موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القاعدة الحادية عشرة إلى القاعدة العشرين - القواعد الحسان في تفسير القرآن
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / القواعد الحسان في تفسير القرآن لـ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي
  
 
القواعد الحسان في تفسير القرآن - القاعدة الحادية عشرة إلى القاعدة العشرين

القاعدة الحادية عشرة

كما أن المفسر للقرآن يراعي ما دلت عليه ألفاظه، مطابقة، وما دخل في ضمنها، فعليه أن يراعي لوازم تلك المعاني، وما تستدعيه من المعاني، التي لم يعرج في اللفظ على ذكرها.

وهذه القاعدة من أجلِّ قواعد التفسير، وأنفعها. وتستدعي قوة فكر، وحُسن تدبر وصحة قصد. فإن الذي أنزله للهدى والرحمة. هو العالم بكل شيء، الذي أحاط علمه بما تكنُّ الصدور، وبما تَضَمّنه القرآن من المعاني، وما يتبعها وما يتقدمها، وتتوقف هي عليه.

ولهذا أجمع العلماء على الاستدلال باللازم في كلام الله لهذا السبب.

والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع: أن تفهم ما دلّ عليه اللفظ من المعاني. فإذا فهمتها فهمًا جيِّدًا، ففكِّر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل بدونها، وما يشترط لها. وكذلك فكر فيما يترتب عليها، وما يتفرَّع عنها، وينبني عليها. وأَكْثِرْ من هذا التفكير وداوم عليه، حتى يصير لك ملَكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة. فإن القرآن حق. ولازم الحق حق. وما يتوقف على الحق حق. وما يتفرَّع على الحق حق. ذلك كله حق ولا بدّ.

فمن وُفِّق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقًا ونورًا انفتحت له في القرآن العلوم النافعة، والمعارف الجليلة والأخلاق السامية والآداب الكريمة العالية.

ولنمتثل لهذا الأصل أمثلة توضحه:

منها: في أسماء الله الحسنى «الرحمن الرحيم» فإنها تدل بلفظها على وصفه بالرحمن، وسعة رحمته.

فإذا فهمت أن الرحمة التي لا يشبهها رحمة: هي وصفه الثابت، وأنه أوصل رحمته إلى كل مخلوق، ولم يَخْلُ أحد من رحمته طرفة عين: عرفت أن هذا الوصف يدل على كمال حياته، وكمال قدرته وإحاطة علمه، ونفوذ مشيئته، وكمال حكمته. لتوقُّف الرحمة على ذلك كله. ثم استدللت بسعة رحمته على أن شرعه نور ورحمة. ولهذا يعلِّل الله تعالى كثيرًا من الأحكام الشرعية برحمته وإحسانه لأنها من مقتضاه وأثره.

ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ(1)

فإذا فهمت أن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها: استدللت بذلك على وجوب حفظ الأمانات، وعدم إضاعتها والتفريط والتعدي فيها، وأنك لا تنال رضا الله إلا بأدائها لأهلها.

وإذا فهمت أن الله أمر بالحكم بين الناس بالعدل استدللت بذلك على كل حاكم بين الناس في الأمور الكبار والصغار، لا بد أن يكون عالمًا بما يحكم به: فإن كان حاكمًا عامًا، فلا بد أن يحصِّل من العلم ما يؤهله لذلك. وإن كان حاكمًا ببعض الأمور الجزئية كالشقاق بين الزوجين، حيث أمر الله أن نبعث حَكَمًا من أهله وَحَكَمًا من أهلها، فلا بد أن يكون عارفًا بهذه الأمور التي يريد أن يحكم فيها، ويعرف الطريق التي توصله إلى الصواب منها.

وبهذا بعينه نستدل على وجوب طلب العلم، وأنه فرض عين في كل أمر يحتاجه العبد؛ فإن الله أمرنا بأوامر كثيرة، ونهانا عن أمور كثيرة.

ومن المعلوم: أن امتثال أمره واجتناب نهيه: يتوقف على معرفة المأمور به والمنهي عنه وعلمه. فكيف يتصور أن يمتثل الجاهل الأمر الذي لا يعرفه، أو يتجنب الأمر الذي لا يعرفه؟

وكذلك أمره لعباده: أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، يتوقف ذلك على العلم بالمعروف والمنكر. ليأمروا بهذا، وينهوا عن هذا. فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وما لا يحصل ترك المنهي عنه إلا به فهو واجب.

فالعلم بالإيمان والعمل الصالح متقدِّم على القيام به. والعلم بضد ذلك متقدِّم على تركه، لاستحالة ترك ما لا يعرفه العبد قصدًا وتقرُّبًا وتعبُّدًا حتى يعرفه ويميزه عن غيره.

ومن ذلك: الأمر بالجهاد، والحث عليه. من لازم ذلك الأمر بكل ما لا يتم الجهاد إلا به: من تعلُّم الرمي بكل ما يرمى به والركوب لكل ما يركب، وعمل آلاته وصناعاته. مع أن ذلك كله داخل دخول مطابقة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ(2) فإنها تتناول كل قوة عقلية وبدنية، وسياسية وصناعية ومالية، ونحوها.

ومن ذلك أن الله استشهد بأهل العلم على توحيده، وقرن شهادتهم بشهادته، وشهادة ملائكته. وهذا يدل على عدالتهم وأنهم حجة من الله تعالى على من كذَّب بمنزلة آياته وأدلته.

ومن ذلك: أن سؤال عباد الرحمن ربهم أن يجعلهم للمتقين إمامًا: يقتضي سؤالهم الله جميع ما تتم به الإمامة في الدين: من علوم ومعارف جليلة، وأعمال صالحة وأخلاق فاضلة. لأن سؤال العبد لربه شيئًا سؤالٌ له ولما لا يتم إلا به. كما إذا سأل العبدُ اللهَ الجنة، واستعاذ به من النار: فإنه يقتضي سؤاله كل ما يقرِّب إلى هذه ويبعد من هذه.

ومن ذلك: أن الله أمر بالصلاح والإصلاح. وأثنى على المصلحين. وأخبر أنه لا يصلح عمل المفسدين. فيستدل بذلك على أن كل أمر فيه صلاح للعباد في أمر دينهم ودنياهم، وكل أمر يُعين على ذلك فإنه داخل في أمر الله وترغيبه؛ وأن كل فساد وضرر وشر، فإنه داخل في نهيه والتحذير عنه، وأنه يجب تحصيل كل ما يعود إلى الصلاح والإصلاح، بحسب استطاعة العبد، كما قال شعيب صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ(3).

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ(4) و﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ(5) يقتضي الأمر بكل ما لا تتم البشارة إلا به، والأمر بكل ما فيه حث وتحريض على القتال وما يتوقف على ذلك، ويتبعه من الاستعداد والتمرُّن على أسباب الشجاعة والسعي في القوة المعنوية من التآلف واجتماع الكلمة، ونحو ذلك.

