موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القاعدة الأولى إلى القاعدة العاشرة - القواعد الحسان في تفسير القرآن
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / القواعد الحسان في تفسير القرآن لـ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي
  
 
القواعد الحسان في تفسير القرآن - القاعدة الأولى إلى القاعدة العاشرة

القاعدة الأولى

في كيفية تلقي التفسير

كل من سلك طريقًا، وعمل عملًا، وأتاه من أبوابه، وطرقه الموصلة إليه، فلا بد أن يفلح وينجح ويصل إلى غايته، كما قال تعالى: ﴿وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا(1).

وكلَّما عظم المطلوب تأكد هذا الأمر، وتعيَّن البحث التام عن أمثل وأقوم الطرق الموصلة إليه، ولا ريب أن ما نحن فيه هو أهم الأمور وأجلها، بل هو أساسها وأصلها.

فاعلم أن هذا القرآن العظيم أنزله الله لهداية الخلق، وإرشادهم، وأنه في كل وقت وزمان ومكان يرشد إلى أهدى الأمور وأقومها ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(2).

فعلى الناس أن يتلقوا معنى كلام الله كما تلقَّاه الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم إذا قرأوا عشر آيات، أو أقل أو أكثر، لم يتجاوزوها حتى يعرفوا ويحققوا ما دلت عليه من الإيمان والعلم والعمل، فينزلونها على الأحوال الواقعة، يؤمنون بما احتوت عليه من العقائد والأخبار، وينقادون لأوامرها ونواهيها، ويُطبقونها على جميع ما يشهدون من الحوادث والوقائع الموجودة بهم وبغيرهم، ويحاسبون أنفسهم: هل هم قائمون بها، أو مُخلُّون بحقوقها ومطلوبها؟ وكيف الطريق إلى الثبات على الأمور النافعة، وتدارك ما نقص منها؟ وكيف التخلص من الأمور الضارة؟ فيهتدون بعلومه، ويتخلَّقون بأخلاقه وآدابه، ويعلمون أنه خطاب من عالم الغيب والشهادة، موجَّه إليهم، مطالبون بمعرفة معانيه، والعمل بما يقتضيه.

فمن سلك هذا الطريق، وجَدَّ واجتهد في تدبُّر كلام الله، انفتح له الباب الأعظم في علم التفسير، وقويت معرفته واستنارت بصيرته؛ واستغنى بهذا الطريق عن كثرة التكلُّفات، وعن البحوث الخارجية، وخصوصًا إذا كان قد أخذ من علوم العربية جانبًا قويًا، وكان له إلمام واهتمام بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله مع أوليائه وأعدائه؛ فإن ذلك أكبر عون على هذا المطلب.

ومتى علم العبد أن القرآن فيه بيان كل شيء، وأنه كفيل بجميع المصالح؛ مبيِّن لها، حاثّ عليها، زاجر عن المضارِّ كلها، وجعل هذه القاعدة نصب عينيه، ونزَّلها على كل واقع وحادث، سابق أو لاحق، ظهر له عظم موقعها، وكثرة فوائدها وثمراتها.

ويلتحق بهذه القاعدة:

القاعدة الثانية

العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب

وهذه القاعدة نافعة جدًا؛ بمراعاتها يحصل للعبد خير كثير وعلم غزير؛ وبإهمالها وعدم ملاحظتها يفوته علم كثير، ويقع في الغلط والارتباك الخطير.

وهذا الأصل اتفق عليه المحققون من أهل الأصول وغيرهم. فمتى راعيتَ هذه القاعدة حق الرعاية، عرفت أن ما قاله المفسِّرون من أسباب النزول: إنما هو على سبيل المثال لتوضيح الألفاظ، وليست معاني الألفاظ والآيات مقصورة عليها، فقولهم: «نزلت في كذا»، معناه: أن هذا ممّا يدخل فيها، ومن جملة ما يُراد بها. فإن -كما تقدم- إنما نزل لهداية أول الأمة وآخرها، حيث تكون وأنَّى تكون.

والله تعالى قد أمرنا بالتفكُّر والتدبُّر لكتابه، فإذا تدبَّرنا الألفاظ العامة، وفهمنا أن معناها يتناول أشياء كثيرة، فلأي شيء نخرج بعض هذه المعاني، مع دخول ما هو مثلها ونظيرها فيها؟ ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك، فإنه إما خير تُؤمر به، وإما شر تُنهى عنه».

فمتى مرَّ بك خبر عن الله وأسمائه، وعمَّا يستحقه من الكمال، وما يتنزَّه عنه من النقص: فأَثْبِتْ له جميع ذلك المعنى الكامل الذي أثبته سبحانه لنفسه، ونزِّهه عن كل ما نزَّه نفسه عنه.

