موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القاعدة الحادية والعشرون إلى القاعدة الثلاثين - القواعد الحسان في تفسير القرآن
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / القواعد الحسان في تفسير القرآن لـ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي
  
 
القواعد الحسان في تفسير القرآن - القاعدة الحادية والعشرون إلى القاعدة الثلاثين

القاعدة الحادية والعشرون

القرآن يجري في إرشاداته مع الزمان والأحوال في أحكامه الراجعة للعرف والعوائد.

وهذه قاعدة جليلة المقدار، عظيمة النفع. فإن الله أمر عباده بالمعروف. وهو ما عُرف حُسنه شرعًا وعقلًا وعُرفًا، ونهاهم عن المنكر، وهو ما ظهر قبحه شرعًا وعقلًا وعُرفًا. وأمر المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصفهم بذلك.

فما كان من المعروف لا يتغير في الأحوال والأوقات كالصلاة والزكاة، والصوم، والحج، وغيرها من الشرائع الراتبة والأخلاقية الكريمة، من البر والإحسان، والمروءة والشجاعة، والفهم والاعتبار بكل ما يعرض للإنسان ويقع له وعليه. فإنه أمر به في كل وقت. والواجب على الآخرين نظير الواجب على الأولين من هذه الأمة. وما كان من المنكر لا يتغير كذلك بتغير الأوقات كالشرك والقتل بغير حق، والزنا، وشرب الخمر، ونحوها من كل ما هو ضد المعروف ثبتت في كل زمان ومكان. لا يتغير. ولا يختلف حكمه.

وما كان يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال، فهو المراد ههنا. فإن الله تعالى يردهم فيه إلى العرف والعادة والمصلحة المتعينة في ذلك الوقت.

وذلك أنه أمر بالإحسان إلى الوالدين بالأقوال والأفعال، ولم يعيِّن لعباده نوعًا خاصًا من الإحسان والبر، ليعم كل ما تجدَّد من الأوصاف والأحوال، فقد يكون الإحسان إليهم في وقت غير الإحسان في الوقت الآخر، وفي حق شخص دون الشخص الآخر.

فالواجب الذي أوجبه الله: النظر في الإحسان المعروف في وقتك ومكانك، في حق والديك.

ومثل ذلك: ما أمر به من الإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب ونحوهم. فإن ذلك راجع في نوعه وجنسه وأفراده إلى ما يتعارفه الناس إحسانًا. ولا يكون معارضًا للمعروف من التشريع.

وكذلك ضده من العقوق والإساءة، ينظر فيه إلى العرف. وكذلك قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(1) وفي سورة البقرة: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ(2).

فردَّ الله الزوجين في عشرتهما وأداء حق كل منهما على الآخر إلى المعروف المعتاد عند الناس في قطرك، وبلدك وحالك ومركزك الاجتماعي.

وذلك يختلف اختلافًا عظيمًا. لا يمكن إحصاؤه عدًّا. فدخل ذلك كله في هذه النصوص المختصرة. وهذا من آيات القرآن وبراهين صدقه.

وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا(3) وقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً(4)

فقد أباح لعباده الأكل والشرب واللباس، ولم يعيِّن شيئًا من الطعام والشراب واللباس، وهو يعلم أن هذه الأمور تختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأمكنة، فتتعلَّق بها الإباحة حيث كانت، لا ينظر إلى ما كان موجودًا منها وقت نزول القرآن أو غير موجود.

وكذلك قوله في سورة الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ(5)

ومن المعلوم: أن السلاح والقوة التي كانت موجودة وقت نزول القرآن غير نوع السلاح والقوة التي وجدت بعد ذلك.

فهذا النص يتناول كل مسُتطاع من القوة في كل وقت بحسبه وبما يناسبه ويليق به.

وكذلك لما قال تعالى، في سورة النساء: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ(6)

لم يعين لنا نوعًا من التجارة ولا جنسًا. ولم يحدِّد لنا ألفاظًا يحصل بها الرضى في البيع والتجارة، وهذا يدل على أن الله أباح كل ما تجري فيه تجارة ما لم ينه عنه الشارع، أو لا يحصل وأن كل ما حصل به الرضى من الأقوال والأفعال انعقدت به التجارة، فما حقق الرضى من قول أو فعل، انعقدت به المعاوضات والتبرعات والمعاملات.

وفي القرآن من هذا النوع شيء كثير.

القاعدة الثانية والعشرون

في مقاصد ما يضرب القرآن من الأمثال

اعلم أن القرآن الكريم احتوى على أعلى وأكمل وأنفع الموضوعات التي يحتاج الخلق إليها في جميع الأنواع، فقد احتوى على أحسن طرق التعليم، وإيصال المعاني إلى القلوب بأيسر شيء وأوضحه.

فمن أنواع تعليمه العالي: ضرب الأمثال؛ وهذا النوع يذكره الباري سبحانه في الأمور المهمَّة، كالتوحيد وحال الموحِّد والشرك وحالة أهله، والأعمال العامة الجليلة. ويقصد بذلك كله توضيح المعاني النافعة، وتمثيلها بالأمور المحسوسة، ليصير القارئ كأنه يشاهد معانيها رأي عين.

وهذا من عناية الباري بعباده ولطفه بهم.

فقد مثَّل الله الوحي والعلم الذي أنزله على رسوله في عدة آيات بالغيث والمطر النازل من السماء، وقلوب الناس بالأرض والأودية، وأن عمل الوحي والعلم في القلوب كعمل الغيث والمطر في الأرض؛ فمنها: أرض طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ والعشب الكثير. كمثل القلوب الفاهمة التي تفهم عن الله ورسوله وحيه وكلامه، وتعقله، وتعمل به علمًا وتعليمًا بحسب حالها. كالأرض بحسب حالها. ومنها أرض تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، فينتفع الناس بالماء الذي تمسكه فيشربون ويسقون مواشيهم وأرضهم، كالقلوب التي تحفظ الوحي من القرآن والسنة وتلقيه إلى الأمة. ولكن ليس عندها من الدراية والمعرفة والانتفاع بمعانيه والتغذي بغذائه ما عند الأولين.

ومنها: أرض لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، كمثل القلوب التي لا تنتفع بالوحي لا علمًا ولا حفظًا ولا عملًا.

ومناسبة الأراضي للقلوب كما ترى في الظهور. وأما مناسبة تشبيه الوحي بالغيث فكذلك؛ لأن الغيث فيه حياة الأرض والعباد وأرزاقهم الحسية. والوحي فيه حياة القلوب والأرواح ومادة أرزاقهم المعنوية.

