موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مصادر تلقي الدين - شرح اعتقاد حرب الكرماني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - مصادر تلقي الدين

والدين إنَّما هو كتاب الله عزّ وجلّ وآثارٌ وسُنَنٌ ورواياتٌ صحاح عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة المشهورة، يرويها الثقة الأول المعروف عن الثاني الثقةِ المعروف؛ يُصدّق بعضُهم بعضًا حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو أصحابه رضي الله عنهم أو التابعين أو تابعي التابعين أو مَن بعدهم مِن الأئمة المعروفين المُقتدى بهم المتمسكين بالسُّنَّة والمتعلقين بالآثار الذين لا يُعرفون ببدعةٍ ولا يُطعنُ عليهم بكذبٍ ولا يُرمون بخلاف؛ وليسوا بأصحاب قياسٍ ولا رأي! لأنَّ القياس في الدين باطلٌ والرأي كذلك أبطل منه.

وأصحاب الرأي والقياس في الدين مبتدعةٌ جهلةٌ ضُلّال، إلّا أنْ يكون في ذلك أثرٌ عمّن سلف مِن الأئمة الثقات، فالأخذ بالأثر أولى، ومَن زعم أنَّه لا يرى التقليد ولا يُقَلِّدُ دينَه أحدًا؛ فهو قول فاسق مبتدع عدو لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم ولدينه ولكتابه ولسُنَّةِ نبيّه عليه الصّلاة والسّلام، إنَّما يريد بذلك إبطال الأثر وتعطيل العلم وإخفاء السُّنَّة والتفرد بالرأي والكلام والبدعة والخلاف، فعلى قائل هذا القول لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، فهذا مِن أخبث قول المبتدعة وأقربها إلى الضلالة والردى، بل هو ضلالة، زعم أنَّ لا يرى التقليد! وقد قَلَّد دينَه أبا حنيفة وبشرًا المريسي وأصحابَه، فأيّ عدو لدين الله أعدى ممن يريد أنْ يُبْطِلَ السُّنَن ويبطل الآثارَ والروايات ويزعم أنَّه لا يرى التقليد؛ وقد قَلَّدَ دينَه مَن قد سميتُ لك وهم أئمة الضلال ورؤوس البدع وقادة المخالفين! فعلى قائل هذا القول غضبُ الله، فهذه الأقاويل التي وصفتُ مذاهبُ أهل السُّنَّة والجماعة والأثر وأصحاب الروايات وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث وتعلمنا منهم السُّنَن، وكانوا أئمةً معروفين ثقات؛ أهل صدقٍ وأمانةٍ يُقتدى بهم ويُؤخذ عنهم، ولم يكونوا أهل بدعةٍ ولا خلافٍ ولا تخليط! وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم، فتمسكوا بذلك رحمكم الله، وتعلّموه وعَلِّمُوه وبالله التوفيق.


ذَكَرَ رحمه الله تعالى في هذا الموضع مصادرَ تلقي الدين التي يُتلقى الدين منها، فقال: "والدين إنما هو كتاب الله وآثارٌ وسُنن وروايات صحاحٌ عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة المشهورة، يرويها الثقة المعروف عن الثاني الثقةِ المعروف، يُصدّق بعضُهم بعضًا حتى ينتهي ذلك إلى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أو أصحاب النَّبيِّ أو التابعين أو تابعي التابعين أو مَن بعدهم مِن الأئمة" الدين يُتلقى مِن ثلاثة مصادر: كتابُ الله وسُنَّةُ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم وإجماعُ السلف الصالح رضي الله عنهم، يقول شيخ الإسلام في الواسطية: لأنَّه الإجماع الذي ينضبط، الإجماع الذي يمكن ضبطُه هو إجماعُ السلف رضي الله عنهم، أما تلقي الدين مِن كتاب الله هذا واضح، لأنَّ الله تعالى أنزل هذا القرآن العظيم ليُتلقى منه الحق وما أبطله فهو الباطل وما أحله فهو الحلال وما أوجبه فهو واجب وهكذا، وهكذا ما يتعلق بسُنَّةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإنَّها كذلك، إذ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مطيعٌ لربه ولا ينطق عن هوى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(1)، الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ(2)، الثالث: ما كان عليه الصحابة والتابعون وأتباع التابعين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم سلف الأمة، الإجماع الذي ينضبط الذي يُجمع عليه هؤلاء، فإنَّ الدين يُتلقى منهم.