ومن ذلك: الأمر بتبليغ الأحكام الشرعية، والتذكير بها، وتعليمها. فإن كل أمر يحصل به التبليغ وإيصال الأحكام إلى المكلَّفين يدخل في ذلك، حتى إنه يدخل فيه إذا ثبتت الأحكام الشرعية، ووُجدت أسبابها، وكانت تخفى عادة على أكثر الناس، كثبوت الصيام، والفطرة، والحج وغيره بالأهلَّة إبلاغها بالأصوات والرمي، وإبلاغها بما هو أبلغ من ذلك، كالبرقيات، ونحوها. وكذلك يدخل فيه كل ما أعان على إيصال الأصوات إلى السامعين، من الآلات الحادثة، فحدوثها لا يقتضي منعها فكل أمر ينفع الناس فإن القرآن لا يمنعه، بل يدل عليه لمن أحسن الاستدلال والانتفاع به.

وهذا من آيات القرآن، وأكبر براهينه أنه لا يمكن أن يحدث علم صحيح ينقض شيئًا منه؛ فإنه يَرِدُ بما تشهد به العقول جملة وتفصيلًا؛ ويرد بما لا تهتدي إليه العقول.

وأما وروده بما تحيله العقول الصحيحة وتمنعه، فهذا محال. والحس والتجربة شاهدان بذلك. فإنه مهما توسَّعت الاختراعات وعظمت الصناعات، وتبحرت المعارف الطبيعية، وظهر للناس في هذه الأوقات ما كانوا يجهلونه قبل ذلك: فإن القرآن وللَّه الحمد لا يخبر بإحالته، بل نجد بعض الآيات فيها إجمال أو إشارات تدل عليه.

وقد ذكرنا شيئًا من ذلك في غير هذا الموضع، والله أعلم وأحكم وبالله التوفيق.

القاعدة الثانية عشرة

الآيات القرآنية التي يفهم منها قصار النظر التعارض: يجب حمل كل نوع منها على ما يليق ويناسب المقام كل بحسبه.

وهذا في مواضع متعددة من القرآن.

منها: الإخبار في بعض الآيات: أن الكفار لا ينطقون، ولا يتكلمون يوم القيامة. وفي بعضها: أنهم ينطقون ويحاجون ويتعذرون، ويعترفون. فمجمْل كلامهم ونطقهم: أنهم في أول الأمر يتكلَّمون ويعتذرون، وقد ينكرون ما هم عليه من الكفر ويُقسمون على ذلك. ثم إذا خُتم على ألسنتهم وأفواههم، وشهدت عليهم جوارحهم بما كانوا يكسبون، ورأوا أن الكذب غير مفيد لهم، أُخرسوا فلم ينطقوا.

وكذلك الإخبار بأن الله تعالى لا يكلمهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة مع أنه أثبت الكلام لهم معه. فالنفي واقع على الكلام الذي يسرهم، ويجعل لهم نوع اعتبار.

وكذلك النظر والإثبات واقع على الكلام الواقع بين الله وبينهم، على وجه التوبيخ لهم والتقريع. فالنفي يدل على أن الله ساخط عليهم، غير راض عنهم. والإثبات يوضح أحوالهم ويبين للعباد كمال عدل الله بهم. إذ هو يضع العقوبة موضعها.

ونظير ذلك: أن في بعض الآيات أخبر أنه: ﴿لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ(6) وفي بعضها: أنه يسألهم: ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ(7) و﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ(8).

ويسألهم عن أعمالهم كلها.

فالسؤال المنفي: هو سؤال الاستعلام .. والاستفهام عن الأمور المجهولة. فإنه لا حاجة إلى سؤالهم مع كمال علم الله واطلاعه على ظاهرهم وباطنهم وجليل أمورهم ودقيقها.

والسؤال المثبت واقع على تقريرهم بأعمالهم، وتوبيخهم وإظهار أن الله حكم فيهم بعدله وحكمته.

ومن ذلك: الإخبار في بعض الآيات أنه لا أنساب بين الناس يوم القيامة. وفي بعضها: أثبت لهم ذلك. فالمثبت هو الأمر الواقع والنسب الحاصل بين الناس كقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ(9).

والمنفي: هو الانتفاع بها. فإن الكفار يدَّعُون أن أنسابهم تنفعهم يوم القيامة: فأخبر تعالى أنه: ﴿لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(10).

ونظير ذلك: الإخبار في بعض الآيات: أن النسب نافع يوم القيامة، كما في إلحاق ذرية المؤمنين بآبائهم في الدرجات، وإن لم يبلغوا منزلتهم؛ وأن الله يجمع لأهل الجنَّات والدرجات العالية مَنْ صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. فهذا لما اشتركوا في الإيمان، وأصل الصلاح: زادهم من فضله وكرمه، من غير أن ينقص من أجور السابقين لهم شيئًا.

ومن ذلك: الشفاعة؛ فإنه أثبتها في عدة مواضع، ونفاها في مواضع من القرآن، وقيَّدها في بعض المواضع بإذنه ولمن ارتضى من خلقه. فتعيَّن حمل المطلق على المقيد. وأنه حيث نُفيت فهي الشفاعة التي بغير إذنه، ولغير من رضي الله قوله وعمله. وحيث أُثبتت، فهي الشفاعة التي بإذنه لمن رضيه الله وأذن فيه.

ومن ذلك: أن الله أخبر في آيات كثيرة: أنه لا يهدي القوم الكافرين، والفاسقين، والظالمين، ونحوها.

وفي بعضها: أنه يهديهم ويوفقهم. فيتعيَّن حمل المنفيَّات على من حقَّت عليه كلمة الله. لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ(11)

وحمل المثبتات على من لم تحق عليهم الكلمة.

وإنما حقت كلمة الله بالعذاب والطرد على من ارتكسوا في حمأة التقليد وغرقوا في بحر الغفلة، وأبوا أن يستجيبوا لداعي آيات الله الكونية والعملية:

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ(12)

﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى(13)

وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه.

ومن ذلك: الإخبار في بعض الآيات: أنه العلي الأعلى، وأنه فوق عباده وعلى عرشه. وفي بعضها: أنه مع العباد، أينما كانوا، وأنه مع الصابرين، والصادقين، والمحسنين، ونحوهم؛ فَعُلُوُّه تعالى أمر ثابت له، وهو من لوازم ذاته.

ودُنُوُّه، ومعيَّته لعباده: لأنه أقرب إلى كل أحد من حبل الوريد؛ فهو على عرشه عَلِيٌّ على خلقه، ومع ذلك فهو معهم في كل أحوالهم. ولا منافاة بين الأمرين؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته. وما يُتوهم بخلاف ذلك فإنه في حق المخلوقين.

وأما تخصيص المعية بالمحسنين ونحوهم، فهي معية أخص من المعية العامة، تتضمن محبتهم وتوفيقهم، وكلاءتهم، وإعانتهم في كل أحوالهم، فحيث وقعت في سياق المدح والثناء فهي من هذا النوع، وحيث وقعت في سياق التحذير والترغيب والترهيب فهي من النوع الأول.

ومن ذلك: النهي في كثير من الآيات عن موالاة الكافرين وعن موادتهم والاتصال بهم، وفي بعضها الأمر بالإحسان إلى من له حق على الإنسان منهم، ومصاحبته بالمعروف، كالوالدين والجار، ونحوهم.

فهذه الآيات العامَّات من الطرفين قد وضَّحها الله غاية التوضيح في قوله: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ(14).

فالنهي واقع على التولِّي والمحبة لأجل الدين، والأمر بالإحسان والبر، واقع على الإحسان لأجل القرابة أو لأجل الجيرة أو الإنسانية على وجه لا يخل بدين الإنسان.

