موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القاعدة الحادية والثلاثون إلى القاعدة الأربعين - القواعد الحسان في تفسير القرآن
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / القواعد الحسان في تفسير القرآن لـ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي
  
 
القواعد الحسان في تفسير القرآن - القاعدة الحادية والثلاثون إلى القاعدة الأربعين

القاعدة الحادية والثلاثون

ربوبية الله في القرآن على نوعين: عامة، وخاصة

كثر في القرآن ذكر ربوبية الرب لعباده، ومتعلقاتها، ولوازمها. وهي على نوعين:

ربوبية عامة، تدخل فيها جميع المخلوقات: بَرُّها وفاجرها، بل مكلَّفوها وغير المكلَّفين، حتى الجمادات. وهي أنه تعالى المنفرد بخلقها ورزقها وتدبيرها، وإعطائها ما تحتاج إليه في بقائها، وحصول منافعها ومقاصدها والمقاصد منها. فهذه التربية لا يخرج عنها أحد.

والنوع الثاني: في تربيته لأصفيائه وأوليائه. فيريهم بالوحي ينزل لهم بغيث العلم ويهديهم إلى الإيمان، ويوفقهم لتكميله، ويكملهم بالأخلاق الجميلة، ويدفع عنهم الأخلاق الرذيلة، وييسِّرهم لليسرى ويجنِّبهم العسرى. وحقيقتها: التوفيق لكل خير، والحفظ من كل شر، وإنالة المحبوبات العاجلة والآجلة، وصرف المكروهات العاجلة والآجلة.

فحيث أُطلقت ربوبيته تعالى، فإن المراد بها المعنى الأول؛ مثل قوله: ﴿رَبِّ العَالَمِينَ(1) ، وقوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ(2) ونحو ذلك.

وحيث قُيِّدت بما يحبُّه ويرضاه، أو وقع السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم، فإن المراد بها النوع الثاني. وهو متضمن للمعنى الأول، وزيادة؛ ولهذا تجد أدعية الأنبياء وأتباعهم في القرآن باسم الرب غالبًا فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.

فملاحظة هذا المعنى نافعة أعظم النفع للعبد.

ونظير هذا المعنى الجليل: أن الله أخبر في عدة آيات أن الخلق كلهم عباده وعبيده: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (3) فكلهم مماليكه. وليس لهم من الملك والأمر شيء، لا في أنفسهم ولا في غيرهم. ويخبر في بعض الآيات أن عباده بعض خلقه، كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً(4) ثم ذكر صفاتهم الجليلة: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ(5) وفي قراءة ﴿عباده﴾، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ(6) وقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا(7) فالمراد بهذا النوع من قاموا بعبوديتهم له بصفة ربوبيته، وأخلصوا له الدين على اختلاف طبقاتهم.

فالعبودية الأولى: يدخل فيها البَرُّ والفاجر.

والعبودية الثانية: صفة الأبرار. ولكن الفرق: أن الربوبية وصف الرب وفعله. والعبودية وصف العبيد وفعلهم.

القاعدة الثانية والثلاثون

إذا أمر الله بشيء كان ناهيًا عن ضده، وإذا نهى عن شيء كان آمرًا بضده

وإذا أثنى على نفسه أو على أوليائه وأصفيائه بنفي شيء من النقائص، كان ذلك إثباتًا للكمال.

وذلك: لأنه لا يمكن امتثال الأمر على وجه الكمال إلا بترك ضده، فحيث أمر بالتوحيد والصلاة والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والعدل والإحسان، كان ناهيًا عن الشرك، وعن ترك الصلاة، وترك الزكاة، وترك الصوم، وترك الحج، وعن العقوق، والقطيعة، والظلم والإساءة؛ وحيث نهى عن الشرك وترك الصلاة – إلى آخر المذكورات، كان آمرًا بالتوحيد، وفعل الصلاة وغيرها.

وحيث أمر بالصبر والشكر، وإقبال العبد إلى الله إنابة ومحبة، وخوفًا ورجاء، كان ناهيًا عن الجزع والسخط، وكفران النعم، وإعراض القلب عن الله وهلعه وجزعه وتعلقه بغير الله خوفًا ورجاء؛ وحيث نهى عن الجزع، وكفران النعم، وغفلة القلب، كان آمرًا بالصبر وغيره من المذكورات.