وكذلك مثَّل الله كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة التي أُكُلُها دائم كل حين بإذن ربها. لأن شجرة التوحيد ثابتة بقلب صاحبها، لأنها غرس معرفة وتصديق وتفكر وتدبر لآيات الله، وتؤتي أُكُلَها تقوىً وإيمانًا، وإرادةً لموجبها، وهو منافعها كل وقت من النيَّات الطيبة والأخلاق الزكية، والأعمال الصالحة والهدي المستقيم، دائمة في نفع صاحبها وانتفاع الناس به. وهي صاعدة إلى السماء لإخلاص صاحبها وعلمه ويقينه.

ومثَّل الله الشرك والمشرك الذي اتخذ مع الله إلهًا يتعزَّز به، ويزعم أنه سينال منه النفع، ودفع الضرر: بأن اتخاذه هذا في ضعفه ووهنه كالعنكبوت اتخذت بيتًا وهو أوهن البيوت وأوهاها. فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا إلى ضعفها. كذلك المشرك ما ازداد باتخاذه وليًّا ونصيرًا من دون الله إلاَّ ضعفًا. لأن قلبه انقطع عن الله. ومن انقطع قلبه عن الله حله الضعف من كل وجه، وتعلقه بالمخلوق زاده وَهْنًا إلى وهنه، فإنه اتكل عليه، وظن منه حصول المنافع، فخاب ظنه، وانقطع أمله؛ وأما المؤمن فإنه قوي بقوة إيمانه بالله، وتوحيده وتعلقه بالله وحده؛ لأنه يوقن أنه الذي بيده الأمر والنفع، ودفع الضرر، وهو المتصرِّف في أحواله كلها؛ فهو العبد الذي استقام على صراط مستقيم في أقواله وأفعاله، منطلق الإرادة، تحرر عن رق المخلوقين، غير مقيد لهم بوجه من الوجوه؛ بخلاف المشرك، فإنه كالعبد الأبكم الذي هو كَلٌّ وعالة على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير؛ لأن قلبه متقيد للمخلوقين مُسْتَرقٌ لهم، ليس له انطلاق ولا تصرف في الخير ولا شعور به.

ومثَّل المشرك أيضًا بالذي خرَّ من السماء فَتَخَطَّفَتْه الطير، ومزَّقته كل ممزَّق.

ومثَّل في سورة الحج لآلهة المشركين وأوليائهم – هؤلاء الذين زعموا أنهم ينفعون فيدعونهم – بأنهم كالذباب، بل أضعف من الذباب، إذ لو اجتمعوا كلهم على خلق أضعف المخلوقات، وهو الذباب، لم يقدروا باجتماعهم على خلقه، فكيف ببعضهم، فكيف بفرد من مئات الألوف منهم. وأبلغ من ذلك أن الذباب لو يسلبهم شيئًا لم يقدرون على استخلاصه منه ورده، فهل فوق هذا الضعف ضعف؟ وهل أعظم من هذا الغرور الذي وقع فيه المشرك غرور؟ وهو مع هذا الغرور وهذا الوهن والضعف منقسم قلبه بين عدَّة آلهة، كالعبد بين الشركاء المتشاكسين، لا يتمكن من إرضاء أحدهم، دون الآخر. فهو معهم في شرٍّ دائم وشقاء متراكم. فلو استحضر المشرك بعض هذه الأحوال الوخيمة لربأ بنفسه عما هو عليه، ولعلم أنه قد أضاع عقله ورأيه بعد ما أضاع دينه. وأما الموحِّد فإنه خالص لربه، لا يعبد إلا خالقه وبارئه، ولا يرجو غيره ولا يخشى سواه، فقد اطمأنَّ قلبه، واستراح ضميره، وعلم أنه الحق، وأن عاقبته أحمد العواقب، ومآله الخير والفلاح والسعادة الأبدية، فهو في حياة طيبة، ويطمع في حياة أطيب منها في الدنيا والآخرة.

ومثَّل الله الأعمال بالبساتين. فذكر العمل الكامل الخالص له الذي لم يعرض له ما يفسده كبستان في أحس المواضع وأعلاها، تنتابه الرياح النافعة، وقد ضَحَى وبرز للشمس، وفي خلاله الأنهار الجارية المتدفقة. فإن لم تكن غزيرة فإنها كافية له كالطَّلِّ الذي ينزل من السماء. ومع ذلك فأرضه أطيب الأراضي وأزكاها؛ فمع توفر هذه الشروط لا تسأل عما هو عليه من زهاء الأشجار وطيب الظلال، ووفور الثمار؛ فصاحبه في نعيم ورغد متواصل، وهو آمن من انقطاعه وتلفه ولثقته ويقينه بحفظ مولاه وسيده وفاطره ومعبوده له، فهو مطمئن لحفظ وكلاءة أرحم الراحمين، الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. فأما الآخر الذي قد ركن إلى غير بارئه وفاطره، فاعتمد على الميت الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ووثق به وفوض إليه حراسته وكلاءته في ماله وولده: فالله يغضب عليه أشد الغضب، ويبعث على بستانه الأعاصير والآفات المتلفة المهلكة، فلا تغني عن آلهته وأولياؤه من شيء فيقلِّب كَفَّيه حسرة وندامة، وقد كبرت سنه ونالت منه الشيخوخة والهرم، فضعف عن العمل، وعنده أسرة ضعاف لا مساعدة منهم ولا غناء فيهم. وكان قد اغتبط به حيث كان مادة حياته وحياة أسرته. فكيف تكون حسرة هذا المغرور؟ وكيف تكون مصيبته؟ وهذا هو الذي جاء بعد العمل الصالح بما يبطله من الشرك والنفاق والمعاصي المحرقة. فيا ويله، بعد ما كان بستانه زاكيًا زاهيًا أصبح تالفًا، على عروشه خاويًا، قد أيس من عوده، وبقي بحسرته مع أسرته.

فهذا من أحسن الأمثال وأنسبها، فقد ذكر الله عاقبة من ثبَّته الله على الإيمان والعمل الصالح، وعاقبة من أبطل عمله بما ينافيه ويضاده.

ووجهُ تشبيه الأعمال بالبساتين: أن البساتين تمدها عدة قوى تطيبها وتجعلها نافعة مثمرة؛ منها طيب الأرض وقوة ما فيها من مواد الإخصاب؛ ومنها: يقظة صاحبها وعلمه بفنون استثمار أرضه وبستانه؛ ومنها: المياه. فكذلك الأعمال يمدها طيب عنصر القلب وتخليته من المواد المفسدة، وتحليته بكثرة تفكيره في آيات الله الكونية في الأنفس والآفاق، وتدبره لآيات الوحي المنْزَل لحياة القلوب الطيبة. وقد جمع العامل جميع شروط قبول العمل من الاجتهاد والإخلاص والمتابعة، فأثمر عمله كل زوج بهيج.

وقد مثَّل الله عمل الكافر بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً. فحين يأتيه، وقد اشتد به الظمأ، وأنهكه الإعياء، يجده سرابًا.