وكذلك إذا مر بك خبر عن رسله وكتبه، واليوم الآخر، وعن جميع الأمور السابقة واللاحقة، فاجزم جزمًا لا شك فيه أنه على حقيقته، بل هو أعلا أنواع الحق والصدق ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً(3) و﴿حَدِيثاً(4).

وإذا أمر بشيء نظرت إلى معناه، وما يدخل فيه وما لا يدخل، وعلمت أن ذلك الأمر موجه إلى جميع الأمة. وكذلك في النهي.

ولهذا كانت معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله أصل كل الخير والفلاح، والجهل بذلك أصل كل الشر والخسران.

فمراعاة هذه القاعدة أكبر عون على معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله والقيام بها. والقرآن قد جمع أجلّ المعاني وأنفعها وأصدقها، بأوضح الألفاظ، وأحسنها؛ قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً(5) يوضح ذلك ويبينه، وينهج طريقته:

القاعدة الثالثة

الألف واللام الداخلة على الأوصاف، وأسماء الأجناس تفيد الاستغراق، بحسب ما دخلت عليه. وقد نص على ذلك أهل الأصول، وأهل العربية، واتفق على اعتبار ذلك أهل العلم والإيمان. فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(6)

يدخل في هذه الأوصاف كل ما تناوله من معاني الإسلام والإيمان والقنوت والصدق إلى آخرها. وأن بكمال هذه الأوصاف يكمل لصاحبها ما رُتِّب عليها من المغفرة والأجر العظيم. وبنقصانها ينقص، وبعدمها يُفقد، وهكذا كل وصف رُتِّب عليه خير وأجر وثواب، وكذلك ما يقابل ذلك كل وصف نهى الله عنه ورتب عليه وعلى الاتَّصاف به عقوبة وشرًا ونقصًا، يكون له من ذلك بحسب ما قام به من الوصف المذكور؛ وكذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعاً(7) ، عام لجنس الإنسان. فكل إنسان هذا وصفه إلا من استثنى الله بقوله: ﴿إِلاَّ المُصَلِّينَ(8) إلى آخرها.

كما أن قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(9) دال على أن كل إنسان عاقبته وماله إلى الخسار ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ(10) الآية وأمثال ذلك كثير.

وأعظم ما تعتبر به هذه القاعدة: في الأسماء الحسنى، فإن في القرآن منها شيء كثير، وهي أجل علوم القرآن، بل هي المقصد الأول للقرآن.

فمثلًا يخبر الله عن نفسه: أنه الرب الحي القيوم، وأنه الملك والعليم، والحكيم، والعزيز والرحيم، والقدوس السلام، والحميد المجيد .. فالله هو الذي له جميع معاني الربوبية التي يستحق أن يؤله لأجلها، وهي صفات الكمال كلها، والمحامد كلها له، والفضل كله، والإحسان كله، وأنه لا يشارك الله أحد في معنى من معاني الربوبية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(11)

لا بشر ولا ملك، بل هم جميعًا مربوبون لربهم بكل أنواع الربوبية، مقهورون خاضعون لجلاله وعظمته؛ فلا ينبغي أن يكون أحد منهم نِدًّا، ولا شريكًا لله في عبادته وإلهيته. فبربوبيته سبحانه يربى الجميع من ملائكة وأنبياء وغيرهم: خلقًا ورزقًا وتدبيرًا وإحياءً وإماتة. وهم يشكرونه على ذلك بإخلاص العبادة كلها له وحده، فيؤلهونه ولا يتخذون من دون وليًّا ولا شفيعًا. فالإلهية حق له سبحانه على عباده بصفة ربوبيته، وأنه الملك الذي له جميع معاني الملك. وهو الْمُلْك الكامل والتصرف النافذ. وأن الخلق كلهم مماليك لله، عبيد تحت أحكام ملكه القدرية والشرعية، والجزائية، وأنه العليم بكل شيء، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، الذي أحاط علمه بالبواطن والظواهر والخفيَّات والجليَّات والواجبات والمستحيلات والجائزات، والأمور السابقة واللاحقة والعالَم العلوي والسفلي والكليات والجزئيات. وما يعلم الخلق وما لا يعلمون: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ(12)

وأنه الحكيم الذي له الحكمة التامة الشاملة لجميع ما قضاه وقدَّره وخلقه، وجميع ما شرعه، لا يخرج عن حكمته، لا مخلوق، ولا مشروع.

