موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الرؤى - شرح اعتقاد حرب الكرماني
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - الرؤى

بسم الله الرحمِن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والسامعين وجميع المسلمين

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

والرؤيا مِن الله وهي حق، إذا رأى صاحبُها شيئًا في منامه مما ليس هو ضِغْثٌ فقَصّها على عالم وصَدَقَ فيها وأوَّلَها العالمُ على أصل تأويلها الصحيح ولم يُحَرِّف؛ فالرؤيا وتأويلها يومئذ حق، وقد كانت الرؤيا مِن الأنبياء وحيًا، فأيُّ جاهل أجهلُ ممن يطعن في الرؤيا ويزعم أنها ليست بشيء! وبلغني أنّ مَن قال هذا القول لا يرى الاغتسال مِن الاحتلام، وقد روي عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «أنّ رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده»(1)، وقال: «الرؤيا مِن الله»(2) وبالله التوفيق.


الحمد لله وصلّى الله وسلّم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

ذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بالرؤيا، والمراد بها ما يراه المرء في منامه، وقد جاء عنه عليه الصّلاة والسّلام تقسيم الرؤى التي في المنام إلى ثلاثة أقسام فقال: «الرؤى ثلاث: فرؤيا مِن الله، ورؤيا مما يُحَدِّثُ به المرءُ نفسَه، ورؤيا تحزين مِن الشيطان»(3).

فالرؤيا التي مِن الله عزّ وجلّ إذا كانت للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهي نوع مِن أنواع الوحي، لأنّ مِن أنواع الوحي الذي يوحي الله عزّ وجلّ لأنبيائه أنْ يرى النَّبيُّ رؤيا في المنام، وليست رؤيا الأنبياء مثل رؤيا غيرهم بلا أدنى شك، لأنّ رؤيا الأنبياء نوع مِن الوحي، ولهذا فإنّ ابراهيم عليه الصّلاة والسّلام لمّا رأى في المنام أنه يذبح ابنه اسماعيل: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى(4) بِمَ أجاب اسماعيل؟ ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ(5)، فالنَّبيُّ إذا رأى رؤيا فإنه يُؤْمَرُ في الرؤيا، ورؤياه حق، يستحيل أنْ تكون مِن الشيطان، وليست مِن الأضغاث التي لا معنى لها، بل هي وحي مِن الله، الرؤيا التي يراها المؤمن في المنام إذا كانت مِن الله يقول صلّى الله عليه وسلّم: «إذا اقترب الزمانُ لم تَكَدْ رؤيا المؤمن تُخطأ» يعني في آخر الزمان «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا»(6) لأنّ الرؤيا تارة تصدق وتارة لا تصدق «فأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» مَن يتحدث بالصدق ويُجانب الكذب هذا هو الذي رؤياه أصدقُ الرؤى.

أما النوع الثاني مِن الرؤى: فهو مما يُحَدِّثُ به المرء نفسه، قد يُعِدُّ الإنسان العدةَ لسفر مثلًا ويتهيأ لذلك ويكون قد اهتم لأمر السفر؛ فإذا نام رأى في المنام أنه يسافر وأنه سافر وأنه يُعِدُّ العدةَ للسفر ونحو ذلك، فهذه مِن حديث النفس مما كان يُحَدِّثُ به المرء نفسه ثم نام فرأه.

النوع الثالث: الرؤى التي تكون مِن الشيطان، وهي الحُلُم الذي يريد الشيطان أنْ يُحَزِّن به المرء، ولهذا قال عليه الصّلاة والسّلام في الرؤى: «الرؤى ثلاث» قال فيها: «رؤيا تحزين مِن الشيطان»(7) الشيطان يحرص على أنْ يُحزن المؤمن كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا(8) فهو حريص على أنْ يُحزنه في المنام وفي اليقظة لأنه عدو، هذه الرؤيا التي مِن الشيطان تارة تكون للتحزين وتارة تكون تلاعبًا مِن الشيطان، جاء في صحيح مسلم أنّ رجلًا قال للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله؛ رأيت كأنّ رأسي يتدحرج وأني أتبعه، فغضب النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وقال: «لا يُحَدِّثنَّ أحدكم بتلاعب الشيطان به»(9) وخطب بذلك عليه الصّلاة والسّلام، ونهى أنْ يتحدث المرء بتلاعب الشيطان به، فإذا رأى المرء مثل هذه الرؤى التي مِن الشيطان فإنه يُشْرَعُ له أنْ لا يُحَدِّثَ بها؛ لأنها نوع تحزين ونوع تلاعب.