وهذا ضرب مثل، وإلا فكل الأوامر والنواهي على هذا النمط.

وكذلك المدح لا يكون إلا بإثبات الكمالات، فحيث أثنى على نفسه، وذكر تنزُّهَهُ عن النقائص والعيوب، كالنوم، والسِّنَة، واللغوب، والموت، وخفاء شيء في العالم، من الأعيان والصفات وغيرها، والظلم والعبث واللعب وخلق شيء باطلاً، وأن يكون عطاؤه أو جزاؤه حزافًا بلا حكمة: فَلِتَضمُّن ذلك الثناء عليه بكمال حياته، وكمال قيُّوميته، وقدرته، وسعة علمه، وكمال عدله وحكمته؛ لأن العدم المحض لا كمال فيه، حتى يُنفى تكميلًا للكمال.

وكذلك إذا نفى الله عن كتابه الريب والاختلاف والشك، والإِخبار بخلاف الواقع: كان ذلك لكمال دلالته على اليقين في جميع المطالب، واشتماله على الحق في كل الإحكام، والصدق الخالص، وانتظامه لكل ما يهدي إلى الرشد وإلى الصراط المستقيم.

وكذلك إذا نفى عن رسوله الكذب، والتقوُّلَ على الله، واتباع الهوى والغي والضلال والجنون والسحر، والشعر، ونحوها: كان ذلك لأجل إثبات كمال صدقه، وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وكمال عقله واستحالة كل ما يقدح في كمال نبوته ورسالته.

فتفطَّن لهذه القاعدة في كل ما يمرُّ عليك من الآيات القرآنية في هذه الأمور وغيرها، تنل خيرًا كثيرًا. والله أعلم.

القاعدة الثالثة والثلاثون

المرض في القرآن -مرض القلوب- نوعان: مرض شبهات وشكوك، ومرض شهوات وفسوق.

والطريق إلى تمييز هذا من هذا، مع ورودها في القرآن، يُدرَك من السياق.

فإن كان هذا السياق في ذم المنافقين والمخالفين في شيء من أمور الدين، كان هذا مرض الشكوك والشبهات؛ وإن كان السياق في ذكر المعاصي والميل إليها كان مرض الشهوات.

ووجه انحصار المرض في هذين النوعين: أن مرض القلب خلاف صحته. وصحة القلب الكاملة بشيئين: كمال علمه ومعرفته ويقينه، وكمال إرادته وحبه لما يحبه الله ويرضاه.

فالقلب الصحيح: هو الذي عرف الحق واتَّبَعه، وعرف الباطل واجتنبه، فإن كان ما يزعمه علمًا إنما هو شكوك، وعنده شبهات تُعارض ما أخبر الله به في أصول الدين وفروعه، كان علمه منحرفًا، وكان مرض قلبه على حسب ذلك قوة وضعفًا. وإن كانت إرادته ومحبته مائلة لشيء من معاصي الله، كان ذلك انحرافًا في إرادته ومرضًا وهما متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ فلا يغلب على العبد الشهوات إلا بفساد علمه بالله وعدله وقضائه وحكمته وشرعه وجزائه. ولا يغلب عليه الشهوات إلا بفساد نفسه وغلبة شهوات الدنيا ورياستها وحظوظها على ما عند الله والدار الآخرة؛ وإنما قد يكون أحدهما أبرز من الآخر.

فمن النوع الأول: قوله تعالى عن المنافقين في سورة البقرة: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ(8) وهي التقاليد والشكوك والشبهات المعارضة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً(9) عقوبة على ذلك المرض الناتج عن أسباب متعددة، كلها منهم، وهم فيها غير معذورين. ونظير هذا قوله تعالى في سورة براءة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ(10) وكذلك قوله تعالى في سورة الحج: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ(11) فإن مريض القلب من الشكوك وضعف العلم: أقل شيء يريبه، ويؤثر فيه، ويفتنه.

ومن الثاني: قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ(12) أي مرض شهوة، وإرادة للفجور، فالمريض بذلك: أقل شيء من أسباب الافتتان يوقعه في الفتنة، طمعًا أو فعلًا، فكل من أراد شيئًا من معاصي الله، فقلبه مريض مرض شهوة. ولو كان صحيحًا لاتَّصف بصفات الأزكياء الأبرياء الأتقياء الموصوفين بقوله في سورة الحجرات: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً(13) فمن كان قلبه على هذا الوصف الذي ذكره الله، فليحمده على هذه النعمة التي لا يقاومها شيء من النعم. وليسأل الله الثبات على ذلك، ويأخذ في أسباب الزيادة من فضل الله ورحمته.

