موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القاعدة الحادية والستون إلى القاعدة السبعين - القواعد الحسان في تفسير القرآن
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / القواعد الحسان في تفسير القرآن لـ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي
  
 
القواعد الحسان في تفسير القرآن - القاعدة الحادية والستون إلى القاعدة السبعين

القاعدة الحادية والستون

معرفة الأوقات وضبطها للاستفادة منها وحفظها من الضياع

حث الله عليه، حيث يترتب عليه حكم عام أو حكم خاص، وذلك أن الله رتَّب كثيرًا من الأحكام العامة والخاصة على أزمنة تتوقف الأحكام عملًا وتنفيذًا على ضبطها وإحصائها وتحديدها، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ(1)

فقوله: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ يدخل فيه مواقيت الصلوات والصيام والزكاة والعقود وغيرها. وخصَّ بالذكر الحج لكثرة ما يترتب عليه من الأوقات العامة والخاصة. وكذلك مواقيت العِدَدِ والديون، والإجارات وغيرها. قال تعالى لما ذكر العدة: ﴿وَأَحْصُوا العِدَّةَ(2) وقوله في الصيام: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(3) وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ(4) ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً(5) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً(6)

وذلك لمعرفة كمال قدرة الله في إفاقتهم. فإنهم لو استمروا على نومهم لم يحصل الاطلاع على شيء من قصتهم. فمتى ترتب على ضبط الحساب وإحصاء المدة، مصلحة في الدين أو الدنيا، كان مما حث وأرشد إليه القرآن.

ويقارب هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا(7) وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ(8) ونحوها من الآيات.

القاعدة الثانية والستون

الصبر أكبر عون على جميع الأمور. والذي يعين على الصبر: معرفة حقيقته ومعرفة سبله وعواقبه ومعرفة الجزع وسبله وعواقبه.

وهذه القاعدة عظيمة النفع، قد دل القرآن عليها في مواضع؛ قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ(9)

أي استعينوا على جميع المطالب، وفي جميع شؤونكم بالصبر، فالصبر: يسهل على العبد القيام بالطاعات، وأداء حقوق الله وحقوق عباده. وبالصبر يسهل عليه ترك ما تهواه نفسه من المحرمات فينهاها عن هواها حذر شقاها، وطلبًا لرضى مولاها. وبالصبر تخف عليه الكريهات. ولكن لهذا الصبر وسيلته التي ينبني عليها، ولا يتم وجوده إلا بها، وهي معرفة الشيء الذي يصبر عليه، ومعرفة ما فيه من الفضائل والثمرات المترتبة عليه. فمتى عرف العبد ما في الطاعات من زيادة الإيمان، وصلاح القلوب واستكمال الفضائل، وما تثمره من الخيرات والكرامات، وما في المحرمات من الضرر والرذائل وما توجبه من العقوبات المتنوعة، وعلم ما في أقدار الله من البركة، وما لمن قام بوظيفته فيها من الأجور: إذا عرف ذلك هان عليه الصبر على جميع الشدائد. وبهذا يعلم فضل العلم، وأنه أصل الفضائل كلها. ولهذا يذكر الله كثيرًا في كتابه أن المنحرفين في الأبواب الثلاثة ما انحرفوا إلا لقصور علمهم، وعدم إحاطتهم التامة بها، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ(10) وقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ(11)

ليس معناه: أنهم لا يعترفون أنها ذنوب وسوء، وإنما قصر علمهم وخبرتهم بما توجبه الذنوب من العقوبات وأنواع المضرَّات وزوال المنافع.

وقال تعالى عن الخضر لما قال له موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً(12) فعدم إحاطته به خبرًا يمتنع معه الصبر. ولو تجلد ما تجلد عيل صبره.

وقال تعالى مبينًا عظمة القرآن وما هو عليه من الجلاء والصدق والكامل: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ(13)

فبيَّن أن الأعداء المكذِّبين إنما كان تكذيبهم به لعدم إحاطتهم بما هو عليه، وأنهم لو أدركوه وأحاطوا به كما هو عليه، لألجأهم واضطرهم إلى التصديق والإذعان. فهم وإن قامت عليهم الحجة ولكنهم لم يفقهوه الفقه الذي يطابق معناه، ولم يعرفوه حق معرفته.

