موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القاعدة الحادية والأربعون إلى القاعدة الخمسين - القواعد الحسان في تفسير القرآن
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / القواعد الحسان في تفسير القرآن لـ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي
  
 
القواعد الحسان في تفسير القرآن - القاعدة الحادية والأربعون إلى القاعدة الخمسين

القاعدة الحادية والأربعون

يرشد الله عباده في كتابه من جهة العمل إلى قصر نظرهم على الحالة الحاضرة التي هم فيها، ومن جهة الترغيب في الأمر والترهيب من ضده إلى ما يترتب عليه من المصالح، ومن جهة النعم وتقديرها بالنظر إلى ضدها.

وهذه القاعدة الجليلة دعا إليها القرآن في آيات عديدة. وهي من أعظم ما يدل على حكمة الله، ومن أعظم ما يرقي العاملين إلى كل خير ديني ودنيوي. فإن العامل إذا اشتغل بعمله -الذي هو وظيفة وقته- قصر فكره وظاهره وباطنه عليه فينجح ويتم له الأمر بحسب حاله. وإنْ تشوقت نفسه إلى أعمال أخرى لم يحن وقتها بعد، شغل بها ثم استبعد حصولها، ففترت عزيمته، وانحلَّت همَّته، وصار نظره إلى الأعمال الأخرى كليلاً يُنقص من إتقان عمله الحاضر وجمع الهمَّة عليه. ثم إذا جاءت وظيفة العمل الآخر جاءه وقد ضعفت همَّته وقلَّ نشاطه. وربما كان الثاني متوقفًا على الأول في حصوله أو تكميله، فيفوت الأول والثاني، بخلاف من جمع قلبه وقالبه، على كل عمل في وقته. فإنه إذا جاء العمل الثاني يأتيه مستعدًّ له بقوة ونشاط جديدين حصلهما من نشاطه وقوته في الأول، فيتلقاه بشوق وعزيمة فيفلح فيه وينجح. وهكذا هو أبدًا متجدد القوى.

ومن هذا قوله تعالى مصرِّحًا بهذا المعنى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً(1). فانظر كيف حالهم الأولى وأمنيتهم وهم مأمورون بكف الأيدي. فلما لم يقبلوا موعظة الله، ضعفوا فلما جاءهم العمل الثاني ضعفوا عنه كل الضعف.

ونظير هذا ما عاتب الله به أهل أُحُدٍ في قوله في سورة آل عمران: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ(2) وقد كشف هذا كل الكشف قولُه تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً(3) ؛ لأن فيه تكميلًا للعمل الأول، وتثبيتًا من الله، وتمرُّنًا على العمل الثاني.

ونظيره قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ(4).

فالله أرشد العباد أن يكونوا أبناء وقتهم، وأن يقوموا بالعمل الحاضر ووظيفته. ثم إذا جاء العمل الآخر صار وظيفة ذلك الوقت، فاجتمعت الهمَّة والعزيمة الصادقة عليه، وصار القيام بالعمل الأول مُعينًا على الثاني. وهذا المعنى في القرآن كثير.

وأما الأمور المتأخرة، فإن الله يرشد العاملين إلى ملاحظتها لتقوى هممهم على العمل المثمر للمصالح والخيرات، وهذا كالترغيب المتنوع من الله على أعمال الخير، والترهيب من أفعال الشر، بذكر عقوباتها، وثمراتها الذميمة.

فاعرف الفرق بين النظر إلى العمل الآخر الذي لم يجئ وقته، وبين النظر إلى ثواب العمل الحاضر الذي كلما فترت همَّة صاحبه زاد وهنًا وضعفًا، وكلما اتسع أمله فيما يترتب عليه من الخيرات تجدد نشاطه، وقوي وهانت عليه مشقته. كما قال تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ(5).

وأما إرشاده من جهة النعم التي على العبد من الله بالنظر إلى ضدها ليعرف قدرها، ويزداد شكره لله عليها، ففي القرآن منه كثير، يذكِّر عباده نعمته عليهم بالدين والإسلام وما ترتب على ذلك من النعم. كقوله في سورة آل عمران: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ(6) ، وقوله في سورة آل عمران: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(7)

أي تهتدون إلى الزيادة من هذه الأسباب والنعم. وقوله في سورة الأنفال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(8) وقوله في سورة القصص: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ(9) حيث يذكرهم أن ينظروا ضد ما هم فيه من النعم والخير، ليعرفوا قدر ما هم فيه منها.

وهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم. ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم»، وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(10) وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى(11) إلى آخرها.

القاعدة الثانية والأربعون

قد ميز الله في كتابه بين حقه الخاص، وحق رسوله الخاص، والحق المشترك، وأعلم بذلك أن الحقوق ثلاثة: حق لله وحده، لا يكون لغيره، وهو عبادته وحده لا شريك له بجميع أنواع العبادات، وحق خاص لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو التعزير والتوقير والقيام بحقه اللائق واتباعه والاقتداء به. وحق مشترك وهو الإيمان بالله ورسوله وطاعة الله ورسوله ومحبة الله ورسوله.

وقد ذكر الله الحقوق الثلاثة في آيات كثيرة من القرآن.

فأما حقه الخاص: فكل آية فيها الأمر بعبادته وإخلاص العمل له، والترهيب في ضد ذلك. وهذا شيء لا يحصى. وقد جمع الله ذلك في قوله في سورة الفتح: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ(12) فهذا مشترك ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ(13) فهذا خاص بالرسول ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً(14) فهذا حق لله وحده.

وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ(15) في آيات كثيرة وكذلك: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ(16) وكذلك قوله في سورة التوبة: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ(17) وقوله تعالى: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ(18) فهذا مشترك ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ(19) هذا مختص بالله تعالى.

ولكن ينبغي أن يعرف العبد أن الحق المشترك ليس معناه أن ما لله منه يثبت لرسوله مثله ونظيره في كل خصائصه، بل المحبة والإيمان والطاعة لله، لا بد أن يصحبها التعبد والتعظيم لله والخضوع رغبة ورهبة.

وأما المتعلِّق بالرسول من ذلك: فإنه حب في الله، وطاعة لله فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، بل حق الرسول على أمته من حق الله تعالى عليهم. فيقوم المؤمن بحق رسوله وطاعته امتثالًا لأمر الله، وعبودية له.

وإنما قيل له حق الرسول: لتعلُّقه بالرسول، وإلا فجميع ما أمر الله به وحثَّ عليه من القيام بحقوق رسوله، وحقوق الوالدين والأولاد والأزواج والأقارب والجيران والعلماء والولاة والأمراء والكبير على الصغير والصغير على الكبير وغيرهم، كله حق لله تعالى. فيقوم به العبد امتثالًا لأمر الله وتعبدًا له، وقيامًا بحق ذي الحق، وإحسانًا إليه. إلا الرسول فإن الإِحسان منه كله إلى أمته. فما وصل إليهم خير إلا على يديه صلى الله عليه وسلم تسليمًا.

القاعدة الثالثة والأربعون

يأمر الله بالتثبت وعدم العجلة في الأمور التي يُخشى من سوء عواقبها، ويأمر ويحث على المبادرة على أمور الخير التي يُخشى فواتها.

وهذه القاعدة في القرآن كثير.

قال تعالى في القسم الأول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا(20) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ(21) وفي قراءة ﴿فتثبتوا﴾ فيهما. وقد عاتب الله المتسرِّعين إلى إذاعة الأخبار التي يُخشى من إذاعتها، وأن ذلك من اتباع خطوات الشيطان. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ(22).

وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ(23).

ومن هذا الباب: الأمر بالمشاورة في الأمور، وأخذ الحذر، وأن لا يقول الإنسان ما ليس له به علم. وفي هذا آيات كثيرة.

وأما القسم الثاني: فقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ(24) الآيات؛ وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ(25) وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ(26) وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(27) أي السابقون في الدنيا إلى الخيرات: هم السابقون في الآخرة إلى الجنات والكرامات. والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وهذا الكمال الذي أرشد الله عباده إليه: هو أن يكونوا حازمين لا يفوتون فرص الخيرات. وأن يكونوا متثبِّتين خشية الوقوع في المكروهات والمضرَّات.

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ(28).

القاعدة الرابعة والأربعون

عند ميل النفوس أو خوف ميلها إلى ما لا ينبغي: يذكِّرها الله ما يفوتها من الخير، وما يحصل لها من الضرر بهذا الميل.

وهذا في القرآن كثير. وهو من أنفع الأشياء في حصول الاستقامة؛ لأن الأمر والنهي المجرد لا يكفي أكثر الخلق في كفِّهم عما لا ينبغي، حتى يُقرن بذلك ما يفوت من المحبوبات التي تزيد ثمراتها الطيبة أضعافًا مضاعفة على الذي يكرهه الله، وتميل إليه النفس، وما يحصل من المكروه المرتب عليه كذلك. قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ(29) فهنا لما ذكر فتنة الأموال والأولاد التي مالت بأكثر الخلق عن طريق الاستقامة، قال مذكِّرًا لهم ما يفوتهم إن افتتنوا بها، وما يحصل لهم إن سلموا من فتنتها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (30).