هؤلاء القوم هم المستمسكون بالسُّنَّة الذين لا يُعرفون ببدعة، لهذا قال ابن عباس رضي الله عنه لمّا جاء الخوارج وناقشهم قال: "ما فيكم مِن أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم أحدٌ!"(3) يقول: أنتم الآن ذهبتم إلى هذا الموضع؛ ولو كنتم تعقلون وتفقهون لتأملتم جماعتكم، ما فيكم صحابي واحد! الحق يكون معكم وأصحاب النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام لم يشارككم معهم أحد! وهكذا قال قتادة: "إنَّ الخوارج لمّا خرجوا كان أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن المهاجرين إلى الأنصار وأمهات المؤمنين كانوا جميعًا متوافرين؛ والله إنْ خرج منهم خارجيٌ قط"(4) يقول: الخوارج ما كان فيهم صحابي! وهذا مِن دلائل قوله عليه الصّلاة والسّلام - كما سيأتي إنْ شاء الله – في الخوارج «سفهاء الأحلام، حدثاء الأسنان»(5)، مِن سَفَهِ حلمهم أنَّهم يرون شيوخ المسلمين أصحاب الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يشاركوهم بل ينكرون عليهم ويُصِرّون على رأيهم! لأجل ذلك الذي يكون عليه هؤلاء الأخيار مِن الصحابة والتابعين هذا هو الحق الذي لا يمكن أنْ يعدوه، ولو قيل: إنَّ الحق فيمِن أتى بعدهم وإنَّ ما كانوا عليه باطلًا! لكان معنى ذلك أنَّ الأمة كانت ضالة حتى اكتشف الحق رافضي أو جهمي أو معتزلي أو غيره! هؤلاء السلف الكرام لا يُعرفون ببدعة ولا يُطعن عليهم بكذب فهم أبعد الناس عن الكذب ولا يُرمون بالخلاف الذي يكون على خلاف النصوص.

ثم قال: "وليسوا أصحاب قياس ولا رأي! لأنَّ القياس في الدين باطل والرأي كذلك، بل أبطلُ منه، ثم قال: "وأصحاب القياس والرأي في الدين مبتدعةٌ جهلةٌ ضُلّال" الرأي نوعان والقياس نوعان، القياس منه قياسٌ سليم يقيسه العالم المجتهد؛ فيقيس الفرعَ على أصلٍ لعلةٍ جامعة، فيُعرف حكمُ الفرع مِن حكم الأصل الموصوف لوجود العلة الجامعة، فيقول: هذه المسألة التي جَدَّت هذا حكمها لأنَّ الله قال في أصلها كذا؛ فما هذه إلّا فرعٌ لهذه، لكن ما يفعل هذا أيّ أحد! وإنما يفعله العالم الذي يُحسن ويعرف ضبطَ العلة وإحسان إلحاق الفرع بالأصل، فهذا النوع الأول لا يتحدث عنه الإمام حرب رحمه الله، لأنّ القياس على هذا النحو موجود في الصحابة وفي التابعين وفي السلف، ما فيها إشكال، إنما المقصود القياس المخالف للنص، لهذا قال بعض السلف: أول مَن قاس إبليس؛ لأنه قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ(6) ، هذه طريقة القياس عنده، يقول: ما دمتُ قد خُلقتُ مِن النار وآدم خُلِقَ مِن طين فلا يصح أنْ أؤمر بالسجود له! ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ(7) يقول: كيف تُكَرِّمُ عليّ هذا الذي أصله مِن طين وأنا مِن النار! والنار في زعمه أفضلُ مِن الطين، فلأجل ذلك أبى أنْ يسجد، عليه يُعلم أنّ كلام حرب على القياس الباطل الذي تُواجَهُ به النصوص؛ الذي إذا قيل: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال القائل منهم: القياس يقتضي خلافَ هذا الحديث! قياسُك هذا باطل قد عَلمنا أنه باطل لأنه خالف الحديث، ولو كان قياسًا سليمًا لمَا خالف الحديث، وهكذا الرأي، الرأي نوعان: الرأي الصادر عن علم وعن نظر في الأدلة فيما للرأي فيه مجال - مثل المسائل الفقهية - هذا ما يتحدث عنه حرب لأنه يعلم أنّ هذا رأي محمود، إنما الكلام عن الرأي الذي قُوبلت به النصوص التي أصلًا لم تأت البدع ولم تنشأ الفرق الضالة إلّا منه، فإنه لمّا كان الاعتقاد على هذا الحد قابلوه بآرائهم الباطلة فصاروا يخالفون الاعتقاد، مع صريح النصوص الدالة على خلاف رأيهم! فكلامه على هذا النوع مِن القياس وعلى هذا النوع مِن الرأي، ولهذا ماذا قال بعده؟ "ومَن زعم أنه لا يرى التقليد ولا يقلد دينَه أحدًا؛ فهذا قول فاسق مبتدع" لماذا؟ لأنّ الأمة تقلد مَن؟ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم، تتبعه، تقتضي به، صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أئمة للمتقين كما قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(8) فيُؤتسى بهم وتُعرف أقوالهم ويُحذى حذوهم رضي الله تعالى عنهم، ولذا إذا جاء إنسان يقول: أنا لا أقلد أحدًا نهائيًا! الاتباع للنَّبيِّ صلى اله عليه وسلم أساسه قائم على أنْ تحذو حذوه عليه الصّلاة والسّلام، فإذا أردتَ أنْ تزيل الأثر والأحاديث وأنْ تنفرد أنت برأيك؛ فمعنى ذلك أنك تقول: أنا لست ملزمًا بحديث تأتي به عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لأني لا أريد أقلد أحدًا! بالتالي ماذا سيحدث؟ ستردُ أحاديث رسول الله إذا خالفت هواك، هذا وجه قوله رحمه الله "مَن زعم أنه لا يرى التقليد ولا يقلد دينه أحدًا؛ فهذا قول فاسق مبتدع عدو لله ولرسوله ولدينه ولكتابه" لماذا؟ لأنه سيترتب على قوله هذا أنْ يَرُدَّ ما في الكتاب وما في السُّنَّة وما أجمع عليه الصحابة باسم أنه لا يقلد، يقول: أنا لا أقلد، النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال كذا؛ قال: وإنْ كان، أنا لا أقلد ديني أحدًا، وأنا إنسان حرّ! لديّ فهم ولديّ دراية ولديّ عقل! أنت الآن تخوض في الغيب، تخوض في غيبيات، ليست أصلًا داخلة في نطاق المعقول الذي تعقله وتفهمه، وليست داخلة في الحدود التي يمكن أنْ تُلحق فرعًا بأصل، كيف تخوض في مثل هذه المسألة؟ كيف تردُّ النصوص الصريحة؟ لهذا القياس الفاسد ما الذي ترتب عليه؟ أنْ أُبيح الحرامُ وحُرِّمَ الحلالُ! لأنه قياس فاسد، لا ينظر صاحبه إلّا لهواه ولا يكترث بالأدلة!

