موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - العرب - شرح اعتقاد حرب الكرماني
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - العرب

ويعرف للعرب حقَّها وفضلَها وسابقتَها، ويحبهم لحديث الرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «حُبُّ العرب إيمان وبغضهم نفاق»(1)، ولا نقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يُقِرُّون لهم بفضل؛ فانّ قولهَم بدعةٌ وخلافٌ.


هذا الكلام عن العرب، أولًا: ينبغي أنْ يُعلم أنّ التقوى كما قال عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(2)، فالمدار على تقوى الله عزّ وجلّ، ومَن يبلغ درجةَ بلال بن رباح الحبشي رضي الله عنه ممِن أتى بعده - مِن غير الصحابة المقصود -، الأمر هنا في قولنا: إنَّ العرب لها حق ولها فضل ولها سابقة لأنّ نبيَّ الأمة وأفضلَ الأنبياء على الإطلاق وسيدَ ولد آدم صلّى الله عليه وسلّم مِن العرب، ولأنّ الإسلام حمله أول ما حمله العرب، فعرب هذه الجزيرة هم الذين حملوا الإسلام وفتحوا به الأمصار، فلهم الفضل على البشر جميعًا، حيث نشروا هذا الدين العظيم في الأعاجم في المشارق وفي المغارب وعانوا معاناة عظيمة مِن القتل في سبيل الله والأَسْرِ والجراح التي أصابتهم، كل هذا لينشروا هذا الدين، وليعلوا هذا الحق، فلا شكّ انَّ لهم فضلًا كبيرًا، ولهذا قال: "ويعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها، ويحبهم" لأنّ فيهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفيهم المهاجرون والأنصار والصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم الذين حملوا هذا الدين للأمة، فحبهم مِن هذه الجهة، أيضًا ثبت عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّ الله اختار مِن بني اسماعيل بني كنانة، واختار مِن كنانة قريشًا، واختار مِن قريش بني هاشم، واختارني مِن بني هاشم، فأنا خيار مِن خيار»(3) فبنو إسماعيل لهم شأن، فإنهم بني هذا النَّبيِّ الكريم عليه الصّلاة والسّلام إسماعيل، وهم خيار بشرط أنْ يكونوا مِن أهل الإيمان، لهذا قال صلّى الله عليه وسلّم لمّا سُئِلَ عن أفضل الناس؛ قال: «عن معادن العرب تسألوني؟» قالوا: نعم، قال: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»(4)، الفقه والعلم والإيمان، فلهم هذه المزية، فكون الإنسان يبغض العرب هذا يدل على شَرٍّ عظيم؛ إذ كيف يبغض مَن فيهم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وفيهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأيضًا التابعون، أعداد غفيرة جدًا مِن التابعين مِن العرب رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، حملوا الإسلام وعلّموا الأمة بأحكام، فكونه يبغض جنس العرب هذا شَرّ، وقد يكون له دخيلة سيئة، لأنَّ جنس العرب فيهم رسول الله والصحابة، فكيف يبغض جنس العرب! أما ما ذكره مِن حديث «حُبّ العرب إيمان وبغضهم نفاق»(5) فالحديث فيه ضعف، السند هذا لا يثبت، لكن حُبّ العرب لِمَا ذكرناه مِن الأمور التي قلنا مما يتقرب به إلى لله عزّ وجلّ، والمقصود حُبّ أهل الإيمان منهم، أما كفرتهم فنتقرب إلى الله ببغضهم كأبي جهل وكفرة قريش وأضرابهم فيُبغضون في الله عربًا كانوا أو غيره، حتى أبو لهب مع أنه مِن بني هاشم وعم للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيُتقرب إلى الله تعالى ببغضه، إنما المفروض حبّ العرب مِن أهل الإيمان.