وقال في حق المعاندين الذين بان لهم علمه وخبروا صدقه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُواًّ(14) وقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(15)

والمقصود: أن الله تعالى أرشد العباد إلى الاستعانة على أمورهم بملازمة الصبر، وأرشدهم إلى تحصيل الصبر بالنظر إلى الأمور، ومعرفة حقائقها، وفضائلها ورذائلها.

القاعدة الثالثة والستون

يرشد القرآن إلى أن العبرة بحسن حال الإنسان وإيمانه الصحيح وعمله الصالح، وأن الاستدلال على ذلك بالدعاوى المجردة أو بالرياسات والأمور الدنيوية والتقاليد الموروثة: من طرق المنحرفين. والقرآن يكاد أن يكون أكثره تفصيلًا لهذا الأصل وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا(16)

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(17) وقد أكثر الله من هذا المعنى في عدة مواضع.

وأما حكاية المعنى الآخر عن المنحرفين، فقال عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(18)

ثم ذكر البرهان الذي من أقامه وأتى به فهو المستحق للجنة. فقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(19)

وقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ(20) الآيات.

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِياًّ(21) ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ(22).

ونحوها من الآيات التي يستدل بها الكفار على حسن حالهم، بتفوقهم في الأمور الدنيوية، والرياسات، ويذمون المؤمنين مستدلين بنقصهم في هذه الأمور الدنيوية الزائفة. وهذا من أكبر مواضع الفتن. فإن الرياسات والأمور الدنيوية مشتركة بين الخليقة: بَرِّها وفاجرها.

القاعدة الرابعة والستون

الأمور العارضة التي لا قرار لها بسبب المزعجات أو الشبهات قد ترد على الحق وعلى الأمور اليقينية، ولكن سرعان ما تضمحل وتتلاشى.

وهذه قاعدة شريفة جليلة قد وردت في عدة مواضع من القرآن، فمن لم يحكمها حصل له من الغلط في فهم بعض الآيات ما يوجب الخروج عن ظاهر النص؛ ومن عرف حكمة الله في ورودها على الحق الصريح: لأسباب مزعجة تدفعها أو لشُبه قوية تُحدثها ثم بعد هذا إذا رجع إلى اليقين، والحق الصريح، وتقابل الحق والباطل ووقعت الخصومة بينهما، فغلب الحق الباطل ودمغه فزهق الباطل وثبت الحق، حصلت العاقبة الحسنة، وزيادة الإيمان واليقين. فكان في ذلك التقدير حِكَمٌ بالغة، وأياد سابغة. ولنمثّل لهذا بأمثلة:

فمنها: أن الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم، أكمل الحق إيمانًا ويقينًا، وتصديقًا بوعد الله ووعيده؛ وهذا أمر يجب على الأمم أن يعتقدوه في الرسل، وأنهم قد بلغوا الذروة فيه، وأنهم معصومون من ضِدِّه. ولكن ذكر الله في بعض الآيات أنه قد يعرض لهم بعض الأمور المزعجة -المنافية حسًا لما عُلم يقينًا- ما يوجب لهؤلاء الكُمَّل أن يستبطئوا معه النصر، ويقولوا: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ(23)

وقد يحظر في هذه الحالة للقلوب شيء من عوارض اليأس بحسب قوة الواردات وتأثيرها في القلوب. ثم في أسرع وقت تنجلي هذه الحال وتنفرج الأزمة ويأتي نصر الله من قريب.

﴿أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(24)

فعندئذ يكون لنصر الله وصدق موعوده من الوقع والبشارة والآثار العجيبة أمر كبير، لا يحصل بدون هذه الحالة. ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا(25)

فهذا الوارد الذي لا قرار له. وعندما حقت الحقائق اضمحل وتلاشى، لا ينكر ولا يُطلب للآيات الدالات عليه تأويلات تخالف ظاهرها.