يقول: "إنما يريد إبطال الأثر وتعطيل العلم واطفاء السُّنَّة والتفرد بالرأي" هذا مراده، فإذا قلنا: لم تفعل هذا؟ يقول: أنا إنسان غير مقلد! أنتم تريدون أنْ تقلدوا النصوص قلدوها، أما أنا فإنسان عندي شخصية وعندي سعة أفق وأنا إنسان لست بالهين؛ أنا لا يمكن أنْ أجعل هذه النصوص تقودني! بل أنا أعرضها على رأيي فالذي يوافق رأيي أقبلُه والذي لا يوافق عقلي أنا أرده! لاشك أنه قول ابتداع وضلال لأنه يريد أنْ يسقط النصوص بهذه الطريقة، لهذا قال: "فعلى قائل هذا القول لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" لأنه يؤدي إلى تعطيل النصوص.

ثم قال: "فهذا مِن أخبث قول المبتدعة وأقربها إلى الضلال والردى" بل هو ضلالة.

ثم قال - مبينًا تناقض هذا -: "زعم أنه لا يرى التقليد، قد قلد دينه أبا حنيفة وبشرًا المريسي وأصحابه!" كلامه رحمه الله هنا عن طائفة مِن المعتزلة، لأنّ كثيرًا مِن المعتزلة وأبو حنيفة رحمه الله – سيأتي الكلام عليه - رحمة الله تعالى عليه ابتُلي أبو حنيفة رحمه الله بأنّ كثيرًا مِن المعتزلة دخلوا في مذهبه، فالمريسي وأضرابه يقولون: نحن على قول أبي حنيفة! مع الفرق الكبير بين أبي حنيفة وغيره، يقول: أنتم الآن قلدتم أبا حنيفة وأنتم تقولون: لا نُقلد النصوص والآثار! فإنْ كنتَ صادقًا فلماذا تقلد أبا حنيفة وهو رجل مِن أهل العلم وتترك النص الذي قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذِكْر البشر المريسي – لأنّ بشر المريسي مِن نفاة الصفات ومِن الجهمية المعروفين – يقول: تقلدونه وتقلدون ابا حنيفة رحمه الله؛ وتقول: إنَّي أنا لا أقلد هذه النصوص وهذه الآثار!!

