موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القاعدة الحادية والخمسون إلى القاعدة الستين - القواعد الحسان في تفسير القرآن
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / القواعد الحسان في تفسير القرآن لـ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي
  
 
القواعد الحسان في تفسير القرآن - القاعدة الحادية والخمسون إلى القاعدة الستين

القاعدة الحادية والخمسون

كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله والثناء على الداعين: يتناول دعاء المسألة، ودعاء العبادة وهذه قاعدة نافعة فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة: دعاء المسألة فقط. ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء.

وهذا خطأ جَرَّهم إلى ما هو شر منه. فإن الآيات صريحة في شموله لدعاء المسألة والعبادة. ويدل على عموم ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(1) أي أستجب طلبكم، وأتقبَّل عملكم.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(2)

فسمَّى ذلك عبادة. وذلك لأن الداعي دعاء المسألة يطلب سؤله بلسان المقال. والعابد يطلب من ربه القَبول والثواب، ومغفرة ذنوبه بلسان الحال.

فلو سألت أي عابد مؤمن: ما قَصْدك بصلاتك وصيامك وحجك وأدائك لحقوق الله وحق الخلق؟ لكان قلب المؤمن ناطقًا قبل أن يجيبك لسانه: بأن قصدي من ذلك رضى ربي، ونيل ثوابه، والسلامة من عقابه: ولهذا كانت النية شرطًا لصحة الأعمال وقبولها، وإثمارها الثمرة الطيبة في الدنيا والآخرة.

وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(3)

فوضع كلمة «الدين» موضع كلمة «العبادة» -وهو في القرآن كثير جدًا-: يدل على أن الدعاء هو لب الدين وروح العبادة. ومعنى الآية هنا: أخلصوا له إذا طلبتم حوائجكم، وأخلصوا له أعمال البر والطاعة.

وقد يُقيد أحيانًا بدعاء الطلب، كقوله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ(4)

وأما قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً(5)

فيدخل فيه دعاء الطلب، فإنه لا يزال ملحًّا بلسانه، سائلًا دفع ضرورته. ويدخل فيه دعاء العبادة، فإن قلبه في هذه الحال يكون راجيًا طامعًا، منقطعًا عن غير الله، عالمًا أنه لا يكشف ما به من السوء إلا الله. وهذا دعاء عبادة.

وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً(6) يدخل فيه الأمران. فكما أن من كمال دعاء الطلب: كثرة التضرع والإلحاح، وإظهار الفقر والمسكنة، وإخفاء ذلك وإخلاصه، فكذلك دعاء العبادة فإن العبادة لا تتم ولا تكمل إلا بالمداومة عليها ومقارنة الخشوع والخضوع لها وإخفائها، وإخلاصها لله تعالى.

وكذلك قوله عن خلاصة الرسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً(7) فإن الرغبة والرهبة وصْفٌ لهم كلما طلبوا وسألوا. وَوَصْفٌ لهم كلما تعبَّدوا وتقرَّبوا بأعمال الخير والقُرَب.

وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ(8) ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ(9) وقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً(10) يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.

فكما أن من طلب من غير الله حاجة لا يقدر عليها إلا الله فهو مشرك كافر، فكذلك من عبد مع الله غيره فهو مشرك كافر. ومثله: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ(11) كل هذا يدخل فيه الأمران.

وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا(12) يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة. أما دعاء المسألة فإنه يسأل الله تعالى في كل مطلوب باسم يناسب ذلك المطلوب، ويقتضيه. فمن سأل رحمة الله ومغفرته دعاه باسم الغفور الرحيم، ومن سأل الرزق سأله باسم الرزاق. وهكذا.

وأما دعاء العبادة: فهو التعبد لله تعالى بأسمائه الحسنى، فَيَفْهم أولًا معنى ذلك الاسم الكريم، ثم يديم استحضاره بقلبه، حتى يمتلئ قلبه منه. فالأسماء الدالَّة على العظمة والجلال والكبرياء، تملأ القلب تعظيمًا وإجلالًا لله تعالى. والأسماء الدالَّة على الرحمة والفضل والإحسان تملأ القلب طمعًا في فضل الله ورجاءً لرَوْحِهِ ورحمته. والأسماء الدالة على الوِد والحب والكمال تملأ القلب محبة ووِدًا وتألهًا وإنابة لله تعالى. والأسماء الدالَّة على سعة علمه ولطيف خبره توجب للعبد مراقبة الله تعالى والحياء منه.

وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب هي أكمل الأحوال، وأجل وصف يتصف به القلب وينصبغ به، ولا يزال العبد يمرِّن نفسه عليها حتى تنجذب نفسه وروحه بدواعيه منقادة راغبة. وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية.

فنسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته والإِنابة إليه، فإنه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.

القاعدة الثانية والخمسون

إذا وضح الحق وبان لم يبق للمعارضة العلمية ولا العملية محل.

وهذه قاعدة شرعية عقلية فطرية. قد وردت في القرآن وأرشد إليها في مواضع كثيرة.

وذلك: أنه من المعلوم أن محل المعارضات، وموضع الاستشكالات، وموضع التوقفات، ووقت المشاورات هو إذا كان الشيء فيه اشتباه أو احتمالات فترد عليه هذه الأمور؛ لأنها الطريق إلى البيان والتوضيح. فإذا كان الشيء لا يحتمل إلا معنى واحدًا واضحًا، وقد تعيَّنت المصلحة، فالمجادلة والمعارضة من باب العبث. والمعارِض هنا لا يُلتفَت إلى اعتراضاته؛ لأنه يشبه المكابر المنكر للمحسوسات؛ قال تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ(13)

يعني: وإذا تبين هذا من هذا لم يبق للإكراه محل؛ لأن الإكراه إنما يكون على أمر فيه مصلحة خفية. فأما أمر قد اتضح أن مصالح وسعادة الدارين مربوطة ومتعلِّقة به، فأي داع للإكراه فيه؟

ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(14)

أي هذا الحق الذي قامت البراهين الواضحة على حقيَّته: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. كقوله: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ(15) وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ(16) أي في الأمور التي تحتاج إلى مشاورة، ويُطلب فيها وجه المصلحة. فأما أمر تعينت مصلحته، وظهر وجوبه فقال فيه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ(17).

وقد كشف الله هذا المعنى غاية الكشف، في قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ(18) أي فكل من جادل في الحق بعدما تبين علمه، أو طريق علمه، فإنه غالط شرعًا وعقلًا. وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ(19) فلامهم على عدم التزام الأكل مما ذُكر اسم الله عليه، وذكر السبب لهذا اللوم. وهو أنه تعالى فَصَّل لعباده كلَّ ما حرم عليهم. فما لم يذكر تحريمه فإنه حلال واضح ليس للتوقف عنه محل.

ولما ذكر تعالى الآيات الدالة على وجوب الإيمان، وبَّخ ولام المتوقفين عنه بعد البيان، فقال: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ(20) ولما بين جلال القرآن وأنه أعلى الكلام، وأوضحه بيانًا وأصدقه وأنفعه ثمرة، قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(21)

ولما ذكر عظيم نعمه الظاهرة والباطنة قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى(22) ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(23) وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ(24)

وكذلك في آيات كثيرة يأمر بمجادلة المكذبين، ويجادلهم بالتي هي أحسن، حتى إذا وصل معهم إلى حالة وضوح الحق التام وإزالة الشبه كلها انتقل من مجادلتهم إلى الوعيد لهم بعقوبات الدنيا والآخرة، والآيات في هذا المعنى الجليل كثيرة جدًا.

القاعدة الثالثة والخمسون

من قواعد القرآن: أن يبين الأجر والثواب على قدر المشقة في الطاعة والعبادة، ويبين مع ذلك أن تسهيله لطريق العبادة من مننه، وإحسانه، وأنها لا تنقص من الأجر شيئًا.

وهذه القاعدة تبيِّن من لطف الله وإحسانه بالعباد، وحكمته الواسعة ما هو أثرٌ عظيم من آثار فضله ونفحة من نفحاته. المشقات بالنسبة إلى ما تفضي إليه من الكرامات ليست بشيء، بل هي خيرٌ محض، وإحسانٌ صِرف من الله على عباده، حيث قيض لهم هذه العبادات التي توصلهم إلى منازل من العز والكرامة في الدنيا والآخرة، لولاها لم يكونوا واصلين إليها. وقال تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ(25)

وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(26)

وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)

فكلَّما عظمت مشقة الصبر في فعل الطاعات، وفي ترك المحرمات لقوة الداعي إليها، وفي الصبر على المصيبات لشدة وقعها، كان الأجر أعظم والثواب أكبر.