ومن ذلك: أنه أخبر في بعض الآيات أن الله خلق الأرض ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن سبع سموات وفي بعضها أنه لما أخبر عن خلق السموات، أخبر أن الأرض بعد ذلك دحاها.

فهذه الآية تفسر المراد، وأن خلق الأرض متقدِّم على خلق السموات. ثم لما خلق الله السموات بعد ذلك دحا الأرض فأودع فيها جميع مصالحها المحتاج إليها سكانها.

ومن ذلك: أنه تارة يخبر أنه بكل شيء عليم، وتارة يخبر بتعلق علمه ببعض أعمال العباد، وببعض أحوالهم؛ وهذا الأخير فيه زيادة معنى، وهو يدل على المجازاة على ذلك العمل، سواء كان خيرًا أو شرًا، فيتضمن مع إحاطة علمه الترغيب والترهيب.

ومن ذلك: الأمر بالجهاد في آيات كثيرة، وفي بعض الآيات الأمر بكف الأيدي، والإخلاد إلى السكون؛ فهذه حين كان المسلمون ليس لهم قوة، ولا قدرة على الجهاد باليد. والآيات الأُخرى حين قووا وصار ذلك عين المصلحة، وهو الطريق إلى قمع الأعداء.

ومن ذلك: أنه تارة يضيف الأشياء إلى أسبابها التي وقعت وتقع بها، وتارة يضيفها إلى عموم قدره، وأن جميع الأشياء واقعة بإرادته، ومشيئته. فيفيد مجموع الأمرين إثبات التوحيد، وتفرد الباري بوقوع الأشياء بقدرته ومشيئته وإثبات الأسباب والمسببات والأمر بالمحبوب منها، والنهي عن المكروه، وإباحة مستوى الطرفين، فيستفيد المؤمن الجد والاجتهاد في الأخذ بالأسباب النافعة، وتدقيق النظر وملاحظة فضل الله في كل أحواله، وأن لا يتكل على نفسه في أمر من الأمور بل يتكل على الله ويستعين بربه.

وقد يخبر أن ما أصاب العبد من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه، ليُعَرِّف عباده أن الخير والحسنات والمَحَابَّ تقع بمحض فضله، وجوده، وإن جرت ببعض الأسباب الواقعة من العباد. فإنه هو الذي أنعم بالأسباب وهو الذي يسَّرها، وأن السيئات -وهي المصائب التي تصيب العبد- فإنما أسبابها من نفس العبد، وبتقصيره في حقوق ربه، وتعدِّيه لحدوده. فاللَّه، وإن كان هو المقدِّر لها، فإنه قد أجراها على العبد بما كسبت يداه، ولهذا أمثلة يطول عدُّها.

القاعدة الثالثة عشرة

طريقة القرآن في الحجاج والمجادلة مع أهل الأديان الباطلة

قد أمر الله بالمجادلة بالتي هي أحسن. ومن تأمل الطرق التي نصب الله المحاجَّة بها مع المبطلين على أيدي رسله رآها من أوضح الحجج، وأقواها، وأقومها، وأدلها على إحقاق الحق وإزهاق الباطل، على وجهٍ لا تشويش فيه، ولا إزعاج.

فتأمل محاجة الرسل مع أممهم وكيف دعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، من جهة أنه المنفرد بالربوبية، والمتوحِّد بالنعم. وهو الذي أعطاهم العافية، والأسماع والأبصار، والعقول والأرزاق، وسائر أصناف النعم، كما أنه المنفرد بدفع النقم. وأن أحدًا من الخلق ليس يقدر على رفع ولا دفع، ولا ضر ولا نفع، فإنه بمجرد معرفة العبد بذلك واعترافه به لا بد أن ينقاد للدين الحق، الذي به تتم النعمة، وهو الطريق الوحيد لشكرها.

وكثيرًا ما يحتج على المشركين في شركهم وعبادتهم لآلهتهم من دون ربهم بإلزامهم باعترافهم بربوبيته، وأنه الخالق لكل شيء، والرازق لكل شيء، فيتعين أن يكون هو المعبود وحده.

فانظر إلى هذا البرهان، كيف ينتقل الذهن منه بأول وهلة إلى أنه لا تنبغي العبادة إلا لمن هذا شأنه. ذلك أن آثار ربوبيته تنادي بوجوب الإخلاص له.

ويجادل المبطلين أيضًا بذكر عَيْب آلهتهم، وأنها ناقصة من كل وجه، لا تغني عن نفسها فضلاً عن عابديها شيئًا.

ويقيم الأدلة على أهل الكتاب بأن لهم من سوابق المخالفات لرسلهم ما لا يُستغرب معه مخالفتهم لرسوله الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء مصدِّقًا لما سبقه من الرسالات التي مقصدها جميعها واحد، وهو فك أغلال التقليد عن قلوب بني آدم لينتفعوا بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بالتفكر في آيات ربهم، فيعرفوا بذلك أنه الإله الحق، وأن كل ما اتخذه الناس بوحي شياطين الإنس والجن من آلهة، فلا يخرج شيء منها عن أن يكون أثرًا من آثار هذه الآيات، وأنها لذلك لا تليق بأي وجه لمشاركة ربها وخالقها في الآلهية، ولا ينبغي أن تعطى إلا حقها في المخلوقية والعبودية.

وأن الخالق الذي ليس كمثله شيء هو المستحق لكل أنواع العبادة، وأن لا يعبد إلا بما أحب وشرّع.

وينقُضُ على رؤساء المشركين ودعاة الباطل دعاويهم الباطلة وتزكيتهم لأنفسهم بالزور، ببيان ما يضادُّ ذلك من أحوالهم وأوصافهم ويجادلهم بتوضيح الحق وبيان براهينه، وأن صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وحقيقة هذا تدفع بمجردها جميع الشبه المعارضة له. فماذا بعد الصدق إلا الكذب؟ وبعد الحق إلا الضلال؟

وهذا الأصل في القرآن كثير. فإنه يفيد الدعوة للحق، ورد كل باطل ينافيه.

ويجادلهم بوجوب تنزيل الأمور منازلها، وأنه لا يليق أن يجعل للمخلوق، العبد الفقير العاجز من كل وجه، شيئًا من حقوق الرب الخالق الغني، الكامل من جميع الوجوه.

ويتحدَّاهم أن يأتوا بكتاب أو شريعة أهدى وأحسن من هذه الكتاب ومن هذه الشريعة. وأن يعارضوا القرآن فيأتوا بمثله إن كانوا صادقين.

ويأمر نبيه بمباهلة من ظهرت مكابرته وعناده فينكصون عنها، لعلمهم أنه رسول الله الصادق، الذي لا ينطق عن الهوى وأنهم لو باهَلوه لهلكوا.

وفي الجملة لا تجد طريقًا نافعًا فيه إحقاق الحق وإبطال الباطل إلا وقد رسمه القرآن على أكمل الوجوه.

القاعدة الرابعة عشرة

حذف المتعلق المعمول فيه: يفيد تعميم المعنى المناسب له

وهذه قاعدة مفيدة جدًا، متى اعتبرها الإنسان في الآيات القرآنية أكسبته فوائد جليلة.

وذلك أن الفعل وما هو معناه متى قُيِّدَ بشيء تقيَّد به. فإذا أطلقه الله تعالى، وحذف المُتَعَلَّق كان القصد من ذلك التعميم، ويكون الحذف هنا أحسن وأفيد كثيرًا من التصريح بالمُتَعَلَّقَات، وأجمع للمعاني النافعة.