قال: "ولا نقول بقول الشعوبية" العرب يطلق عليهم القبائل، قبيلة عربية، أما العجم فيطلق عليهم الشعوب، ومنه سمي هؤلاء بالشعوبية نسبة للشعوب، لذا قال: "لا نقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي" هؤلاء يقولون ببغض العرب والحطِّ عليهم ولا يرون لهم فضلًا! وهذا ابتداع، كيف لا يكون لهم فَضْلٌ وهم الذين نزل القرآن بلغتهم، وبُعِثَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم منهم، وحمل الإسلام للبشرية أصحابه مِن العرب، فكيف يقال بمثل هذا الكلام الفاسد.

يقول: "فإنّ قولَهم بدعة" ولاحظْ عبارته رحمه الله "ولا نقول بقول الشعوبية" لأنّ الشعوبية مبدأ خبيث، قائم على بغض العرب، لمّا جاء إلى الموالي ما قال: "ولا نقول بقول الشعوبية والموالي" لأنّ الموالي منهم مؤمنون متقون، قال: "وأراذل الموالي" وهذا حقيقة مِن التعبير الدقيق، ليس بينك وبين الموالي إشكال، إنما الإشكال بينك وبين الأراذل منهم، كما أنّ الأراذل مِن العرب تتقرب إلى الله ببغضهم، فالقضية راجعة إلى الدين، لكنّ الجنس مِن حيث جنس العرب لا شكّ أنه جنس قد شرَّفه الله تعالى بحمل هذه الرسالة التي ليس بعدها رسالة؛ وأنزل الله تعالى القرآن بلغة العرب فلهم هذه المزية، لكن ههنا أمرٌ مهمٌ جدًا ليس المقصود هنا التفاخر على طريقة أهل القومية الذين يكون الواحد منهم في بعض الأحيان ملحدًا كالبعثيين والقوميين وأضرابهم ويتفاخرون بالعرب ونحن العرب والعروبة! ما شأنك أنت والعرب؟ حتى لو كنت عربيًا في أصلك؛ لكنك خالفت خيار العرب وسيد العرب والعجم رسول الله وأتيت بهذه الأفكار الخبيثة؛ وصرتَ يا أحمق عبدًا عند العجم وأنت لا تشعر! يعني هذه المقولات في الأعاجم استقدمتَها مِن سفلة الشيوعين وأضرابهم، لأنّ الفكر البعثي قائم على أساس مِن الاشتراكية وأضرابها، فأنت الآن تصيح وتهتف بالعرب؛ وأنت عدو العرب! وهكذا مَن يتفاخرون بعروبتهم وهم أبعدُ الناس عن الالتزام بالإسلام، ينشرون في الأمة فكر الغرب والشرق، فنقول: أنت الآن لا تعي ما تفعل، أنت الآن مجرد خادم عند أعاجم الشرق أو الغرب، أتيتَ إلى العرب الذين أكرمهم الله بالرسالة فنفثتَ فيهم سُمَّ هذه المذاهب وعُدْتَ عند هؤلاء حتى إنهم ينظرون إليك نظرة دونية على أنك مثل العميل الذي لا يساوي شيئًا؛ ثم تقول: العرب والعروبة!! أيّ عروبة وأي عرب تتحدث عنها؟ أنت الآن؛ ما أنت إلّا خادم لمقالات العجم مقالات الشيوعيين والليبراليين وأضرابهم وما تتحدث عن العرب! حبُّ العرب يُحبون لله عزّ وجلّ إذا كانوا مؤمنين، ويُبغضون إذا كانوا مِن أهل الكفر والفجور؛ كما أنّ الموالي والأعاجم يُحبون لله عزّ وجلّ لإيمانهم ويبغضون إذا كانوا مِن الكافرين، فلأجل ذلك ينبغي التوسط في هذه المسألة؛ وأنْ يُعلَم أنّ كلام الإمام حرب رحمه الله تعالى ليس على طريقة القوميين ومَن يعظمون شأنّ العرب ونحوهم على سبيل التوهين والإذلال للأعاجم؛ فإنّ هذا غير مراد ولا يحل وهو نوع مِن الجاهلية أصلًا، ولكنَّ مراده الكلام على الشعوبيين الذين شَنّوا الغارة على العرب - كما سيأتي - وصاروا يتكلمون على أنّ العرب أراذل وسفلة وقليلو الحياء وسيئوا الأخلاق ونحو ذلك ويشنونها على العرب! هذه طريقة الشعوبيين، وكثير منهم زنادقة في الأصل، أراد أنْ يضرب الإسلام في شكل العرب وكأنه يعادي العرب، حتى إذا قيل هذا الإسلام نزل على مَن؟ على العرب الأراذل! والنَّبيُّ منهم! والكتاب النازل فيهم! فيُتطرق في الحقيقة مِن قبل الزنادقة إلى القدح في الحقيقة بطريقة ملتوية على طريقة أهل النفاق والضلال، إذن يُتوسط فيقال: العرب لهم فضلهم ومكانتهم؛ ومِن فضلهم أنّ الله تعالى اختار اللسانَ العربي لينزل به القرآن العظيم الذي ليس بعده كتاب، وبعث الله أفضل نبيّ على وجه الأرض صلّى الله عليه وسلّم وهو سيد ولد آدم على الإطلاق مِن العرب، وأول مَن حمل الإسلام للأمة البشرية هم العرب، فهذه التي تحمل أيّ مسلم على محبة العرب، أما أنْ ننسى الإسلام ونركز على مجرد كونهم عربًا نقول: انظر إليهم في الجاهلية ماذا كانوا يفعلون؟ لولا أنّ الله شرفهم بالإسلام لمَا كانوا شيئًا! لهذا قال عمر رضي الله عنه: "كنا أذل الناس وأحقر الناس حتى أعزنا الله بالإسلام؛ فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله"(6)، فالذي رفع مِن شأنّ العرب هو الإسلام، نعم؛ عندهم مِن حُسن الأخلاق التي تلقوها مِن دين أبيهم ابراهيم عليه الصّلاة والسّلام ومجموعة مِن مكارم الأخلاق ما هو ممدوح محمود؛ لكنهم بهذا وحده لا يساوون شيئًا حتى أعزّهم الله تعالى بهذا الدين وأكرمهم، ولهذا قال تعالى في القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ(7) ماذا قال بعدها: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ(8) هذه أمانة، كون القرآن ينزل بلغتنا هذا يعظم علينا المسؤولية ويجعل العربيَّ ينبغي أنْ يكون شامة في الناس يُقتدى؛ إِذْ به هو مِن الأمة التي نزل عليها القرآن وسوف يُسأل ونزل القرآن بلسانه، أما أنْ يتفاخر أنّ القرآن نزل بلساني وأنت أبعد الناس عن تطبيقه! ماذا استفدتَ؟ ماذا استفدتَ مِن نزول القرآن باللسان العربي إذا كنت على خلاف هذا القرآن العظيم؟ ماذا استفدتَ مِن كون النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عربيًا إذا كنت معاديًا لسُنَّتِه متجاهرًا بالباطل والفساد!

فالحاصل أنّ المسألة لا تكون على طريقة الشعوبية التي تبغض الأعاجم؛ ولا على طريقة القومية التي تعظم وتفخم مِن شأنّ العرب ليحتقروا غيرهم! هذا لا شكّ أنّ هذين الطرفين باطلان؛ وإنما يكون الكلام فيه على التفصيل الذي ذكرناه.


(1) ضعيف. الحاكم (6998) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا. ضعيف الجامع (2683).
(2) الحجرات: 13.
(3) صحيح مسلم (2276) من حديث واثلة رضي الله عنه مرفوعًا.
(4) صحيح البخاري (3353) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(5) سبق تخريجه.
(6) البداية والنهاية (7/ 60) بنحوه.
(7) الزخرف: 44.
(8) الزخرف: 44.