وقال تعالى في بيان لطفه في تسهيل العبادة الشاقة: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ(28)

فذكر منَّته على المؤمنين بتيسيره وتقديره لهذه الأمور التي يَسَّر بها العبادة، مزيلة، محصِّلة لثمراتها.

وقال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ(29)

فالبشرى التي وعد الله بها أولياءه في الحياة الدنيا من أشرفها وأجلِّها: أن ييسر لهم العبادات، ويهوِّن عليهم مشقة القُرُبات، وأنه ييسرهم للخير، ويجنبهم الشر بأيسر عمل. قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(30)

أي لكل حالة فيها تيسير أموره وتسهيلها. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً(31)

ومن الحياة الطيبة التي يرزقونها: ذوق حلاوة الطاعات، واستعذاب المشقات في رضى الله تعالى.

فهذه الأحوال كلها خير للمؤمن إن سهل الله له طريق العبادة وهوَّنها حمد الله وشكره، وإن قامت العقبات صبر اقتحامها واحتسب الخير في عنائه وجهاده، ورجا عظيم الثواب.

وهذا المعنى في القرآن في آيات متعددة. والله أعلم.

القاعدة الرابعة والخمسون

كثيرا ما ينفي الله الشيء وإن كانت صورته موجودة: لعدم وجود فائدته وثمرته المقصودة منه.

وذلك أن الله خلق الإنسان وركَّب فيه القوى: من السمع والبصر، والفؤاد وغيرها؛ ليعرف بها ربه، ويقوم بحقه. فهذا المقصود منها، وباستعمالها محررة من قيود التقليد – في التأمل والتفكر في آيات الله وسننه التي لا تبديل لها يتحقق لصاحبها ما خلقت له فتنمو وتكمل ويكمل صاحبها. وبفقد ذلك يكون وجودها أضر على الإنسان من عدمها. فإنها حجة الله على عباده ونعمته التي توجد بها مصالح الدين والدنيا، فأما ان تكون نعمة تامة إذا اقترن بها مقصودها، أو تكون محنة وحجة على صاحبها إذا استعملها في غير ما خُلقت له. ولهذا كثيرًا ما ينفي الله هذه الأمور الثلاثة من أصناف الكافرين بها المكبلين بسلاسل وأغلال التقليد الأعمى للآباء والسادة والرؤساء، المنسلخين من آيات الله. وإن تسموا بأسماء إسلامية ولبسوا ثيابًا وألقابًا علمية، فهم المعنيون في كلام الله بوصف الكفار والمنافقين، كقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ(32)

﴿وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ(33)

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ(34)

وقال في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ(35)

وهذه آيات ربوبيته واضحة ناطقة فيكم، وفي تكوينكم في أصلاب آبائكم وأرحام أمهاتكم وإخراجكم منها بشرًا سويًّا، وتسخير ما في السموات وما في الأرض جميعًا لكم – ثم ساق الآيات في عاقبة غفلة الإنسان عن تلك الآيات. وبين سبب هذه الغفلة بقوله:

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا(36) أي ألقاها وخلعها كارهًا لها.

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا(37)

فما أعطيناها له إلا ليتفكر بها في خلق الله وحكمته، فيرتفع على درجات الكمال. ولكنه أخلد إلى أرض البهيمية رضىً بالتقليد الأعمى الذي هو من خصائص الأنعام؛ ثم ختمها بسوء عاقبة هذا المنسلخ المقلد بقوله:

﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ(38)

فأخبر أن صور الحواس الحيوانية موجودة ولكن فوائدها الإنسانية مفقودة ولذلك قال: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ(39)

وقال: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي العُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ(40)

والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقاًّ(41)

فأثبت لهم الكفر من كل وجه. لأن دعواهم الإيمان بما يقولون آمنا به من الكتب والرسل لم يوجب لهم الدخول في حقيقة الإيمان، لأن ثمرة إيمانهم مفقودة، حيث كذبوهم في صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ممن كفروا به. وحيث أنكروا من براهين الإيمان ما هو أعظم مما أثبتوا به رسالة من زعموا الإيمان به، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ(42)

لمّا كان الإيمان النافع هو الذي يُغرس في قلب سليم من الجهل والشكوك والشبهات والتقاليد ويُسقى بعصارة تدبر آيات الله الكونية والقرآنية فيثمر في القلب والجوارح أطيب الثمرات من العبادة والطاعة، وكان المنافقون يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، نفي عنهم الإيمان لانتفاء فائدته وثمرته.