ومثَّله بالرماد الشيء المحترق، فجاءته الرياح فذرته فلم تُبق منه باقية. وهذا مناسب لحال الكافر وبطلان عمله. فإن كفره ومعاصيه بمنزلة النار المحرقة لكل ما يأتي من عمل، فيدعه ترابًا يظنه بجهله وغبائه وتقليده الأعمى أعمالاً صالحة، فإذا جاءها يرجو ثوابها قدم الله إليها فجعلها هباءًا منثورًا.

والسراب هو: ما يتخيله الظمآن في الصحراء المحرقة أمامه ماء. فلا يزال يسعى ويجهد نفسه حتى يهلك ظمأ. فهذا مثل عمل المرتكس في ظلمات التقليد لآبائه وشيوخه، يجتهد في العمل الليل والنهار يعتقده نافعًا، فإذا وصل إليه بالموت لم يجده شيئًا فتقطّعت نفسه حسرات. ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه.

كما مثَّل نفقات المخلصين بذلك البستان الزاهي.

ومثَّل نفقات المرائين بحجر أملس عليه شيء من تراب، فأصابه مطر شديد تركه صلدًا لا شيء عليه؛ لأن قلب المرائي لا إيمان فيه ولا تصديق ولا إخلاص، فهو قاسٍ كالحجر، فنفقته -حيث لم تصدر عن إيمان، بل عن رياء وحب للسمعة- لم تؤثر في قلبه حياة ولا زكاة. كهذا المطر الذي لم يؤثر في هذا الحجر الأملس شيئًا.

وهذه الأمثال إذا طُبقت على ممثَّلاتها أوضحتها وبيَّنت مراتبها من الخير والشر، والكمال والنقصان.

ومثَّل الله حال المنافقين بحال من هو في ظلمة. فاستوقد نارًا من غيره، فلما أضاءت ما حوله وتبيَّن له الطريق ذهب نوره، وانطفأ ضوؤه، فبقي في ظلمة عظيمة أعظم من الظلمة التي كان فيها. وهكذا المنافق استنار بنور الإيمان؛ فلما تبين له الهدى غلبت عليه الشقوة، واستولت عليه الحيرة: أيبقى على دين الآباء والشيوخ، أم يخرج عنه إلى دين الهدى والحق وما يقتضيه من الطاعات والأعمال؟ فغلب عليه شيطان التقليد ورده إلى ظلمات.

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ(7)

فذهب عنه نوره أحوج ما يكون إليه، وبقي في ظلمته متحيِّرًا، فهم لا يرجعون؛ لأن سنة الله في عباده أن من بان له الهدى، واتضح له الحق، ثم رجع عنه أن يحرم التوفيف بعد ذلك للهداية؛ لأنه رأى الحق فتركه، وعرف الضلال فاتبعه.

وهذا المثل ينطبق على المنافقين الذين تبصَّروا وعرفوا، ثم غلبت عليهم الأغراض الضارة فتركوا الإيمان.

والمثال الثاني هو قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ(8) ينطبق على حال ثانية للمنافقين الضالين المتحيِّرين، الذين يسمعون القرآن ولم يعرفوا المراد منه. لأنهم أعرضوا عنه، وكرهوا سماعه اتباعًا لرؤسائهم وسادتهم.

ومثَّل الله الحياة الدنيا وزهرتها والاغترار بها بحالة زهرة الربيع، تعجب الناظرين، وتغر الجاهلين، فيظنون بقاءها، ولا يؤملون زوالها. فَلَهَوا بها عما خُلقوا له. فأصبحت عنهم زائلة وأضحوا لنعيمها مفارقين في أسرع وقت كهذا الربيع، إذا أصبح بعد الاخضرار هشيمًا، وبعد الحياة يبسًا رميمًا.

وهذا الوصف قد شاهده الخلق واعترف به البَرُّ والفاجر. ولكن سكرة الشهوات وضعف داعي الإيمان اقتضى إيثار العاجل على الأجل.

القاعدة الثالثة والعشرون

إرشادات القرآن على نوعين:

أحدهما: أن يرشد أمرًا، ونهيًا، وخبرًا، إلى أمر معروف شرعًا، أو معروف عرفًا كما تقدم.

والنوع الثاني: أن يرشد العبد إلى استخراج الأشياء النافعة من أصول معروفة، وأن يعمل الفكر في استفادة المنافع منها.

وهذه القاعدة شريفة جليلة القدر.

أما النوع الأول: فأكثر إرشادات القرآن في الأمور الخبرية والأمور الحكمية:

وأما النوع الثاني، وهو المقصود هنا - فإنه دعا عباده في آيات كثيرة إلى التفكر في خلق السموات والأرض، وما خلق الله فيها من العوالم، وإلى النظر فيها. وأخبر أنه سخَّرها لمصالحنا ومنافعنا. وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ(9) فنبه العقول على التفكر فيها، واستخراج أنواع العلوم والفوائد منها.

فإننا إذا فكرنا فيها، ونظرنا حالها، وأوصافها، وانتظامها لأي شيء خُلقت ولأي فائدة أُبقيت؟ وماذا فيها من الآيات وما احتوت عليه من المنافع؟ أفادنا هذا التفكر فيها علمين جليلين:

أحدهما: أننا نستدل بها على ما لله من صفات الكمال والعظمة، والحكم البالغة، وما له من النعم الواسعة والأيادي المتكاثرة، وعلى صدق ما أخبر به من المعاد والجنة والنار، وعلى صدق رسله، وحقيقة ما جاءوا به من عنده.

وهذا النوع قد أكثر أهل العلم من الاستشهاد به، وكل عالم ومحقق قد ذَكَرَ منه ما وصل إليه علمه وما بلغه تفكيره وفهمه؛ فإن الله أخبر أن الآيات إنما ينتفع بها أولو الألباب، وكل واد يسيل بهدي القرآن بحسبه.

وهذا أَجَلُّ العلمين وأعلاهما، وأكملهما.

والعلم الثاني: أننا نتفكر فيها لنستخرج منها المنافع المتنوعة؛ فإن الله سخَّرها لنا وجعلها طوع علومنا وأعمالنا. وسلَّطَنا على استخراج جميع ما فيها من المنافع والخيرات الدينية والدنيوية. فذَّلل لنا أرضها وما ادخر فيها من بركات وكنوز ومعادن ومواد نافعة، لنحرثها ونزرعها ونغرسها، ونستخرج منها ما نتخذه لحاجاتنا المعاشية من الصناعات النافعة. فجميع فنون الصناعات على كثرتها وتنوعها وتفوقها -لا سيما في هذه الأوقات- كل ذلك داخل في تسخيرها لنا. وقد عرفت الحاجة بل الضرورة في هذه الأوقات إلى استنباط المنافع وترقية الصنائع إلى ما لا حدَّ له. وقد ظهر في هذه الأوقات من موادها وعناصرها ما فيه فوائد عظيمة للخلق.