ولذلك أمثلة كثيرة جدًا:

منها: أنه قال في عدة آيات: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(15) ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(16) ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(17).

فيدل ذلك على أن المراد: لعلكم تعقلون عن الله كل ما أرشدكم إليه وكل ما علَّمَكُمُوه، وكل ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة. ولعلكم تذكرون، فلا تنسون ولا تغفلون، فتكونون دائمًا متيقظين مرهفي الحواس، تحسون كل ما تمرون به من سنن الله وآياته، فتذكرون جميع مصالحكم الدينية والدنيوية. ولعلكم تتقون جميع ما يجب اتقاؤه من الغفلة والجهل والتقليد، وكل ما يحاول عدوكم أن يوقعكم فيه من جميع الذنوب والمعاصي. ويدخل في ذلك ما كان سياق الكلام فيه وهو فرد من أفراد هذا المعنى العام.

ولهذا كان قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(18) : يفيد كل ما قيل في حكمة الصيام، أي لعلكم تتقون المحارم عمومًا، ولعلكم تتقون ما حرم الله على الصائمين من قول الزور والعمل به، ومن كل الأحوال والصفات السيئة الخبيثة، وتتقون وتتجنبون المفطرات والممنوعات، ولعلكم تتصفون بصفة التقوى وتحصلون على كل ما يقيكم مما تكرهون، وتتخلَّقون بأخلاقها. وهكذا سائر ما ذكر فيه هذا اللفظ مثل قوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ(19).

أي المتقين لكل ما يُتَّقى مما يقتل الإنسانية الكريمة من الغفلة والجهل والتقليد والكفر والفسوق والعصيان، المتقين الآخذين بكل أسباب القوة على شكر الله بأداء الفرائض والنوافل التي هي خصال التقوى.

وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ(20) أي إن الذين كانت التقوى وصفهم، واليقظة والتدبر لسنن الله وآياته حالهم، وترك المحارم شعارهم، متى زين لهم الشيطان بعض الذنوب ولبَّس عليهم الطريق، وحاول تخديرهم بالشبهات أو الشهوات – تذكروا كل أمر يوجب لهم المبادرة إلى المتاب إجلالاً لعظمة الله وما يقتضيه، وحرصًا على نعم الله، والهدى والإيمان وما توجبه التقوى. وتذكروا عقابه ونكاله، وتذكروا ما تحدثه الذنوب من العيوب والنقائص، وما تسلبه من الكمالات. ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ من أين أُتُوا، مبصرون الوجه الذي فيه التخلص من هذا الذنب الذي وقعوا فيه. فبادروا بالتوبة النَّصوح والرجوع إلى صراط الله المستقيم. فعادوا إلى مرتبتهم وعاد الشيطان خاسئًا مدحورًا.

وكذلك ما ذكره على وجه الإطلاق عن المؤمنين بلفظ «المؤمنين»، وبلفظ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا(21).

ونحوها فإن حقيقة معنى كلمة «إيمان» التصديق الحاصل عن علم وفهم وفقه لمن يكون منه الإيمان بأي شيء، يوجب له ولا بد إذعانًا وانقيادًا لما يدعو إليه هذا الإيمان بذلك الشيء. ومن ذلك قول إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا(22)

فإذا فهمت هذا علمت أن الإيمان يقصد منه في القرآن: الإيمان بسنن الله وآياته في الأنفس وفي الآفاق، والإيمان بنعم الله وآلائه، وأنها من العليم الحكيم. الذي ما خلق شيئًا لعبًا ولا باطلاً، ولا أنزل ولا شرع شيئًا لعبًا ولا باطلاً، وأن كل ذلك بالحق الثابت الذي لن يتغير ولن يتبدل – فعرفت بذلك أنه يدخل فيه جميع ما يجنب الإيمان به من السنن والآيات الكونية والعلمية والأصول والعقائد والأعمال والأحكام مع أنه قيَّد ذلك في بعض الآيات مثل قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ(23) الآية ، ونحوها.

وكذلك ما أمر به من الصلاح والإصلاح، وما نهى عنه من الفساد والإفساد مطلقًا، يدخل فيه كل صلاح في الدنيا والدين كما يدخل في النهي كل فساد كذلك. وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ(24) ﴿وَأَحْسَنُوا(25) ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى(26) ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ(27).

يدخل في ذلك كله: الإحسان في سنن الله وآياته ونعمه وآلائه ليثمر ذلك الإحسان في عبادة الخالق بأن تعبد الله كأنك تراه. فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك. والإحسان إلى المخلوقين بجميع وجوه الإحسان من قول وفعل وجاه وعلم ومال وغيرها.

وكذلك قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ(28) فحذف المُتَكَاثَر به ليعمَّ جميع ما يقصد الناس فيه المكاثرة: من الرياسات والأموال والجاه والضيعات، والأولاد، وغيرها مما تتعلق به أغراض النفوس الغافلة عن حكمة الله وسننه فيلهيها عن طاعة الله.

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(29) أي في خسارة لازمة من جميع الوجوه، إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(30) و[سورة الأنبياء: الآية 7] فذكر المسؤولين وأطلق المسؤول عنه، ليعم كل ما يحتاج العبد أن يعلمه.

وكذلك أمره تعالى بالصبر ومحبته للصابرين وثنائه عليهم وبيان كثرة أجورهم، من غير أن يقيد ذلك بنوع، ليشمل أنواع الصبر الثلاثة، وهي: الصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله.

ومقابل ذلك: ذمه للكافرين والظالمين والفاسقين والمشركين، والمنافقين، والمعتدين ونحوهم، من غير أن يقيده بشيء ليشمل ذلك جميع المعنى.

ومن هذا قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ(31) ليشمل كل حصر ومنع. ومنه قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً(32) ليعم كل خوف.

وقد يقيد ذلك ببعض الأمور فيتقيد به ما سبق الكلام لأجله.

وهذا شيء كثير لو ذهبنا نذكر الأمثلة عليه لطالت. ولكن قد فتح لك الباب، فامشِ على هذا السبيل المفضي إلى رياض بهيجة من أصناف العلوم.

القاعدة الخامسة عشرة

جعل الله الأسباب للمطالب العالية مبشرات، لتطمين القلوب، وزيادة الإيمان.

وهذا في عدة مواضع من كتابه، فمن ذلك: النصر. قال في إنزال الملائكة به: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ(33).

وقال في أسباب الرزق ونزول المطر: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ(34).

وأعمُّ من ذلك كله قوله: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ(35)

وهي البشرى كل دليل وعلامة تدلهم على أن الله قد أراد لهم الخير، وأنهم من أوليائه وصفوته. فيدخل فيه: الثناء الحسن والرؤيا الصالحة. ويدخل فيه ما يشاهدونه من اللطف والتوفيق للهدى والعلم والإيمان، والتيسير لليسرى، وتجنيبهم العُسرى.

ومن ذلك: بل ألطفه أنه يجعل الشدائد مبشِّرات بالفرج والعُسرَ مؤذِنًا باليُسر.

وإذا تأملت ما قصَّه عن أنبيائه وأصفيائه، وكيف إنه لما اشتدت بهم الحال، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ(36) يأتيهم الجواب من لطف الله بهم، ومن إيمانهم به وبحكمته ورحمته، وأخذهم سبيل سننه التي جعلها أسبابًا مؤدية إلى النصر، فيجيبهم الحق من كل ذلك.