وأنه العزيز الذي له جميع معاني العزة على وجه الكمال التام من كل وجه، عزة القوة وعزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة، وأن جميع الخلق في غاية الذل ونهاية الفقر، ومنتهى الحاجة والضرورة إلى ربهم، وأنه الرحمن الرحيم، الذي له جميع معاني الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، ولم يخل مخلوق من إحسانه وبره طرفة عين. تبلغ رحمته حيث يبلغ علمه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً(13).

وأنه القدوس السلام، المعظَّم المنزَّه عن كل عيب وآفة ونقص، وعن مماثلة أحد، وعن أن يكون له نِدٌّ من خلقه.

وهكذا بقية الأسماء الحسنى اِعتبِرْها بهذه القاعدة الجليلة ينفتح لك باب عظيم من أبواب معرفة الله. بل أصل معرفة الله تعالى معرفة ما تحتوي عليه أسماؤه الحسنى، وتقتضيه من المعاني العظيمة، بحسب ما يقدر عليه العبد، وإلا فلا يبلغ علم أحد من الخلق بذلك، ولن يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ(14)

يشمل جميع أنواع البر والخير، وتشمل التقوى جميع ما ينبغي ويلزم اتقاؤه من أنواع المخوفات والمعاصي والمحرَّمات؛ والإثم: اسم جامع لكل ما يؤثم، ويوقع في المعصية؛ كما أن العدوان اسم جامع يدخل فيه جميع أنواع التعدِّي على الناس في الدماء والأموال والأعراض، والتعدِّي على مجموع الأمة وعلى الحكومات والتعدي لحدود الله.

و«المعروف» في القرآن: اسم جامع لكل ما عُرف حسنه شرعًا وعقلًا، وعكسه: المنكر والسوء والفاحشة.

وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى هذه القاعدة، وأرشدهم إلى اعتبارها، إذ علمهم أن يقولوا في التشهُّد في الصلاة: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فقال: «فإنكم إذا قلتم ذلك سلمتم على كل عبد لله صالح من أهل السماء والأرض». وفي القرآن كثير جدًا من هذا.

القاعدة الرابعة

إذا وقعت النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام: دلت على العموم. كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً(15) فإنه نهى عن الشرك به في النِّيات، والأقوال، والأفعال، وعن الشرك الأكبر، والأصغر، والخفيّ، والجليّ. فلا ينبغي أن يجعل العبد لله نِدًّا ومشاركًا في شيء من ذلك.

ونظيرها: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(16).

وقوله في وصف يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً(17) يُعمُّ كلَّ نفس، وأنها لا تملك في هذا اليوم شيئًا من الأشياء، لأي نفس أخرى، مهما كانت الصلة، لا إيصال شيء من المنافع، ولا دفع المضار شيء من. وكقوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ(18) فكل ضُرٍّ قدَّره الله على العبد ليس في استطاعة أحد من الخلق كائنًا من كان كشفه بوجه من الوجوه.

ونهاية ما يقدر عليه المخلوق من الأسباب والأدوية: إنما هو جزء من أجزاء كثيرة داخلة في قضائه وقدره.

وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ(19)

وقوله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ(20).

يشمل كل خير في العبد ويصيب العبد، وكل نعمة فيها حصول محبوب، أو دفع مكروه، فإن الله هو المنفرد بذلك وحده.

وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ(21).

وإذا دخلت ((مِنْ)) صارت نصًّا في العموم، كهذه الآية: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(22).

وقوله في غير آية: ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ(23) ولها أمثلة كثيرة جدًا.

القاعدة الخامسة

المقرر: أن المضاف يفيد العموم، كما يفيد ذلك اسم الجمع.

فكما أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ(24) إلى آخرها

يشمل كل أم انْتَسَبْتَ إليها، وإن علت، وكل بنت انْتَسَبَتْ إليك وإن نزلت - إلى آخر المذكورات، فكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ(25) فإنها تشمل النعم الدينية والدنيوية؛ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ(26) فإنها تعم الصلوات كلها، والأنساك كلها. وجميع ما العبد فيه وعليه في حياته ومماته، الجميع من الله فضلاً وإحسانًا، وأنك قد أتيت ما أتيت منه وأوقعتَه وأخلصتَه لله وحده. لا شريك له.

وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى(27) على أحد القولين: أنه يشمل جميع مقاماته في مشاعر الحج: اتَّخِذُوه معبدًا.

وأصرح من هذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً(28) وهذا شامل لكل ما كان عليه إبراهيم من التوحيد والإخلاص لله تعالى، والقيام بحق العبودية.