ويشبه هذا: ترتيب الباري كثيرًا من الواجبات والفروض على الإيمان. كقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ(43) ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(44) وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ(45)

وقوله: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاًّ(46)

وذلك أن الإيمان الصادق يقتضي صدق العقيدة وأداء الفرائض والواجبات، واجتناب الشرك والمحرمات. فما لم يحصل ذلك فهو بعد لم يتم ولم يتحقق، ولهذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاًّ(47).

وكذلك لما كان العلم الشرعي يقتضي العمل به، والانقياد لكتب الله ورسله، قال تعالى عن أهل الكتاب المنحرفين: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ(48)

ونظير ذلك: قول موسى عليه السلام لما قال له بنو إسرائيل: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ(49)

فإذا كان فقد العلم جهل قبيح ففقد العمل به جهل أقبح وأشنع.

القاعدة الخامسة والخمسون

يكتب للعبد عمله الذي باشره، ويُكَمِّل له ما شرع فيه وعجز عن تكميله قهرًا عنه، ويكتب له آثاره عمله. فهذه الأمور الثلاثة وردت في القرآن.

أما الأعمال التي باشرها العبد: فأكثر من أن تحصى النصوص فيها. كقوله: ﴿بِمَا كَنتُمْ تَعْمَلُونَ(50) ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ(51) ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ(52) ونحو ذلك.

أما الأعمال التي عجز عن تكميلها: فكقوله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ(53)

فهذا خرج قاصدًا إلى الهجرة، وأدركه الأجل قبل تكميل عمله، فأتم الله له ما قصد إليه وأعطاه أجره. فكل من شرع في عمل من أعمال الخير، ثم عجز عن إتمامه بما هو فوق طاقته –وكان من نيته إكماله- فقد وقع أجره على الله. فإنما الأعمال بالنيات. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(54)

فكل من اجتهد في الخير هداه الله الطريق الموصلة إليه، سواء أكمل ذلك العمل أو حصل له عائق عنه.

وأما آثار أعمال العبد: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أي: باشروا عمله ﴿وَآثَارَهُمْ(55)

التي ترتبت على أعمالهم من خير وشر في الدنيا والآخرة. وقال في المجاهدين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ(56)

فكل هذه الأمور من آثار عملهم. ثم ذكر أعمالهم التي باشروها بقوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(57).

والأعمال التي هي من آثار عمل العبد نوعان:

أحدهما: أن تقع بغير قصد من الإنسان؛ كأن يعمل أعمالًا صالحة خيرية، فيقتدي به غيره في هذا الخير، فإن ذلك من آثار عمله. وكمن يتزوج بقصد الإعفاف فقط، فيعطيه الله أولادًا صالحين ينتفع بهم وبدعائهم.

والثاني: وهو أشرف النوعين: أن يقع ذلك بقصده، كمن علَّم غيره علمًا نافعًا، فنفس تعليمه ومباشرته له من أجلِّ الأعمال. ثم ما حصل من العلم والخير المترتب على ذلك، فإنه من آثار عمله. وكمن يفعل الخير ليقتدي به الناس، أو يتزوج للعفة ولحصول الذرية الصالحة، فيحصل مراده، فإنه من آثار عمله، وكذلك من يزرع زرعًا أو يغرس غرسًا، أو يباشر صناعة مما ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم، وقد قصد بذلك حصول النفع له ولغيره. فما ترتب من نفع على هذا العمل، فإنه من آثار عمله. وإن كان يأخذ على عمله أجرًا وعوضًا. فإن الله يُدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه، وراميه، والمُمِدّ له.

القاعدة السادسة والخمسون

يرشد القرآن المسلمين إلى إقامة جميع مصالحهم، وأنه إذا لم يمكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة، من يقدر على القيام بها، وليوفر وقته عليها؛ لتقوم مصالحهم، وتكون وجهتهم جميعًا واحدة.

وهذه من القواعد الجليلة، ومن السياسة الشرعية الحكيمة. فإن كثيرًا من المصالح العامة الكلية لا يمكن أن يشتغل الناس كلهم بها، ولا يمكن تفويتها. فالطريق إلى حصولها ما أرشد الله عباده إليه. قال تعالى في الجهاد والعلم، اللذين هما من أعظم مصالح الدين: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ(58)

فأمر أن يقوم بالجهاد طائفة كافية، وبالعلم طائفة أخرى. وأن الطائفة القائمة بالجهاد تستدرك ما فاتها من العلم إذا رجعت. وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ(59) وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى(60)  وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ(61)

وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ(62)

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا الأصل الجليل والقاعدة النافعة، وبقيام كل طائفة منهم بمصلحة من المصالح تقوم المصالح كلها؛ لأن كل فرد مأمور أن يراعي المصالح الكلية، وأن يكون سائرًا في جميع أعماله إليها. فلو وفق المسلمون لسلوك هذه الطريق لاستقامت أحوالهم، وصلحت أمورهم، وانجابت عنهم شرور كثيرة. فالله المستعان.