وقد تقدَّم لنا في قاعدة اللازم: أن ما لا تتم الأمور المطلوبة إلا به فهو مطلوب بطلبها. وهذا يدل على أن تعلُّم الصناعات والمخترعات الحادثة من الأمور المطلوبة شرعًا. كما هي مطلوبة لازمة عقلًا. وأنها من الجهاد في سبيل الله، ومن علوم القرآن.

فإن الله نبَّه العباد على أنه جعل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وأنه سخر لهم ما في الأرض. فعليهم أن يسعوا لتحصيل هذه المنافع من أقرب الطرق. وهي لا تُعرف إلا بالبحث والتنقيب والتجارب المتكررة والدراسات المناسبة لكل نوع منها. وهذا من آيات القرآن. وهو أكبر دليل على سعة علم الله، وحكمته ورحمته بعباده، بأن أباح لهم جميع النعم، ويسَّر لهم الوصول إليها بطرق لا تزال تحدث وقتًا بعد وقت. وقد أخبر أن القرآن تذكرة، يتذكر به العباد في كل زمان ومكان، وأنه هداية لجميع المصالح.

القاعدة الرابعة والعشرون

القرآن يرشد إلى التوسط والاعتدال. ويذم التقصير والغلو ومجاوزة الحدِّ في كل الأمور.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ(10) وقال: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ(11) والآيات الآمرة بالعدل والإحسان والناهية عن ضدهما كثيرة.

والعدل في كل الأمور: لزوم الحد فيها. وأن لا يغلو ويتجاوز الحد، كما لا يقصِّر ويدع بعض الحق.

ففي عبادة الله أمَرَ بالعدل وهو بالتمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عن مجاوزة ذلك، وتعدِّي الحدود وذَمَّ المقصرين، في آيات كثيرة.

فالعبادة التي أمر الله بها ما جمعت الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول. فإذا خلت من الأمران أو أحدهما، فهي لاغية.

وفي حق الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم أمر بالاعتدال وهو الإيمان بهم، ومحبتهم المقدَّمة على محبة الخلق، وتوقيرهم واتباعهم، ومعرفة أقدارهم، ومراتبهم التي أكرمهم الله بها. ونهى في آيات كثيرة عن الغلو فيهم وأن يرفعوا فوق منزلتهم التي أنزلهم الله. ويُجعل لهم من حقوق الله التي لا يشاركه فيها مشارك. كما نهى عن التقصير في حقهم بتكذيبهم أو ترك محبتهم وتوقيرهم. أو عدم اتباعهم. وذمَّ الغالين فيهم، كالنصارى ونحوهم في عيسى. كما ذمَّ الجافين لهم، كاليهود حين قالوا في عيسى ما قالوا، وذمَّ من فرَّق بينهم. فآمن ببعض دون بعض. وأخبر أن هذا كفر بجميعهم.

وكذلك الأمر في حق العلماء والأولياء، فيجب محبتهم ومعرفة أقدارهم، ولا يحل الغلو فيهم وإعطاؤهم شيئًا من حق الله، ولا شيئًا من حق رسوله الخاص. ولا يحل مجافاتهم ولا عداوتهم، فمن عادى لله وليًّا فقد بارزه بالحرب.

وأمر بالتوسط في النفقات والصدقات. ونهى عن الإمساك والتقصير والبخل، كما نهى عن الإسراف والتبذير.

وأمر بالقوة والشجاعة بالأقوال والأفعال، ونهى عن الجبن، وذم الجبناء، وأهل الخَوَر، وضعفاء النفوس، كما ذم المتهورين الذين يُلقون بأيديهم إلى التهلكة.

وأمر وحثَّ على الصبر في آيات كثيرة، ونهى عن الجزع والهلع، والسخط كما نهى عن التجبُّر، والقسوة.

وأمر بأداء الحقوق لكل من له حق عليك: من الوالدين، وذوي القربى، والجار، والإخوان والولاة والحكام والأُجرَاء والطلبة وغيرهم من كل ذي حق، هو فرع حق الله سبحانه وتعالى تفهمه وتعرفه وتؤديه بالمعروف والإحسان إليهم قولًا وفعلًا. وذمَّ من قصَّر في حقهم أو أساء إليهم قولًا وفعلًا. كما ذمَّ من غلا فيهم وفي غيرهم حتى قدَّم رضاهم على رضا الله وطاعتهم على طاعة الله.

وأمر بالاقتصاد في الأكل والشرب واللباس والحركة والمشي والصوت، ونهى عن التجاوز والإسراف في كل ذلك، كما حذر أشد التحذير من الترف، ونهى عن التقصير الضار بالروح والجسم.

وبالجملة، فإن الله العليم الحكيم أمر بالوسط في كل شيء بين خُلقين ذميمين: تفريط وإفراط. وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً(12)

القاعدة الخامسة والعشرون

حدود الله قد أمر بحفظها. ونهى عن تعديها وقربانها

قال تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ(13) وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا(14) و: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا(15).

أما حدود الله: فهي ما حدَّه لعباده من الشرائع الظاهرة والباطنة، التي أمرهم بفعلها، ومن المحرَّمات التي أمرهم بتركها. فالحفظ لها يكون بأداء الحقوق اللازمة، وترك المحرَّمات الظاهرة والباطنة.

ويتوقف هذا على معرفة الحدود على وجهها، ليعرف ما يدخل في الواجبات والحقوق، فيؤديها على ذلك الوجه كاملة، غير منقوصة، وما يدخل في المحرَّمات ليتمكن من تركها، ولئلا يلبِّس الشيطان عليه بعضًا منها. ولهذا ذمَّ الله من لم يعرف حدود ما أنزل على رسوله، وأثنى أطيب الثناء على من عرف ذلك.

وحيث قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا(16) كان المراد بها: ما أحلَّه لعباده، وما فصَّله من الشرائع - فإنه نهى عن مجاوزتها وأمر بملازمتها.

كما أمر بملازمة ما أحله من الطعام والشراب واللباس والنكاح، ونهى من تعدِّي ذلك إلى ما حرَّم من الخبائث.

وكما أمر بملازمة ما شرعه من الأحكام في النكاح، والطلاق والعِدة وتوابع ذلك، ونهى عن تعدِّي ذلك إلى فعل ما لا يجوز شرعًا.

وكما أمر بالمحافظة على ما فصَّله من أحكام المواريث ولزوم حده، ونهى عن تعدِّي ذلك، وتوريث من لا يرث وحرمان من يرث، وتبديل ما فرضه وفصَّله بغيره.