وأعم من ذلك وأشمل: قوله تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ(29)

فأمره الله أن يقتدي بجميع ما عليه المرسلون من الهدى، الذي هو العلوم النافعة والأخلاق الزاكية، والأعمال الصالحة، والهدي المستقيم. وهذه الآية أحد الأدلة على الأصل المعروف: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وشرع الأنبياء السابقين هو هداهم في أصول الدين وفروعه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ(30)

وهذا يعمُّ جميع ما شرعه لعباده، فعلًا وتركًا، اعتقادًا وانقيادًا، وأضافهُ إلى نفسه في هذه الآية لكونه الذي نصبه لعباده. كما أضافه إلى الذين أنعم عليهم في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ(31) لكونهم هم السالكين له. فصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين كانوا دائمين عليه من العلوم والأخلاق والأوصاف والأعمال؛ وكذلك قوله: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(32)

يدخل في ذلك جميع العبادات الظاهرة والباطنة، العبادات الاعتقادية والعملية، كما أن وصف الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية المضافة إلى الله كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ(33) ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا(34) ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ(35)

تدل على أنه وفَّى جميع مقامات العبودية، حيث نال أشرف المقامات بتوفيته لجميع مقامات العبوديات. وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ(36)

فكلما كان العبد أقوم بحقوق العبودية كانت كفاية الله له أكمل وأتم، وما نقص منها نقص من الكفاية بحسبه.

وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ(37) ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(38)

يشمل جميع أوامره القدرية الكونية. وهذا في القرآن شيء كثير.

القاعدة السادسة

في طريقة القرآن في تقرير التوحيد ونفي ضده

القرآن كله لتقرير التوحيدِ ونفي ضده. وأكثر الآيات يقرر الله فيها توحيد الإلهية وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له؛ ويخبر أن جميع الرسل إنما ارسلت تدعو قومها إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنَّ الله تعالى إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، وأن الكتب والرسل، بل الفِطَر والعقول السليمة كلها اتفقت على هذا الأصل، الذي هو أصل الأصول كلها، وأن من لم يدن بهذا الدين الذي هو إخلاص العبادة والقلب والعمل لله وحده، فعمله باطل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ(39) ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(40).

ويدعو العباد إلى ما تقرر في فِطَرِهم وعقولهم من أن الله المنفرِّد بالخلق والتدبير، والمنفرِّد بالنعم الظاهرة والباطنة: هو الذي يستحق العبادة وحده. ولا ينبغي أن يكون شيء منها لغيره. وأن سائر الخلق ليس عندهم أي قدرة على خلق، ولا نفع ولا دفع ضر عن أنفسهم فضلاً عن أن يغنوا عن أحد غيرهم من الله شيئًا.

ويدعوهم أيضًا إلى هذا الأصل بما يتمدح به، ويثني على نفسه الكريمة، من تفرُّده بصفات العظمة والمجد، والجلال والكمال وأن من له هذا الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه مشارك: أحق من أخلصت له القلوب والأعمال الظاهرة والباطنة.

ويقرِّر هذا التوحيد بأنه هو الحاكم وحده. فلا يحكم غيره شرعًا ولا جزاء: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ(41).

وتارة يقرِّر هذا بذكر محاسن التوحيد، وأنه الدين الوحيد الواجب شرعًا وعقلًا وفطرة، على جميع العبيد. ويذكر مساوئ الشرك وقبحه، واختلال عقول أصحابه بعد اختلال أديانهم، وتقليب أفئدتهم، وكونهم أضل من الأنعام سبيلاً.

وتارة يدعو إليه بذكر ما رتَّب عليه من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة في الدور الثلاث، وما رتب على ضده من العقوبات العاجلة والآجلة، وكيف كانت عواقب المشركين أسوأ العواقب وشرها.

وبالجملة: فكل خير عاجل وآجل، فإنه من ثمرات التوحيد، وكل شرٍّ عاجل وآجل، فإنه من ثمرات الشرك والله أعلم.

القاعدة السابعة

في طريقة القرآن في تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

هذا الأصل الكبير: قرَّره الله في كتابه بالطرق المتنوعة التي يعرف بها كمال صدقه صلى الله عليه وسلم؛ فأخبر أنه صدَّق المرسلين، ودعا إلى ما دَعَوْا إليه، وأن جميع المحاسن التي في الأنبياء في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما نُزهوا عنه من النقائص والعيوب، فرسولنا محمد أولاهم وأحقهم بهذا التنزيه. وأن شريعته مهيمنة على جميع الشرائع، وكتابه مهيمن على كل الكتب. فجميع محاسن الأديان والكتب قد جمعها الله في هذا الكتاب وهذا الدين، وفاق عليها بمحاسن وأوصاف، لم توجد في غيره. وقرَّر نبوته بأنه أمِّي، لا يكتب ولا يقرأ، ولا جالس أحدًا من أهل العلم بالكتب السابقة، بل لم يُفجأ الناس إلا وقد جاءهم بهذا الكتاب، الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما أتوا ولا قدروا، ولا هو في استطاعتهم، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. وأنه محال مع هذا أن يكون من تلقاء نفسه، أو أن يكون قد تقوَّله على ربه، أو أن يكون على الغيب ظنينًا.