القاعدة الرابعة والثلاثون

دل القرآن في عدة آيات أن من ترك ما ينفعه مع الإمكان ابتلي بالاشتغال بما يضره، وحرم الأمر الأول.

وذلك أنه ورد في عدة آيات: أن المشركين لما زهدوا في عبادة الرحمن ابتُلوا بعبادة الأوثان، ولما استكبروا عن الانقياد للرسل -بزعمهم أنهم بشر- ابتُلوا بالانقياد لكل ما رجَّ العقل والدين. ولما عرض عليهم الإيمان أول مرة فعرفوه، ثم تركوه، قلب الله قلوبهم، وطبع عليها، فلا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. ولما بين لهم الصراط المستقيم وزاغوا عنه اختيارًا ورضىً بطريق الغي وكرهًا لطريق الهدى والرشد، عُوقبوا بأن أزاغ الله قلوبهم، وجعلهم حائرين في طريقهم خاسرين في كل سعيهم.

ولما أهانوا آيات الله ورسله أهانهم الله بالعذاب المهين.

ولما استكبروا عن الانقياد للحق أذلهم في الدنيا والآخرة، لكل مبطل.

ولما منعوا مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعوا في خرابها، لم يكن لهم بعد ذلك أن يدخلوها إلا خائفين. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(14).

والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا، يخبر الله فيها أن العبد كان قبل ذلك بصدد أن يهتدي الطريق المستقيم، ثم إذا تركها بعد أن عرفها، ونكص عنها بعد أن سلكها، عُوقب بإبعاده في طريق ضلاله الذي ارتضاه لنفسه وترك به طريق الهدى. فالاهتداء غير ممكن في حقه ما دام سادرًا في طريق غوايته ممعنًا في سبيل ضلالته: جزاء على فعله. كقوله في اليهود في سورة البقرة: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ(15) فإنهم تركوا اتباع كتب الله المنزلة من عنده لهداية العباد، وإصلاح كل شؤونهم، وإسعادهم –وهي خير ما يشتغل به العاقل الناصح لنفسه وأنفعها، وأصدقها- ابتُلوا باتباع أرذلها وأخسئها، وأضرها للعقول، وأفتكها في إفساد المجتمع. ولما ترك المحاربون لله ورسوله إنفاق أموالهم في طاعة الرحمن، ابتلاهم بإنفاقها في طاعة الشيطان.

القاعدة الخامسة الثلاثون

في القرآن عدة آيات فيها الحث على أعلى المصلحتين وتقديم أهون المفسدتين، ومنع ما كانت مفسدته أرجح من مصلحته؛ وهذه قاعدة جليلة نبَّه الله عليها في آيات كثيرة.

فمن الأول: المفاضلة بين الأعمال، وتقديم الأعلى منها. كقوله في سورة الحديد: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ(16) وقوله في سورة التوبة: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(17) وكقوله في سورة النساء: ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(18).

ومن الثاني قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ(19).

بيَّن تعالى أن ما نقمه الكفار على المسلمين، من قتال في الشهر الحرام، وإن كان مفسدة فما أنتم عليه من الصد عن سبيل الله والكفر به وبسبيل هداه وبالمسجد الحرام وصدكم عنه، وإخراج أهله منه: أكبر عند الله. وفتنتكم المؤمنين بشديد الأذى محاولين إرجاعهم إلى الشرك أكبر من القتال في الشهر الحرام.

وقوله في سورة الفتح: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوَهُمْ أَن تَطَؤُوَهُمْ(20) الآيات فكفَّ الله المؤمنين عن القتال في المسجد الحرام في صلح الحديبية مع وجود المقتضى من الكفار اتقاء للمفسدة المترتبة على ذلك: من إصابة المؤمنين والمؤمنات المستضعفين الذين حبسهم المشركون بمكة عن الهجرة بأنواع من الأذى أو القتل – ما يكون سببًا في لحوق المعرة بجيش المؤمنين.