﴿أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(37) رأيت من ذلك العجب العُجاب.

وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً(38).

وقال صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا»، وأمثلة ذلك كثيرة. والله أعلم.

القاعدة السادسة عشرة

حذف جواب الشرط يدل على تعظيم الأمر، وشدته في مقامات الوعيد.

وذلك كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ(39) ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ(40) ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً(41) ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وَقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ(42) ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وَقِفُوا عَلَى النَّارِ(43).

فَحَذْف الجواب في هذه الآيات وشبهها أولى من ذكره، ليدل على عظمة ذلك المقام، وأنه لهوله وشدته وفظاعته لا يمكن أن يعبر عنه بلفظ ولا أن يدرك بالوصف. مثله قوله تعالى: ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ(44)

أي لو علمتم علم اليقين لَمَا أقمتم على ما أنتم عليه من التفريط، والغفلة واللهو.

القاعدة السابعة عشرة

بعض الأسماء الواردة في القرآن إذا أفرد دل على المعنى العام المناسب له. وإذا قرن مع غيره دل على بعض المعنى. ودل ما قرن معه على باقيه.

ولهذه القاعدة أمثلة كثيرة:

منها: الإيمان، أفرده وحده في آيات كثيرة، وقرن مع العمل الصالح، والصفات الكريمة في آيات كثيرة.

فالآيات التي أُفرد فيها يدخل فيه جميع عقائد الدين وشرائعه الظاهرة والباطنة. ولهذا يرتب الله عليه حصول الثواب، والنجاة من العقاب. ولولا دخول المذكورات ما حصلت آثاره. وهو عند السلف: قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح.

والآيات التي قُرن فيها العمل الصالح: كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ(45) يُفَسَّر الإيمان فيها بما في القلوب من المعارف والتصديق، والاعتقاد والإنابة. والعمل الصالح: يفسر بالقيام بجميع الشرائع القولية والفعلية.

وكذلك لفظ «البر، والتقوى»، فحيث أُفرد البر دخل فيه امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وكذلك إذا أُفردت التقوى؛ ولهذا يرتب الله على البر وعلى التقوى عند الإطلاق: الثواب المطلق، والنجاة المطلقة. كما يرتبه على الإيمان.

تارة يفسر أعمال البر بما يتناول أفعال الخير وترك المعاصي. وكذلك في بعض الآيات تفسير خصال التقوى، كما في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ(46) إلى آخر ما ذكره من أوصاف المتقين، التي لا تتم حقيقة التقوى إلا بها.

وإذا جمع بين البر والتقوى مثل قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى(47) كان «البر» اسمًا جامعًا لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة. وكانت «التقوى» اسمًا جامعًا يتناول ترك جميع المحرمات.

وكذلك لفظ «الإثم» و«العدوان»، إذا اقترنا فُسِّر الإثم بالمعاصي التي بين العبد وبين ربه، والعدوان: بالتجرِّي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. وإذا أُفرد «الإثم» دخل فيه كل المعاصي التي تُؤثِّم صاحبها، سواء كانت بينه وبين ربه، أو بينه وبين الخلق. وكذلك إذا أُفرد «العدوان».

وكذلك لفظ «العبادة والتوكل» ولفظ «الاستعانة» إذا أُفردت العبادة في القرآن تناولت جميع ما يحبه الله ويرضاه ظاهرًا وباطنًا. ومن أول وأهم ما يدخل فيها: التوكل، والاستعانة. وإذا جُمع بينها وبين التوكل والاستعانة نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(48) ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ(49) فُسرت العبادة بجميع المأمورات الباطنة والظاهرة. وفُسِّر التوكل باعتماد القلب على الله في حصولها وحصول جميع المنافع ودفع المضار، مع الثقة التامة بالله في حصولها.

وكذلك «الفقير والمسكين» إذا أُفرد أحدهما دخل فيه الآخر. كما في أكثر الآيات، وإذا جُمع بينهما، كما في آية الصدقات: وهي قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ(50) فُسر الفقير بمن اشتدت حاجته، وكان لا يجد شيئًا، أو يجد شيئًا لا يقع منه موقعًا. وفُسر «المسكين» بمن حاجته دون ذلك.

ومثل ذلك الألفاظ الدالة على تلاوة الكتاب والتمسُّك به وهو اتباعه، يشمل ذلك: القيام بالدين كله. فإذا قُرنت معه الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ(51) وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ(52) كان ذكر الصلاة تعظيمًا لها وتأكيدًا لشأنها، وحثًّا عليها، وإلا فهي داخلة في الاسم العام، وهو التلاوة والتمسك به وما أشبه ذلك من الأسماء.

القاعدة الثامنة عشرة

في كثير من الآيات يخبر بأنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء. وفي بعضها: يذكر مع ذلك الأسباب المتعلقة بالعبد، الموجبة للهداية أو الموجبة للإضلال، وكذلك حصول المغفرة وضدها، وبسط الرزق وتقديره، وذلك في آيات كثيرة، فحيث أخبر أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويبسط الرزق لمن يشاء، ويقدره على من يشاء: يدل ذلك على كمال توحيده وانفراده بخلق الأشياء، وتدبير جميع الأمور، وأن خزائن الأشياء بيده، يعطي ويمنع ويخفض ويرفع، فيقتضي مع ذلك من العباد أن يعترفوا بذلك وأن يعلِّقوا أملهم ورجاءهم به وحده في حصول كل ما يحبُّون منها، وفي دفع ما يكرهون، وأن لا يسألوا أحدًا غيره. كما في الحديث القدسي: ((يا عبادي: كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم)) إلى آخره.

وفي البعض الآخر: يذكر فيها أسباب ذلك، ليعرف العباد الأسباب والطرق المفضية إليها فيسلكوا النافع ويدعوا الضار كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(53) يبين أن أسباب الهداية والتيسير إيمان العبد بحكمة ربه في سننه وخلقه وشرعه، وأخذه بهذه السنن وانقياده لأمره الشرعي، وأن أسباب الضلال والتعسير ضد ذلك.

وكذلك قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ(54) وقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ(55) وقوله: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ(56)

فأخبر أن الله يهدي بالقرآن من كان قصده حسنًا ومن يرغب في الخير، واتبع رضوان الله؛ وأنه يضلُّ من فسق عن سنن الله الحكيمة، وتمرد على الله، وتولى أعداءه من شياطين الإنس والجن، ورضي بولايتهم عن ولاية رب العالمين.

وكذلك قوله ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ(57) وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ(58).

وكذلك يذكر في بعض الآيات الأسباب التي تُنال بها المغفرة والرحمة، والتي تحق بها كلمة العذاب، كقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى(59) وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ(60) وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ(61) وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (62).

ثم ذكر الأسباب التي تنال بها المغفرة والرحمة، وهي خصال التقوى المذكورة في هذه الآية وغيرها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ(63) وقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(64)

وأعمُّ من ذلك كله قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(65)

فطريق الرحمة والمغفرة سلوك طاعة الله ورسوله عمومًا. وهذه الأسباب المذكورة خصوصًا. وأخبر أن العذاب له أسباب متعددة وكلها راجعة إلى شيئين: التكذيب لله ورسوله، والتولي عن طاعة الله ورسوله، كقوله تعالى: ﴿لاَ يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(66) وقوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى(67).