وأعاد في القرآن وأبدى في هذا النوع، وقرَّر ذلك بأنه يخبر بقصص الأنبياء السابقين مطوَّلة على الوجه الواقع، الذي لا يستريب فيه أحد، ثم يخبر تعالى أنه ليس له طريق ولا وصول إلى هذا إلا بما آتاه الله من الوحي، كمثل قوله تعالى لما ذكر قصة موسى مطوَّلة: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ(42) ولما ذكر قصة يوسف وإخوته مطولة قال: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ(43).

فهذه الأمور والإخبارات المفصَّلة التي يفصِّلها الرسول بما أوحي إليه تفصيلًا، صحح به أكثر الأخبار والحوادث التي كانت في كتب أهل الكتاب محرفة ومشوهة بما أضافوا إليها من خرافات وأساطير، حتى ما يتعلق منها بعيسى وأمه وولادتهما ونشأتهما، وبموسى وولادته ونشأته، كل ذلك وغيره لم يكن يعرفه أهل الكتاب على حقيقته حتى جاء القرآن. فقص ذلك على ما وقع وحصل. مما أدهش أهل الكتاب وغيرهم، وأخرس ألسنتهم حتى لم يقدر أحد وقع وحصل. مما أدهش أهل الكتاب وغيرهم، وأخرس ألسنتهم حتى لم يقدر أحد منهم ممن كان في وقته، ولا ممن كانوا بعد ذلك – أن يكذبوا بشيء منها، فكان ذلك من أكبر الأدلة على أنه رسول الله حقًا.

وتارة يقرِّر نبوته بكمال حكمة الله، وتمام قدرته. وأن تأييده لرسوله ونصره على أعدائه، وتمكينه في الأرض هو مقتضى حكمة ورحمة العزيز الحكيم. وأن من قدح في رسالته فقد قدح في حكمة الله، وفي قدرته، وفي رحمته، بل وفي ربوبيته.

وكذلك نصره وتأييده الباهر لهذا النبي على الأمم الذين هم أقوى أهل الأرض من آيات رسالته، وأدلة توحيده. كما هو ظاهر للمتأمِّلين.

وتارة يقرر نبوته بما جمع له وكلمه به من أوصاف الكمال، وما هو عليه من الأخلاق الجميلة، وأن كل خُلق عال سام فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلاه وأكمله.

فمن عظمت صفاته، وفاقت نعوته جميع الخلق، التي أعلاها: الصدق والأمانة، أليس هذا أكبر الأدلة على أنه رسول رب العالمين، والمصطفى المختار من الخلق أجمعين؟

وتارة يقرِّرها بما هو موجود في كتب الأولين، وبشارات الأنبياء والمرسلين السابقين، إما باسمه اللقب أو بأوصافه الجليلة، وأوصاف أمته وأوصاف بيئته. كما في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ(44).

وتارة يقرِّر رسالته بما أخبره به من الغيوب الماضية والغيوب المستقبلة، التي وقعت في زمان، مضى على زمانه، أو وقعت في زمانه والتي لا تزال تقع في كل وقت؛ فلولا الوحي ما وصل إليه شيء من هذا، ولا كان له ولا لغيره طريق إلى العلم به.

وتارة يقررها بحفظه إياه وعصمته له من الخلق، مع تكالب الأعداء وضغطهم عليه، وجدهم التام في الإيقاع به بكل ما في وسعهم. والله يعصمه ويمنعه منهم وينصره عليهم. وما ذاك إلا لأنه رسوله حقًا، وأمينه على وحيه والمبلغ ما أمر به.