ومن هذا الباب: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ(26)

أي يلقي من الشبه ما يعارض اليقين. ثم ذكر الحِكَم المترتبة على الإلقاء ولكن نهاية الأمر وعاقبته أن الله يُبطل ما يُلقي الشيطان، ويُحكم الله آياته. والله عليم حكيم. فقد أخبر الله بوقوع هذا الأمر لجميع الرسل والأنبياء. لهذه الحِكَم التي ذكرناها. فمن أنكر ذلك بناء على أن الرسل لا ريب ولا شك أنهم معصومون، وظن أن هذا ينافي العصمة، فقد غلط أكبر الغلط. ولو فهم أن الأمور العارضة لا تؤثر في الأمور الثابتة لم يقل إلا قولًا يخالف فيه الواقع ويخالف بعض الآيات ويطلب التأويلات المستبعدات.

ومن هذا -على أحد قولي المفسرين- قوله تعالى عن يونس: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ(27)

وأنه ظنٌ عرض في الحال ثم زال. نظير الوساوس العارضة في أصل الإيمان التي يكرهها العبد حين تَرِدُ على قلبه. ولكن إيمانه ويقينه يزيلها ويذهبها. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم عندما شكى إليه أصحابه هذه الحال التي أقلقتهم، مبشرًا لهم: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة»، وأخبرهم «أن هذا صريح الإيمان».

ويشبه هذا: العوارض التي تعرض في إرادات الإيمان لقوة وارد من شهوة أو غضب، وأن المؤمن الكامل الإيمان قد يَقع في قلبه هَمٌ وإرادة، لفعل بعض المعاصي التي تنافي الإيمان الواجب ثم يأتي برهان الإيمان، وقوة ما مع العبد من الإنابة التامة، فيدفع هذا العارض. ومن هذا قوله تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ(28)

وهو ما معه من الإيمان والخوف والخشية، والمعرفة التي دفعت عنه هذا الهم وموجبه، وصارت إرادته التامة فيما يرضي ربه. ولهذا فاز بمرتبة الصِّدِّيقية، لقوة إخلاصه ويقظة إيمانه بآيات ربه، وانتصر بعد المعالجة الشديدة من النسوة التي لا يصبر عليها إلا سادات الخلق، حتى دعا ربه أن يبعده عن مواطن الفتن فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ(29) الآية.

وكان كل من يتشبَّه به ويقف موقفه أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله». وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ(30)

يشمل الطائف الذي يعرض في أصل الإيمان أو الذي يعرض في إرادته. فإذا مسَّهم تذكروا ما يدعو إلى الإيمان، وواجباته من آيات الله وسننه وحكمته وأحكامه فأبصروا، فاندفعت الشبهات والشهوات، فرجع الشيطان خاسئًا وهو حسير.

ولعل من هذا قول لوط عليه السلام: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ(31)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد كان يأوي إلى ركن شديد» يعني: وهو الله القوي العزيز، لكن غلب على لوط تلك الحالة الحرجة ملاحظة الأسباب العادية، فقال ما قال، مع علمه بقوة ذي العظمة والجلال.

القاعدة الخامسة والستون

قد أرشد القرآن إلى منع الأمر المباح، إذا كان يفضي إلى ترك واجب، أو فعل محرم.

وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع متعددة، وهي من قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد فمنها قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ(32) وقوله: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ(33) وقوله: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ(34) وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ(35).

فالأمور المباحة هي بحسب ما يتوسل بها إليه، فإن توسَّل بها إلى فعل واجب أو مسنون، كانت مأمورًا بها؛ وإن توسل بها إلى فعل محرم أو ترك واجب، كانت محرمة منهيًّا عنها. وإنما الأعمال بالنيات الابتدائية والغائية. والله أعلم.

القاعدة السادسة والستون

أعظم الأصول التي يقررها القرآن ويبرهن عليها: توحيد الألوهية والعبادة.

وهذا الأصل العظيم أعظم الأصول على الإطلاق، وأكملها وأفضلها، وأوجبها وألزمها لصلاح الإنسانية؛ وهو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله وخلق المخلوقات. وشرع الشرائع لقيامه وبوجوده يكون الصلاح وبفقده يكون الشر والفساد.