ثم قال: "فأي عدو لله أعدى ممن يريد أنْ يطفئ السُّنَن" هذا مراده بأنْ يُبطل السُّنَن الثابتة عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم "ويبطل الآثار والروايات ويزعم أنه لا يرى التقليد! وقد قَلَّد دينَه ما قد سميتُ لك وهم أئمة الضلال ورؤوس البدع وقادة المخالفين، فعلى قائل هذا القول غضب الله" هنا نأتي الكلام عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، اعلم أنَّ أبا حنيفة رحمة الله تعالى عليه مِن علماء الأمة وفقهائها، لا يشك في هذا أحد، لكنَّ أبا حنيفة رحمه الله عَتبَ عليه كثيرٌ مِن أهل العلم قولَه بقول المرجئة – مرجئة الفقهاء في الإيمان - لأنه تلميذ لحماد بن أبي سليمان، وحماد مِن فقهاء الكوفة فتلقى عنه أبو حنيفة هذا المذهب، لكن اعلم أنّ ثمة رواية مهمة جدًا يرويها حماد بن زيد تُبيّن لك دينَ أبي حنيفة وعقلَه وعِلْمَه رحمة الله تعالى عليه، يقول حماد: كنت أناقشُ أبا حنيفة فيقول وأقول، ويقول وأقول - يعني في المناظرة والمحاورة - ثم قلت له: إنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ أيُّ الإسلام خير؟ قال: «الإيمان»، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: «الهجرة والجهاد» ثم قال حماد لأبي حنيفة: ألا تراه جعلَ الهجرة والجهاد مِن الإيمان – يعني وهما عمل - لأنّ أبا حنيفة يرى أنّ العمل – وهذه طريقة المرجئة لا يكون في الإيمان كما شرحنا - الهجرة والجهاد عمل، ألا تراه جعل الهجرةَ والجهادَ مِن الإيمان؟ فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يا أبا حنيفة ألا تجيبه؟ لأنّ السكوت في مقام المناظرة يُشعر بماذا؟ يُشعر بالضعف، قال: تريدني أنْ أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم(9)؟؟ يقول: كيف أرد عليه وقد أتى إليّ بحديث فيه ما يدل على أنّ العمل مِن الإيمان؛ أنا إنْ رددتُ عليه وواصلت المناظرة فأنا لا أناظر رجلًا اسمه حماد بن زيد! أنا الآن دخلتُ في خطر كبير هو أني أردّ على رسول الله، أنا لن أتكلم، لهذا أخذ بعضُهم أنّ أبا حنيفة يُعَدُّ هذا منه نوع رجوع عن قوله في الإيمان، ثم إنَّ أبا حنيفة رحمه الله المعروف عنه أنه كان يقول: "إذا أتى الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعلى الرأس والعين، وإذا أتى عن الصحابي فعلى الرأس والعين – يقول: ما أخالف حتى الصحابي - وإذا أتى عن الصحابة فإنا نختار في أقوالهم ولا نتجاوزها، وإذا أتى عن التابعين فهم رجال ونحن رجال"(10) لأنّ أبا حنيفة مِن أتباع التابعين – مشهور هذا -، يقول: لكن يأتيني خبر عن الصحابي أنا لا يمكن أنْ أخالف الصحابي، خبر عن رسول الله هذا، هو المعروف عنه رحمه الله تعالى فإنه مِن أهل العلم والورع، وقد كان في الكوفة رحمه الله وكانت الكوفة كما يُعبّرون عنها معدن الضرب، ليس ضرب العُمَل لكن معدن الضرب بالأحاديث المكذوبة، وكان يتحوط جدًا حتى ذَكَرَ له جابر الجعفيّ قال: انظر أي رأي تريد وأنا أضع لك فيه حديثًا(11)! فكان يتحوط بالأحاديث، ولم يكن مِن أهل الرحلة في الحديث والعلم في الحديث كطريقة الشافعي ومالك وأحمد؛ فصار يقول بأقوال على سبيل الاستنباط والاجتهاد ولا يدري أنه روي فيها حديث، ولو عَلِمَ أنَّ فيها حديثًا لمَا قال بها، فجاءت عنه أكثر مِن مسألة مِن هذه المسائل هي على خلاف النصوص التي لم تبلغْه، الإشكال في الذين تعصّبوا لقوله ووقفوا عن النصوص وأبوا إلّا نصرة قوله - مع تصريحه رحمه الله أنه لا يحل لأحد أنْ يقلد قوله ويترك حديث النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم -! فهو مبسوط العذر رحمه الله، لأنّ العالم إذا لم يبلغه الحديث وأفتى وصارت فتواه