موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القدرية والمعتزلة والبكرية - شرح اعتقاد حرب الكرماني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - القدرية والمعتزلة والبكرية

والقَدَرِيّة: وهم الذين يزعمون أنّ إليهم الاستطاعةَ والمشيئةَ والقدرةَ، وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشَّر، والضر والنفع، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، وأنّ العباد يعملون بدءًا مِن أنفسهم مِن غير أنْ يكون سَبَقَ لهم ذلك مِن اللَّه عزّ وجلّ أو فِي عِلْمِه، وقولهم يضارع قولَ المجوسية والنصرانية وهو أصل الزندقة.

والمعتزلة: وهم يقولون بقول القَدَرِيّة، ويَدينون بدينهم، ويكذبون بعذاب القبر والشفاعة والحوض، ولا يرون الصلاة خلف أحد مِن أهل القبلة ولا الجمعة إلّا وراء مَن كان عَلَى رأيهم وهواهم، ويزعمون أنّ أعمال العباد ليست فِي اللوح المحفوظ.

والبكرية(1): وهم قَدَرِيّة، وهم أصحاب الحبة والقيراط والدانق، الذين يزعمون أنّ مَن أخذ حبة أو قيراطًا أو دانقًا حرامًا فهو كافر، وقولهم يضاهي قول الخوارج.


ذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بالقَدَرِيّة، والقَدَرِيّة سُموا بالقَدَرِيّة لأنّهم ينفون القَدَر، ويجعلون القَدَر لأنفسهم، يعني أنّهم هم الذين يُقَدّرون الأمور، وجاء فيهم «القَدَرِيّة مجوس هذه الأمة، إنْ ماتوا فلا تشهدوهم، وإنْ مرضوا فلا تَعودوهم»(2) وهم على درجتين:

الدرجة الأولى: درجة القَدَرِيّة الغُلاة، وهم الذين يُنكرون مراتب القَدَر الأربع - كما ذكرناه عند شرح موضوع القَدَر - فينكرون أنّ يكون الله عَلِمَ الأشياء أصلًا فضلًا عن أنْ يكتبها أو يشاءها أو يُقدّرها، وهؤلاء هم الغلاة، وأدركهم الصحابة رضي الله عنهم كما قلنا وانطفأ هذا المذهب تمامًا وانحسر واندثر، لأنّ الحملة كانت مِن الصحابة رضي الله تعالى عنهم الحملة عليهم شديدة جدًا، وكانوا قد أخرجوا بدعتهم في وقت قوة للسُّنَّة؛ فانحسر هذا المذهب وقُتل رموزه غيلان وقبله مَعْبَد، وقلنا: إنّه مأخوذ مِن سوسن النصراني وسيسويه المجوسي، لهذا يقول: "إنّهم يزعمون أنّ إليهم الاستطاعة والمشيئة والقدرة؛ وأنهم هم الذين يقدرون الأمور؛ وأنّ استطاعتهم مستقلة" هذا المعنى، لأنّهم عندهم استطاعة ومشيئة وقدرة مستقلة عن قدرة الله؛ وأنّ الله لا قدرة له على أفعالهم، نسأل الله العافية والسلامة، لهذا قال: "وأنّهم يملكون لأنفسهم الخير والشّر، والضر والنفع، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال" يعني مستقلين عن الله، لأنّ هذا هو أصل قولهم، ولهذا قال: "وأنّ العباد يعملون بدءًا مِن أنفسهم" كل هذا يعني فيه أنّهم يزعمون أنّهم مستقلون عن الله مِن غير أنْ يكون سبق لهم ذلك في علم الله - نسأل الله العافية -، وهذا قول يضارع قول المجوس، قلنا: إنّه مأخوذ مِن سيسويه المجوسي ومِن سوسن النصراني وهو أصل الزندقة.

الدرجة الثانية: درجة المعتزلة، المعتزلة لمّا رأت فظاعة هذا القول واستيحاش الأمة مِن هذا القول الهائل الذي يجعل الأمور تقع والله لا يعلمها!! نسأل الله العافية والسلامة، أرادوا أنْ يتوسطوا في زعمهم فأثبتوا لله العلم والكتابة، ونفوا أنْ تتعلق قدرته تعالى بأفعال العباد؛ وأنْ يكون الرب شاء هذه الأمور! بل العباد مستقلون - كما تقدم الكلام عنهم في موضعه -.