وجميع الآيات القرآنية إما أمر به أو بحق من حقوقه أو نهي عن ضده، أو إقامة حجة عليه، أو بيان جزاء أهله في الدنيا والآخرة، أو بيان الفرق بينهم وبين المشركين، ويقال له: توحيد الإلهية. فإن الإلهية وصفه تعالى الذي ينبغي أن يؤمن به كل بني آدم، ويوقنوا أنه الوصف الملازم له سبحانه، الدال عليها الإسم العظيم. وهو الله. وهو مستلزم جميع صفات الكمال. ويقال له: توحيد العبادة باعتبار وجوب ملازمة وصف العبودية بكل معانيها للعبد بصفته الملازمة له من مقتضيات العبودية للربوبية بإخلاص العبادة لله تعالى وتحقيقها في العبد أن يكون عارفًا بربه مخلصًا له جميع عباداته محققًا ذلك بترك الشرك، صغيره وكبيره، وباتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، والبراءة من كل بدعة وضلالة، والحب في الله والبغض في الله.

وهذا الأصل، الذي هو أكبر الأصول وأعظمها، قد قرره شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسائل لا تحصى، وبالأخص في كتاب التوحيد. وذكر من تقريره وتفاصيله وتحقيقه، ونفي كل ما يضاده ما لم يوجد في كتاب غيره.

والقرآن يقرره بطرق متنوعة، وقد تقدم في أول القواعد شيء من ذلك. وقد ذكرنا في التفسير ثمانية طرق كلية في تقرير هذا الأصل. وصورة ما ذكرناه على قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ(36)

بعد ما ذكرنا تفسيرها.

والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله، أمور:

أحدها، بل أعظمها: التفكُّر في سنن الله وآياته الكونية، ثم تدبُّر أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله وعظمته، وجلاله، فإنها توجب بذل الجهد في التألُّه له والتعبُّد للرب الكامل، الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال.

الثاني: العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية.

الثالث: العلم بأنه المنفرد بهبة النعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية والأخروية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب به خوفًا ورغبة ورهبة، والتألُّه له وحده لا شريك له.

الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه، القائمين بتوحيده من النصر والنِّعَم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به، فإن هذا داعٍ إلى العلم بأنه تعالى المستحق للعبادة كلها وحده.

الخامس: معرفة الطواغيت التي فتنت الناس وصرفتهم عن كتبه ورسله، ومعرفة اوصاف الأوثان والأنداد، التي عبدت مع الله، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. ولا تنصر من عبدها ولا تنفعه بمثقال ذرة: من جلب خير، أو دفع شر. فإن العلم بذلك يوجب العلم بأن لا إله إلا الله.

السادس: اتفاق كتب الله على ذلك، وتواطؤها عليه. وهو أعظم ما فيها.

السابع: أن خواص الخلق الذين هم أكمل الخليقة أخلاقًا وعقولاً، وعلمًا ورأيًا وإصابة، وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون، قد شهدوا لله بذلك.

الثامن: ما أقامه من الأدلة الآفاقية والنفسية التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، وتنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه.

فهذه الطرق، التي أكثر الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا هو، قد أبداها في كتابه وأعادها بطرق وأساليب متنوعة إلى آخر ما ذكرنا هناك. وكل رسول أول ما يدعو قومه إلى هذا التوحيد ويقرره لهم بأكثر وأقوى من هذه الأدلة.

القاعدة السابعة والستون

يرشد القرآن إلى الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق، للخروج من الشبهات والتوهمات. وهذه قاعدة جليلة يعبر عنها: بأن الموهوم لا يدفع المعلوم، وأن المجهول لا يعارض المحقَّق، ونحوها من العبارات، وقد نبه الله عليها في مواضع كثيرة.

منها: لما أخبر عن الراسخين في العلم، وأن طريقتهم في المتشابهات: أنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا(37)

فالأمور المحكمة المعلومة: يتعين أن يرد إليها كل أمر مشتبه مظنون. وقال في زجر المؤمنين عن مجارات الشائعات التي يقولها أهل السوء في إخوانهم المؤمنين:﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ(38)

فأمرهم بالرجوع إلى ما علموا من إيمان المؤمنين الذي يدفع السيئات، وأن يعتبروا هذا الأصل العظيم، ولا يعتبروا كلام الخبيثين بما يناقضه، ويقدح فيه. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً(39)