وكذلك يذكر أسباب الرزق، وأنه لزوم طاعة الله ورسوله والسعي الجميل في مناكب الأرض مع لزوم التقوى، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ(68)

وانتظار الفرج والرزق كقوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً(69)

وبكثرة الذكر والاستغفار: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ(70) وقوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً(71).

فأخبر أن الاستغفار سبب يُستَجلَبُ به مغفرة الله ورزقه وخيره. وضد ذلك سبب للفقر والتيسير للعسرى؛ وأمثلة هذه القاعدة كثيرة قد عرفت طريقها، فالزمه.

القاعدة التاسعة عشرة

يختم الله الآيات بأسماء الله الحسنى، ليدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم الكريم.

وهذه قاعدة لطيفة نافعة. عليك بتتبعها في جميع الآيات المختومة بها، تجدها في غاية المناسبة، وتدلك على أن الشرع والأمر والخلق كله صادر عن أسمائه وصفاته، ومرتبط بها.

وهذا باب عظيم في معرفة الله ومعرفة أحكامه، وهو من أَجَلّ المعارف، وأشرف العلوم.

تجد آية الرحمة مختومة بصفات الرحمة، وآيات العقوبة والعذاب مختومة بأسماء العزة والقدرة والحكمة والعلم والقهر.

ولا بأس هنا أن نسوق بعض الآيات في هذا. ونشير إلى مناسبتها بحسب ما وصل إليه علمنا القاصر، وعبارتنا الضعيفة، ولو طالت الأمثلة هنا. لأنها من أهم المهمات. ولا تكاد تجدها في كتب التفسير إلا يسيرًا منها.

قال تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(72)

فذكر إحاطة علمه بعد ذِكْر خلقه للأرض والسموات يدل على إحاطة علمه بما فيها من العوالم العظيمة، وأنه حكيم حيث وضعها لعباده، وأحكم صنعها في أحسن خلق وأكمل نظام، وأن خلقه لها من أدلة علمه، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ(73)

فخلقه للمخلوقات وتسويتها على ما هي عليه من إنسان وحيوان ونبات وجماد: من أكبر الأدلة العقلية على علمه. فكيف يخلقها وهو لا يعلمها؟

ولما ذكر كلام الملائكة حين أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة، ومراجعتهم له في ذلك. فلما خلق آدم وعلَّمه أسماء كل شيء مما جعله الله له وبين يديه، وعجزت الملائكة عن معرفتها وأنبأهم آدم بها: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ(74)

فاعترفوا لله بسعة العلم، وكمال الحكمة، وأنهم مخطئون في مراجعتهم ربهم في استخلافه آدم في الأرض التي خلقت له وهيئت لنزوله.

وفي هذا: أن الملائكة على عظمتهم وسعة معارفهم بربهم اعترفوا بأن علومهم تضمحل بجانب علم ربهم، وأنه لا علم لهم إلا منه. فخَتْم هذه الآيات بهذين الاسمين الكريمين، الدالَّين على علم الله بآدم، وما خلق له، وما خلق عليه، وتمام حكمته في خلقه، وما يترتب على ذلك من المصالح المتنوعة: من أحسن المناسبات.

وأما قوله عن آدم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(75)

وخَتْمُه كثيرًا من الآيات بهذين الاسمين «التواب الرحيم» بعد ذكر ما دعو به العبد إلى التعرض من رحمته ومغفرته، وتوفيقه وحلمه، فمناسبة جليلة لكل أحد. وأنه لما كان هو التواب الرحيم، أقبل بقلوب التائبين إليه، ووفَّقهم للأخذ بالأسباب التي ترجعهم إلى الفطرة السليمة التي يعرفون بها نعمة ربهم فيقدرونها ويشكرونها ويستجيبون لما يدعوهم بها إليه سبحانه، فيرجعون في كل شؤونهم وأمورهم إلى ربهم، فيفرح بهم ويزيدهم من فضلة ويتوب عليهم. ثم يغفر لهم ويرحمهم، فتاب عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة وأسبابها، وتاب عليهم ثانيًا حين قبل مَتَابَهُم، وأجاب سؤالهم. ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا(76)

أي أقبل بقلوبهم عليه. فإنه لولا توفيقه وجذب قلوبهم إلى ذلك بنعمه الكونية والعلمية لم يكن لهم سبيل إلى ذلك، حين استولت عليهم النفس الأمارة وركبها العدو المبين بهيميَّتها وجهلها مطية فإنها لا تأمر إلا بالسوء والفحشاء، إلا من رحم ربك. فأعاذه من بهيميتها وجهلها ومن نزغات الشيطان.

ولما ذكر الله النسخ أخبر عن كمال قدرته، وتفرده بالملك. فقال: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ(77)

وفي هذا ردٌّ على من أنكر النسخ كاليهود وإعلامٌ أن نسخه لما ينسخه هو من آثار قدرته وتمام ملكه وحكمته. فإنه تعالى يتصرَّف في عباده، ويحكم بينهم في أحكامه القدرية وأحكامه الشرعية، وهي كلها بالحق والعدل والحكمة البالغة.

ولما قال: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ(78) قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(79)

أي واسع الفضل، واسع الملك، جميع العالم العلوي والسفلي بعض ملكه. ومع سعته في ملكه وفضله فهو محيط علمه بذلك كله، ومحيط علمه بالأمور الماضية والمستقبلية، ومحيطٌ علمه بما في التوجه إلى القِبلة من الحكمة، ومحيط علمه بنيَّات المستقبلين لكل جهة من الجهات إذا أخطأوا القبلة المعينة عن غير قصد ولا عمد فحيث ولى المصلِّي منهم فما قصد إلا وجه ربه.

وأما قول الخليل وإسماعيل عليهما السلام وهما يرفعان القواعد من البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ(80)

فإنه توسل إلى الله بهذين الاسمين إلى قبول هذا العمل الجليل، حيث كان الله يعلم نياتهما ومقاصدهما، ويسمع كلامهما ويجيب دعاءهما فإنه يُراد بالسميع في مقام الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة - معنى المستجيب. كما قال الخليل في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(81).

وأما خَتْم قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ(82) بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ(83)

فمعناه: كما أن بعثك لهذا الرسول فيه الرحمة السابغة، ففيه تمام عزتك، وكمال حكمتك. فإنه ليس من حكمة أحكم الحاكمين أن يترك الخلق سُدى هملاً، لا يرسل إليهم رسولًا. فحقق الله حكمته ببعثته خاتمًا، كما حقق حكمته ورحمته ببعثة إخوانه المرسلين من قبله. لئلا يكون للناس على الله حجة. والأمور كلها: قدرِيُّها وشرعيُّها، لا تقوم إلا بعزة الله، ونفوذ حكمه.

وقد يكتفي الله بذكر أسمائه الحسنى عن التصريح بذكر أحكامها، وجزائها. لينبه عباده أنهم إذا عرفوا الله بذلك الاسم العظيم، عرفوا ما يترتب عليه من الأحكام.