بخلاف الحديث؛ فإنّ لسانَ حاله وحال الشافعي وغيره مِن أهل العلم "إذا جاء الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بخلاف قولي؛ فخذوا قولي واضربوا به عُرْضَ الحائط"(12) يعني لا تأخذوا بقولي في هذه الحال، أنا اجتهدت ولم أدرِ أنّ ثمة حديثًا يرويه رجل مِن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لم يبلغني عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بخلاف فتواي، ولهذا الشافعي رحمه الله تعالى في الأم في أحيان كثيرة حين يختار قولًا يقول: " إلّا أنْ يكون في هذا حديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم" فيسقط كل شيء خالف حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهكذا أبو حنيفة وهكذا مالك وهكذا أحمد وعموم أهل العلم، فأبو حنيفة رحمة الله تعالى عليه حين قال هذا الكلام حرب وغير حرب الحقيقة مِن أهل العلم إنما قالوه للمقام الأساس والأكثر في الحقيقة لمن تعصب لقوله وأصرّ على مخالفة أبي حنيفة نفسه، الذي يصرح أنه إذا جاء القول عنه بخلاف حديث عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فلا يمكن لعاقل أنْ يُقدّم حديثَ النعمان بن ثابت على محمد بن عبد الله، لا يمكن أنْ نقدم قول أبي حنيفة رحمه الله النعمان بن ثابت على رسول رب العالمين محمد بن عبد الله، لا يقول هذا أحد، لا أبو حنيفة ولا غيره، الإشكال في التعصب، ولهذا ما زاد الشَّرّ إلّا عن طريق المتعصبين، ولهذا ابن أبي العزّ الحنفي رحمه الله تعالى لمّا ذكر نقاشات المرجئة قال: والغالب أنّ هذه المناقشات مِن الأصحاب - يعني من أصحاب أبي حنيفة ليست منه - فإنّ غالبها ساقط لا يرتضيه أبي حنيفة؛ إنما جاءت ممن تعصبوا له، وبه يُعلم أنّ أبا حنيفة يُتوسط في أمره رحمه الله، وأنّ قوله في الإيمان لاشك أنه باطل حين قال: إنَّ الإيمان هو قول واعتقاد فقط! وهذه القصة تُشعر بأنه صار عنده رجوع أو توقف في أصل مقولته بالإرجاء، أما اعتقاده في الصحابة، في القدر، في التوحيد؛ فهو على طريقة علماء السُّنَّة بلا إشكال، معلوم عنه هذا رحمه الله، والفتاوى التي أفتى بها خالف بها الحديث قد أخبر أصحابَه أنه إذا خالف حديثًا عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّ قوله يُرَدّ لأنه لم يبلغه الحديث، فيقول: لا تجعلوا قولي أنا تُصادم به النصوص! اتركوا قولي وخذوا بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بل إذا جاءكم قول لصحابي فلا تقدموا قولي على الصحابي، هذا المعروف عن أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه، فالإشكال - كما قلنا - أنّ كثيرًا مِن المعتزلة انتسبوا إليه رحمه الله، هو لا ذنب له، إذا انتسب له المعتزلة في الفقه، المعتزلة ضُلاّل، هو على خلاف المعتزلة وعلى خلاف عقيدة المعتزلة، فلا يضره هذا، لكن قوله في الإيمان لا شكّ أنه قول باطل إذا كان استمر عليه، أما إذا كان تراجع عنه وكما في خبر حماد بن زيد فهذا يعني أنّ أبا حنيفة تراجع عن هذا القول الباطل، وأما الأقوال التي خالف بها الأحاديث النبوية فأخبرتُك أنّ العذرَ له في هذا؛ وأنه لم يكن مِن أهل الرحلة، لأنّ الحديث أيّها الإخوة ليس كما هو الآنْ تفتح صحيح البخاري وقد تحفظه حفظًا، الحديث كيف تحصل عليه قديمًا؟ بالرحلة، فيرحلون إلى علماء المدينة، يرحلون إلى علماء مكة، يرحلون إلى علماء الشام، يرحلون إلى علماء مصر، فكان رحمه الله في العراق وكان فقيهًا مستنبِطًا، ولا أحد يشك في فقهه رحمه الله، فكان يقول بأقوال تخالف الأحاديث التي لم تبلغه، أما إذا أتاه الحديث فإنه يترك أيّ اجتهاد يخالف الحديث، هذا هو المعلوم عنه رحمة الله تعالى عليه.