القاعدة السابعة والخمسون

في كيفية الاستدلال بخلق السموات والأرض وما فيها على التوحيد والمطالب العالية.

قد دعا الله عباده إلى التفكر في هذه المخلوقات في آيات كثيرة، وأثنى على المتفكرين فيها. وأخبر أن فيها آيات وعبرًا نحن محتاجون إلى فهمها ومعرفة ما فيها لمصالح ديننا ودنيانا. فينبغي لنا أن نسلك الطريق المنتج للمطلوب بأيسر وأوضح ما يكون.

وحاصل ذلك على وجه الإجمال: أننا إذا تفكرنا في هذا الكون العظيم، عرفنا أنه لم يوجد بغير موجد، ولا أوجد نفسه -هذا أمر بديهي- فتيقنَّا أن الذي أوجده هو الأول الذي ليس قبله شيء وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، الكامل القدرة العظيم السلطان، الواسع العلم، وأن إعادتنا في النشأة الثانية للجزاء أسهل عليه من نشأتنا الدنيوية بكثير: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ(63)

وعرفنا بذلك أنه الحي القيوم.

وإذا نظرنا ما فيها من الإحكام والإتقان والإبداع عرفنا بذلك كمال حكمة الله، وحسن خلقه وسعة علمه، وعرفنا من آثار حكمته فينا وفي هذا الوجود أنه ما خلقنا لهذه الحياة قصدًا وإنما خلقنا لنستعد فيها للنشأة الأخرى.

وإذا رأينا ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية والكمالية التي لا تُحصى، عرفنا بذلك أن الله واسع الرحمة، عظيم الفضل والبر والإحسان، والجود والامتنان. وإذا رأينا ما فيها من التخصيصات فإن ذلك دالٌّ على إرادة الله ونفوذ مشيئته، ونعرف بذلك كله أن مَنْ هذه أوصافه، وهذا شأنه: هو الذي لا يستحق العبادة أحد سواه. وأنه المحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه. ولا ينبغي صرف خالص الدعاء إلا له. لأن غيره من المخلوقات المربوبات مفتقرات إليه وحده في جميع شؤونها.

ثم إذا نظرنا إليها من جهة أنها كلها خُلقت لمصالحنا، وأنها مسخرة لنا، وأن عناصرها وموادها وأرواحها قد مكَّن الله الآدميين من استخراج أصناف المنافع منها: عرفنا أن هذه الاختراعات الجديدة في الأوقات الأخيرة، من جملة المنافع التي خلقها الله لبني آدم فيها .. فسلكنا بذلك كل طريق نقدر عليه في استخراج ما يُصلح أحوالنا منها، بحسب القدرة؛ ولم نخلد إلى الكسل والبطالة، أو نزعم أن علم هذه الأمور واستخراجها علوم باطلة، بحجة أن الكفار سبقونا إليها، وفاقونا فيها. فإنها كلها -كما نبَّه الله- داخلة في تسخير الله الكون لنا، وأنه يعلِّم الإنسان ما لم يعلم.

القاعدة الثامنة والخمسون

إذا أراد الله إظهار شرف أنبيائه وأصفيائه بالصفات الكاملة قرن بهم الناقصين فيها من المستعدين للكمال، وذلك في أمور كثيرة وردت في القرآن.

منها: لما أراد الله إظهار شرف آدم على الملائكة بالعلم، وعلَّمه أسماء كل شيء، ثم امتحن الملائكة، فعجزوا عن معرفتها، فحينئذ نبأهم آدم بها، فخضعوا لعلمه، وعرفوا فضله وشرفه.

ولما أراد الله إظهار شرف يوسف في سعة العلم والتعبير أرى الملك تلك الرؤيا، وعرضها على كل من له علم بها ومعرفة فعجزوا عن معرفتها. ثم بعد ذلك عبَّرها يوسف ذلك التعبير العجيب، الذي ظهر به من فضله وشرفه وتعظيم الخلق له شيء لا يمكن التعبير عنه.