وقال تعالى: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً(31)

وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ(32)

وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(33)

والآيات في هذا المعنى الجليل كثيرة جدًا، فإذا بان للناظر أصلها وقاعدتها سهل عليه تنزيل كل ما يرد منها على الأصل المقرر. والله أعلم.

القاعة الخامسة والأربعون

حثُّ الباري سبحانه في كتابه على الصلاح والإصلاح

وهذه القاعدة من أهمِّ القواعد. فإن القرآن كله لهذا المقصد نزل.

والصلاح: أن تكون الأمور كلها مستقيمة معتدلة آخذة سبيلها الذي سنَّه الله، مقصودًا بها غاياتها الحميدة التي قصد الله إليها. فأمر الله بالأعمال الصالحة، وأثنى على الصالحين؛ لأن أعمال الخير تُصلح القلوب والإيمان، وتصلح الدين والدنيا والآخرة. وضدها فساد هذه الأشياء. وكذلك في آيات متعددة فيها الثناء على المصلحينَ لما أفسد الناس، والمصلحين بين الناس، وأخبر على وجه العموم أن الصلح خير.

فإصلاح الأمور الفاسدة: هو السعي في إزالة ما تحتوي عليه وتنتجه من الشرور والضرر العام والخاص.

ومن أهم أنواع الإصلاح: السعي في إصلاح أحوال المسلمين في إصلاح دينهم ودنياهم. كما قال شعيب صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ(34) فكل ساع في مصلحةٍ دينية أو دنيوية، فإنه مصلح. والله يهديه ويرشده ويسدِّده. وكل ساع بضد ذلك فهو مفسد. والله لا يصلح عمل المفسدين.

ومن أهم ما حث الله عليه: السعي في الصلح بين المتنازعين، كما أمر الله بذلك في الدماء والأموال، والحقوق المتنازع عليها بين الزوجين. والواجب أن يصلح بالعدل ويسلك كل طريق توصل إلى الملاءمة بين المتنازعين. فإن آثار الصلح بركة وخير وصلاح، حتى إن الله أمر المسلمين إذا جنح الكفار الحربيون إلى المسالمة والمصالحة: أن يوافقوهم على ذلك متوكِّلين على الله. وأمثلة هذه القاعدة لا تنحصر.

وحقيقتها: السعي في الكمال الممكن حسب القدرة بتحصيل المصالح أو تكميلها، أو إزالة المفاسد والمضار أو تقليلها: الكلية منها والجزئية، المتعدية والقاصرة. والله أعلم.

القاعدة السادسة والأربعون

ما أمر الله به في كتابه: إما أن يوجه إلى من لم يدخل فيه؛ فهذا أمر له بالدخول فيه. وإما أن يوجه لمن دخل فيه؛ فهذا أمره به ليصحح ما وجد عنده منه، ويسعى في تكميل ما لم يوجد فيه.

وهذه القاعدة مطردة في جميع الأوامر القرآنية: أصولها وفروعها.

فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا(35) من القسم الأول. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا(36) من الثاني والثالث. فإنه أمرهم بما يصحِّح ويكمل إيمانهم من الأعمال الظاهرة والباطنة، وكمال الإخلاص فيها؛ ونهاهم عما يفسدها وينقصها. وكذلك أمره للمؤمنين أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا رمضان أمر بتكميل ذلك، والقيام بكل شرط ومكمل لذلك العمل. ونهى عن كل مفسد وناقص لذلك العمل.

وكذلك أمره لهم بالتوكل والإنابة ونحوها من أعمال القلوب هو أمر بتحقيق ذلك، وإيجاد ما لم يوجد منه.

وبهذه القاعدة نفهم جواب الإيراد الذي يورد على طلب المؤمنين من ربهم الهداية إلى الصراط المستقيم، مع أن الله قد هداهم للإسلام. جوابه: ما تضمَّنته هذه القاعدة.

ولا يقال: هذا تحصيل للحاصل. فافهم هذا الأصل الجليل النافع، الذي يفتح لك أبواب العلم كنوزًا، وهو في غاية اليسر والوضوح لمن تفطن.

القاعدة السابعة والأربعون

إذا كان سياق الآيات في أمور خاصة وأراد الله أن يحكم عليها وذلك الحكم لا يختص بها، بل يشملها ويشمل غيرها: جاء الله بالحكم العام.