ختم حرب رحمه الله بعد أنْ انتهى مِن هذا بقوله أنّ هذه الأقوال التي ذكرها هي التي عليه أهل السُّنَّة ممن لقيهم، وهو قول أئمة السُّنَّة وعلمائهم وأوصى بالتمسك بهذا.

بقية الرسالة - إنْ شاء الله تعالى - ستكون في عرض الفِرَق الضالة، وهي محدودة، سنتكلم عنها إنْ شاء الله بعون الله تعالى غدًا، وننهيها بحول الله عزّ وجلّ، فالكلام فيها محدود مِن جهة أنه كلام عن الفِرَق، أما العقيدة فانتهى الكلام فيها.

- يقول: ما نصيحتكم للمقبلين على اختيار موضوع رسالة علمية في العقيدة؟

أيّ رسالة في العقيدة أو في غير العقيدة نوصي مَن يكتب أنْ يكون موضوعًا نافعًا، يبحث عن موضوع ينفعه وينفع الأمة، أما مجرد اختيار موضوع مع قلة نفعه أو كون هذا الموضوع مما قد بُحث مِن قبلُ هذا لا شكّ أنه ليس بصواب.

- يقول: كيف الردُّ على مَن أخرج زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن آية التطهير بحجة أنه خطاب للتبشير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(13) ؟

هذا مِن العجائب، هذا مِن طريقة الرافضة، ولم يقل بها(14)، آل البيت في الآية مَن يدخل فيهم غير الزوجات؟ مَن؟ رسول الله، لو قيل: "يريد الله ليذهب عنكنّ" يُخرج الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟ فلمّا قال: عنكم يا أهل البيت؛ مَن هم أهل البيت؟ رسول الله وزوجاته، فلو قال: يريد الله أنْ يذهب عنكنَّ خرج الرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هل هناك أحد يقول: إنّ رسول الله يخرج عن التطهير؟ هذه مِن حجة الرافضة، وأحد الشافعية رحمه الله أَلَّفَ كتابًا مناسبًا - لعل الأخ يبحث عنه ويخرجه رسالة - سماه "الحجة الرابضة لحجة الرافضة" الرافضة كالرابضة كالأغنام، الرابضة التي لا تستطيع أنْ تقوم، فهذه مِن ضمنها، يعني إذا قيل: "إنما يريد الله ليذهب عنكنَّ الرجز"! مع قوله في الآية الأولى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ(15) الخطاب كان للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ثم ذَكَرَ زوجاته، وكان معنى ذلك أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أُخْرِجَ! حاشاه عليه الصّلاة والسّلام، وإنما المقصود أنْ يُدخل الجميع فيه، ولهذا تناولتِ الآية زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالنص وتناولت غيرهنَّ بالتبع، لأنّ الموضوع في زوجاتِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وفي النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قطعًا، لأنه كما قلنا: يقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(16) فكيف صار لهنَّ هذا المقام وصار لهنَّ هذه الأمور؟ لأجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكونه يقال: يُخرج الرسول صلّى الله عليه وسلّم مِن التطهير ويكون التطهير للنساء! هذا كما قلنا حجة الرابضة.

- يقول صفات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.

يطول الكلام فيها، تستطيع أنْ ترجع إلى كتب الشمائل التي ذكرتْ وصف النَّبيِّ الخَلقيِّ صلّى الله وسلامه عليه في لحيته ووجهه وقامته صلوات الله وسلامه عليه وتعرفها.

- كيفية التوبة والرجوع إلى الله عزّ وجلّ؟

التوبة ولله الحمد ما تحتاج إلى كيفية، أنْ تقلع عن الذنب الذي أنت فيه، وتندم على ما وقع منك، وتعزم على ألّا تعود، فإذا صَدَقْتَ في هذا فلو مت بعد لحظة واحدة كنتَ تائبًا، أقلعتَ عن ذنب أنت واقع فيه وما بدر منك في السابق ندمتَ عليه، وعزمتَ عزيمة – يعلمها الله مِن قلبك أنك لن تعود إليه -، ولذلك فُسرت التوبة النصوحة بالتي تحققت فيها الشروط الثلاثة.