ولما عارض فرعون الآيات التي أُرسل بها موسى، وزعم أنه سيأتي بسحر يغلبه .. فجمع كل سحَّار عليم من جميع أنحاء المملكة، واجتمع الناس في يوم عيدهم، وألقى السحرة عصيَّهم وحبالهم في ذلك المجمع العظيم، وأظهروا للناس من عجائب السحر: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوَهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ(64)

فحينئذ ألقى موسى عصاه، فإذا هي تلقف وتبتلع بمرأى الناس جميع حبالهم وعصيهم فظهرت هذه الآية الكبرى. وكان السحرة أهل الصنعة أول من خضع لها ظاهرًا وباطنًا.

ولما نكص أهل الأرض عن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتمالأ عليه أعداؤه، ومكروا مكرتهم الكبرى للإيقاع به، نصره الله ذلك النصر العجيب. فإن نصر المنفرد الذي أحاط به عدوَّه الشديدُ حَرَدُه، القويّ مكره، الذي جمع كل كيده ليوقع به أشد الأخذات وأعظم النكبات، وتخلصه وانفراج الأمر له: من أعظم أنواع النصر. كما ذكر الله هذه الحال التي عاتب بها أهل الأرض. فقال: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(65)

وقريب من هذا: نصره له يوم حنين، حيث أعجب المسلمين كثرتهم، فلم تغن عنهم شيئًا. وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولَّوا مدبرين. وثبَّت الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فأنزل عليه سكينته ونصره في هذه الحالة الحرجة، فكان لهذا النصر من الموقع الكبير ما لا يعبَّر عنه. وكذلك ما ذكره الله من الشدائد التي جرت على أنبيائه وأصفيائه، وأنه إذا اشتد البأس، وكاد أن يستولي على النفوس اليأس، أنزل الله فَرَجَه ونصره ليكون لذلك موقع في القلوب وليعرف العباد ألطاف علام الغيوب.

ويقارب هذا: إنزاله الغيث على العباد، بعد أن كانوا من قبل أن ينزل عليهم مبلسين، فيحصل من آثار نعمة الله، والاستبشار بفضله، ما يملأ القلوب حمدًا وشكرًا، وثناء على الباري تعالى. وكذلك يذكرهم نعمه بلفت أنظارهم إلى تأمل ضدها، كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ(66)

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (72) وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(67).

ونَلْمَح مثل هذا المعنى في قصة يعقوب وبنيه، حين اشتدت بهم الأزمة ودخلوا على يوسف وقالوا: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ(68) ثم بعد قليل قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ(69) في تلك النعمة الواسعة والعيش الرغيد والعز المكين، والجاه العريض فتبارك من لا يدرك العباد من ألطافه ودقيق بره أقل القليل.

ويناسب هذا من ألطاف الباري: أن الله يُذكِّر عباده أثناء المصائب ما يقابلها من النعم، لئلا تسترسل النفوس في الجزع؛ فإنها إذا قابلت بين المصائب والنعم خفَّت عليها المصائب، وهان عليها حملها، كما ذكَّر الله المؤمنين حين أُصيبوا بأُحُدٍ: ما أصابوا من المشركين ببدر. فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ(70) وكذلك يبشر الله عبده بالمخرج من المصائب قبل أن تقلع عنه، ليكون هذا الرجاء مُخَفِّفًا لما نزل من البلاء. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ(71)

وكذلك رؤيا يوسف كان يعقوب إذا ذكرها هبَّ على قلبه نسيم الرجاء ولهذا قال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ(72) وكذلك قوله لأم موسى في سورة القصص: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ(73).

وأعم من ذلك كله: وَعْدَ الله لرسله بتمام الأمر وبالنصر وحسن العاقبة كان يهوَّن عليهم به المشقات، ويسهل عليهم الكريهات، فيتلقوها بقلوب مطمئنة وصدور منشرحة. وألطاف الباري فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، ولكن أكثر الناس لا يفقهون.

القاعدة التاسعة والخمسون

﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(74).

ما أعظم هذه القاعدة، وما أحكم هذا الأصل العظيم الذي نصَّ نصًّا صريحًا على عموم ذلك، وعدم تقيد هذا الهدي بحالة من الأحوال. فكل حالة هي أقوم: في العقائد، والأخلاق، والأعمال، والسياسات الكبار، والصغار، والصناعات، والأعمال الدينية، والدنيوية .. فإن القرآن يهدي لها ويرشد إليها، ويأمر بها، ويحث عليها.