وحيث قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا(17)

كان المراد بذلك: المحرمات. فإن قوله: ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ نهيٌ عن الدنو والقرب منها من أي ناحية من نواحيها. فهو نهيٌ عن مقدِّماتها ونهيٌ عن أسبابها الموصلة إليها والموقعة فيها، ونهيٌ عن فعلها من باب أولى.

كما نهاهم عن المحرمات على الصائم. وبيَّن لهم وقت الصيام فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا(18).

وكما حرَّم على الأزواج أن يأخذوا مما آتوا أزواجهم شيئًا، إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة، ثم قال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا (19) ، وكما بيَّن المحرَّمات في قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى(20) وقال: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(21) وفي الخمر والميسر أنهما: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ(22)

فالخير والسعادة والفلاح في معرفة حدود الله، والوقوف عندها والمحافظة عليها. كما أن أصل كل الشر وأسباب كل العقوبات الجهل بحدود الله، وترك المحافظة عليها، والله أعلم.

القاعدة السادسة والعشرون

الأصل: أن الآيات التي فيها قيود لا تثبت أحكامها إلا بوجود تلك القيود، إلا في آيات يسيرة.

وهذه قاعدة لطيفة. فإن الله متى رتَّب في كتابه حكمًا على شيء، وقيَّده بقيد، أو شَرَطَ لذلك شرطًا، تعلق الحكم به على ذلك الوصف، الذي وصفه الله تعالى.

وهذا في القرآن لا حصر له. وإنما المقصود ذكر المستثنى من هذا الأصل الذي يقول كثير من المفسرين، إذا تكلَّموا عليها: هذا قيد غير مراد. ففي هذه العبارة نظر.

فإن كل لفظة في كتاب الله فإن الله أرادها لما فيها من فائدة. قد تظهر للمتكلم وقد تخفى. وإنما مرادهم بقولهم: «غير مراد» ثبوت الحكم بها.

فاعلم أن الله تعالى يذكر الأحكام الشرعية من أصول وفروع، ويذكر أعلى حالة لها ليبرزها لعباده، ليظهر لهم حسنها، إن كانت مأمورًا بها، أو قبحها إن كانت منهيًا عنها.

وعند تأمل هذه الآيات التي بهذا الصدد يظهر لك منها عيانًا.

فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ(23).

ومن المعلوم أن من دعا مع الله إلهًا آخر فإنه كافر، وأنه ليس له برهان مطلقًا. وإنما قيدها الله بهذا القيد بيانًا لشناعة الشرك والمشرك، وأن الشرك ليس له دليل شرعي ولا عقلي قطعًا. والمشرك ليس بيده ما يسوِّغ له شيئًا من ذلك.

ففائدة هذا القيد: التشنيع البليغ على المشركين بما تملَّكَهُم لغبائهم وبلادتهم التقليدية من المعاندة ومخالفة البراهين الشرعية والعقلية، وأنه ليس بأيديهم إلا أغراض بهيمية ومقاصد سيئة وتقليد أعمى كالأنعام، وأنهم لو التفتوا أدنى التفات لعرفوا أن ما هم عليه لا يستسيغه من له أدنى فهم ولا عقل.

ومنها قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ(24)

مع أن كونها في حِجْره أو غَيْرِ حِجْره ليس شرطًا لتحريمها. فإنها تحرم مطلقًا. ولكن ذكر الله هذا القيد تشنيعًا لهذه الحالة، وأنه من أقبح القبيح تزويج الربيبة التي هي في حجر الإنسان بمنزلة بنته. فذكر الله المسألة متجلية بثياب قبحها، لينفِّر عنها ذوي الألباب، مع أن التحريم لم يعلَّق بمثل هذه الحالة. فالأنثى إمَّا أن تكون مباحة مطلقًا، أو محرمة مطلقًا سواء كانت عند الإنسان أم لا. كحالة بقية النساء المحلَّلات والمحرَّمات.

ومنها قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ(25) و: ﴿مِّنْ إِمْلاقٍ(26)

مع أنه من المعلوم النهي عن قتل الأولاد في أي حال. فالفائدة في ذكر هذه الحالة: أنها حالة جامعة للشر كله: كونه قتلًا بغير حق، وقتل من جبلت النفوس على شدة الشفقة عليه شفقة لا نظير لها. وكون ذلك صادرًا عن التسخط لقدر الله، وإساءة الظن بالله. فأولئك الذين يقتلون أولادهم خشية بالفقر والإملاق إنما يقتلونهم تبرُّمًا وتسخطًا بقدر الله، فهم قد تبرَّموا بالفقر هذا التبرُّم، وأساءوا ظنونهم بربهم حيث ظنوا أنهم إن أبقوهم زاد فقرهم، واشتدت فاقتهم، فصار الأمر بالعكس.

وأيضًا فإنه إذا كان منهيًا عن قتلهم في هذه الحال التي دفعهم إليها خشية الفقر وحدوثه، ففي حال سعة الرزق من باب أولى وأحرى.

وأيضًا ففي هذا بيان للحالة الموجودة غالبًا عندهم.

فالتعرض لذكر الأسباب الموجودة الحادثة يكون أجلى وأوضح للمسائل.

وأما قوله تعالى في الرجعة: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً(27)

فمن العلماء من قال: إنه من هذا النوع. وأنه يستحق ردها سواء أراد الإصلاح أو لم يرده. فيكون ذكر هذا القيد حثًّا على لزوم ما أمر الله به، من قصد الإصلاح وتحريم إمساكها وردِّها إلى زوجتيه على وجه المضارة. وإن كان يملك ردها، كقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ(28)

ومن العلماء من جعل هذا القيد على الأصل العام، وأن الزوج لا يملك رجعة زوجته في عدتها إلا إذا قصد الإِصلاح. فأما إذا قصد ضد ذلك فلا حق له في رجعتها. وهذا هو الصواب.

ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ(29)

مع أن الرهن يصح حضرًا وسفرًا. ففائدة هذا القيد: أن الله ذكر أعلى الحالات، وأشد الحاجات للرهن، وهي هذه الحالة في السفر، والكاتب مفقود، والرهن مقبوض، فأحوج ما يحتاج الإنسان للرهن في هذه الحالة التي تعذرت معها التوثيقات إلا بالرهن المقبوض، وكما قاله الناس في قيد السفر فكذلك على الصحيح في قيده بالقبض. وأن قبضه ليس شرطًا لصحته، وإنما ذلك للاحتياط، وزيادة الاستيثاق. وكذلك فَقْد الكاتب.

ومنها قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ(30)

مع أن الحق يثبت بالرجل فقط والمرأتين فقط، مع وجود الرجلين، لكن ذكر الله أكمل حالة يحصل بها الحفظ للحقوق، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد الواحد مع اليمين، والآية ليس فيها ذلك لهذه الحكمة، وهو أن الآية أرشد الله فيها عباده إلى أعلى حالة يحفظون بها حقوقهم، لتمام راحتهم.