وكذلك جميع ما جرى في صلح الحديبية من هذا الباب: من التزام تلك الشروط التي ظاهرها ضرر على المسلمين، ولكن تبين لهم بعد أنها عين المصلحة لهم والفتح المبين.

ومن هذا: أمره بكف الأيدي عن القتال قبل أن يهاجر الرسول إلى المدينة؛ لأن الأمر بالقتال في ذلك الوقت أعظم ضررًا من الصبر والإِخلاد إلى السكينة، مع متابعة تبليغ الرسالة وإقامة الحجة والجهاد الكبير بالقرآن.

ولعل من هذا مفهوم قوله في سورة الأعلى: ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى(21) يعني: فإن ضرَّت فترك التذكير الموجب للضرر الكثير هو المتعين. والآيات في هذا النوع كثيرة جدًا.

ومن الثالث قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا(22) هذا كالتعليل العام أن كل ما كانت مضرته وإثمه أكبر من نفعه، فإن رحمة الله وحكمته لا بد أن تقتضي المنع وتحريمه على عباده.

وهذا الأصل العظيم كما أنه ثابت شرعًا فإنه هو المعقول بين الناس المفطورين على استحسانه، والعمل به في الأمور الدينية والدنيوية. والله أعلم.

القاعدة السادسة والثلاثون

طريقة القرآن: إباحة الاقتصاص من المعتدي ومقابلة عدوانه بمثله، والنهي عن ظلمه، والندب إلى العفو عنه والإحسان؛ وهذا في آيات كثيرة. كقوله في سورة النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ(23) وقوله في سورة الشورى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(24) فذكر المراتب الثلاث.

ولما كان القتال في المسجد الحرام محرمًا، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوَهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفَُورٌ رَّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ(25) وهو كل ما حرَّم الله وأمر باحترامه. فمن انتهكه فقد أباح الله الاقتصاص منه، بقدر ما اعتدى به لا أكثر. وقوله بعد ذلك: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ(26) وقوله في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى(27) وقوله في سورة المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ(28) وقوله في سورة الإسراء: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً(29) وقوله في سورة النساء: ﴿لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ(30) والآيات في هذا المعنى كثيرة. والله أعلم.

القاعدة السابعة والثلاثون

اعتبر الله القصد والإرادة في ترتب الأحكام على أعمال العباد. وهذا الأصل العظيم: صرَّح به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إنما الأعمال بالنيات».

والمقصود هنا: أنه ورد آيات كثيرة جدًا في هذا الأصل.

فمنها، وهو أعظمها: أنه رتب حصول الأجر العظيم على الأعمال بإرادة وجهه تعالى، لما ذكر الصدقة والمعروف، والإِصلاح بين الناس. قال في سورة النساء: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً(31) وقال في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ(32) وفي مقابله قال: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ(33).

ووصف الله نبيه وخيار خلقه من الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بأنهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً(34) وقال في الرجعة في سورة البقرة: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً(35) وقال في سورة البقرة: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ(36) وقال في سورة النساء: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ(37) وقال في سورة البقرة: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً(38) وفي سورة النساء: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ(39) وفي سورة البقرة: ﴿وَإِن تُخَالِطُوَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ(40) وفي دعاء المؤمنين في سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا(41) فقال الله: «قد فعلت»، وقال في سورة الأحزاب: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ(42) وذكر الله قتل الخطأ ورتب عليه الدية والكفارة. ثم قال في سورة النساء: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً(43). وقال في جزاء الصيد في سورة المائدة: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ(44) وقال في سورة البقرة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ(45) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن أعمال الأبدان وأقوال اللسان، صحتها وفسادها، وترتب أجرها أو وزرها: بحسب ما قام بالقلب من القصد والنية.

القاعدة الثامنة والثلاثون

قد دلت آيات كثيرة على جبر المنكسر قلبه ومن تشوفت نفسه لأمر من الأمور إيجابًا أو استحبابًا.

وهذه قاعدة لطيفة، اعتبرها الباري وأرشد عباده إليها في عدة آيات.

منها: المطلقة. فإنها لما كانت في الغالب منكسرة القلب حزينة على فراق بعلها، أمر الله بمتعتها على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، متاعًا بالمعروف. وكذلك من مات زوجها عنها فإن من تمام جبر خاطرها: أن تمكث عند أهله سنة كاملة وصية ومتعة مرغب فيها. وكذلك أوجب الله للزوجة على الزوج النفقة والكسوة في مدة العدة، إذا كانت رجعية، أو كانت حاملة مطلقة.

وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُوْلُوا القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً(46).

ويدخل الواجب المستحب في مثل قوله في سورة الأنعام: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ(47).

وكذلك إخباره عن عقوبة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليصرمنَّها مصبحين، ولا يتركون شيئًا منها يلتقطه الفقير، وتواصوا أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين.

وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ(48).

وقد ذكر الله جبره لقلوب أنبيائه وأصفيائه أوقات الشدائد، وإجابته لأدعيتهم بتفريج الكربات. وأمر عباده بانتظار الفرج عند الأزمات. فهذا أصل قد اعتبره الله، وأرشد إليه فينبغي للعبد أن يكون هذا على باله في أوقات المناسبات.

القاعدة التاسعة والثلاثون

في طريقة القرآن في أحوال السياسة الداخلية والخارجية

طريقة القرآن في هذا أعلى طريقة، وأقرب إلى حصول جميع المصالح الكلية، وإلى دفع المفاسد. ولو لم يكن في القرآن من هذا النوع إلا قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ(49) وإخباره عن المؤمنين في سورة الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ(50)

فالأمر مفرد ومضاف إلى المؤمنين، وفي الآية الأولى: قد دخلت عليه «ال» المفيدة للعموم والاستغراق، يعني: أن جميع أمور المؤمنين وشؤونهم، واستجلاب مصالحهم، واستدفاع مضارهم معلق بالشورى والتعاون على الاهتداء إلى الأمر الذي يجرون عليه في حل مشكلاتهم، وتدعيم سلطانهم وتجنيبهم الخلاف المفضي إلى تفكك قواهم وانحلال عراهم.

وقد اتفق العقلاء أن الطريق الوحيد للصلاح الديني والدنيوي هو طريق الشورى.

فالمسلمون قد أرشدهم الله إلى أن يهتدوا إلى مصالحهم وكيفية الوصول إليها بإعمال أفكارهم مجتمعة. فإذا تعيَّنت المصلحة في طريق سلكوه، وإذا تعيَّنت المضرَّة في طريق تركوه، وإذا اشتبهت مصلحة بمضرَّة، نظروا: أيها أقوى، وأحسن عاقبة؟ ثم نظروا بأي شيء تدرك الأسباب، وبأي حال تنال على وجه لا يضر سلوكها .. وإذا رأوا مصالحهم تتوقف على الاستعداد بالفنون الحديثة والاختراعات الباهرة، سعوا لذلك بحسب اقتدارهم، ولم يملكهم اليأس والاتكال على غيرهم، الملقي إلى التهلكة. وإذا عرفوا –وقد عرفوا- أن السعي لاتفاق الكلمة وتوحيد الأمة هو الطريق الأقوم للقوة المعنوية جدُّوا في هذا واجتهدوا؛ وإذا رأوا المصلحة في المقاومة والمهاجمة، أو في المسألة والمدافعة بحسب الإمكان، سلكوا ما تعينت مصلحته. فيقْدِمون في موضع الإقدام، ويحجمون في موضع الإحجام.

وبالجملة لا يدعون مصلحة داخلية، ولا خارجية، دقيقة ولا جليلة إلا تشاوروا فيها، وفي طريق تحصيلها وتنميتها، ودفع ما يضادها وينقصها.

فهذا النظام العجيب الذي أرشد إليه القرآن: هو النظام الذي يصلح لكل زمان ومكان. ولكل أمة. ومن ذلك قوله في سورة الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ(51) فهذه الآية تصرح بوجوب الاستعداد للأعداء بما نستطيعه من قوة عقلية، ومعنوية ومادية، مما لا يمكن حصره؛ وفي كل وقت ولكل عدو يتعين سلوك ما يلائم ذلك الوقت ويناسبه. ومن ذلك قوله في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ(52) ونحوها من الآيات التي أرشد الله فيها إلى شدة التحرز من الأعداء، وأن نكون منهم أبدًا على حذر في وقت السلم، فضلاً عن وقت الحرب. وأن تكون لنا العيون والأرصاد عليهم، لنعلم كل حركاتهم الحربية والعلمية، لنأخذ السبيل عليهم ونسبقهم حتى لا يكون لهم من ضعفنا وجهلنا فرصة تمكنهم منا، وأن لا نمكنهم من الإطلاع على أسرارنا الحربية ولا على مواردنا الاقتصادية، فضلاً عن تمكينهم منها، فضلاً عن أن نكون عالة عليهم فيها. فكل ذلك وغيره داخل تحت قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ(53).