إذا عرفتَ أنّ الرؤى على هذا التقسيم يبقى السؤال في طريقة التعامل معها، أخبر صلّى الله عليه وسلّم أنّ الرؤيا التي يحبها المؤمن قال: «إذا رأى أحدكم ما يحب؛ فليحمد الله ولْيُحَدِّثْ بها مَن أحب»(10) يُحَدِّثُ برؤياه مَن أحب مِن الرؤى الطيبة الحسنة، ومِن أجَلِّ ذلك وأرفعه أنْ يرى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في المنام على هيئته الحقيقية، لأنّ مَن قال: إني رأيتُ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقال: صِفْ مَن رأيتَه، فإذا وصفه الوصفَ المعروف عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإنه يكون قد رأى النَّبيَّ عليه الصّلاة والسّلام.

النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قد ثبت عنه أنّ الشيطان لا يتمثل به، فلا يتمثل الشيطان بصورة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أبدًا، منعه اللهُ تعالى مِن ذلك، لكن أنْ يرى الإنسانُ أحدًا يقول له: إنه هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وليس على صورة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم! هذا كثير، هذا كثير في تلعب الشيطان، لكنه لا يمكن أنْ يأتي الشيطان في صورته عليه الصّلاة والسّلام، ولكن تأتيه صورة شخص آخر، كما يقول بعض مَن لا يفهمون: رأيتُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وهو حليق اللحية! مستحيل هذا، هذا ليس رسول الله قطعًا، الشيطانُ يعبثُ به، لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ثبت عنه أنه كث َّ اللحية؛ وكان لا يَمَسُّ مِن لحيته شيئًا عليه الصّلاة والسّلام - لا مِن طولها ولا مِن عرضها - عليه الصّلاة والسّلام(11)، فكونه يرى شخصًا حليقًا يقول: إنه رسول الله! فهو مِن الشيطان يتلعب بك كما قال بعض مَن كتبوا وقال أنهم رأوا النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم حليقًا، يقال: إنْ صدقت! فإنك لم تَرَ إلّا شيطانًا، وإلّا يستحيل أنّ يرى النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم إلّا في هيئته، وكان مَن يقول: إني رأيتُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقال له دائمًا: له صِفْ رسولَ الله، صِفْ هذا الرجلَ الذي رأيتَه، فإذا وصفه بالوصف المعروف عنه عليه الصّلاة والسّلام قيل رأيته، ومِن ذلك أنْ يرى رؤيا حسنة طيبة كأنْ يرى أنه يدخل الجنة ونحو ذلك فيحدث بها مِن أحب، أما إذا رأى ما يكره؛ وقلنا: إنَّ الشيطان حريص على أنْ يحزن الإنسان وأنْ يريه ما يُنَكِّدُ عيشه ويجعله يغتاظ مما رأى ويكثر التفكير - ولله الحمد والفضل والمنّ - جاء العلاج النبوي لمثل هذه الرؤى - وهي كثيرة جدًا - تأتي الناس؛ لأنّ الشيطان هو العدو لهم الذي يحزنهم وهم مستيقظون يأتي ويحزنهم وهم نائمون، قال عليه الصّلاة والسّلام: «إذا رأى أحدكم ما يكره؛ فليتفل عن يساره ثلاثًا، ولْيتعوذ بالله مِن الشيطان ومِن شَرّ ما رأى، ولينقلب على جنبه الآخر، ولا يحدث بها أحدًا فإنها لا تضره»(12) مهما كانت الرؤيا التي رأيتها، حتى لو ترى أنك تُرمى في النار! وتُضرب! وتُقتل! وأنك تُوثق بالحبال