: خَطَبَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خُطْبةً ذرفت منها العيون ووجِلَت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنَّ هذه خطبة مودِّع فماذا تَعْهَد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله تعالى وعليكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة»(62).

وثبت أيضًا في السنن عن سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تكون الخلافة من بعدي ثلاثين سنة ثم تصير مُلكًا»(63).

وكان عمر بن عبد العزيز –رضي الله عنه- الذي شهد له المسلمون بأنه كان خليفةً راشدًا يقول: سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننًا الأخذُ بها تصديقٌ لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدي، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا(64).

وهذه الأصول الثلاثة: كتاب الله، وسنة رسوله، وسبيل عباده المؤمنين، هي دين الله، وصراطه المستقيم، وحبله المتين، الذي هو أفضل الأديان، وأهله أكرم الأمم على الله، وخير أمةٍ أخرجت للناس، وأوجبت على أهل الأرض الدخول فيه علمًا وعملاً، بحيث لا يُخْرَج منه ما دخل فيه، ولا يُدْخل فيه ما خرج منه.

نسأل الله العظيم أن يهدينا إليه كلِّه، ويُثَبِتنا عليه باطنًا وظاهرًا، وسائر إخواننا إنه جواد كريم.

* * *


(1) أخرجه الحاكم، في كتاب الأحكام، (7024)، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (14/365): ضعيف جدًّا.
(2) أخرجه الحاكم، في كتاب الأحكام، (7023)، والبيهقي في «الكبرى»، كتاب آداب القاضي، باب: لا يولي الوالي امرأة ، ولا فاسقا ، ولا جاهلا أمر القضاء، (20364)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (10/48): ضعيف.
(3) أخرجه البخاري، في كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، (7149)، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، (1733)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ...} (6622) ومسلم في كتاب الأيمان، باب: ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه (1652).
(5) أخرجه أبو داود، في كتاب الأقضية، باب في طلب القضاء والتسرع إليه، (3578)، وابن ماجه، في كتاب الأحكام، باب ذكر القضاة، (2309)، والترمذي، في أبواب الأحكام، باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القاضي، (1323)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (صـ 820): ضعيف.
(6) الأنفال: 27، 28.
(7) أخرجه مسلم، في كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، (1825).
(8) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل (59).
(9) الإسراء: 34.
(10) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب ما يقتل المحرم من الدَّواب (1829)، ومسلم في كتاب الحج- باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدَّواب (1198).
 (11) أخرجه البخارى في كتاب التوحيد- باب قول الله تعالى {ونضع الموازين القسط} (6731)، ومسلم في كتاب الإمارة- باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم (142)، من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه.
(12) التغابن: 16.
(13) البقرة: 286.
(14) النساء: 84.
(15) المائدة: 105.
(16) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة- باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم (7288)، ومسلم في كتاب الحج- باب فرض الحج مرة في العمر (1337)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(17) القصص: 26.
(18) يوسف: 54.
(19) التكوير: 19-21.
(20) الأنفال: 60.
(21) أخرجه مسلم، في كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه، (1919)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، بلفظ: «من علم الرمي، ثم تركه، فليس منا» أو «قد عصى».
(22) لم أقف على هذه الرواية في مسلم، وأخرجها البراز في «مسنده»، (9095)، والطبراني في «الصغير»، (543)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(23) المائدة: 44.
(24) أخرجه أبو داود في كتاب الأقضية- باب في القاضي يخطئ (3573)، والترمذي في كتاب أبواب الأحكام- باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القاضي (1322)، وابن ماجه في كتاب الأحكام- باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق (2315)، وصححه الشيخ الألباني في «صحيح الجامع» (4298).
(25) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير- باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر (3062)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب علظ تحريم قتل الإنسان نفسه (111)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(26) حديث صحيح. أخرجه النسائي في «الكبرى» (8885)، وابن حبان (4517) من حديث أنس. وأخرجه أحمد (5/ 45) (الميمنية) من حديث أبي بكرة، ولفظه: «إن الله تبارك وتعالى سيؤيد...».
(27) أخرجه الترمذي، في أبواب المناقب، باب مناقب خالد بن الوليد رضي الله عنه، (3846)، والشاشي في «المسند»، (617)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»، (697). وقال الألباني في «صحيح الجامع» (1/611): صحيح.