ومن عجيب ما نبَّه عليه القرآن من النظام الوحيد: أن الله عاتب المؤمنين بقوله في سورة آل عمران: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ(54) فأرشد الله عباده إلى أنه ينبغي أن يكونوا بحالة من الحكمة واستقامة الأمور على طرقها، بحيث لا يزعزعهم عنها فقد رئيس مهما كان عظيمًا. وما يكون ذلك إلا بأن يستعدوا لكل أمر من أمورهم الدينية والدنيوية بعدة من القادة، متساوين أو متقاربين في قوة القيادة والدراية والحنكة والسياسة الدينية والاقتصادية والحربية، إذا فقد أحدهم قام مقامه غيره، وأن تكون الأمة متوحدة في إرادتها وعزمها ومقاصدها وشؤونها، قصدهم جميعًا: أن تكون كلمة الله هي العليا وأن تكون أمتهم ذات شوكة يرهبها العدو، فلا يستطيع أن يغتصبها بعض حقوقها المادية في أرضها ومنافعها، ولا بعض حقوقها في سيادتها وحريتها. وأن تقوم جميع الأمور بحسب قدرتهم وقواهم التي أنعم الله بها عليهم ومكنهم بها من المحافظة التامة على حقوقهم في هذا الوجود مؤمنين أوثق الإيمان: أن الله ما استخلفهم في الأرض إلا لإصلاحها، باستثمار خيراتها واستخراج دفائنها وكنوزها، وتنمية قواهم وطاقاتهم الإنسانية بالعلم والفنون والصناعات، ومؤمنين أنه يبغض منهم أشد البغض، أن يكونوا ضعفاء أذلة عالة على غيرهم. فإن سنة الله في هذا الوجود أن الحياة العزيزة لا تكون إلا لمن أكرم نفسه، وأعرها، بحيث يكون الموت أحب إليه من أن يعيش آلاف السنين مهينًا ذليلاً، لا يعرفه الوجود إلا تابعًا قد تلاشت شخصيته وانماع في متبوعه. ولقد خلق الله من العرب الضعفاء القليلين خير أمة أخرجت للناس في كل معاني الحياة العزيزة الكريمة، حين فهموا هذا القرآن على وجهه الصحيح وآمنوا به واهتدوا بهداه.

وقال تعالى في سورة التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ(55)

أي اتقوا الله، واحذروا شديد عقابه، بالقيام بما أمركم به من كل ما فيه الخير والصلاح لكم، جماعة ومنفردين، بكل جهدكم وبكل ما أعطاكم من طاقة وقوى. فإن هذا هو حق تقواه: وأن يبذل العبد كل ما في وسعه. وليست ناسخة لآية آل عمران. بل هي مفسرة لها.

فكل مصلحة أمر الله بها -وهي متوقفة في حصولها أو في كمالها على أمر من الأمور السابقة واللاحقة- فإنه يجب على الإنسان تحصيلها بكل ما عنده من الاستطاعة. فإن الله الحكيم لا يطلب إلى عباده إلا ما آتاهم من القوى والأسباب ما يقدرهم على القيام به. ولكنهم يتوانون ويتكاسلون، فيأتيهم العجز والفشل من ذلك، وكذلك كل ما نهاهم عنه. فإنه أعطاكم من القوى والأسباب ما يمكنهم من البعد عنه، ومن الحلال ما يستغنون به. فالأمر بالتقوى أمر بأسبابها أو لازم الحق حق، والوسائل لها أحكام المقاصد.

ومن الآيات الجامعة في السياسة: قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً(56) والآية التي بعدها. فالأمانات يدخل فيها أشياء كثيرة؛ من أَجَلِّها: الولايات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة. الدينية والدنيوية. فقد أمر الله أن تُؤدَّى إلى أهلها بأن يُجعل فيها الأكفاء لها. وكل ولاية لها أكْفاء مخصوصون. فهذا الطريق الذي أمر الله به في الولايات من أصلح الطرق لصلاح جميع الأحوال.