وأما قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى(31) فإنها من أصل القاعدة، ويظن بعض الناس أنها من هذا النوع. وأنه يجب التذكير، نفعت الذكرى أو لم تنفع. لكن قصر الآية على هذا غلط، فإن الآية تعطي أيضًا لمن تدبر أن الذكرى إذا كان يحصل بها الخير كله أو بعضه أو يزول بها الشر كله أو بعضه وجب توجيهها. فأما إذا كان ضرر التذكير أعظم من نفعه، فإنه منهي عنه في هذه الحال، كما نهى الله عن سبِّ آلهة المشركين إذا كان وسيلة لسبِّ الله. وكما ينهى عن الأمر بالمعروف إذا كان يترتب عليه شرٌّ أكبر، أو فوات خير أكثر من الخير الذي يُؤمر به. وكذلك النهي عن المنكر إذا ترتب عليه ما هو أعظم منه شرًا. فالتذكير في هذه الحال غير مأمور به، بل منهي عنه. وكل هذا من تفصيل قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ(32) فعُلم أن هذا قيد مُراد، ثبوت الحكم به ثبوتًا وانتفاءً، والله أعلم.

ومنها قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ(33) مع أنه لا يقع قتلهم إلا بغير حق، فهذا نظير ما ذكره في الشرك، وأن هذا إنما هو لتشنيع هذه الحالة التي لا شبهة لصاحبها، بل صاحبها أعظم الناس جرمًا، وأشدهم إساءة.

وأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ(34) فليست من هذا النوع، وإنما هي من النوع الأول الذي هو الأصل، و«الحق» الذي قيدها الله به جاء مفسرًا في قوله صلى الله عليه وسلم: «النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة».

ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا(35) مع أن فَقْد الماء ليس من شرطه وجود السفر. فإنه إذا فُقد جاز التيمم حضرًا وسفرًا، لكن ذِكْرَ السفر لبيانٌ الحالة التي يغلب أن يُفقد فيها الماء. وأما الحضر فإنه يندر فيه عدم الماء جدًّا.

وظن بعض العلماء أن السفر وحده مبيح للتيمم. وإن كان الماء موجودًا، وهو في غاية الضعف. وما ثبت من هدي الرسول وأصحابه والأئمة مخالف لهذا القول.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا(36) مع أن الخوف ليس شرطًا لصحة القصر ومشروعيته بالاتفاق. ولما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا أجاب: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» ويعني بصدقة الله: إحسانه في كل زمان ومكان، لا يتقيد بخوف ولا غيره.

ومن العلماء من قال: إن هذا القيد من القسم الأول وأن القصر التام -وهو قصر العدد وقصر الأركان والهيئات- شرطه اجتماع السفر والخوف كما في الآية، فإن وُجد الخوف وحده لم يُقصر عدد الصلاة وإنما تُقصر هيئاتها وصفاتها. وإن وُجد السفر وحده لم تُقصر هيأتها وشروطها وإنما يُقصر عددها. ولا ينافي هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم إنما سألوه عن قصر العدد فقط، فأجابهم بأن الرخصة فيه عامة في كل الأحوال.

وهذا تقرير مليح موافق لظاهر الآية غير مخالف لحديث الرسول فيتعيَّن الأخذ به.

القاعدة السابعة والعشرون

المحترزات في القرآن تقع في كل المواضع عند الحاجة إليها

وهذه القاعدة جليلة النفع، عظيمة الوقع.

وذلك أن ما من موضع يسوق الله فيه حكمًا من الأحكام أو خبرًا من الأخبار فيتشوَّف الذهن فيه إلى شيء آخر، إلا وجدت الله قد قرن به ذلك الأمر الذي تشوفت إليه الأذهان، فيبيِّنه أحسن بيان. وهذا أعلى أنواع التعليم، فإنه لا يُبقي إشكالًا إلا أزاله، ولا احتمالًا إلا وضَّحه. وهذا يدل على عظيم فضل الله وبالغ حكمته. وهو في القرآن كثير جدًا.

ولنذكر بعض أمثلة توضح هذه القاعدة.

فمن ذلك قوله تعالى في سورة النمل: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا(37) لما كان تخصيص مكة بالذكر ربما يوقع في بعض الأذهان تخصيص ربوبيته بها أزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ(38).

ومنها قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ(39) لما كان قد يقع في الذهن أنهم على بعض حجة وبرهان في شركهم، أبان بقوله: ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ(40) أن ضلالهم إنما هو تقليد أعمى لآبائهم وجهل مطبق. ثم لما كان قد يتوهم أنهم في طمأنينة من قولهم وعلى يقين من شركهم وكفرهم بدَّد ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوَهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ(41).

فبيَّن بهذا أنهم ليسوا على شيء من اليقين في دينهم ولا اطمئنان إلى جزائهم في الآخرة بما يحبون. فإن من المحال أن يؤتي العزيز الحكيم الجزاء في الآخرة بما يهوى الضالون. ولما قال في سورة النساء: ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ(42) ربما يظن الظان أنهم لا يستوون مع القاعدين ولو كان القاعدون معذورين، أزال هذا الوهم بقوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ(43).

وكذلك لما قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا(44) ربما توهم أحد أن المفضولين ليس لهم عند الله مقام ولا مرتبة على حال، فأزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى(45)

ثم لما كان ربما يتوهم أن هذا الأجر يُستحق بظاهر هذا العمل المذكور، ولو خلا من الإخلاص، أزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(46).

ومنها قوله في سورة النمل: ﴿وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ(47) ربما وقع في الذهن أنهم قد يصلحون، فأزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَلاَ يُصْلِحُونَ(48) أي لا خير فيهم أصلًا مع شرهم العظيم.

ومنها: أنه قال في عدة مواضع: ﴿وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ(49) فربما توهم أحدٌ أنهم، وإن لم يسمعوا، فإنهم يفهمون الإشارة. فأزال هذا الاحتمال بقوله: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(50) فهذه حالة لا تقبل سماعًا ولا رؤية لتحصل الإشارة. وهذا نهاية الإِعراض.

ومنها قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ(51) ربما توهم أحد أن هدايته تأتي جزافًا من غير سبب. فأزال هذا بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(52) أي بمن يصلح للهداية لزكائه وخيره، وإقباله على الهداية وطلبه بالتفكر في آيات الله، والشوق إلى فهم ما يوحي به إلى رسله، فأبان أن هدايته تابعة لحكمته التي هي وضع الأشياء مواضعها. ومن كان فقيهًا غير مقلد أي من هذا شيئًا كثيرًا.