فوجاهته عند الله تدفع عنه وتبرئه من كل عيب ونقص رماه به من آذاه. لأنه لا يكون وجيهًا عند الله حتى يسلم من جميع النقائص التي لا تليق بالرسل، ويتحلَّى بجميع الكمالات اللائقة بأمثاله من أولي العزم. فيحذّر الله هذه الأمة أن يسلكوا مسلك اليهود المغضوب عليهم القساة القلوب، الذين أعلنوا بمعاداة الأنبياء واحتقارهم، مهما عاد عليهم من الخير العظيم من تعظيم الأنبياء، حتى لم يسلم من أذاهم موسى الذي شرفهم بالانتساب إليه. وقد جعل الله نجاتهم من سوء العذاب والتقتيل على يده مع وجاهته عند ربه. فالله يحذر المؤمنين أن يتشبهوا ببني إسرائيل فيؤذوا أعظم الرسل جاهًا عند الله، وأرفعهم مقامًا ودرجة، وأرأفهم بالمؤمنين وأكثرهم إحسانًا إلى الخلق.

وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ(40) ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحَقَّ(41).

القاعدة الثامنة والستون

من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه

وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع كثيرة.

فمنها: ما ذكره الله عن المهاجرين الأولين الذين هجروا أوطانهم وأموالهم وأحبابهم لله، فعوَّضهم الله الرزق الواسع في الدنيا، والعز والتمكين. وإبراهيم صلى الله عليه وسلم لما اعتزل قومه وأباه، وما يدعون من دون الله، وهب له إسحاق ويعقوب والذريَّة الصالحين. ويوسف عليه السلام لما ملك نفسه وعصمها من الوقوع مع امرأة العزيز، مع ما كانت تمنيه به من الحظوة وقوة النفوذ في قصر العزيز ورياسته، وصبر على السجن وأحبه وطلبه ليبعد عن دائرة الفساد والفتنة: عوَّضه الله –أن مكَّن له في الأرض، يتبوّأ منها حيث يشاء، ويستمتع بما يشاء مما أحل الله له من الأموال والنساء والسلطان. وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله، نشر لهم من رحمته وهيأ لهم أسباب المرافق والراحة، وجعهلم سببًا لهداية للضالين. ومريم ابنة عمران لما أحصنت فرجها أكرمها الله ونفخ فيه من روحن وجعلها وابنها آية للعالمين

ومن ترك ما تهواه نفسه من الشهوات لله تعالى عوَّضه الله من محبته وعبادته والإنابة إليه ما يفوق لذات الدنيا كلها.

القاعدة التاسعة والستون

القرآن الكريم كفيل بمقاومة جميع المفسدين، ولا يعصم من جميع الشرور إلا التمسك بأصوله وفروعه، وتنفيذ شرائعه وأحكامه.

قد تقدم من الأدلة على هذا الأصل الكبير في دعوة القرآن إلى الإصلاح والصلاح، وفي طريقته في محاجَّة أهل الباطل، وفي سياسته الداخلية والخارجية ما يدل على هذا الأصل. ويُعَرِّف الخلق أن العصمة من الشرور كلها لا طريق لها إلا التمسك بهذا القرآن وأصوله وعقائده، وأخلاقه، وآدابه، وشرائعه.

فأعظم أهل الشر: أهل التعطيل، العمون عما سوى المحسوسات، المنكرون للخالق وأديان الرسل، وما أخبر الله به وأخبرت به رسله. وفي القرآن من البراهين والحجج المتنوعة ما يبطل قولهم ويمحق مذهبهم، ويبين للعقلاء أنهم مكابرون في إنكار أظهر الأشياء البديهية وأجلاها.

ومنهم: أهل الشرك بالمخلوقات وتسويتها بالرب في شيء من الصفات والنعوت، أو الحقوق الخاصة لله. وفي القران من إبطال الشرك، ووجوب التوحيد، وإقامة البراهين على تفرد الله تعالى بالوحدانية، وصفات الكمال، وأنه لا يستحق العبادة سواه، وأن لا أحد يساويه في وصف، ولا في حق من الحقوق: ما يكفي بعضه لإزهاق قولهم.

ومنهم المنكرون للأنبياء من الآدميين، وفيه من الحجج والبراهين على إثبات رسالتهم، وإقامة الآيات والخوارق الدالة على صدقهم، والأوصاف والنعوت التي اتصفوا بها: ما يدل أكبر دلالة على أنهم رسل الله حقًا، وأنهم أصدق الخلق، وأكملهم في كل صفة كمال، وأكملهم في كل فضيلة.