مثل قوله تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ(84) لم يقل: فعليكم من العقوبة كذا، بل قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(85) أي فإذا عرفتم عزته، وهي قهره وغلبته، وقوته وامتناعه، وعرفتم حكمته، وهي وضعه الأشياء موضعها، وتنزيلها مَحَالّها، أوجب لكم ذلك الخوف من البقاء على ذنوبكم وزللكم؛ لأن من حكمته معاقبة من يستحق العقوبة: وهو المصرُّ على الذنب مع علمه، وأنه ليس لكم امتناع عليه، ولا خروج عن حكمه وجزائه، لكمال قهره وعزته.

وكذلك لما قال في سورة المائدة: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ(86) لم يقل: فاعفوا عنهم، أو اتركوهم ونحوها بل قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(87)

يعني: فإذا عرفتم ذلك وعلمتموه عرفتم أن من تاب وأناب فإن الله يغفر له ويرحمه. فيدفع عنه العقوبة ويمده بالقوة على الطاعة، فكذلك فاعفوا عنه إذا استحق العفو.

ولما ذكر عقوبة السارق قال في آخرها: ﴿نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(88) أي عَزَّ وحكم. فقطع يد السارق، وعَزَّ وحكم فعاقب المعتدين شرعًا وقدرًا وجزاء.

ولما ذكر الله مواريث الورثة، وقَدَّرها في سورة النساء قال: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً(89)

فكونه عليمًا حكيمًا يعلم ما لا يعلم العباد، ويضع الأشياء مواضعها. فاخضعوا لما قاله، وفَصَّله وحكم به في توزيع الأموال على مستحقيها، الذين يستحقونها بعلم الله وحكمته. فلو وُكِل العباد إلى أنفسهم، وقيل لهم: وزِّعوها أنتم بحسب اجتهادكم لدخلها الجهل والهوى، والغي والظلم، وصارت المواريث فوضى وسببًا في إراقة الدماء، وحصل في ذلك من الضرر ما الله به عليم. ولكن تولاها هو وقسمها بأحكم قسمة وأوفقها للأحوال، وأقربها للنفع.

ولهذا من قدح في شيء من أحكامه، أو قال: لو كان كذا وكذا فهو كافر؛ لأنه قادح في علم الله، وفي حكمته.

ولهذا يذكر الله العلم والحكمة بعد ذكر الأحكام، كما يذكرها في آيات الوعيد ليبيِّن للعباد أن الشرع والجزاء مربوط بحكمته، غير خارج عن علمه.

ويختم الأدعية بأسماء تناسب المطلوب. وهذا من الدعاء بالأسماء الحسنى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا(90)

أي تعبدوا لله بدعائه بها، واطلبوه بكل اسم مناسب لمطلوبكم.

وقوله تعالى في سورة الحج: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ(91)

والآيات المتتابعة التي بعدها، كل واحدة خُتمت باسمين كريمين.

فالأولى منها هذه: خَتْمُها بالعلم والحلم: يقتضي علمه بنيَّاتهم الجميلة، وأعمالهم الجليلة ومقاماتهم الشامخة، فيجازيهم على ذلك بالفضل العظيم، ويعفو ويحلم عن سيئاتهم، فكأنهم ما فعلوها.

وخَتمُ الثانية بالعفوِّ الغفور. فإنه أباح المعاقبة بالمثل. وندب إلى مقام الفضل، وهو العفو وعدم معاقبة المسيء، وأنه ينبغي لكم أن تَعَبدُوا الله بالتخلق بهذين الوصفين الجليلين لتنالوا عفوه ومغفرته.

وخَتْمُ الآية الثالثة بالسميع البصير، يقتضي سمعه لجميع أصوات ما سكن في الليل والنهار، وبصره بحركاتهم على اختلاف الأوقات وتباين الحالات.

وخَتْمُ الآية الرابعة: بالعلي الكبير؛ لأن علوَّه المطلق وكبرياءه وعظمته ومجده، تضمحل معها جميع المخلوقات ويبطل معها كل ما عُبد من دونه؛ وبإثبات كمال علوه وكبريائه، يتعين أنه هو الحق وما سواه هو الباطل.

وخَتَمُ الآية الخامسة: باللطيف الخبير، الدالين على سعة علمه ودقيق خبرته بالبواطن، كالظواهر، وبما تحتوي عليه الأرض من أصناف البذور وألوان النباتات، وأنه لطف بعباده حيث أخرج لهم أصناف الأرزاق، بما أنزله من الماء النمير، والخير الغزير.

وخَتَمُ الآية السادسة: بالغني الحميد، بعد ما ذَكَر مُلكه للسموات والأرض، وما فيهما من المخلوقات، وأنه لم يخلقها لحاجة منه لها. فإنه الغنيّ الغِنَى المطلق، ولا ليتكمَّل بها، فإنه الحميد الكامل، وليدلهم على أنهم كلهم فقراء إليه من جميع الوجوه؛ فبغناه تفضل عليهم فسخر لهم ما في السموات وما في الأرض جميعًا، لأنه الجميل الذي يفعل كل جميل ويسدي إلى عباده كل جميل، يستوجب عليهم أن يعرفوه الحميد في أقداره، الحميد في شرعه، الحميد في جزائه، فله الحمد المطلق ذاتًا وصفاتٍ وأفعالًا.

وخَتْمُ الآية السابعة: بالرؤوف الرحيم، فإن من رأفته ورحمته تسخيره المخلوقات لبني آدم وحفظ السموات والأرض وإبقاءها وإمساكها لئلا تزول، فتختل مصالحهم. ومن رحمته سخر لهم البحار لتجري فيها الفلك في منافعهم ومصالحهم. فرحمهم حيث خلق لهم المسكن وأودع لهم فيه كل ما يحتاجونه، وحفظه عليهم وأبقاه.

ولما ذكر في سورة الشعراء قصص الأنبياء مع أممهم، ختم كل قصة بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ(92)

فإن كل قصة تضمَّنت نجاة النبي وأتباعه، وذلك برحمة الله ولطفه، وتضمنت إهلاك المكذبين له، وذلك من آثار عزته.

وقد يتعلق مقتضى الاسمين بكل من الحالتين. فإنه نجَّى الرسل وأتباعهم بكمال قوته وعزته ورحمته، وأهلك المكذبين بعزته ورحمته. ويكون ذكر الرحمة دالاً على عظم جرمهم، وأنه طالما فتح لهم أبواب رحمته بآياته ونعمه ورسله فأغلقوها دونهم، بتمردهم على الله وكفرهم وشركهم فلم يكن لهم طريق إليها، ولولا ذلك لما حل بهم هذا العقاب الصارم.

وأما قول عيسى عليه السلام: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ(93) ولم يقل: أنت الغفور الرحيم؛ لأن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، وإنما هو مقام غضب وانتقام ممن اتخذه وأمه إلهين من دون الله. فناسب ذكر العزة والحكمة، وصار أولى من ذكر الرحمة والمغفرة.

ومن ألطف مقامات الرجاء: أن يذكر أسباب الرحمة وأسباب العقوبة، ثم يختمها بما يدل على الرحمة.

مثل قوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(94) وقوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً(95)

فذلك يدل على أن رحمته سبقت غضبه، وغلبته، وصار لها الظهور، وإليها ينتهي كل من فيه أدنى سبب من أسباب الرحمة، ولهذا يخرج من النار من كان في قلبه أدنى حبة خردل من الإيمان. ولنقتصر على هذه الأمثلة فإنه يعرف بها كيفية الاستدلال بذلك.