ونحو ذلك! وأنك تُرمى مَن على الجبال، كل هذا لا تحدث به أحدًا نهائيًا، تتعوذ بالله مِن الشيطان ومن شَرِّ ما رأيت، وتتفل ثلاثًا عن يسارك وإنْ كنت نائمًا عن جنبك الأيمن غيِّر ونَمْ على جنبك الأيسر، وجاء في بعض الروايات أنه يُشرع له أنْ يصلي ركعتين(13)، فبذلك لا تضرُّه، ولهذا قال أحد الصحابة رضي الله عنه - أظنه أبو قتادة أو غيره – قال: كنت أرى الرؤيا فتمرضني - يصيبه المرض - حتى سمعتُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقول وذكر الحديث: «إذا رأى أحدكم ما يكره؛ فليتفل عن يساره ثلاثًا، ولْيتعوذ بالله مِن الشيطان ومِن شَرّ ما رأى، ولا يحدث بها أحدًا فإنها لا تضره»(14)، وهذا النوع كَثُرَ في الناس، ولكن مَن تعامل معه التعامل السليم لم يضره كما أخبر صلّى الله عليه وسلّم، أما مَن عبث بهم الشيطان وأراهم أحوالًا معينة كما وقع لكثير مِن أهل التصوف، الرؤى عند أهل التصوف الواحد منهم يرى لَعِبَ الشيطان به ثم يطبق! حتى ذكر الشيخ حمود التويجري رحمه الله ونقل في كتابه "القول البليغ في التحذير مِن جماعة التبليغ" أنّ قومًا مِن هؤلاء الجهلة في الهند أو باكستان أراهم الشيطان في المنام أنهم يذبحون أبناءهم؛ فقاموا بذبح أبنائهم! قالوا: إنَّ ابراهيم رأى في المنام أنه يذبح ابنه فذبحوا أبناءهم! هذا مِن عجائب الجهلة، قلنا: إنَّ رؤيا الأنبياء وحي مِن الله عزّ وجلّ أما أنْ يريك الشيطان أنك تذبح ابنك! لا يحل ذبح الابن، كون الله يوحي لإبراهيم عليه الصّلاة والسّلام كما قال تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(15) فهذه مقامات الأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، ونحو ذلك مما ذكروا عن المتصوفة الشيء الكثير مِن هذا، حتى ذكروا أنّ عبد القادر الجيلاني رأى في المنام نورًا هائلًا وقال: يا عبد القادر إني أسقطت عنك الصلاة! يقول: فقلتُ: اخسأ يا شيطان، فقال: لقد أضللت بهذا سبعين عابدًا(16)، يأتي في المنام يقول: أنتم وصلتم مرحلة وأنا ربكم سقطت عنكم الصلاة، هل يمكن هذا؟ مستحيل ما يمكن أنْ تسقط الصلاة عن أحد وهو يعقل، فيضلون ويظنون أنّ الله تعالى أبلغهم مقامًا عاليًا وأنّ الصلاة لا تجب عليهم! ونحو ذلك مِن الأحوال، وهكذا تعلق كثير مِن الناس الآن بالرؤى بحيث يظنّ الواحد منهم أنّ هذه الرؤى التي يراها - وقد تكون مِن الشيطان، والغالب أنها مِن الشيطان - يرتبون عليها أمورًا كثيرة، يترتب عليها مثلًا أنّ فلانًا هذا يبغضه، وأنه ينوي أنْ يقتله أو يضرّه أو نحو ذلك، ومِن طريف ما وقع أنّ شريكًا رحمه الله تعالى رأى أحد خلفاء بني العباس بالمنام رؤيا واتّبع شريكًا وقال: ما أُراني إلّا قاتلك، إني رأيتك في المنام كذا وكذا، فقال: وتستباحُ دماءُ المسلمين برؤيا تراها! فهذا يقع لأناس يظنون أنّ الواحد منهم إذا رأى الرؤيا يتعلق بعضهم بها، وربما رتب عليها تطبيقًا لِمَا رأى وخالف الشرع، هذا كله مِن الجهل العظيم، فإنّ الرؤيا ليست التي تُغَيِّرُ الشرع، بل كل رؤيا فيها أمرٌ بمخالفة الشرع أو إحلالٌ لِمَا حرّم الله؛ يُقطع قطعًا بأنها مِن الشيطان، هذه مِن الشيطان بلا أدنى تردد.