فإن صلاح الأمور بصلاح المتولين والرؤساء فيها والمدبِّرين لها والعاملين عليها، فيجب تولية الأمثل فالأمثل ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ(57)

ولن يتم ذلك للأمة –على ما أرشد الله وأمر- إلا بأن يشعر كل واحد بالواجب عليه لنفسه وما لها وما عليها من الأمانات والواجبات عليه لأبنائه وزوجه، وخدمه ومواليه وبهائمه، وأرضه ومتجره، وكل شيء وضعه الله تحت يده واسترعاه إياه، ويقدر المسؤولية أمام الله سبحانه ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(58)

فيقوم بكل ما في مكنته وجهده بهذا الواجب، غير متوان ولا متواكل. فعندئذ –وعندئذ فقط- تكون الأمة صالحة في أفرادها وأسرها وحكامها وأمرائها. فصلاح المتولين للولايات الكبرى والصغرى عنوان صلاح الأمة وضده بضده. وأصدق البراهين على ذلك قول الله في سورة الرعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ(59)

فهل آن للذين يتجنون بالشكوى من ولاة أمورهم أن يعقلوا عن الله سننه وحكمته فيعلموا أن الداء ليس في الحكام والولاة فقط، وإنما الداء في الأمة التي غفلت وغفل كل فرد فيها عن الواجب عليه فيما استرعاه الله من الرعية، وخيانته لما استأمنه الله من أمانات. وأن الولاة: إنما هم من أفراد الأمة والصورة المصغرة التي تمثل الأمة وتصورها؟ ولكن أكثر الناس لا يعقلون.

ثم أرشدهم الله إلى الحكم بين الناس بالعدل الذي ما قامت السموات والأرض إلا به. فالعدل قوام الأمور وروحها، وبفقده تفسد الأمور كلها ويختل الميزان لكل شيء.

والحكم بالعدل من لازمه: معرفة حقيقة العدل في كل أمر من الأمور، فإن فهمت الأمة حقيقة العدل وعرفت حدوده وضعت كل شيء في موضعه. وكان المتولون للولايات هم الكُمَّل من الرجال والأكفاء للأعمال، فجرت تدابيرهم وأفعالهم على العدل والسداد متجنبين للظلم والفساد: ترقت الأمة وصلحت أحوالها، وتمام ذلك في الآية الأخرى التي أمر الله فيها بطاعة ولاة الأمور بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(60)

فهل يوجد أكمل وأعلى من هذه السياسة الحكيمة الرشيدة التي عواقبها أحمد العواقب؟

ومن الآيات المتعلقة بالسياسة الشرعية: جميع الآيات التي شرع الله فيها الحدود على الجرائم، والعقوبات على المتجرئين على حقوقه وحقوق عباده، وهي في غاية العدالة والحُسن وردع المجرمين والنكال، والتخويف لأهل الشر والفساد وتطهير المجتمع من فسادهم وتنقيته من جراثيمهم صيانة لدماء الخلق وأموالهم وأعراضهم.

والآيات التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتكلم بالحق مع من كان وفي أي حال من الأحوال.

وكذلك ما فيه من النهي عن الظلم فيه إرشاد لإعطاء الناس الحرية النافعة التي معناها التكلم بالحق والدعوة إلى الصالح للأمة.

كما أن الحدود والعقوبات، والنهي عن الكلام القبيح، والفعل القبيح فيها ردع عن الحرية الزائفة الكاذبة التي يتمشدق بها الحمقى والسفهاء الذين عموا وصموا، فلا يرون ما حل بأمم الغرب من الدمار من ثمرات هذه الحرية الفاجرة الخاسرة؛ فإن ميزان الحرية الصحيحة النافعة هو ما أرشد إليه القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم. وأما إطلاق عنان الجهل والظلم والأقوال الضارة للمجتمع، المحلِّلة للأخلاق، فإنها من أكبر أسباب الشر والفساد، المؤدية إلى الفوضى المحضة وانحلال الأخلاق التي هي قوام كل أمة. فنتائج الحرية الصحيحة أحسن النتائج، ونتائج الحرية الفاسدة أقبح النتائج، فالشارع فتح الباب للأولى، وأغلقه عن الثانية، تحصيلًا للمصالح، ودفعًا للمضار والمفاسد. والله أعلم.

