موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الجهمية والواقفة واللفظية - شرح اعتقاد حرب الكرماني
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - الجهمية والواقفة واللفظية

والجهمية - أعداء اللَّه -: وهم الذين يزعمون أنّ القرآن مخلوق، وأنّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لم يكلم موسى، وأنّ اللَّه ليس بمتكلم ولا يتكلم ولا ينطق ولا يرى، ولا يعرف لله مكان، وليس لله عرش ولا كرسي؛ وكلامًا كثيرًا أكره حكايته وهم كفار زنادقة أعداء للَّه.

والواقفة: وهم الذين يزعمون أنّا نقول: إنّ القرآن كلام الله؛ ولا نقول غير مخلوق! وهم شَرُّ الأصناف وأخبثُها.

واللفظية: وهم يزعمون أنّ القرآنَ كلامُ اللَّه؛ ولكن ألفاظنا بالقرآن وقراءتنا له مخلوقة، وهم جهمية فساق.


الجهمية منسوبون إلى الجهم بن صفوان تقدّم الكلام عنه، والجهم بن صفوان كان زمن بني أمية وتلقّى فسادَ قولِه هذه مِن أستاذه الجعد بن درهم، وفي الجهم بن صفوان عبرة أيّها الإخوة مهمة جدًا في وقتنا هذا، يقول أهل العلم: لم يكن الجهم بن صفوان مِن أهل العلم ولا ذا مجالسة لأهل العلم ولكنّه كان صاحب لسان، ليس مِن العلماء قطعًا، ولم يكن صاحب ولا مُجالس، يعني بعض الناس يأتي يريد الخير يعني الفضل مِن الحلقة ولعله يستفيد بعض الشيء ويجلس مُجالسة مع أهل العلم، فلم يكن مِن أهل العلم، ولم يكن ذا مُجالسة كيف ينتشر شَرّه مثل ما انتشر شَرّ أناس كثيرون الآن بواسطة الإعلام؟ كيف شَرّ أناس كثيرين بواسطة الإعلام؟ كيف ذلك؟ أصحاب قدرة على جلب السامع والمشاهد، وعندهم قدرة على الفصاحة، لكن لا يوجد علم، لكن مِن حيث التأثير بالسامع يؤثر بأعداد غفيرة، وهذا الحقيقة أنّه موجود الآن وبكثرة، حتى إنّ بعض المشاهير الآن لم يدرسوا العلم الشرعي نهائيًا ويخوضون في مسائل العلم الشرعي، ولم يتخصصوا فيه - لا في الدراسة النظامية ولم يتلقّوا عن العلماء ولم يجثوا بالركب في حلق العلم نهائيًا - ثم تجد الواحد منهم يخوض في مسائل كبرى مِن مسائل الاعتقاد ومسائل الشرع! على أيّ أساس؟ على أساس الفوضى، وإلّا هذا لو كان يعي عِظَمَ شأنّ العلم الشرعي وخطورة القول على الله بغير علم لمّا تكلم، لكن يرى أنّ مثل هذه المسائل مِن المسائل التي هي مِن حقّه أنْ يُبدي فيها رأيًا؛ وأنّ المسألة ليس مقصورةً على العلماء ويسمون قَصْرَ العلم على مَن تعلم - يُعبر بعضهم الآن وسمعناه منهم يقول: هذه كهنوتية!! – يعني أنكم جعلتموها مثل الأديان البوذية وغيرها التي الأمور عند الكاهن! نقول: حتى تعلم أنّها ليست كهنوتية نعطيك مسألة واحدة مِن مسائل الفرائض اقسمها، اقسم مسألة مِن مسائل الفرائض، نعطيك مسألة مِن مسائل الحج، نعطيك معنى "لا إله إلّا الله" ما هو وما الدليل عليه؟ لا تجد عندهم جوابًا! عرفتَ أنّ المسألة ليست كما تُعَبّر كهنوتية! ولكنها مسألة فوضوية، أنْ تدخلوا في أمور الشرع بهذه الطريقة وأنْ تظنوها مجرّد وجهات نظر! فأضللتم الناس وصار لكم هذا التأثير في الناس مع أنّكم بلا علم لكن عندكم قدرة على لفت نظر السامع ومَن يشاهد مقابلاتكم، أمّا أنّ عندكم علم؛ فبعضهم كما قلتُ لا يحسن قراءة السورة يفتح المصحف وتَرُدّ عليه ثلاث أو أربع مرات في الصفحة الواحدة؛ ثم يقول: لا؛ الدِّين ليس لكم!! الدِّين ليس كهنوتية!! إذا جاءت المسائل الحقيقية لجوابك فلا تجيب، إذا قيل هؤلاء الآن الملاحدة ردّ عليهم، ردّ على مقالة الرافضة في الصحابة رضي الله عنهم، ردّ على مقالة مَن يرى جواز الشرك، هذا الكلام الذي يقوله الآن هذا المجوّز للشرك؛ هذا يستدل بحديث، الحديث هذا مكذوب؟ أو صحيح؟ أو هو منسوب لعالم؟ أو هو مِن الإسرائيليات؟ ما هو؟ ولهذا مِن طريف ما وقع أنّ عبد الله بن تيمية رحمه الله - أخا شيخ الاسلام - كان يناظر رجلًا مِن أهل العلم فجاء شخص ليس مِن أهل العلم - وكان مِن أهل البدع مع ذلك - فلمّا أراد أنْ يدخل في المناقشة قال: أنت لا تدخل في المناقشة، أنا أُناظر رجلًا مِن أهل العلم، أما أنت فسأجمع لك أحاديثًا موضوعة وأخبار عنتر وكذا وكذا ووالله لا تفرّق بين هذه وهذه! أنت لا تعرف أنت، كيف تدخل في هذه المسائل؟ أنا أناقش رجلًا مِن أهل العلم، أما أنْ تدخل أنت! كيف تدخل أنت في هذه المسائل وأنت لا تستطيع أنْ تفرّق بين الحديث الموضوع مِن أخبار عنتر مِن أمور الجاهلية! ما تدري، لماذا تدخل أنت؟ وهذا هو الذي في الحقيقية يصدق عليه الحال، هذا الوضع كان للجهم بن صفوان، كان على هذا الحدّ وهذا الحال مِن قلّة العلم وقلة مجالسة أهل العلم، فلهذا تجد آرائه بعيدة جدًا، ولهذا لمّا ناظر طائفة سخيفة مِن طوائف الهند تسمى السُّمنية - طائفة مِن طوائف الهند - بفساد أقوالهم وسخف اعتقادهم أثّروا فيه، يقول الامام البخاري رحمه الله تعالى فترك الصلاة أربعين يومًا شاكًّا - نسأل الله السلامة والعافية -، ثم أتى ليتصدّر بالردّ عليهم، وجاء بالمقولة هذه التي هي نفي الصفات في زعمه أنّها هي الجواب على مقولة هذه الطائفة.

