موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أسئلة - شرح اعتقاد حرب الكرماني
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - أسئلة

- يقول أخ: هل الماسونية وبروتوكولات صهيون أحكمتْ قبضتَها على العالم؛ فيُحَذّر منها وأنه يُمَهَّدُ للعالم لقبوله؟

إخواننا الكرام؛ العالَم له ربّ عزيز ذو انتقام قوي قادر، تتقاصر أمام عظمته سبحانه وتعالى هذه الدول التي تسمى عظمى، ما ينبغي المبالغة، بعض الناس الآن يبالغ مبالغة غير جيدة أبدًا في تصوير قوة هؤلاء وأنهم يستطيعون، عبيد مِن عباد الله؛ ولا يستطيع الواحد منهم أنْ يحرك ساكنًا إلّا بإذن رب العالمين، هذه المبالغة الآن في تصوير قوة الكفار؛ وأنّ هؤلاء قد أحكموا قبضتَهم! يا أخي والله ما أحكموا قبضتَهم حتى داخل بلدانهم، فالمبالغات هذه في أَمْرِ الكفار وكون هؤلاء مما انفلتَ الزمامُ؛ وأنّ العالم يديرونه! لا والله، العالم له ربّ، هو الذي يدبره سبحانه وتعالى، لكن لمّا تخلّى الناسُ الآن عن القيام بما أوجب الله تبارك وتعالى سلطَ اللهُ عليهم هؤلاء، فإذا رجعت الأمة الرجوع الحقيقي لربها نصرها الله، فهذه المبالغات الآن في تصوير عظمةِ الكفار وما هم عليه وما يمكن أنْ يفعلوا بالأرض وأهله! كل هذا باطل غير صحيح، وهو مِن الإرجاف، المرجفون قال بعض المفسرين: هم الذين يقولون: جاءكم الأعداء وجاءكم العُدَد، لا ينبغي مثل هذا الكلام، الأمة ينبغي أنْ يُبَثَّ فيها وجوب الرجوع إلى رب العالمين سبحانه وتعالى؛ وأنّ الله تعالى ناصر دينه، قال صلّى الله عليه وسلّم: «ليبلغنّ هذا الدِّين ما بلغ الليل والنهار»(1) يعني الأرض كلها، لهذا ما ينبغي هذه المبالغات وتوهيم الناس، يقال: الذي أوصل الأمة إلى هذه الحال هو كما قال تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ(2) فإذا رجعتِ الأمة إلى ربها فإنّ الله ينصرها بلا شكّ.

- يقول: أين ذَكَرَ الإمام أحمد أنه يدعو للإمام الحاكم؛ لأنه هناك مَن يُشكك في ذلك وأنه لم يصح إلّا عن الفضيل بن عياض؟

هذا الذي يشكك مسكين لا يدري، هذا ثابت عن الإمام أحمد يرويه الخلال في السُّنَّة(3)، وثابت عن الإمام أحمد في رسالته للمتوكل، حتى إنه قال في رسالته للمتوكل: "رضي الله عنك" لأنّ بعض الناس عنده تَحَفُّظ! أنت الآن تقول: الله يرضى عليك، تقول: لا تقل: رضي الله عليك! هي واحدة، دعا للمتوكل رحمه الله لأنهّ الله أعزّ به السُّنَّة وكتابه موجود منقول، وليس هذا فقط عن الفضيل بن عياض! عن الفضيل بن عياض وعن أئمة السلف، وأعطيك هذا الخبر عن عبد الله العُمَري رحمه الله - وهو مِن أكثر السلف قوةً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان الخلفاء يتحملون منه لأنهم يعلمون صدقه - حتى إنه لمّا أتى بالرشيد وصار يعظه - الرشيد الخليفة العباسي وهو مِن أقوى خلفاء بني العباس - كان يتلقى كلامَه بقوله: نعم يا عمّ، نعم يا عمّ - يعني تأدبًا واحترامًا له -، فوصل الرشيدَ خبرًا أنّ العُمَري يدعو عليه! فسأل موسى - وزيرُ الرشيد - سأل العُمَرِيَّ عن ذلك فقال: يُنْمَى إلى أمير المؤمنين أنك تدعو عليه؛ بِمَ استحللت ذلك؟ قال: "والله إني ما قلت: اللهم أنه قذىً في عيوننا لا تطرفه عليه! ولكنني قلتُ: اللهم إنْ كان تسمى بالرشيد ليرشد فأرشده، وإنْ كان تكنى به لغير ذلك فخذْ بيده، اللهم إنَّ له حقًّا على كل مسلم لقرابته لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم"(4) وذَكَرَ ما كان يدعو به، يقول: ذاك الظنّ بك، هذا المظنون بك، ولمّا قال رجل لابن الشخير ادْعُ على الحجاج؟ قال: ادْعُ له بالصلاح(5)؛ فإنَّ صلاحه خيرٌ لك، وعلماء السُّنَّة ينصّون في كتب العقيدة على الدعاء للحُكّام أنْ يوفقهم الله؛ وأنْ يُسدّدهم؛ فيظنّ أنه ما ورد إلّا عن الفضيل بن عياض! لأنه لا يدري بالنصوص والأخبار الكثيرة جدًا عن السلف في الدعاء لهؤلاء الحُكّام بالتوفيق والتسديد، وكتاباتهم موجودة ومروية حتى بالسند.