المعتزلة اشتهروا بخمسة مِن الأصول سُميت بأصول المعتزلة الخمسة، وأطلقوا عليها إطلاقات شرعية ليُغَرِّروا بالناس، فسموا نفي الصفات بالتوحيد، وسموا نفي القَدَر بالعدل، وسموا الخروج بالسيف على ولاة الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أصولهم المعروفة، إضافة إلى مسألة المنزلة بين المنزلتين.

المعتزلة لمَ سميت بهذا الاسم؟ سميت المعتزلة بهذا الاسم لأنّ مُقَدَّم المعتزلة ومبدأهم هو واصل بن عطاء، كان في حلقة الحسن البصري فجاء رجل ليسأل الحسن البصري لا ليسأله هو - يعني ما هو بمعروف واصل؛ وإنما كان في حلقة الحسن - فقال السائل للحسن: خرج قِبَلَنا قوم يُعظّمون مِن شأنّ الكبيرة ويقولون: صاحب الكبيرة في النار! وهؤلاء هم الخوارج، وقابلهم قوم يقولون: لا تضره معصيته! فأراد أنْ يسأل عن مقولة المرجئة والخوارج في صاحب الكبيرة، قبل أنْ يجيب الحسن - وهذا مِن قلة أدب واصل - السؤال للحسن البصري رحمه الله تعالى لا لهذا الغِرّ الأحمق، بادر وأجاب هو وقال: أنا أقول: إنّه في منزلة بين منزلتين، ما هي المنزلة بين المنزلتين؟ قال: لا هو بمسلم ولا هو بكافر، لأنّ المرجئة تقول: هو مؤمن كامل الإيمان؛ والخوارج يقولون: إنّه كافر خارج مِن الملّة، فابتدع بدعة قال: لا أقول بقول الخوارج ولا المرجئة، لكن أقول: هو بمنزلة بين المنزلتين، ما هو بمسلم ولا هو بكافر، ماذا يكون؟ يقول: في منزلة هكذا لا هو بمسلم ولا هو بكافر وفي الآخرة يقول تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(3) المؤمنون في الجنة والكفار في السعير، هذا الذي سماه منزلة بين منزلتين، أين سيذهب؟ لابدّ أنْ توجد له مقامًا في الآخرة غير الجنة وغير النار؟ قال: أقول: في النار يخلد مع الكفار، على أيّ أساس؟ هو في منزلة بين منزلتين، لا هو في منزلة توصله للجنة - على كلامك - ولا هو في منزلة توصله للنار! على أيّ أساس تدخله النار؟ لو قيل لك: يدخل الجنة؛ ما الفارق بين هذا القول وهذا القول؟ لابدّ أنْ تقول بأنّ له مقامًا غير الجنة والنار في الآخرة لأنك ابتدعت واخترعت، وهو أول مَن ابتدع واخترع بدعة المنزلة بين المنزلتين، ثم اعتزل حلقة الحسن، وهذه خطورة البعد عن العلماء، اتّكأ على سارية وجعل نفسه شيخًا وانضّم إليه عمرو بن عبيد، واجتمع عليه جملة مِن الحمقى فقال الحسن البصري: "اعتزلنا واصل"(4) فسُموا بالمعتزلة، ورأوا أنّهم مِن أهل العلم مع أنّهم يرون علماء السلف كالحسن – هم انفردوا عن حلقة الحسن - ورأوا أنّ الحسن وأهل العلم هؤلاء لا يناسب قولهم، ولهذا - وهذه سُنَّة خبيثة فيهم ورثها مَن يرثها مِن الحمقى دائمًا - صاروا يذمون العلماء ويسبّونهم سبَّا مقذعًا قبيحًا جدًا، ويصفونهم بأوصاف شديدة لا يجرؤ المرء على أنْ يقولها، عمرو بن عبيد وأمثاله صاروا يقولون في علماء السلف هذا، يدلك على أنّ الانفراد عن العلماء والبعد عن العلماء داءٌ وشَرٌّ يحدث منه مثل هذه البدع والضلالات، ثم تفاقم أَمْرُ المعتزلة وصاروا يقولون بالمقالات التي ذكر هذه مِن كونهم – وإلّا أصل المعتزلة هو عليهم بالمسألة المنزلة بين المنزلتين - فصاروا ينفون جملة كبيرة مِن النصوص، فكذّبوا بعذاب القبر وكذبوا بالشفاعة والحوض، وصاروا يرون أنّ الصلاة لا تصح خلف أحد لا يقول بقولهم! وصاروا يرون الخروج بالسيف، وهذه المسألة لابُدّ مِن توضيحها، لأنّ حقيقة قول المعتزلة هو قول الخوارج؛ وأنّ ما سموه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناه الخروج بالسيف على الحُكَّام، ولهذا أبو الحسن الأشعري في المقالات لمّا ذكر قول الناس في السيف قال: قالت الخوارج والمعتزلة لأنّه قول واحد، والمعتزلة تقول إنّه إذا كان عندهم قدرة على خصومهم فإنّهم يقومون بقتل السلطان وإلزام الناس بمقالاتهم هذه في الأصول الخمسة؛ فإنْ أجاب الناس وإلّا قتلوا الناس، مما يؤكد لك أنّ المعتزلة خوارج، فالمعتزلة تأثّروا بالخوارج في بابين: باب الخروج بالسيف وباب تخليد صاحب الكبيرة في النار، لأنّ المعتزلة تقول: إنّ صاحب الكبيرة في منزلة بين منزلتين لكنه في الآخرة مخلّد في النار مع الكفار، وهذه نفس مقولة الخوارج في صاحب الكبيرة في الآخرة، واستمروا في آرائهم الباطلة فزعموا أنّ أعمال العباد ليست في اللوح المحفوظ وغير ذلك، لكنهم ينفون - كما قلنا - ينفون ما يتعلق بأفعال العباد أنّ الله تعالى تتعلق - سبحانه - مشيئته بأيّ فعل مِن أفعال العباد، أين المعتزلة الآن؟ المعتزلة الآن آرائهم - كما قلنا - انتقلت إلى جملة مِن الفِرَق، فانتقلت جملة مِن آراء المعتزلة إلى الرافضة الاثني عشرية، وانتقلت جملة مِن آرائهم إلى الإباضية، وانتقلت جملة مِن آرائهم إلى الزيدية، وتأثر بهم جدًا أيضًا الأشاعرة والماتريدية في جملة مِن مسائل الاعتقاد، المعتزلة لمّا رَدَّ شيخ الإسلام على ابن المطهّر الرافضي في بعض كلامه في مسائل تتعلق بالقَدَر وغيره قال: هذه نقلتَها مِن المعتزلة نقلَ المسطرة، هذا ليس قول الرافضة أصلًا! لأنّ الرافضة في البدايات كانوا مِن القائلين بالتشبيه، ثم انعكسوا وصاروا يقولون: بالتعطيل، يقول: هذا القول أنت قد نقلته مِن المعتزلة، هو نفسه مِن المعتزلة، نقلته نقل المسطرة، فكثير مِن آراء المعتزلة انتقلت إلى الفِرَق، ولهذا نقول: إنّ دراسة هذه الفِرَق والتنبيه على خطرها ليس تاريخًا ماضيًا وانتهى! وإنّما توجد المقالات الآن، الزيدية موجودون، الرافضة موجودون، الإباضية موجودون، وعندهم نفس اعتقاد المعتزلة.