ومنهم المفرِّقون بين الأنبياء والكتب، الذين يزعمون أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. وفي القرآن حجج وبراهين كثيرة تدل على إبطال قولهم، وأنهم متناقضون في إثباتهم وفي نفيهم. وأن الإيمان الحق والحق الصريح: هو الإيمان بكل كتاب أنزله الله، وبكل رسول أرسله، وأن الحق والصدق والعلم واليقين يجب الإيمان به والاعتراف به حيثما كان، ومع من كان. وليس ذلك بالدعاوي والأماني.

ومنهم الإباحية والشيوعية الذين هم أخبث جرثومة لإفساد الأديان والملك والدنيا والآخرة، والقرآن كفيل بإبطال قولهم بما فيه من العقائد والبراهين. ووجوب التحلّي بالأخلاق الجميلة والتخلّي عن الأخلاق الرذيلة، وأداء الحقوق المتنوعة بين طبقات الناس، وإيتاء الزكوات، وإنقاذ المضطرين وغير ذلك من الأحكام والشرائع الحكيمة الرشيدة. فكل هذا سد محكم يمنع نفوذ هؤلاء المفسدين. ويقي شرهم ويزهق حجتهم.

ومنهم أهل البدع على اختلاف مذاهبهم وتنوع نحلهم.

وفي القرآن من البراهين، ووجوب التمسك بما عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الدين، وفروعه، ووجوب رد المتشابه إلى المحكم والاعتصام بحبل الله ودينه ما يبطل قولهم جميعًا ويكسر شوكتهم.

ومنهم: أهل التحزب والتشيع، وتفريق المسلمين، وتمزيق وحدتهم، وفي القرآن من الحث على الاعتصام بحبل الله، والحث على الألفة، والنهي عن التفرق، والإخبار بأن التفريق في الدين طريق أهل الضلال والغضب، والتحذير من أحوال هؤلاء وهؤلاء، ووجوب الاتفاق على الأصول العامة الكلية، مما يقمع شرهم، ويبين شناعة طريقتهم.

ومنهم: أهل الفساد المنتهكون للدماء والأموال والأعراض؛ وفي الآيات القرآنية من قمعهم وإقامة الحدود عليهم، والزجر عن طريقتهم، والمواعظ والزجر ما يقمعهم ويردعهم، ويخفف شرهم. فكل صاحب شر وفساد إنما سلطته ووصول شره على من لم يعتصم بالقرآن؛ وكل من خرج من هذا الحصن الحصين الذي من دخله كان من الآمنين من كل شر وضرر، وهو القاهر لكل باطل والمطهِّر للقلوب والمجتمع من كل فساد.

القاعدة السبعون

في اشتمال كثير من ألفاظ القرآن على جوامع المعاني

اعلم أن ما مضى من القواعد السابقة هي المقصود بوضع هذا الكتاب. وهو بيان الطرق والمسالك والأصول التي يرجع إليها كثير من الآيات، وأنها وإن تنوعت ألفاظها، واختلفت أساليبها وتفاصيلها. فإنها ترجع إلى أصل واحد، وقاعدة كلية.

وأما نفس ألفاظ القرآن الكريم، فإن كثيرًا منها من القواعد الجوامع، وهي من أعظم الأدلة على أنه تنزيل من حكيم حميد، وعلى صدق من أوحي إليه به وأُعطي جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصارًا. ولنضب لهذا أمثلة ونماذج:

فمنها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا(42) ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ(43) ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ(44) ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(45) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ(46) الآية ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ(47) ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(48) ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ(49) ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً(50) ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ(51) ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ(52) ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ(53). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا(54) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا(55) ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ(56) ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ(57) ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا(58) ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ(59) ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ(60) ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ(61) ﴿ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ(62) ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً(63) ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً(64) ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ(65) ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(66) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ(67) ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ(68) ﴿وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ(69) ﴿وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ(70). ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ(71) ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ(72) ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ(73) ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ(74) ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ(75) ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ(76) ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ(77) الآيات ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا(78) ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ(79) ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ(80). ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(81) ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ(82) ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(83) ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ(84) ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ(85) ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ(86) ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً(87) ﴿وَخَيْرٌ مَّرَداًّ(88) ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ(89) ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(90). ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا(91) ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا(92)

﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ(93) ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(94) ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً(95) ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(96) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ(97) ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ(98) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا(99) ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ(100).