- يقول: على هذه الطريقة لن ينتهي شرح الكتاب!

لننظرْ أنا وأنت؟ إنْ شاء الله، بإذن الله ينتهي بحول الله، هناك مواضع يا إخوة يُحتاج إلى الإطالة فيها، وهي ما يكون فيها شُبَه؛ وما يكون فيه نوع مِن الحاجة لربطها بالناس، لكن المواضع الأخرى نرى إنْ شاء الله - بيني وبينك - بإذن الله تعالى سترى الكتاب بحول الله ينتهي إنْ شاء الله.

- يقول: كنتُ مِن المحافظين يوميًا على القيام، وأصبتُ هذه الفترة بفتورٍ!

يقول صلّى الله عليه وسلّم لعبد الله بن عمرو: «يا عبد الله؛ لا تكن مثل فلان! كان يقوم الليلَ فترك قيام الليل!»(6) فالذي قاله رسولُ الله صلى الله عليه سلم لهذا الرجل أقوله لك، لا تكن هكذا يا أخي، ما دمتَ قد أكرمك الله بلذة مناجاته وقيام الليل؛ فلا تترك مثل هذا الأمر، وقيام الليل ليس أمرًا عسرًا، تربط المنبه على ما قبل الفجر بربع ساعة، بثلث ساعة، بنصف ساعة؛ ما أعانك الله عليه، الناس تتفاوت في هذا ولهم أعمال، تقوم وتصلي مِن الليل، لو عجزتَ؛ الحمد لله، إذا صليتَ العشاء وصليتَ الركعتين يبدأ القيام، لو صليتَ بعد العشاء قبل أنْ تنام يسمى قيامًا هذا، ففترة القيام مِن بعد صلاة العشاء إلى الفجر كله يسمى قيامًا، فصلِّ أول الليل ونَمْ وقُمْ عند الفجر.

- يقول: هل مِن منهج السُّنَّة والجماعة في الأسماء والصفات طريقة النفي وتعداد النفي في الصفات التي بها النص كما سلف عن المؤلف؟

الأصل أنّ النفي يكون بإجمال كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(7)، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(8)، لكنّ النفي الذي ذَكَرَه رحمه الله لبيان الوصف، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ(9) فهو يذكر النفي في بيان الوصف نفسه، فنقول: هو حي لا يموت سبحانه وتعالى، قَيّوم لا ينام، عزيز لا يفوته أحدٌ، هذا ما فيه إشكال، وليس هو النفي الذي تفعله المعطلة.

- يقول: ما صحة القول بأنّ البخاريَّ يرى بأنّ ألفاظنا في القرآن مخلوقة؟

البخاري رحمه الله تعالى لم يُفْهَمْ قولُه مِن قبل الكثيرين، البخاريُّ على نفس طريقة أهل السُّنَّة والجماعة رحمهم الله تعالى، وليس مِن القائلين بمثل هذا القول، لكنه أُسيءَ فهمُ قوله، وبيّن ذلك بالتفصيل في كتابه "خَلْقِ الأفعال".