- يقول صلّى الله عليه وسلّم: «سيخرج في أمتي كذابون ثلاثون»(17) مقتصر على ثلاثين رجلًا أم مَن اشتهر؟

الذين لهم شوكة، ولهم قوة، هؤلاء هم الذين يُقصدون، أما ما يقع في بعض الأحيان مِن هؤلاء المساكين يكون في عقله شيء وفي ذهنه شيء يأتي فيصيح في الحرم: أنا نبي! أو كذا! الحقيقة التعامل معهم خاطئ مِن قِبَلِ كثير مِن الناس يأتي ويصوره وينشره! ما يحل هذا! إنسان مسكين مجنون عنده إشكال، تصوره وتجعل الخبر ينتشر! تقول: هناك واحد مدعي النبوة! تأتي بعض المواقع التي تريد الإثارة تقول: رجل يدعي النبوة! هذا مسكين مجنون، هؤلاء كثر، كثر، تارة يدعي أنه نبي، تارة يدعي أنه المهدي، تارة يدعي أنه عيسى ابن مريم عليه الصّلاة والسّلام، هؤلاء مساكين يُستر عليهم ولا يحلُّ تصويرهم، أما التعدي عليهم وضربهم! فلله العجب! سبحان الله! تضرب رجل مثل هذا! والله إني أتعجب مِن هؤلاء، يعني هذا الآن غيرة لله؟ أنت ترى المنكرات كالجبال أمامك؛ وتمر مِن عندها قد أنزلت رأسك! لكن لمّا جاء هذا المسكين المجنون وادّعى النبوة ضربتَه! سبحان الله! أتعجب مِن هؤلاء، صارت شجاعتك وبطولتك على هذا الضعيف! هذا الإنسان يؤخذ على جانب، إما أنْ يُرقى بالقرآن أو يؤخذ ويسلم إلى أهله، حتى السجن شرعًا ما يسجن هذا، هذا مسكين يعاد إلى الجهة التي كان فيها، مثلًا قد يكون في مصحة أو غيره، أمّا تصويره وضربه والتعدي، لا شك أنّ هذا من التعدي والتجاوز لحدود الله.

- يقول: هل النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم كلم اللهَ مباشرة عندما فرضت الصلاة؟

نعم، النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم كلَّمه الله كفاحًا، وهذا مِن عظمة الصلاة أنّ الله تعالى فرضها بنفسه ولم ينزل جبريل بها كبقية الفرائض! إنما كلمه الله مباشرة.

- يقول: هل تثبت العقيدة بالحديث الصحيح لغيره أو الحسن؟

نعم، إذا ثبت، العبرة أنْ يثبت.

- يقول: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا(18) يعني في الجنة، البعض قَصَرَ ذلك في المأكل والمشرب والوطء، فهل هذا صحيح؟

ودليله ما هو؟ ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا(19) مِن كل أمرٍ يشتهونه، أيّ أمرٍ يشتهيه أهل الجنة يكون، أما أنْ يقصر على هذا! هذا ليس بسليم.

- يقول: ما حكم طلب العلم؟

طلب العلم على نوعين: طلب العلم الذي في المسائل التي لابُدّ أنْ تتعلمها بنفسك كالوضوء وكيفية الصلاة ونحو ذلك؛ يفترض أنْ تصح عقيدتك وتعرف الاعتقاد في الله، هذا واجب على كل أحد، أما الزيادة في هذا والتوسع في مسائل فقه والأحكام فهذا مندوب إليه، وهو مِن فروض الكفاية التي ليس للأمة أنْ تتركها، لكن لا يقال: إنَّ طلب العلم واجب على كل أحد بالمعنى العام! وإنما هناك نوع مِن المسائل التي يحتاجها كل مسلم في حياته كاعتقاده وطهارته وصلاته لابُدّ أنْ يتعلمها.

- يقول: سمعت الشيخ العلامة ابن عثيمين في عدة شروح ينهى عن الخوض في ما لم يخض به السلف مِن مسائل الأسماء والصفات؟

نعم، هو رحمه الله وغيره مِن علماء الأمة كلهم ينوهون عن الخوض الباطل الذي كان عليه الجهمية والمعتزلة، والردّ عليهم ليس مِن الخوض معهم! وإنما لإبطال شبهتهم، والتفصيل يكون بالحق، يُبين الحق ودلائل الأسماء والصفات ونحو ذلك.

- يسأل عن مَن يناظر الرافضة والإباضية ويستخدم أسلوبَ السخرية والاستهزاء؟

الذي ننصح به إخواننا أولًا أنْ لا يُناظر أيّ أحدٍ، الأمر الآخر إذا ناظرت؛ أليست مناظرتك عملًا صالحًا تبتغي به وجه الله؟ أخلص فيه يا أخي، واجعل عليك - إذا كنت مؤهلًا للمناظرة - اجعل عليك سمت أهل السُّنَّة، ما معنى أنك تسخر به وتستخف وتضحك الناس عليه؟ حتى هم كيف يهتدون بمثل هذه الطرق، لكن لو قلتَ: يا أيّها الناس أنتم في حال مِن الضلال والزيغ، انظروا النصوص، انظروا ما فعل بكم ضُلّالكم، كيف فعلوا بكم! أنا والله لكم ناصح، لا يعبث بكم هؤلاء المحتالون، هذا وضع يسمع لك الواحد منهم، أما أنْ تسخر فيشعر أنك تستهزئ به! هذا ليس منهجًا سليمًا.