وهذه القاعدة من أسرار القرآن وبدائعه، وأكبر دليل على إحكامه وانتظامه العجيب. وأمثلة هذه القاعدة كثيرة.

منها: لما ذكر الله المنافقين وذمهم، استثنى منهم التائبين فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ(37)

فلما أراد أن يحكم لهم بالأجر لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرًا عظيمًا، بل قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً(38)

ليحضهم على المسارعة إلى التوبة وإخلاص الإيمان ليشملهم وغيرهم من كل مؤمن، ولئلا يُظن اختصاص الحكم بهم.

ولما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقاًّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً(39) ولم يقل: «وأعتدنا لهم» للحكمة التي ذكرناها. ومثله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا(40) -أي هذه الحالة التي وقع السياق لأجلها- ﴿وَمِن كُلِّ كَرْبٍ(41).

القاعدة الثامنة والأربعون

متى علق الله علمه بالأمور بعد وجودها، كان المراد بذلك: العلم الذي يترتب عليه الجزاء. وذلك: أنه قد تقرَّر في الكتاب والسنَّة والإجماع أن الله بكل شيء عليم. وأن علمه محيط بالعالم العلوي والسفلي، والظواهر والبواطن، والجليَّات والخفيَّات، والماضي والمستقبل؛ وقد علم ما العباد عاملون قبل أن يعملوا. وقد ورد عدة آيات يخبر بها أنه شرع وقدر كذا: ليعلم كذا.

فوجه هذا: أن هذا العلم الذي يترتب عليه الجزاء.

وأما علمه بأعمال العباد، وما هم عاملون قبل أن يعملوا: فذلك علم لا يترتب عليه الجزاء؛ لأنه إنما يُجازي على ما وُجد من الأعمال.

وعلى هذا الأصل نَزِّل ما يَرِدُ عليك من الآيات كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ(42)

وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ(43)

وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ(44)

وقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ المُنَافِقِينَ(45)

وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً(46)

وما أشبه هذه الآيات كلها على هذا الأصل.

القاعدة التاسعة والأربعون

إذا منع الله عباده المؤمنين شيئًا تتعلق به إرادتهم، فتح لهم بابًا أنفع لهم منه، وأسهل وأولى.

وهذا من لطفه. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ(47)

فنهاهم عن تمني ما ليس بنافع، وفتح لهم أبواب الفضل والإحسان، وأمرهم أن يسألوه بلسان المقال، وبلسان الحال.

ولما سأل موسى عليه السلام ربه الرؤية حين سمع كلامه، ومنعه منها، سلاَّه بما أعطاه من الخير العظيم. فقال: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ(48)

وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا(49)

وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ(50)

وفي هذا المعنى آيات كثيرة.

القاعدة الخمسون

آيات الرسول هي التي يبديها الباري ويبتديها.

وأما ما أبداه المكذبون له واقترحوه، فليست آيات. وإنما هي تعنتات وتعجيزات.

وبهذا يُعرف الفرق بينها وبين الآيات. وهي البراهين والأدلة على صدق الرسول وغيره من الرسل. وعلى صدق كل ما أخبر الله به، وأنها الأدلة والبراهين التي يلزم من فهمها على وجهها صدق ما دلت عليه ويقينه.

وبهذا المعنى الحديث «ما أرسل الله من رسول إلا أعطاه من الآيات ما على مثله آمن البشر». وأما ما آتى الله محمدًا صلى الله عليه وسلم من الآيات فهي لا تُحدُّ ولا تُعد من كثرتها، وقوتها ووضوحها، ولله الحمد. فلم يبق لأحد من الناس بعدها عذر.

فعلم بذلك أن اقتراح المكذبين لآيات يعيِّنونها ليست من هذا القبيل. وإنما مقصودهم بهذا أنهم وطَّنوا أنفسهم على دينهم الباطل وعدم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. فلما دعاهم إلى الإيمان وأراهم شواهد الآيات أرادوا أن يبرِّروا ما هم عليه عند الأغمار والسفهاء، بقولهم: ائتنا بالآية الفلانية، والآية الفلانية، إن كنت صادقًا. فهذه طريقة لا يرتضيها أدنى منصف. ولهذا يخبر تعالى أنه لو أجابهم إلى ما طلبوا لم يؤمنوا؛ لأنهم وطنوا أنفسهم على الرضا بدينهم بعد ما عرفوا الحق ورفضوه.