حاصل الأمر أنّ الرؤى على هذا التقسيم، فالذي ذكره النَّبيُّ عليه الصّلاة والسّلام ولا يحل أنْ يُخرج عن ما بَيَّنَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بشأنها، واهتم العلماءُ بها وبما جاء بها في الروايات، وللشيخ حمود التويجري رحمه الله تعالى كتابًا في الرؤيا وهو مِن أحسن ما صُنّف في الرؤى، واهتم بها العلماء كما قلنا وبوّبوا عليها، فالبخاري رحمه الله تعالى في صحيحه - أحدُ الكتب الموجودة في الصحيح كتاب الرؤيا(17) - اهتمَّ بها، وكان النَّبيُّ عليه الصّلاة والسّلام إذا صلى الفجر يقول: «هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟»(18) فإنْ رأى أحدُهم رؤيا فقَصّها فعَبَّرَها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم له لكنه التعبير السليم الصحيح، وبعض مَن يتصدر لتعبير الرؤى لا يحسنون التعبير، وربما أيضًا زعموا للرائي أنّه يبغضه فلان؛ وأنّ فلانًا سيفعل به كذا وكذا مِن الضرر، تكون رؤيا مِن الشيطان، فتعبير الرؤى ليس لكل أحد، ولهذا لِمَا قيل لمالك رحمه الله تعالى في الرجل يرى الرؤيا التي يكن في تعبيرها شيء مِن الضرر على الرائي يُغَيَّر تعبيرها أو نحو ذلك؟ قال: معاذ الله(19)! لأنه تلاعب بوحي الله، لأنّ الرؤى يقول عليه الصّلاة والسّلام: «لم يبقَ مِن النبوة إلّا المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها المؤمنون أو تُرى له»(20).

فحاصل الأمر أنّ الرؤى فيها هذه النصوص التي ضبطتها، فمِن الناس مَن يبالغ فيها ويقلب دينه رؤى! ويجعل تصرفاته مبنية على هذه الرؤى، حتى إنه ربما خالف الشرع كما نقلنا عن المتصوفة، لأنّ الواحد منهم يقول: رأيت رؤيا، ومنهم مَن يُهون مِن شأنّ الرؤى ويسخر بها ويرى أنها ليست بشيء ولا يرفع بها رأسًا! وهذا أيضًا مخالف بلا شكّ لِمَا وردت به النصوص، النصوص التي وردت بالتفصيل الذي ذكرناه في شأنّ الرؤى وأقسامها وفي شأنّ التعامل معها؛ ومَن تصدق منه الرؤيا ممن لا تصدق منه الرؤيا، ونحو ذلك قد قَصَّ الله تعالى في كتابه رؤيا صاحبي السجن ليوسف عليه الصّلاة والسّلام وأنه عَبَّرَها لهما، ورؤيا يوسف نفسه عليه الصّلاة والسّلام لَمّا رأى أنه يسجد له أحدُ عشر كوكبًا والشمس والقمر وقع تعبيرُها وقال في آخر السورة ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ(21)، فتأويلُ الرؤى ووقوعُها هذا لا شكّ أنه علم مِن العلوم؛ فلا يخوض فيه أيُّ أحد، والباب الآن منفتح بصورة عارمة وشديدة جدًا لمن يعرف ولمن لا يعرف، كثير مِن الذين يتصدرون للرؤى لا يعرفون طريقتها، ولا يحسنون التعبير البتّة، ومِن أشهر مَن كان مِن السلف اشتهر بتعبير الرؤى أبو بكر رضي الله عنه وكذلك ابن سيرين، كان ابن سيرين يقول: إني لأَعْبُرُ الرؤيا بالقرآن والحديث(22)، يعني ينظر في بعض الأحيان في ما يكون في ألفاظ الرؤيا ويَعْبُرُها باللفظة الواردة في كتاب الله أو في سُنَّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم.

الحاصل أنّ الرؤى لها هدي ولها طريقة وسُنَّة؛ فليست ألاعيب! ولا يخوض فيها خائض، وإنما لها مدلولات حقيقية، وذَكَرَ الله تعالى أيضًا رؤيا الملك الذي عَبَّرَها يوسف عليه الصّلاة والسّلام، وأنه كان مِن آثار هذا التعبير أنْ سَلِمَ الناسُ مِن السنوات السبع العجاف التي ذَكَرَ الله، ونحو ذلك مما فيه هذه النصوص التي ضبطتها، لهذا قال رحمه الله: "والرؤيا مِن الله وهي حق" يعني النوع الأول مِن هذا مِن الله لا شكّ أنه حق.