- يقول: هل يمكن أنّ الشيطان يتلاعب بالعبد بحيث يريه أنه يرى اللهَ في المنام؟

هو يريه هالة مثلًا مِن نور أو نحو ذلك ويقول: إنه الله! حاشا لله أنْ يكون هذا رب العالمين سبحانه وتعالى، لكن يعبث به، لكن يقول له: هذا النور الذي تراه الآن إني أنا الله، هل هذه الرؤيا يعني رأى الله فعلًا؟ لا والله ما رأى الله سبحانه وتعالى قطعًا، لكن أنْ يعبث به يقول: هذا ربك، أو يقول: أنا جبريل! هذا يَرِدُ على الجاهل.

- يقول: متأخرو المعتزلة يريدون أنْ يدخلوا فعل المستحبات في حقيقة الإيمان، فكيف يجيبون عن عدم إخراجهم الإيمان بعدم فعلهم المستحبات؟

قلنا لك: هذه مِن المخانق التي يُخنقون بها، يعني إذا قيل مثل هذا الكلام معنى ذلك أنّ مَن ترك مستحبًا خرج من الإيمان! فيسأل عنها أبو هاشم الجبائي وعبد الجبار، هم الذين اختاروا هذا.

- الإسماعيلية طائفة مِن غلاة الرافضة يجعلون الإمامة في إسماعيل، بينما الرافضة الاثني عشرية يجعلون الإمامة في جعفر، وعقائدهم عقائد الغلاة، نسأل الله العافية، ولا يرون صلاة ولا صومًا ولا زكاة، هذا هو الأصل، وإنْ كان يوجد منهم جهلة لا يعرفون حقيقة المذهب، وإلّا أصول المذهب قائمة على هذا، لأنّ الباطنية لا ترى صلاة ولا زكاة، لكن عند العوام قد يخرجون لهم أنهم يصلون ولكن حقيقة المذهب بخلاف هذا.

- يقول: ما واجبي كطالب علم إذا سُبّ الصحابةُ أو أمهات المؤمنين وأنا حاضر؟

الكاف هنا يا إخوة غير صحيحة! بهذه المناسبة، يقول بعض الناس: أنا كمسلم! هذا خطأ، لأنّ الكاف تشبيه، فيه مُشَبَّه ومُشَبَّه به، كأنْ تقول: أنا لست بمسلم لكني مثل المسلم! هذه انسوها يا إخوة، هي ترجمة للحرف الانكليزي " as "ودخلتْ على اللغة العربية، لذلك يسمونها كاف الاستعمار، يعني ما لها وجه، يعني أنْ تقول: أنت كالأسد، الآن تشبيه، عندي رجل وعندي أسد، مُشَبّه ومُشَبّه به، فإذا قلتَ: أنا كمسلم معناه أني لست بمسلم ولكني أشبه المسلمين! وهكذا قال: أنا كرجل، أنا كطالب علم، ما يصلح هذا الأسلوب، انسوه تمامًا، إذن تقول: ما هو واجبي بصفتي طالب علم.

ما واجبي إذا سُبّ الصحابةُ أو أمهات المؤمنين وأنا حاضر؟

دافع عن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولا تسكت، وإذا كان هؤلاء في بيتك فأخرج أعداء الله عزّ وجلّ، وإذا كنتَ في مجلس أنت حاضره فَرُدَّ عليهم وأسكتهم؛ فإنْ سكتوا وإلّا اخرج واترك ما هم فيه.

وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وآله وصحبه


(1) النجم: 3، 4.
(2) النساء: 80.
(3) المستدرك (2656)، وقال الذهبي رحمه الله: على شرط مسلم.
(4) عبد الرزاق في التفسير (1/ 115).
(5) صحيح البخاري (3611) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(6) ص: 76.
(7) الإسراء: 62.
(8) الفرقان: 74.
(9) شرح الطحاوية لابن أبي العزّ الحنفي (ص: 337).
(10) الانتقاء لابن عبد البرّ (ص: 144).
(11) ينظر تاريخ الإسلام للذهبي (3/ 386).
(12) إعلام الموقعين (223/3).
(13) الأحزاب: 33.
(14) جملة غير واضحة
(15) الأحزاب: 28.
(16) الأحزاب: 6.
(17) صحيح. أبو داود (4252) من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (785).
(18) ق: 35.
(19) ق: 35.