وتارة يقرِّر رسالته بذكر عظمة ما جاء به، وهو القرآن الذي: ﴿لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(45)

ويتحدَّى أعداءه ومن كفر به أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة واحدة، فعجزوا ونكصوا وباؤوا بالخيبة والفشل. وهم أهل اللسن المبرِّزون في ميدان القول والفصاحة، ومع ذلك ما استطاعوا –مع شدة حرصهم ومحاولتهم- أن يأتوا بسورة منه، وما استطاعوا ولا قدروا –مع شدة حرصهم ومحاولتهم- أن يجدوا فيه نقصًا أو عيبًا ينزل به عن أعلى درجات الفصاحة التي ملكت أزمة قلوبهم فلجأوا إلى السيف وإراقة دمائهم، وما كانوا يعمدون إلى هذا لولا أنهم لم يجدوا سبيلاً إلى محاربته بالقول، وما كانوا يزعمونه عندهم علومًا وحِكمًا فكان عدولهم إلى السيف وإراقة الدماء أكبر الأدلة على صدق الرسول، وأنه لا ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى، وأقطع البراهين على أنه الحق والهدى من عند الله الذي جمع الله فيه لرسوله وللمؤمنين به كل ما يكفل لهم سعادة الدنيا والآخرة في كل شؤونهم. وأن هذا القرآن أكبر أدلة رسالته وأجلها وأعمها.

والله تعالى يقرر أن القرآن كاف جدًا أن يكون هو الدليل الوحيد على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم في مواضع عدة. منها قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(46).

وتارة يقرر رسالته بما أظهر على يديه من المعجزات، وما أجرى له من الخوارق والكرامات، الدال -كل واحد منها بمفرده- فكيف إذا اجتمعت - على أنه رسول الله الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

وتارة يقرِّرها بعظيم شفقته صلى الله عليه وسلم على الخلق، وحنوِّه الكامل على أمته، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم. وأنه لم يوجد ولن يوجد أحد من الخلق أعظم شفقة ولا برًّا وإحسانًا إلى الخلق منه. وآثار ذلك ظاهرة للناظرين.

فهذه الأمور والطرق قد أكثر الله من ذكرها في كتابه وقرَّرها بعبارات متنوعة، ومعانٍ مفصَّلة وأساليب عجيبة. وأمثلتها تفوق العد والإحصاء. والله أعلم.

القاعدة الثامنة

طريقة القرآن في تقرير المعاد

وهذا الأصل الثالث من الأصول التي اتفقت عليها الرسل والشرائع كلها وهي: التوحيد، والرسالة، وأمر المعاد، وحشر العباد.

وهذا قد أكثر الله من ذكره في كتابه الكريم، وقرَّره بطرق متنوعة.

منها: إخباره -وهو أصدق القائلين- عنه، وعما يكون فيه من الجزاء الأوفى، مع إكثار الله من ذكره. فقد أقسم عليه في ثلاثة مواضع من كتابه، كقوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ(47).

ومنها: الإخبار بكمال قدرة الله تعالى، ونفوذ مشيئته، وأنه لا يعجزه شيء. فإعادة العباد بعد موتهم فرد من أفراد آثار قدرته.

ومنها: تذكيره العباد بالنشأة الأولى، وأن الذي أوجدهم ولم يكونوا شيئًا مذكورًا، لا بد أن يعيدهم كما بدأهم وأن الإعادة أهون عليه. وأعاد هذا المعنى في مواضع كثيرة بأساليب متنوعة.

ومنها: إحياؤه الأرض الهامدة الميتة، بعد موتها. وأن الذي أحياها سيحيي الموتى، وقرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك. وهو خلق السموات والأرض، والمخلوقات العظيمة. فمتى أثبت المفكرون ذلك، ولن يقدروا على إنكاره، فلأي شيء يستبعدون إحياء الموتى؟ وقرر ذلك بسعة علمه، وكمال حكمته، وأنه لا يليق به، ولا يحسن أن يترك خلقه سُدى مُهْمَلين، لا يُؤمرون ولا يُنْهَوْنَ، ولا يُثابون ولا يعاقبون. وهذا طريق قرَّر به النبوة وأمر المعاد.

ومما قرَّر به البعث ومجازاة المحسنين بإحسانهم، والمسيئين بإساءتهم: ما أخبر به من أيامه وسننه سبحانه في الأمم الماضية والقرون الغابرة. وكيف نجَّى الأنبياء وأتباعهم، وأهلك المكذبين لهم المنكرين للبعث؟ ونوَّع عليهم العقوبات؟ وأحل بهم المثُلات، فهذا جزاء معجَّل ونموذج من جزاء الآخرة أراه الله عباده، ليهلك من هلك عن بيِّنة، ويحيي من حيَّا عن بيِّنة.

ومن ذلك: ما أرى الله عباده من إحيائه الأموات في الدنيا، كما ذكره الله عن صاحب البقرة والألوف من بني إسرائيل. والذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم الخليل والطيور، وإحياء عيسى ابن مريم للأموات، وغيرها مما أراه الله عباده في هذه الدار، ليعلموا أنه قويّ ذو اقتدار، وأن العباد لا بد أن يَرِدوا دار القرار، إما الجنة أو النار.