القاعدة الثامنة والعشرون

في ذكر الأوصاف الجامعة التي وصف الله بها المؤمن

لما كان الإيمان أصل كل خير وفلاح في الدنيا والآخرة، وبفقده يفقد كل خير ديني ودنيوي وأخروي، أكثر الله من ذكره في القرآن جدًّا: أمرًا به ونهيًا عن ضده، وترغيبًا فيه، وبيانًا لأوصافِ أهله وما لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.

فإذا كان المقام مقام خطاب للمؤمنين بالأمر والنهي، أو مقام إثبات الأحكام الدنيوية بوصف الإيمان. فإنها تتناول كل مؤمن، سواء كان متمِّمًا لواجبات الإيمان وأحكامه، أو ناقصًا شيئًا منها.

وأما إن كان المقام مقام مدح وثناء، وبيان الجزاء الكامل للمؤمن: فإن المراد بذلك المؤمن حقًّا والجامع لمعاني الإيمان.

وهذا هو المراد بيانه هنا، فنقول: وصف الله المؤمن في كتابه بتصديقه وإذعانه لجميع عقائد الدين، وبحب ما يحبه الله ويرضاه، وبالعمل به، وبالتباعد والحذر من كل ما يبغضه الله، وبإدامة الإنابة والرجوع إلى الله في كل حال. وكان لإيمانه أطيب الثمرات في الأعمال والأخلاق.

فوصف المؤمنين بالإيمان بالأصول الجامعة. وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيرِه وشرهِ. وأنهم يؤمنون بكل ما جاء به الرسل كلهم، ويؤمنون بالغيب، ووصفهم بالسمع والطاعة والانقياد ظاهرًا وباطنًا. ووصفهم بأنهم: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاًّ(53).

ووعدهم بأنعم وأطيب البشرى:﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(54)

ووصفهم بأن جلودهم تقشعر وعيونهم تفيض من الدمع، وقلوبهم تلين وتطمئن لآيات الله وذكره، وبأنهم يخشون ربهم بالغيب والشهادة، وأنهم يؤتُون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.

ووصفهم بالخشوع في أحوالهم عمومًا، وفي الصلاة خصوصًا، وأنهم عن اللغو معرضون، وللزكاة فاعلون، ولفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم. وأنهم بشهاداتهم قائمون ولأماناتهم وعهدهم راعون.

ووصفهم بأنهم يمشون على الأرض هونًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا. وأنهم يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، وأنهم يقولون بدعائهم وأعمالهم وأخلاقهم: ربنا اصرف عنا عذاب جهنم. وأنهم مقتصدون وسطٌ في كل شؤونهم، وإذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا. وأنهم لا يَدْعُون مع الله إلهًا آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون. وأنهم لا يشهدون الزور، وإذا مروا باللغو مروا كراما، وأنهم إذا ذكروا بآيات ربهم لم يَخِرُّوا عليها صُمًّا وعميانًا، بل خروا سُجَّدًا وبكيًا. ويخرون للأذقان يبكون وتزيدهم رؤية آيات الله وسماعها خشوعًا وإخباتًا. وأنهم يطلبون السمو والعلو دائمًا فلا يرضون إلا أن يكونوا أئمةً في الهدى والإيمان والتقوى ومكارم الأخلاق، وأنهم يقدرون الواجب عليهم ومسؤوليتهم أمام الله عما استرعاهم من الأولاد والزوجات وغيرهم، فيحسنون القيام عليهم في تأديبهم وتربيتهم ليكونوا قرة عين لهم.

ووصفهم باليقين الكامل الذي لا ريب فيه، وبالجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.

ووصفهم بالإخلاص لربهم في كل ما يأتون ويذرون.

ووصفهم بمحبة المؤمنين والدعاء للسابقين واللاحقين منهم، وأنهم مجتهدون في إزالة الغلِّ من قلوبهم على المؤمنين، وبأنهم يتولّون الله ورسوله وعباده المؤمنين، ويتبرؤون من موالاة جميع أعداء الدين، وبأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله في كل أحوالهم.

فجمع الله لهم بين العقائد الحقَّة واليقين الكامل، والإِنابة التامة التي آثارها الانقياد لفعل المأمورات، وترك المنهيات، والوقوف على الحدود الشرعيات.

فهذه الأوصاف الجليلة هي وصف المؤمن المطلق الذي سلم من أسباب العقاب، واستحق جميل الثواب، ونال كل خير رُتِّب على الإِيمان.

فإن الله رتب على الإِيمان في كتابه من الفوائد والثمرات ما لا يقل عن مائة فائدة. كل واحدة منها خير من الدنيا وما فيها.

رتب على الإيمان نيل رضاه الذي هو أكبر من كل شيء. ورتب عليه دخول الجنة والنجاة من النار، والسلامة من عذاب القبر ومن أهوال القيامة، والبشرى الكاملة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والثبات في الدنيا على الإِيمان والطاعات وعند الموت وفي القبر ورتَّب عليه الحياة الطيبة في الدنيا والرزق الكريم والحسنة وتيسيره لليسرى وتجنيبه للعسرى، وطمأنينة القلوب، وراحة النفوس والقناعة التامة، وصلاح الأحوال، وصلاح الذرية والصبر عند المحن والمصائب. وحَمْل الله عنهم الأثقال ومدافعة الله عنهم جميع الشرور، والنصر على الأعداء ورَفْع المؤاخذة عند النسيان والخطأ، وأن الله قد وضع عنهم الآصار والأغلال التي تكبل بها المقلدون الغافلون، الأشقياء المعذبون في الدنيا والآخرة بكفرهم وشركهم.

فالإيمان أكبر وسيلة للقرب من الله والقرب من رحمته، ونيل ثوابه، وأكبر وسيلة لمغفرة الذنوب، وإزالة الشدائد وتخفيفها.

القاعدة التاسعة والعشرون

في الفوائد التي يجتنيها العبد في معرفته وفهمه لأجناس علوم القرآن

وهذه القاعدة تكاد تكون هي المقصود الأعظم في علم التفسير. وذلك أن القرآن مشتمل على علوم متنوعة، وأصناف جليلة من العلوم، فعلى العاقل الناصح لنفسه أن يتدبر قق ويعرف كل نوع منها. ويعمل على هذا ويتتبع الآيات الواردة فيه. فيحصل المراد منها: علمًا وتصديقًا، وحالًا، وعملًا.

فأجلُّ علوم القرآن على الإطلاق: علم التوحيد، وما لله من صفات الكمال. فإذا مرَّت عليه الآيات في توحيد الله وأسمائه وصفاته أقبل عليها. فإذا فهمها وفهم المراد بها أثبتها لله على وجه لا يماثله فيه أحد. وعرف أنه ليس له مثيل في ذاته ولا في صفاته، وامتلأ قلبه من معرفة ربه وحبه بحسب العلم بكمال الله وعظمته. فإن القلوب مجبولة على محبة الكمال. فكيف بمن له الكمال المطلق؟ ومنه جميع النعم الجزيلة؟ ويعرف أن أصل الأصول هو الإيمان بالله، وأن هذا الأصل يقوى ويكمل بحسب معرفة العبد لربه، وفهمه لمعاني صفاته بما يشهد من آثارها عليه وعلى الناس، فيقدر الله حق قدره ويشكره أعظم الشكر.