(28) أخرجه البخاري، في كتاب المغازي، باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، (4339).
(29) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة – باب كراهة الإمارة بغير ضرورة (1826).
(30) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/163) والترمذي في كتاب المناقب- باب مناقب أبي ذر رضي الله عنه (3801)، وقال: «وهذا حديثٌ حسنٌ»، وابن ماجه في كتاب المقدمة- باب فضل أبي ذر (156).
(31) أخرجه أحمد في «مسنده»، (23445)، والآجري في «الشريعة»، (1011)، من حديث حذيفة رضي الله عنه.
(32) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(33) الفتح: 29.
(34) المائدة: 54.
(35) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/385)، وقال شعيب الأرنؤوط: «حديث حسن بطرقه وشواهده دون قوله: «تمسكوا بعهد عمار» وهذا إسناد ضعيف».
(36) أخرجه القضاعي في «مسنده» (1081)، من حديث عمران بن حصين.
(37) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز- باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة (3107).
(38) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(39) أخرجه مالك في «الموطأ»، كتاب وقوت الصلاة، باب وقوت الصلاة، (6)، وعبد الرزاق في «مصنفه»، (2038). وقال الألباني في «المشكاة» (1/186): ضعيف.
(40) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان»، (2550)، من حديث عمر رضي الله عنه. وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (14/1066): ضعيف.
(41) البقرة: 45.
(42) البقـرة: 153.
(43) طه: 132.
(44) الذاريات: 56-58.
(45) أخرجه البيهقي، في كتاب قتال أهل البغي، باب فضل الإمام العادل، (16649)، والطبراني في «الكبير»، (11932)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (4/98): ضعيف.
(46) أخرجه أحمد في «مسنده»، (11174، 11525)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وقال في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (3/297): ضعيف.
(47) أخرجه البخاري في كتاب الحدود- باب فضل من ترك الفواحش (6806)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب فضل إخفاء الصدقة (1031)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
 (48) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها- باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة (2865).
(49) أخرجه أبو داود، في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في السعاية على الصدقة، (2936)، وابن ماجه، في كتاب الزكاة، باب ما جاء في أعمال الصدقة، (1809)، والترمذي، في أبواب الزكاة، باب ما جاء في العامل على الصدقة بالحق، (645)، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه. بلفظ: «العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله، حتى يرجع إلى بيته».
(50) الأنفال: 39.
(51) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب من سأل وهو قائم عالما جالس (123)، ومسلم في كتاب الإمارة- باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (1904)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
(52) الحديد: 25.
(53) الحديد: 25.
(54) أخرجه الحاكم، في كتاب معرفة الصحابة رضي الله عنهم، ذكر مناقب محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه، (5842)، ولفظه: عن عمرو بن دينار، سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري، يقول: بعثني عثمان رضي الله عنه في خمسين فارسا إلى ذي خشب، وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري، فجاء رجل في عنقه مصحف وفي يده سيف وعيناه تذرفان، فقال: إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا، فقال له محمد بن مسلمة: «اجلس فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبل أن تولد».
(55) أخرجه مسلم في كتاب المساجد- باب من أحق بالإمامة (673).
(56) أخرجه البخاري (615) كتاب الأذان- باب الاستهام في الأذان، ومسلم (437) كتاب الصلاة- باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول.
(57) أخرجه البخاري في كتاب الأدب- باب الحذر من الغضب (6114)، ومسلم في كتاب البر والصلة- باب فضل من يملك نفسه عند الغضب (2609).
(58) آل عمران: 39.
(59) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما (3746).
(60) الأنفال: 60.
(61) أخرجه مسلم في كتاب القدر- باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله (2664).
(62) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/126)، وأبو داود في كتاب السنة- باب في لزوم السنة (4607)، والترمذي في كتاب العلم- باب ما جاء في الآخذ بالسنة واجتناب البدع (2676)، وابن ماجه في كتاب المقدمة- باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (44)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (2549).
(63) أخرجه أبو داود، في كتاب السنة، باب في الخلفاء، (4646)، والترمذي، في أبواب الفتن، باب ما جاء في الخلافة، (2226)، من حديث سفينة رضي الله عنه. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (1/619): صحيح.
(64) أخرجه أبو نعيم في «الحلية»، (6/324)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»، (2326).