ثم قال: "والبكرية: وهم طائفة مِن القَدَرِيّة، مِن نفس القَدَرِيّة، عندهم نفس المبالغات التي عند الخوارج، يقولون: لو أنّ أحدًا أخذ حبةً مِن حرام أو قيراطًا كبيرًا أو دانقًا صغيرًا فإنّه يكفر! مقتضى هذا ما هو؟ أنّه لا فرق عندهم بين الصغيرة والكبيرة، لأنّ أخذَ شيء تُقطع به اليد يُعد سرقة - والسرقة كما هو معلوم مِن الكبائر - لكن إذا قال: إنّه لو أخذ حبة - حبة بُرّ - فإنه يكفر بأخذه الحبة! يعني إذا أخذها مِن طريقٍ مُحرّم، هذا شرعًا لا تُقطع يده أصلًا لأنّ ما أخذه لم يبلغ حدّ ربع الدِّينار الذي تقطع فيه اليد، لكن هؤلاء قولهم يضاهي قول الخوارج، وهم قَدَرِيّة، هذا ما ذكرناه لك أنّه تداخلت المقالات، فيكون الشخص قَدَرِيًّا ويكون في نفس الوقت - نسأل الله العافية - يكون خارجيًا؛ فيجمع الشَّرّ كله.


(1) هنا يقول الشيخ حفظه الله: الصواب "البكرية" عوضًا عن "والنصيرية"، وقال: النصيرية من زنادقة الرافضة، في نسخ أخرى وهي أقرب "البكرية" وهم قدرية، أما النصيرية روافض غلاة، يظهرون الرفض الغالي وحقيقتهم الإلحاد، ولا يرون صلاة ولا صيامًا ولا يؤمنون باليوم الآخر، والظاهر أنها "البكرية".
(2) صحيح. أبو داود (4691) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (4442).
(3) الشورى: 7.
(4) الملل والنحل (1/ 48).