وأيضًا فهذا من جهلهم في الحال والمآل.

أما الحال: فإن هذه الآيات التي يقترحونها جرت العادة أن المقترحين لها لم يكن قصدهم الحق. فإذا جاءت ولم يؤمنوا عُوجلوا بالعقوبة الحاضرة.

وأما المآل: فإنهم أظهروا أنهم جزموا جزمًا لا تردد فيه أنها إذا جاءت آمنوا وصدقوا. وهذا قلب للحقائق، وإخبار بغير الذي في قلوبهم. فلو جاءتهم كل آية اقترحوها لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله تعالى.

وهذا النوع ذكره الله في كتابه عن المكذبين في آيات كثيرة جدًا. كقولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً(51)

وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ(52)

وأيضًا فإن اقتراحهم هذا ينادي صريحًا بأنهم ينسبون إلى الله العجز والعبث، إذ أنه أرسل رسولاً لم يؤيده بالآيات الكافية في الدلالة على صدقه، ولم يعطه من البراهين والحجج ما يبطل دعاوي خصمه. وهذا ينافي الحكمة، ولا يتفق مع الغرض الذي من أجله أرسل الله رسوله. وهذا أعظم كفر، وإجرام أشد من شركهم وفسوقهم. وما كان يتولى كبره منهم إلا السادة والرؤساء الذين تبين لهم صدق الرسول بدون أي خفاء. ولكنهم يحاولون بذلك صرف العامة والدهماء عن الاستماع إليه والإصغاء إلى قوله. ولذلك يدمغهم الله بميسم الخزي عقب كل تحد واقتراح لآية، بعد أن ينزه نفسه سبحانه عما ينتقصونه به.

ففي سورة الإسراء يقول عقب سرد ما اقترحوا من آيات: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي(53)

ثم يقول: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُماًّ(54)

ويقول في سورة العنكبوت: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ(55).

وأيضًا إذا تدبَّرت الاقتراحات التي عيَّنوها لم تجدها في الحقيقة من جنس البراهين، وإنما هي -لو فُرض الإتيان بها- شبيهة بآيات الاضطرار التي لا ينفع الإيمان معها، ويصير شهادة. وإنما الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب. فكما أن الله المنفرد بالحكم بين العباد في أديانهم، وحقوقهم، وأنه لا حكم إلا حكمه، وأنه من قال ينبغي أو يجب أن يكون الحكم كذا وكذا فهو متجرئ على الله، متوثب على حرمات الله، وأحكامه: فكذلك براهين أحكامه لا يتولاَّها إلا هو. فمن اقترح شيئًا من عنده فقد ادّعى مشاركة الرب في حكمه، ومنازعته في الطرق التي يهدي ويرشد بها عباده: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ(56).


(1) النساء: 77.
(2) آل عمران: 143.
(3) النساء: 66.
(4) التوبة: 75 - 77.
(5) النساء: 104.
(6) آل عمران: 164.
(7) آل عمران: 103.
(8) الأنفال: 26.
(9) القصص: 71 وما بعدها.
(10) الأعراف: 69.
(11) الضحى: 6 - 8.
(12) الفتح: 9.
(13) الفتح: 9.
(14) الفتح: 9.
(15) النساء: 59.
(16) النساء: 136.
(17) التوبة: 62.
(18) التوبة: 59.
(19) التوبة: 59.
(20) النساء: 94.
(21) الحجرات: 6.
(22) النساء: 83.
(23) يونس: 39.
(24) آل عمران: 133.
(25) البقرة: 148.
(26) المؤمنون: 61.
(27) الواقعة: 10.
(28) المائدة: 50.
(29) الأنفال: 28.
(30) الأنفال: 28.
(31) النساء: 109.
(32) الشورى: 20.
(33) الشعراء: 205 - 207.
(34) هود: 88.
(35) النساء: 47.
(36) النساء: 136.
(37) النساء: 146.
(38) النساء: 146.
(39) النساء: 150 و151.
(40) الأنعام: 64.
(41) الأنعام: 64.
(42) المائدة: 94.
(43) البقرة: 143.
(44) الحديد: 25.
(45) العنكبوت: 11.
(46) الكهف: 12.
(47) النساء: 32.
(48) الأعراف: 144.
(49) البقرة: 106.
(50) النساء: 130.
(51) الإسراء: 90.
(52) الأنعام: 111.
(53) الإسراء: 93.
(54) الإسراء: 97.
(55) العنكبوت: 47 - 52.
(56) الأنعام: 93.