كان الجهم بن صفوان أيضًا قد خرج على بني أمية وتتبعوه، لكن أدرك الجهم بن صفوان جزءًا غير قليل مِن زمن بني أمية في آخره وقد ضَعُفَتِ الدولة في أخرياتها، لمّا لقيه سلم بن أحوز - وهو مِن أمراء بني أمية - وقبض عليه في أواخر الدولة صار الجهم بن صفوان يستعطف سلم بن أحوز حتى لا يقتله؛ فأراد أنْ يخبره أنّه لا يقتله لأنّه خرج على بني أمية لكن قال: اسمع، لقد سمعت منك قولًا عاهدتُ الله منذ أنْ سمعتُه على أنْ أقتلك، واللهِ لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، يقول: أنا لا أقتلك لأجل ما صنعتَ! أنا أقتلك لمقالتك واعتقادك هذا في الله عزّ وجلّ، فأنا أقتلك لله عزّ وجلّ ديانة، تظنّ أنّي سأعفو عنك؟ أنا سأقتلك حتى لو أدى قتلُك إلى أنْ أموت معك، لو شق بطنه سيموت، يقول: لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، فقتله في أخريات الدولة الأموية، لكن مثلما قلنا: انتقلت مقالاته وتوارثتها هذه الطوائف الضالة، والطوائف الضالة - قلنا ونقول ونؤكد - ليس عندهم منهج علمي، ليس عندهم تفريق بين النصوص الصحيحة مِن غير الصحيحة، لهذا تجد عندهم عجائب، تدخل عندهم الأحاديث الموضوعة، يدخل عندهم أخبار إسرائيلية ويقولون: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، تجد مقولة مِن مقالات العرب السائرة، يقولون: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ما عندهم تفريق، فما عندهم منهج علمي قائم على تمحيص الصحيح مِن الضعيف وقائم على معرفة معاني النصوص وفهمها على طريقة السلف الصالح، أبدًا إنما هي مقالات وأقوال ضالة زائغة في عمومها الأغلب، لهذا قال: "الجهمية - أعداء الله - يزعمون أنّ القرآن مخلوق" وتكلم عن هذه المقالة الخطيرة، وينفون أنْ يكون الله كلّم موسى، وينفون أنّ الله تعالى يتكلم أو يُرى في الآخرة سبحانه، وقالوا: إنّ الله لا يُعرف له مكان مع صريح قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ(1) كما ذكرنا، وينفون العرش والكرسي، ثم قال: "وكلام كثير أكره حكايته" يعني أنّ بعض شُبههم تقشعرّ منها الأبدان وتسبب شيء مِن الإرباك يقول: "أكره أنْ أحكيه في الكتاب، وهم كفار زنادقة" وهذا الصحيح في الجهمية، الجهمية القول الصواب الذي عليه أكثر السلف أنّهم كفار أنّهم مرتدون.