"إذا رأى صاحبها شيئًا في منامه مما ليس هو ضغث" الضغث جمعه أضغاث، كما قال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ(23) قال ابن جرير رحمه الله تعالى في الأضغاث: جمع ضِغْث، أصله الحزمة مِن الحشيش، يشبه بها، وهي الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها، فالأضغاث أخلاط، رؤيا كاذبة لا حقيقة لها، فإذا رأى في منامه رؤيا مِن الله عزّ وجلّ وليست مِن أضغاث الأحلام هذا أولاً، ثانيًا أنْ يَقُصَّ الرؤيا على عالم لا على جاهل، لأنه إذا قَصَّها على جاهل ربما فسرها هذا الجاهل تفسيرًا غير صحيح، فإذا قَصَّها على عالم يُحسن التعبير وصَدَقَ هذا العالم فيها وأوّلها على أصل تأويلها الصحيح؛ لأنّ تعبير الرؤى قلنا إنه نوع مِن العلم، علمٌ لا يخوض فيه إلّا مَن يُحسنه، ولم يُحَرِّف فالرؤيا وتأويلها حينئذ حق، تكون الرؤيا في هذه الحال ويكون التأويل المطابق للصواب حق، ومع ذلك ينبغي أنْ يُعلم أنّ تعبير الرؤى قد يُصيب المُعَبِّرَ وقد يخطأ، حتى إنه وقع لأبي بكر رضي الله عنه - وهو مِن أعلم الناس بالرؤى - لمّا رأى رجل رؤيا وقَصَّها على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم طَلَبَ منه صلّى الله عليه وسلّم أنْ يتولى أبو بكر نفسه التعبير؛ فأذن له عليه الصّلاة والسّلام ذلك، فلمّا عَبَّرَها أبو بكر طَلَبَ مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يخبره أصاب أم أخطأ؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أصبتَ بعضًا وأخطأتَ بعضًا»(24)، فدل على أنه حتى المُعَبِّرَ يمكن أنْ يخطئ في التعبير، ولهذا تجد الرؤيا الواحدة في بعض الأحيان يُعَبِّرُها أحدُ المعبرين تعبيرًا فلا تقع، ويُعَبِّرها آخر - ربما كان أعرف منه - فتقع كما عَبَّرَ الآخر، والحاصل أنّ الرؤى ينبغي التوسط فيها، فالتعلق الشديد بها على النحو الحاصل مِن بعض الناس بحيث يجعل كلَّ ما يقع في منامه كأنه نوع واحد! مع أنّ التقسيم الشرعي لها جعلها ثلاثة أقسام، والتعلق الشديد بها والخوف المبالغ فيه منها؛ وتوقع وتربص الإنسان في كل لحظة بأنّه رأى تلك الرؤيا وأنها واقعة وأنه سيقع كذا وكذا! كم هي الرؤى التي رآها الناس وفيها أخطار بالغة للرائي أو أخطار كبيرة جدًا محدقة بالناس ولم تقع! كثير، كثير جدًا مما يراه الناس ولا يقع، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً»(25) وصدق الرؤى مرتبط بصدق الحديث.

يقول: "وقد كانت الرؤى مِن النبيين وحي" وهذا ذكرناه، ثم قال: "وأيّ جاهل أجهل ممن يطعن في الرؤيا ويزعم أنه ليست بشيء" هذا قلنا الصنف المعاكس المقابل الذي يزعم أنّ الرؤيا ليست بشيء؛ وأنها هي كلها أضغاث أحلام! وهذا غلط بالغ - كما قلنا -، لأنّ الرؤى على التقسيم الشرعي ثلاثة أقسام، وقوله "إنها أضغاث أحلام جهل منه" مِن أكثر مِن وجه:

أولًا: أنّ رؤيا الأنبياء وحي فلا يقال في رؤيا الأنبياء هذا.

الأمر الثاني: أنّ هذه العبارة "أضغاث أحلام" قالها الناس للملك - كما في سورة يوسف - لمّا قال لمّا ذكر أنه يرى في المنام ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ(26) سألهم تعبيرَها فقالوا: أضغاث أحلام! لمّا عَبَّرَها يوسف عليه الصّلاة والسّلام عَبَّرَها تعبيرًا سَلَّمَ اللهُ تعالى به الناس مِن الضرر الذي كان سيحيط بهم مِن السنين السبع العجاف، فليست أضغاث أحلام على كل حال، وليست حقًا على كل حال، وليست مِن الشيطان على كل حال، بل هي على التقسيم الذي ذكرنها، تارة تكون هكذا، وتارة تكون هكذا، وتارة تكون هكذا.