وهذه المعاني أبداها الله وأعادها في مَحَالّ كثيرة. والله أعلم.

القاعدة التاسعة

في طريقة القرآن في أمر المؤمنين وخطابهم بالأحكام الشرعية

قد أمر الله تعالى بالدعاء إلى سبيله بالتي هي أحسن، أي بأقرب طريق، موصلٍ للمقصود محصِّل للمطلوب. ولا شك أن الطرق التي سلكها الله في خطاب عباده المؤمنين بالأحكام الشرعية، هي أحسنها وأقربها.

فأكثر ما يدعوهم إلى الخير، وينهاهم عن الشر بالوصف الذي مَنَّ عليهم به. وهو الإيمان. فيقول: يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا، اتركوا كذا. لأن في ذلك دعوة لهم من وجهين:

أحدهما: من جهة الحث على القيام بلوازم الإيمان، وشروطه ومكمِّلاته، فكأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا قوموا بما يقتضيه إيمانكم، من امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والتخلق بكل خُلق حميد، والتجنب لكل خُلق رذيل.

فإن الإيمان الحقيقي هكذا يقتضي، ولهذا أجمع السلف أن الإيمان يزيد وينقص، وأن جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة من الإيمان ولوازمه، كما دلت على هذا الأصل الأدلة الكثيرة، من الكتاب والسنة - وهذا أحدها، حيث يصدر الله أمر المؤمنين بقوله: «يا أيها الذين آمنوا»، أو يعلق فعل ذلك على الإيمان وأنه لا يتم الإيمان إلا بذلك المذكور.

والوجه الثاني: أن يدعوهم بقوله: «يا أيها الذين آمنوا» افعلوا كذا، أو اتركوا كذا، أو يعلق ذلك بالإيمان، يدعوهم بمنَّته عليهم بهذه المنَّة، التي هي أجل المنن، أي: يا من منَّ الله عليهم بالإيمان، قوموا بشكر هذه النعمة، بفعل كذا، وترك كذا.

فالوجه الأول: دعوة لهم أن يتمِّموا إيمانهم، ويكملوه بالشرائع الظاهرة والباطنة.

والوجه الثاني: دعوة لهم إلى شكر نعمة الإيمان، ببيان تفصيل هذا الشكر. وهو الانقياد التام لأمره ونهيه. وتارة يدعو المؤمنين إلى الخير، وينهاهم عن الشر، بذكر آثار الخير، وعواقبه الحميدة العاجلة والآجلة، وبذكر آثار الشر، وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة.

وتارة يدعوهم إلى ذلك بذكر نعمه المتنوعة، وآلائه الجزيلة، وأن النعم تقتضي منهم القيام بشكرها. وشكرها هو القيام بحقوق الإيمان.

وتارة يدعوهم إلى ذلك بالترغيب والترهيب، وبذكر ما أعدَّ الله للمؤمنين الطائعين من الثواب، وما للعصاة من العقاب.

وتارة يدعوهم إلى ذلك بذكر ما له من الأسماء الحسنى، وما له من الحق العظيم على عباده، وأن حقه عليهم أن يقوموا بعبوديته ظاهرًا وباطنًا ويتعبَّدوا له وحده، ويدعوه بأسمائه الحسنى، وصفاته المقدَّسة.

فالعبادات كلها شكر لله وتعظيم وتكبير وإجلال وإكرام، وتودُّد إليه، وتقرُّب منه.

وتارة يدعوهم إلى ذلك، لأجل أن يتَّخذوه وحده وليًّا وملجأ، وملاذًا ومعاذًا، ومَفْزَعًا إليه في الأمور كلها، وينيبوا إليه في كل حال، ويخبرهم أن هذا هو أصل سعادة العبد وصلاحه وفلاحه، وأنه إن لم يدخل في ولاية الله وتوليته الخاصة تولاه عدوه الذي يريد له الشر والشقاء، ويمنِّيه ويغرُّه. حتى يُفَوِّتَه المنافع والمصالح ويوقعه في المهالك.

وهذا كله مبسوط في القرآن بعبارات متنوعة.

وتارة يحثُّهم على ذلك ويحذرهم من التشبه بأهل الغفلة والإعراض، والأديان المبدلة. لئلا يلحقهم من اللوم ما لحق أولئك الأقوام. كقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ(48) ﴿فَتَكُونَ مَنَ الظَّالِمِينَ(49) ، ﴿وَلاَ تَكُن مِّنَ الغَافِلِينَ(50) ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ(51) إلى غير ذلك من الآيات.