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(101)

فهذه الآيات الكريمة وما أشبهها كل كلمة منها قاعدة، وأصل كلي، تحتوي على معان كثيرة.

وقد تقدم في أثناء القواعد منها شيء كثير؛ وهي متيسرة على حافظ القرآن، المعتني بمعرفة معانيه، ولله الحمد.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وقد يسَّر الله ما مَنَّ بجمعه، فجاء ولله الحمد على اختصاره ووجازته ووضوحه كتابًا يسُر الناظرين، ويعين على فهم كلام رب العالمين، وقد حوى من الأصول الكلية والقواعد العامة التي هي أجل القواعد وأنفعها وأصحها وأقواها شيئًا كثيرًا، وعلمًا واسعًا غزيرًا. ومخبر الكتاب يغني عن وصفه.

وأسأل الله الرحمن الرحيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، مقرِّبًا إلى جنات النعيم. وأن ينفع به مؤلفه وقارئه، بمنِّه وكرمه وجوده، وصلَّى الله على محمد وعلى آله وأصحابه الطيِّبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين آمين.

وقد تم ذلك في 6 شوال سنة 1365هـ.

والحمد لله رب العالمين.

* * *


(1) البقرة: 189.
(2) الطلاق: 1.
(3) البقرة: 185.
(4) البقرة: 226.
(5) النساء: 103.
(6) الكهف: 12.
(7) البقرة: 259.
(8) يونس: 5.
(9) البقرة: 45.
(10) فاطر: 28.
(11) النساء: 17.
(12) الكهف: 66 - 68.
(13) يونس: 39.
(14) النمل: 14.
(15) الأنعام: 33.
(16) سبأ: 37.
(17) الشعراء: 88 و89.
(18) البقرة: 111.
(19) البقرة: 112.
(20) النساء: 123.
(21) مريم: 73.
(22) الزخرف: 31.
(23) البقرة: 214.
(24) البقرة: 214.
(25) يوسف: 110.
(26) الحج: 52.
(27) الأنبياء: 87.
(28) يوسف: 24.
(29) يوسف: 33.
(30) الأعراف: 201.
(31) هود: 80.
(32) الأنعام: 108.
(33) النور: 31.
(34) الأحزاب: 32.
(35) الجمعة: 9.
(36) محمد: 19.
(37) آل عمران: 7.
(38) النور: 12.
(39) الأحزاب: 69.
(40) يونس: 32.
(41) سبأ: 6.
(42) فصلت: 46.
(43) يونس: 26.
(44) الرحمن: 60.
(45) الواقعة: 10.
(46) النحل: 90.
(47) المائدة: 2.
(48) النحل: 97.
(49) الزلزلة: 7 و8.
(50) المزمل: 20.
(51) البقرة: 197.
(52) النساء: 123.
(53) الزمر: 10.
(54) النساء: 94.
(55) الحجرات: 6.
(56) الشورى: 38.
(57) آل عمران: 159.
(58) النساء: 40.
(59) النساء: 128.
(60) يونس: 81.
(61) البقرة: 205.
(62) الانفطار: 19.
(63) الشعراء: 213.
(64) البقرة: 22.
(65) الزمر: 3.
(66) غافر: 14.
(67) التغابن: 16.
(68) هود: 3.
(69) البقرة: 237.
(70) الأعراف: 85.
(71) هود: 112.
(72) فصلت: 6.
(73) هود: 115.
(74) هود: 114.
(75) يوسف: 24.
(76) الصافات: 80.
(77) الرعد: 21.
(78) الشورى: 40.
(79) النحل: 126.
(80) البقرة: 194.
(81) الإسراء: 9.
(82) الجن: 2.
(83) الإسراء: 15.
(84) التوبة: 91.
(85) الأعراف: 157.
(86) الشورى: 40.
(87) الكهف: 46.
(88) مريم: 76.
(89) البقرة: 185.
(90) الحج: 78.
(91) البقرة: 286.
(92) الطلاق: 7.
(93) الطلاق: 7.
(94) الأحزاب: 4.
(95) الفرقان: 33.
(96) الأحزاب: 21.
(97) الحشر: 7.
(98) الأحزاب: 53.
(99) الأحزاب: 58.
(100) الأنفال: 60.
(101) البقرة: 201.