القاعدة العشرون

القرآن كله محكم باعتبار، وكله متشابه باعتبار، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث.

وقد وصفه الله تعالى بكل واحدة من هذه الأوصاف الثلاثة.

فوصفه بأنه محكم في عدة آيات، وأنه: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(96).

ومعنى ذلك: أنه في غاية الإحكام وقوة الاتساق، وأنه بالغ في الحكمة أقصى غاية. فأخباره كلها حق وصدق. لا تناقض فيها ولا اختلاف. وأوامره كلها خير وهدى وبركة وصلاح. ونواهيه عن كل ما تعود على الإنسان بالشرور والضرر والأخلاق الرذيلة والأعمال السيئة. فهذا إحكامه.

ووصفه بأنه متشابه في قوله من سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً(97)

أي متشابهًا في الحسن والصدق والهدى والحق. ووروده بالمعاني النافعة المزكية للعقول، المطهِّرة للقلوب المصلِحة للأحوال. فألفاظه أحسن الألفاظ، ومعانيه أحسن المعاني، كما وصف ثمرات الزروع والفواكه التي أنعم بها على الإنسان، وجعل فيها كل نافع صالح لجسمه وغذائه. فقال في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ(98)

ووصف طيبات الجنة وثمراتها الدانية بقوله في سورة البقرة: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً(99).

ووصفه بأن: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ(100)

فهنا وصفه بأن بعضه هكذا وبعضه هكذا، وأن الذين أرسخت قلوبهم وثبتت بالفقه والفهم عن الله، فثبتوا ثبات الجبال الراسخة، لا تزلزلهم الشبهات ولا الشهوات، لأنهم يردون المتشابه منه إلى المحكم. فيصير كله محكمًا، ويقولون: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا(101)

أي وما كان من عنده فلا تناقض فيه، فما اشتبه منه في موضع فسَّره الموضع الآخر المحكم. فحصل العلم وزال الإشكال.

ولهذا النوع أمثلة: منها: ما تقدم من الإخبار بأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

فإذا اشتبهت آيات على من ظن به خلاف الحكمة، وأن هدايته وإضلاله جزافًا لغير سبب كشفت هذا الاشتباه وجلته الآيات الأُخَر الدالة على أن هدايته لها أسباب، يفعلها العبد، ويتصف بها، مثل قوله في سورة المائدة: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ(102)

وأن إضلاله لعبده لها أسباب من العبد، وهو توليه للشيطان. قال في سورة الأعراف: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ(103)

وفي سورة الصف: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ(104).

وإذا اشتبهت آيات على الجبري الذي يرى أن العباد مجبورون على أفعالهم بيَّنتها الآيات الأُخَرُ الكثيرة الدالة على أن الله لم يجبر العباد، وأن أعمالهم واقعة باختيارهم وقدرتهم، وأضافها إليهم في آيات غير منحصرة.

كما أن هذه الآيات التي أضاف الله فيها الأعمال إلى العباد حسنها وسيئها، إذا اشتبهت على القدرية النفاة، فظنوا أنها منقطعة عن قضائه وقدره، وأن الله ما شاءها منهم ولا قدّرها، تُليت عليهم الآيات الكثيرة الصريحة الدالة على تناول قدرة الله لكل شيء من الأعيان والأعمال والأوصاف، وأن الله خالق كل شيء.

ومن ذلك: أعمال العباد، وأن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين.

وقيل للطائفتين: إن الآيات والنصوص كلها حق، ويجب على كل مسلم تصديقها والإيمان بها كلها. وأنها لا تتنافى، فالطاعات والمعاصي واقعة منهم وبقدرتهم وإرادتهم، والله تعالى خالقهم وخَالق قدرتهم وإرادتهم.

وما أُجمِل في بعض الآيات فسَّرته آيات أخر. وما لم يتوضح في موضع توضح في موضع آخر.

وما كان معروفًا بين الناس وورد فيه القرآن أمرًا ونهيًا، كالصلاة والزكاة والزنا والظلم، ولم يفصله، فليس مجملًا؛ لأنه أرشدهم إلى ما كانوا يعرفون، وأحالهم على ما كانوا به متلبسين، فليس فيه إشكال بوجه. والله أعلم.


(1) النساء: 58.
(2) الأنفال: 60.
(3) هود: 88.
(4) البقرة: 223.
(5) الأنفال: 65.
(6) الرحمن: 39.
(7) الشعراء: 92.
(8) القصص: 65.
(9) عبس: 34 - 36.
(10) الشعراء: 88 و89.
(11) يونس: 96 و97.
(12) الصف: 5.
(13) محمد: 17.
(14) الممتحنة: 8 و9.
(15) النور: 61.
(16) الأنعام: 152.
(17) البقرة: 21.
(18) البقرة: 183.
(19) البقرة: 1.
(20) الأعراف: 201.
(21) الأنفال: 72.
(22) يوسف: 17.
(23) البقرة: 136.
(24) المائدة: 13.
(25) البقرة: 195.
(26) يونس: 26.
(27) الرحمن: 60.
(28) التكاثر: 1.
(29) العصر: 1 و2.
(30) النحل: 43.
(31) البقرة: 196.
(32) البقرة: 239.
(33) الأنفال: 10.
(34) الروم: 46.
(35) يونس: 62 - 64.
(36) البقرة: 214.
(37) البقرة: 214.
(38) الشرح: 5 و6.
(39) السجدة: 12.
(40) سبأ: 51.
(41) البقرة: 165.
(42) الأنعام: 30.
(43) الأنعام: 27.
(44) التكاثر: 5.
(45) البقرة: 277.
(46) آل عمران: 133 و134.
(47) المائدة: 2.
(48) الفاتحة: 5.
(49) هود: 123.
(50) التوبة: 60.
(51) العنكبوت: 45.
(52) الأعراف: 170.
(53) الليل: 5 - 10.
(54) المائدة: 16.
(55) البقرة: 26.
(56) الأعراف: 30.
(57) الصف: 5.
(58) الأنعام: 110.
(59) طه: 82.
(60) الأعراف: 156 و157.
(61) الأعراف: 56.
(62) آل عمران: 133.
(63) البقرة: 218.
(64) الأعراف: 204.
(65) آل عمران: 132.
(66) الليل: 15 - 18.
(67) طه: 48.
(68) الطلاق: 2 و3.
(69) الطلاق: 7.
(70) هود: 3.
(71) نوح: 10 و11.
(72) البقرة: 29.
(73) الملك: 14.
(74) البقرة: 32.
(75) البقرة: 37.
(76) التوبة: 118.
(77) البقرة: 106 و107.
(78) البقرة: 115.
(79) البقرة: 115.
(80) البقرة: 127.
(81) إبراهيم: 39.
(82) البقرة: 129.
(83) البقرة: 129.
(84) البقرة: 209.
(85) البقرة: 209.
(86) المائدة: 34.
(87) المائدة: 34.
(88) المائدة: 38.
(89) النساء: 11.
(90) الأعراف: 180.
(91) الحج: 59.
(92) الشعراء: 68.
(93) المائدة: 118.
(94) آل عمران: 129.
(95) الأحزاب: 73.
(96) هود: 1.
(97) الزمر: 23.
(98) الأنعام: 141.
(99) البقرة: 25.
(100) آل عمران: 7.
(101) آل عمران: 7.
(102) المائدة: 16.
(103) الأعراف: 30.
(104) الصف: 5.