ومعنى «أقوم» أي أكمل وأنفس وأصلح وأكمل استقامة، وأعظم قيامًا وصلاحًا للأمور.

فأما عقائد القرآن: فإنها هي العقائد النافعة التي فيها صلاح القلوب، وحياتها، وكمالها. فإنها تملأ القلوب عزة وكرامة بشعورها بالتجرد من الذل لمخلوق مثلها، وشرَّفها بتخصيصها لمحبة الله تعظيمًا له وتألهًا وتعبدًا وإنابة. وهذا المعنى هو الذي أوجد الله الخلق لأجله.

وأما أخلاقه التي يدعو إليها، فإنه يدعو إلى التحلِّي بكل خلق جميل: من الصبر، والحلم، والعفو، والأدب، وحسن الخلق مع الله، ومع الخلق، وجميع مكارم الأخلاق. ويحث عليها بكل طريق يؤلف القلوب، ويجمع المتفرق.

وأما الأعمال الدينية التي يهدي إليها، فهي أحسن الأعمال التي فيها القيام بحقوق الله، وحقوق عباده على أكمل الحالات وأجلها وأسهلها، وأوصلها إلى المقاصد.

وأما السياسات الدينية والدنيوية. فهو يرشد إلى سلوك الطرق النافعة في تحصيل المقاصد، والمصالح الكلية، وفي دفع المفاسد. ويأمر بالتشاور على ما لم تتضح مصلحته والعمل بما تقضيه المصلحة في كل وقت، بما يناسب ذلك الوقت والحال، حتى في سياسة الوالد مع أولاده وزوجه وأهله، وخادمه، وأصحابه، ومعامليه؛ فكل مصلحة يتفق العقلاء أنها أقوم وأصلح من غيرها، فإن القرآن يرشد إليها نصًّا أو ظاهرًا، أو دخولاً تحت قاعدة من قواعده الكلية.

وتفصيل هذا الأصل لا يمكن استيفاؤه في هذه القواعد الإجمالية، فكل التفاصيل الواردة في الكتاب والسنَّة، وما تقتضيه المصالح تفصيل لهذا الأصل المحيط.

وبهذا وغيره يتبين لك أنه لا يمكن أن يرد علم صحيح أو معنى نافع، أو طريق صلاح يحرِّمه القرآن، والله ولي الإحسان.

القاعدة الستون

من قواعد التعليم الذي أرشد الله إليها في كتابه، أن القصص المبسوطة يجملها في كلمات يسيرة ثم يبسطها وأن الأمور المهمة يتنقل في تقريرها نفيًا وإثباتًا من درجة إلى أعلى أو أنزل منها.

وهذه قاعدة نافعة. فإن هذا الأسلوب العجيب يصير له موقع كبير، وتتقرر فيه المطالب المهمة. وذلك أن القصة إذا أُجملت بكلام يكون لها كالأصل والقاعدة، ثم يقع التفصيل لذلك الإجمال: يحصل به الإيضاح والبيان التام الكامل، الذي لا يقع ما يقاربه لو فصِّلت القصة الطويلة من دون تقدم صورة إجمالية لها. فإن الصورة تشوق إلى التفصيل.

وقد ورد هذا في القرآن في مواضع:

منها: في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ(75) ثم أخذ في تفصيلها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ(76) ثم ساق القصة بتمامها.

وكذلك قصة أهل الكهف، قال في تصويرها الجملي: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً (9) إِذْ أَوَى الفِتْيَةُ إِلَى الكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً(77)

فهذه الكلمات القليلة قد حوت مقصودها وزُبدتها. ثم بسطها بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ(78) الآيات إلى آخر القصة.

وكذلك في قصة موسى، قال: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْذَرُونَ(79)

ثم أتى بعد ذلك بالتفصيل.

وقال في قصة آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً(80) فأجملها، ثم أتى بعد ذلك بالقصة.

وأما التنقل في تقرير الأشياء من أمر إلى ما هو أولى منه فكثير:

منه: قوله تعالى في الإنكار على من جعل مع الله إلهًا آخر، وإبطال زعمه الكاذب الذي هو أساس الوثنية: أن هؤلاء الأولياء والآلهة أبناء الله؛ لأنهم النور الذي انبثق منه ثم تجسَّدوا بشرًا ثم عادوا إلى النورانية – فيقول: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ(81)

فأبان أن قولهم هذا بلا علم. ومن المعلوم: أنه كل قول بلا علم من الطرق الباطلة. ثم صرح بقبحه في قوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ(82) ثم ذكر له مرتبة من البطلان أسفل: ﴿إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً(83).