أمّا الواقفة فتقدم الكلام عنهم أيضًا، الواقفة لمّا نصر اللهُ السُّنَّة بالمتوكل رحمةُ الله تعالى عليه وأطفأ قول الجهمية الذين يقولون: القرآن مخلوق، وقرَّر قول أهل السُّنَّة أنّ القرآن كلام الله منزّل وغير مخلوق، لأنّ صفات الله - كما فصلنا - لا يقال فيها أنّها مخلوقة - نسأل الله العافية والسلامة -، فقالت الواقفة - وهم مِن الجهمية – نقول: إنّ القرآن كلام الله ونقف، يعني موضع الخلاف بينهم وبين أهل السُّنَّة قالوا: نقف لا نقول: إنّه مخلوق ولا غير مخلوق؛ فسُمّوا بالواقفة، فتفطّن لهم الإمام أحمد وغيره مِن علماء السُّنَّة قالوا: الخلاف معكم أصلًا في هذه المسألة، وأنتم تريدون أنْ تتركوا الكلام فيها لأنّكم ستطرقون إلى مقولتكم كأنّكم واقفون لا تريدون الخوض فيها بل يُقال: كلام الله مُنزّل غير مخلوق، ثم قال: "وهم شَرّ الأصناف وأخبثها" لماذا؟ لأنّ مقولتهم تؤثر في الناس أكثر مِن مقولة الجهمية، الجهمية مقولتهم صريحة، وصار عليها الخصمة الكبيرة بين أهل السُّنَّة وبينهم فانجلى واتّضح وضع الجهمية، أما إذا جاء شخص وقال: نحن لا نقول في مثل هذه المسائل ونتورّع عن الخوض فيها، يُظهر أنّه وَرِع! ولهذا جرى قولُهم على بعض الناس وبعض مَن أحسن الظنّ بهذه المقالة، ونبّه الدارمي والإمام أحمد إلى أنّ هذه القالة المراد بها التوصّل إلى نفس مقولة الجهمية؛ لكن يريد أنْ يقف على موضع الخلاف الذي بين أهل السُّنَّة وبينهم.

اللفظية أيضًا تقدّم الكلام عليهم يقولون: القرآن كلام الله، وهذا حق، ولكن ليتوصّلوا إلى مقولتهم السابقة يقولون: ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا مخلوقة، قلنا: إنّ كلمة اللفظ مصدر، تارةً يُطلق على المُتلفّظ به على نفس الكلام الذي تكلم به الربّ عزّ وجلّ فيُقال: هذه ألفاظ القرآن، وتارةً يكون صوت المتحدّث نفسه، فهي محل تفصيل، فأرادوا أنْ يقولوا: اللفظ مخلوق حتى يتوصّلوا إلى أنه ما المقصود باللفظ هل هو الملفوظ أو نفس صوت القارئ حتى تكون المسألة مُلبسة مشكلة، وأدخلوها؛ فلهذا قالوا: إنَّ هذا نوع مِن العبث يراد به الرجوع مرة أخرى إلى قول الجهمية، لماذا صارت الجهمية تحاول هذه المحاولات؟ لأنّ المتوكل رحمه الله تعالى لمّا أتى مَنَعَ قولَ الجهمية في الأمة، فلمّا منعه وحارب هذه المقالة ونصر قول أهل السُّنَّة أنّ القرآن كلام الله منزّل غير مخلوق صاروا يحاولون أنْ يلتفوا على مقولتهم لكن بأسلوب مثل هذا الأسلوب بالوقوف أو بالقول بأنّ الألفاظ مخلوقة ونحو ذلك، فلأجل ذلك نبّه أهل العلم على أنّ هذا نوع مِن التجهّم.


(1) الملك: 16.