القاعدة العاشرة

في طرق القرآن إلى دعوة الكفار على اختلاف مللهم

يدعوهم إلى الإسلام، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، بما يضعه من محاسن شرعه ودينه، وما يذكره من براهين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ليهتدي من قصده الحق، والإنصاف، وتقوم الحجة على المعاند.

وهذه أعظم طريق يُدعى بها جميع المخالفين لدين الإسلام.

فإن محاسن دين الإسلام ومحاسن النبي صلى الله عليه وسلم وآياته وبراهينه فيها كفاية تامة للدعوة، بقطع النظر عن إبطال شبهتهم، وما يحتجُّون به. فإن الحق إذا اتضح عُلم أن كل ما خالفه فهو باطل ضلال.

ويدعوهم بما يخوِّفهم من أحداث الأمم وعقوبات الدنيا والآخرة، وبما في الأديان الباطلة من أنواع الشرور، والعواقب الخبيثة. وأنها إنما تقوم على الغفلة والتكذيب لآيات الله الكونية والعلمية بالوقوع تحت سلطان الجهل والتقليد الأعمى للآباء والشيوخ والسادة؛ ويحذرهم من طاعة هؤلاء الرؤساء فإنهم رؤساء الشر، ودعاة النار، وأنهم لا بد أن تقتطع نفوسهم على ما عملوه وقدموه حسرات، وأنهم يتمنون أن لو أطاعوا الرسول. ولم يطيعوا السادة والرؤساء، وأن مودتهم وصداقتهم وموالاتهم ستتبدَّل بغضاء وعداوة.

ويدعوهم أيضًا بنحو ما يدعو المؤمنين بذكر آلائه ونعمه، وأن المنفرد بالخلق والتدبير والنعم الظاهرة والباطنة هو الذي يجب على العباد طاعته، وامتثال أمره، واجتناب نهيه.

ويدعوهم أيضًا بشرح ما في أديانهم الباطلة، وما احتوت عليه من القبح، ويقارن بينها وبين دين الإسلام، ليتبين ويتضح ما يجب إيثاره، وما يتعيَّن اختياره، ويدعوهم بالتي هي أحسن. فإذا وصلت بهم الحال إلى العناد والمكابرة الظاهرة توعَّدهم بالعقوبات الصوارم. وبيَّن للناس طريقتهم التي كانوا عليها، وأنهم لم يخالفوا الدين جهلًا وضلالًا، أو لقيام شبهة أوجبت لهم التوقف؛ وإنما ذلك جحود ومكابرة وعناد.

ويبين مع ذلك الأسباب التي منعتهم من متابعة الهدى. وأنها رياسات وأغراض نفسية، وأنهم لما آثروا الباطل على الحق طبع على قلوبهم، وختم عليها، وسد عليهم طرق الهدى: عقوبة لهم على إعراضهم وتوليهم الشيطان، وإعراضهم عن الرحمن. وأنه ولاهم ما تولوا لأنفسهم. وهذه المعاني الجزيلة مبسوطة في القرآن في مواضع كثيرة. فتأمَّل وتدبَّر القرآن تجدها واضحة جلية، والله أعلم.


(1) البقرة: 189.
(2) الإسراء: 9.
(3) النساء: 122.
(4) النساء: 87.
(5) الفرقان: 33.
(6) الأحزاب: 35.
(7) المعارج: 19 - 21.
(8) المعارج: 22.
(9) العصر: 1 و2.
(10) العصر: 3.
(11) الشورى: 11.
(12) البقرة: 255.
(13) غافر: 7.
(14) المائدة: 2.
(15) النساء: 36.
(16) البقرة: 22.
(17) الانفطار: 19.
(18) يونس: 107.
(19) فاطر: 2.
(20) النحل: 53.
(21) فاطر: 3.
(22) الحاقة: 47.
(23) الأعراف: 59.
(24) النساء: 23.
(25) النحل: 53.
(26) الأنعام: 162.
(27) البقرة: 125.
(28) النحل: 123.
(29) الأنعام: 90.
(30) الأنعام: 153.
(31) الفاتحة: 7.
(32) الكهف: 110.
(33) الإسراء: 1.
(34) البقرة: 23.
(35) الفرقان: 1.
(36) الزمر: 36.
(37) القمر: 50.
(38) النحل: 40.
(39) الزمر: 65.
(40) الأنعام: 88.
(41) يوسف: 40.
(42) القصص: 44.
(43) يوسف: 102.
(44) الصف: 6.
(45) فصلت: 42.
(46) العنكبوت: 51.
(47) القيامة: 1.
(48) يونس: 95.
(49) الأنعام: 52.
(50) الأعراف: 205.
(51) الحديد: 16.