وقال في حق المنكرين للبعث: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ(84) أي علْمُهم فيها علمٌ ضعيف سافل إلى أحط الدركات، لا يُعتمد عليه إلا سفيه. ثم انتقل إلى ما هو أبلغ منه فقال: ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ(85) والعمى آخر مراتب الحيرة والضلال.

وقال عن نوح في تقرير رسالته وإبطال قول من كذبه، وزعم أنه في ضلال مبين: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ(86)

ثم لما نفى الضلالة من كل وجه أثبت الهدى الكامل له، فقال: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ(87)

ثم انتقل إلى ما هو أعلى منه، وأن مادة هذا الهدى الذي جئتُ به من الوحي الذي هو أصل الهدى ومنبعه فقال: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(88) وكذلك هود عليه الصلاة والسلام.

وقال في تقرير رسالة أفضل الرسل وخاتمهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(89) فنفى عنه ما ينافي الهدى من كل وجه ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى(90).

وكانتقاله من ذكر هبة الولد لزكريا على كبره وعقم زوجته، إلى ذكر مريم وعيسى، وكذلك أمر بالتوجه إلى الكعبة بعد أن قرر في الآيات السابقة حرمتها وعظمتها. وهذا في القرآن كثير.


(1) غافر: 60.
(2) غافر: 60.
(3) غافر: 14.
(4) القمر: 10.
(5) يونس: 12.
(6) الأعراف: 55.
(7) الأنبياء: 90.
(8) الشعراء: 213.
(9) المؤمنون: 117.
(10) الجن: 18.
(11) يونس: 106.
(12) الأعراف: 180.
(13) البقرة: 256.
(14) الكهف: 29.
(15) الأنفال: 42.
(16) آل عمران: 159.
(17) آل عمران: 159.
(18) الأنفال: 6.
(19) الأنعام: 119.
(20) الانشقاق: 20 و21.
(21) الجاثية: 6.
(22) النجم: 55.
(23) الرحمن: 16.
(24) يونس: 32.
(25) النساء: 104.
(26) البقرة: 155 و156.
(27) الزمر: 10.
(28) الأنفال: 11 و12.
(29) يونس: 62 - 64.
(30) الليل: 5 - 7.
(31) النحل: 97.
(32) البقرة: 170 - 171.
(33) المائدة: 103.
(34) الأنعام: 37.
(35) الأعراف: 172.
(36) الأعراف: 175.
(37) الأعراف: 176.
(38) الأعراف: 179.
(39) الحج: 46.
(40) النمل: 80 و81.
(41) النساء: 150 و151.
(42) البقرة: 8.
(43) آل عمران: 122.
(44) المائدة: 23.
(45) الأنفال: 41.
(46) الأنفال: 2 - 4.
(47) الأنفال: 4.
(48) البقرة: 101.
(49) البقرة: 67.
(50) المائدة: 105.
(51) البقرة: 286.
(52) يونس: 41.
(53) النساء: 100.
(54) العنكبوت: 69.
(55) يس: 12.
(56) التوبة: 120.
(57) التوبة: 121.
(58) التوبة: 122.
(59) آل عمران: 104.
(60) المائدة: 2.
(61) التغابن: 16.
(62) الشورى: 38.
(63) غافر: 57.
(64) الأعراف: 116.
(65) التوبة: 40.
(66) الأنعام: 46.
(67) القصص: 71 - 73.
(68) يوسف: 88.
(69) يوسف: 99.
(70) آل عمران: 165.
(71) يوسف: 15.
(72) يوسف: 87.
(73) القصص: 7.
(74) الإسراء: 9.
(75) يوسف: 3.
(76) يوسف: 7.
(77) الكهف: 9 - 12.
(78) الكهف: 13.
(79) القصص: 3 - 6.
(80) طه: 115.
(81) الكهف: 5.
(82) الكهف: 5.
(83) الكهف: 5.
(84) النمل: 66.
(85) النمل: 66.
(86) الأعراف: 61.
(87) الأعراف: 61.
(88) الأعراف: 62.
(89) النجم: 1 و2.
(90) النجم: 4.