ثم قال: "وبلغني أنّ مِن قال هذا القول" يعني أنّ الرؤيا ليست بشيء "لا يرى الاغتسال مِن الاحتلام"، شذوذات الأقوال لدى الفِرَق الضالة كثيرة، ولا يُستغرب الحقيقة مِن الأقوال الشاذة عند الرافضة أو عند الجهمية أو المعتزلة، لأنّ شذوذَهم في العقيدة ظاهر جليّ، ومخالفتهم الصريحة لاعتقاد أهل الحق بَيِّنٌ، كونهم يخالفون في مسائل أخرى مِن المسائل الفقهية ليس بغريب عليهم، ولهذا قال: "إنَّ الاغتسال لا يجب مِن الاحتلام"! لأنه إذا احتلم ورأى المنيَّ في ثيابه؛ فإنه لا يلزمه الغسل، هذا قول مخالف مخالفة تامة للنصوص، ولمّا لعله محل إجماع عند المسلمين، فإذا رأى الإنسان أثرَ المنيّ فإنه يلزمُه أنْ يغتسل، حتى لو لم يتذكر الرؤيا، وإذا رأى رؤيا ولم يَرَ مِن آثار ذلك خروجَ المنيّ فإنه لا يلزمه، لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الماء مِن الماء»(27) يُغتسل مِن المني بالماء إذا رؤيَ المنيُّ، أما أنْ يحتلم ويرى ما يستوجب الاغتسال مِن آثار المنيّ ثم لا يغتسل ويقول: هذا مجرد حلم لا أساس له! هذا معناه أنه يصلي بلا طهارة - نسأل الله العافية والسلامة -كما قلنا هؤلاء الفِرَق الضالة مِن مثل آراء عمرو بن عبيد وآراء واصل بن عطاء وآراء الروافض غريبة جدًا في مسائل الفقه، تجد لهم أقوالًا غاية في البعد والسوء، لكن مع ذلك يقال: ما هم فيه مِن ضلال الاعتقاد أعظم، فليست المسألة فقط مقصورة على هذا، لكنَّ الداء الأعظم في ضلالهم العقديّ - نسأل الله العافية والسلامة.

أما ما جاء في الحديث أنّ «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الربُّ عبدَه»(28) هذا اللفظ ضعَّفَه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح، وفي سنده عند الطبراني مَن لا يُعْرَفُ، فالظاهر أنه لا يثبت عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.


(1) ضعيف. ابن أبي عاصم (486) من حديث عبادة رضي الله عنه مرفوعًا. ضعيف الجامع (3078).
(2) صحيح البخاري (5747) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه مرفوعًا.
(3) صحيح مسلم (2263) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(4) الصافات: 102.
(5) الصافات: 102.
(6) صحيح مسلم (2263) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(7) سبق تخريجه.
(8) المجادلة: 10.
(9) صحيح مسلم (2268) من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا.
(10) صحيح مسلم (2261) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه مرفوعًا.
(11) انظر موسوعة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (17186).
(12) صحيح البخاري (3292) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه مرفوعًا.
(13) صحيح. الترمذي (5019) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (3533).
(14) صحيح البخاري (7044)، وجملة: "وأنا كنت لأرى الرؤيا تمرضني" نسبتها لأبي قتادة رضي الله عنه.
(15) الصافات: 105.
(16) ذيل طبقات الحنابلة (2/ 196).
(17) الذي في صحيح البخاري (9/ 29): "كتاب التعبير".
(18) صحيح البخاري (1386) من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه مرفوعًا.
(19) التمهيد لابن عبد البرّ (1/ 288).
(20) صحيح. مسند أحمد (24977) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا. الإرواء (129/8).
(21) يوسف: 100.
(22) لم أعثر عليه.
(23) يوسف: 44.
(24) صحيح البخاري (7046) من حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعًا.
(25) سبق تخريجه.
(26) يوسف: 43.
(27) صحيح مسلم (343) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(28) سبق تخريجه.