وأيضًا يعرف أنه بتكميله هذا العلم تكمل علومه وأعماله. فإنه هو أصل العلم وأصل التعبد.

ومن علوم القرآن: صفات الرسل وأحوالهم، وما جرى لهم وعليهم، مع من وافقهم ومن خالفهم. وما كانوا عليه من الأوصاف الراقية والأخلاق الكريمة. فإذا فهم هذه الآيات ازدادت معرفته ومحبته لهم، خصوصًا إمامهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، فيقتدي بأخلاقهم وأعمالهم جهد طاقته، ويفهم أن الإيمان بهم تمامه وكماله: بمعرفته التامة بأحوالهم، ومحبتهم، واتباعهم. وفي القرآن من نعوتهم الشيء الكثير الذي يحصل به تمام الهدى. ويستفيد أيضًا الاقتداء بشرائعهم الحكيمة وإرشاداتهم للخلق وحسن خطابهم، ولطف جوابهم وتمام صبرهم. فليس القصد من قصصهم أن تكون سَمَرًا، وإنما القصد أن تكون عِبَرًا.

ومن علوم القرآن: علم أهل السعادة والخير، وأهل الشقاوة والشر. والفرقان بين هؤلاء وهؤلاء. وبيان الصفات والطرق التي وصل بها هؤلاء إلى دار النعيم، ووصل بها أولئك إلى دار الجحيم، وفي معرفته لذلك فوائد الترغيب في الاقتداء بالأخيار، والترهيب من أحوال الأشرار. فأحب الأخيار ووالاهم وأبغض الفجار وعاداهم؛ فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان. وكلَّما كان أعرف لأحوالهم تمكن من هذه المقاصد.

ومن علوم القرآن: علم الجزاء في الدنيا، والبرزخ والآخرة، على أعمال الخير وأعمال الشر.

وفي ذلك مقاصد جليلة: الإيمان بكمال عدل الله وسعة فضله، والإيمان باليوم الآخر. فإن تمام الإِيمان بذلك يتوقف على معرفة ما يكون فيه، والرغبة في الأعمال التي رتب الله عليها الجزاء الجميل، والرهبة من ضدها.

ومن علوم القرآن: الأمر والنهي.

وفي ذلك مقاصد جليلة: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؛ فإن العباد محتاجون إلى معرفة ما أُمِروا به وما نُهُوا عنه والعمل بذلك. والعلم سابق للعمل، وطريق ذلك: إذا مرَّ على القارئ نص فيه أمر بشيء عرفه، وفهم ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه، وحاسب نفسه: هل هو قائم بذلك كله أو بعضه أو تاركه؟ فإن كان قائمًا به فليحمد الله، ويسأله الثبات والزيادة من الخير. وإن كان مقصرًا فيه فليعلم أنه مطالب به. وملزوم به. فليستعن الله على فعله. وليجاهد نفسه على ذلك.

وكذلك في النهي ليعرف ما يُراد منه، وما يدخل في ذلك. ثم لينظر إلى نفسه فإن كان قد ترك ذلك فليحمد الله على توفيقه، ويسأله أن يثبته على ترك المناهي، كما يسأله الثبات على فعل الطاعات. وليجعل الداعي له على الترك امتثال طاعة الله، ليكون تركه عبادة، كما كان فعله للطاعة عبادة. وإن كان غير تارك له، فليبادر بالتوبة إلى الله توبةً نَصُوحًا جازمة، لا تمنعه منها الشهوات الدنية التي تدعو إليها النفس الأمارة بالسوء.

القاعدة الثلاثون

أركان الإيمان بالأسماء الحسنى ثلاثة: إيماننا بالاسم، وبما دلّ عليه من المعنى، وبما تعلق به من الآثار.

وهذه القاعدة العظيمة: خاصة بأسماء الرب سبحانه وتعالى.

وفي القرآن من الأسماء الحسنى ما ينيف عن ثمانين اسمًا - كُرِّرت في آيات متعددة، بحسب ما يناسب المقام، كما تقدم بعض الإشارة إليها.

وهذه القاعدة تنفعك في كل اسم من أسمائه الحسنى المتعلِّقة بالخلق والأمر، والثواب والعقاب.

فعليك أن تؤمن بأنه عليم، وذو علم عظيم، محيط بكل شيء، قدير، وذو قدرة وقوة عظيمة. ويقدر على كل شيء، ورحيم وذو رحمة عظيمة، ورحمته وسعت كل شيء والثلاثة متلازمة.

فالاسم دل على الوصف. وذلك دل على المُتَعَلَّق. فمن نفى واحدًا من هذه الثلاثة فلن تتم معرفته بالله ولن يتم إيمانه بأسماء الرب وصفاته، الذي هو أصل التوحيد.

ولنكتف بهذا الأنموذج. ليعرف أن الأسماء كلها على هذا.


(1) النساء: 19.
(2) البقرة: 228.
(3) الأعراف: 31.
(4) الأعراف: 26.
(5) الأنفال: 60.
(6) النساء: 29.
(7) الزخرف: 22.
(8) البقرة: 19.
(9) الجاثية: 13.
(10) النحل: 90.
(11) الأعراف: 29.
(12) البقرة: 143.
(13) التوبة: 112.
(14) البقرة: 229.
(15) البقرة: 187.
(16) البقرة: 229.
(17) البقرة: 187.
(18) البقرة: 187.
(19) البقرة: 187.
(20) الإسراء: 32.
(21) الأنعام: 152.
(22) المائدة: 90.
(23) المؤمنون: 117.
(24) النساء: 23.
(25) الإسراء: 31.
(26) الأنعام: 151.
(27) البقرة: 228.
(28) البقرة: 231.
(29) البقرة: 283.
(30) البقرة: 282.
(31) الأعلى: 9.
(32) النحل: 125.
(33) البقرة: 61.
(34) الأنعام: 151.
(35) المائدة: 6.
(36) النساء: 101.
(37) النمل: 91.
(38) النمل: 91.
(39) هود: 109.
(40) هود: 109.
(41) هود: 109 و110.
(42) النساء: 95.
(43) النساء: 95.
(44) الحديد: 10.
(45) الحديد: 10.
(46) الحديد: 10.
(47) النمل: 48.
(48) النمل: 48.
(49) النمل: 80.
(50) النمل: 80.
(51) القصص: 56.
(52) الأنعام: 117.
(53) الأنفال: 2 - 4.
(54) الحج: 34 و 35.