القاعدة الأربعون

في دلالة القرآن على أصول الطب

أصول الطب ثلاثة: حفظ الصحة باستعمال الأمور النافعة، والحِمْيَة عن الأمور الضارة، ودفع ما يعرض للبدن من المؤذيات.

ومسائل الطب كلها تدور على هذه القواعد.

وقد نبه القرآن على حفظ الصحة ودفع المؤذي في قوله من سورة الأعراف: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا(61) فأمر الله بالأكل والشرب الذين لا تستقيم الأبدان إلا بهما؛ وأطلق ذلك، ليدل على أن المأكول والمشروب بحسب ما يلائم الإنسان، وينفعه في كل وقت وحال. ونهى عن الإسراف في ذلك، إما بالزيادة في كمية المأكولات والمشروبات، وإما في كيفيتها بالتخليط في المطعوم والأوقات. وهذا حمية عن كل ما يؤذي الإنسان. فإذا كان القوت الضروري من الطعام والشراب يصير بحالة يتأذَّى منه البدن ويتضرَّر: مُنع منه، فكيف بغيره؟

وكذلك أباح الله للمريض التيمم إذا كان استعمال الماء يضرُّه، حمية له عن المضرَّات كلها.

وأباح للمحرم الذي به أذى من رأسه أن يحلقه ويفدي. وهذا من باب الاستفراغ وإزالة ما يؤذي البدن. فكيف بما ضرره أكبر من هذا؟

ونهى عن الإِلقاء باليد إلى التهلكة. فيدخل في ذلك استعمال كل ما يتضرر به الإنسان من الأغذية والأدوية، ودفع ما يضر، بتجنبه والتحرُّز عنه، وبمعالجة الحادث مما وقع فيه بالطرق الطبية النافعة.

وكذلك ما ذكره الله في كتابه من الأعمال كلها كالجهاد والصلاة والصوم والحج والإحسان إلى الخلق وبقية الأعمال. فإنها وإن كان المقصود الأعظم منها نيل رضى الله وقربه وثوابه، والإحسان إلى عبيده، فإن فيها صحة للأبدان وتمرينًا لها، ورياضة وراحة للنفس، وفرحًا للقلب وأسرارًا خاصة، تحفظ الصحة وتنميها وتزيل عنها المؤذيات.

وبالجملة، فإن جميع الشرائع ترجع إلى صلاح القلوب والأرواح والأخلاق والأبدان والأموال والدنيا والآخرة، والله أعلم.


(1) الفاتحة: 1.
(2) الأنعام: 164.
(3) مريم: 93.
(4) الفرقان: 63.
(5) الزمر: 36.
(6) الإسراء: 1.
(7) البقرة: 23.
(8) البقرة: 10.
(9) البقرة: 10.
(10) التوبة: 125.
(11) الحج: 53.
(12) الأحزاب: 32.
(13) الحجرات: 7 و8.
(14) التوبة: 75 - 77.
(15) البقرة: 101 و102.
(16) الحديد: 10.
(17) التوبة: 19.
(18) النساء: 95.
(19) البقرة: 217.
(20) الفتح: 25.
(21) الأعلى: 9.
(22) البقرة: 219.
(23) النحل: 126.
(24) الشورى: 40.
(25) البقرة: 191 - 194.
(26) البقرة: 194.
(27) البقرة: 178.
(28) المائدة: 45.
(29) الإسراء: 33.
(30) النساء: 148.
(31) النساء: 114.
(32) البقرة: 265.
(33) النساء: 38.
(34) الفتح: 29.
(35) البقرة: 228.
(36) البقرة: 225.
(37) النساء: 12.
(38) النساء: 4.
(39) النساء: 29.
(40) البقرة: 220.
(41) البقرة: 286.
(42) الأحزاب: 5.
(43) النساء: 93.
(44) المائدة: 95.
(45) البقرة: 235.
(46) النساء: 8.
(47) الأنعام: 141.
(48) الإسراء: 23 - 26.
(49) آل عمران: 159.
(50) الشورى: 38.
(51) الأنفال: 60.
(52) النساء: 71.
(53) النساء: 71.
(54) آل عمران: 144.
(55) التغابن: 16.
(56) النساء: 58.
(57) القصص: 26.
(58) الشعراء: 88 و89.
(59) الرعد: 11.
(60) النساء: 59.
(61) الأعراف: 31.