- يقول: هل المظاهرات ضد الحكومة نوع مِن الخروج المذموم شرعًا؟

إنْ كان الصحابة والتابعون خرجوا زمن بني أمية وزمن بني العباس فاخرجْ، وإنْ كانت لم تأت هذه الطريقة إلّا مِن آثار الـتأثر بالثورة الفرنسية فلا تخرج، المظاهرات لا شكّ أنها غير مشروعة، لكن يأتي أَمْرٌ: بعض البلدان تنصّ الأنظمة فيها على جواز المظاهرات تكون مباحة؟ الدِّين ليس ألعوبة! إذا أباحوه أبحناه؟ أحد أمرين: إما أنّ المظاهرات أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر فلا ننظرْ أباحوه أو لم يبيحوه، وإما أنها تقليد للكفار وتأسٍ بهم وفتح باب للتشبه العظيم بهم وفوضى عارمة؛ فلو قالوا: تظاهروا! قلنا: لا يجوز أنْ نتظاهر ونعصيكم في هذا، بعض الناس عندهم مسألة يقول: إذا كانت الأنظمة تمنع؛ فالمظاهرات ممنوعة، وإذا كانت تُتيح؟ لو صارت الأنظمة تُتيح أنْ يُحرق الإنسانُ نفسه كما يحدث مِن المحتجين، قال: مَن أراد أنْ يُحرق نفسَه ليظهر نوعًا مِن المعارضة؛ هل يفعل ذلك؟ تزهق النفس؟ أمور ما تكون ألعوبة ننظر: أباحوها أو لم يبيحوها؟؟ المظاهرات إما أنها أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر فليس لهم أنْ يمنعوها، وإما أنّ المظاهرات تأسٍ للكفار ولم يكن عليه السلف الصالح رضي الله عنهم - هي وأنواع الاعتصامات، جاءت مع بعضها - الإضرابات الاعتصامات المظاهرات، تجد هذا الفكر الفرنسي في الثورة الفرنسية وفي أضرابها أنها نوع مِن الضغط على الحكومة، إما أنها على وجه شرعي؛ فتُقْبَل، نقول: ننظر في فِعْلِ السلفِ الصالح رضي الله عنهم هل فعلوها؟ ما فعلوها، بل هذا تشبهٌ بالكفار، ولو قال النظام: إنَّها تباح، لا تباح، لأنّ النظام إذا أباح ما لا يحل لا يصلح، مثل هذه الشبهة لا وجه لها بتاتًا.

- يقول: مبايعة عليّ لأبي بكر في البداية والنهاية؟

نعم ثابتة في الصحيحين(10)، ليس فقط في البداية والنهاية.

- يقول: الذين يقولون بالقتال في الفتن يقولون: مَن نُقِلَ عنه اجتناب القتال في الفتن مِن الصحابة حوادث فردية لبعض الصحابة والكثير شاركوا!

غير صحيح، الذين اعتزلوا الفتنةَ مِن الصحابة كثير جدًا رأسُهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مَسْلَمة وسَلَمة بن الأكوع وعدد غفير اجتنبوها، فقول: حوادث فردية ليس بسليم، والذين رأوا القتالَ مع عليّ رضي الله عنه اجتهدوا فرأوا أنّ القتال مع عليّ هو الصواب، والذين أرادوا إنما أرادوا قتلَ قتلةِ عثمان(11) ولم يكن أحد لا يريد عليًّا مِن حيث هو! أو لا يريد بيعته! هذا غير موجود، لكن أرادوا قتالَ القتلة، وقلنا: إنّ القتلةَ انضموا إلى عَسْكَرِ علي، فكان القتال أصلًا يُراد به القتلة، فرأوا أنّ الصواب مع هؤلاء أو مع هؤلاء، وكلهم كما يقول أهل العلم: مجتهدون، منهم مَن أصاب فله أجران، ومنهم مَن أخطأ فله أجرٌ واحد.

- يقول: سبب ظهور الفتن عزوفُ العلماءِ وطلابِ العلم عن الخروج للناس والاختلاط بهم!

والله يا شيخ ما أعرف أحدًا أشدَّ اختلاط بالناس مِن العلماء، كثير مِن الناس يتكئ ويقول: تقصير العلماء! بعض العلماء ماتوا وما شبعوا مِن أهلهم، يعني انظر في سيرة الشيخ ابن باز رحمه الله، بقاؤه مع أهله فترة محدودة، والباقي؟ كله للناس في الدروس، وفي دار الإفتاء يأتيه للناس، وفي المسجد يتبعه الناس حتى يدخل بيتَه، ثم فاتح بيته رحمه الله تعالى، ثم بالكاد يجد فترات محددة للراحة هو والشيخ ابن جبرين والمشايخ الموجودين الآن، بالعكس هم مِن أكثر الناس مَن فتح أبوابَه للناس، هل هم يمنعون الناس؟ صلّ مع الواحد منهم وتجده، كنا نذهب إلى الشيخ رحمة الله تعالى عليه في الأوقات التي ما فيها دروس ونصلي معه ونجلس بجانبه ونسأله ما نريد، نذهب معه في الطريق في سيارته إلى بيته، تقصير العلماء! ما أدري ما معنى تقصير العلماء؟؟ أناس تجاوزوا الثمانين وهم لا يزالون على رأس العمل، لا لأنهم يريدون العمل! بل يتمنون الراحة، لكنهم يأتون ويباشرون أعمالَهم ثم يستقبلون الناسَ في بيوتهم وفي مساجدهم ويأتي إليهم الناس بدون موعد سابق، تقصير العلماء!! ماذا يُراد على العلماء أنْ يفعلوا؟ بقي شيءٌ واحدٌ هو الذي يمكن أنْ يُقال أنهم قصّروا فيه وهو هداية القلوب، ولم يتمكنوا منها لا هم ولا غيرهم، فهم يَبذلون ويَعِظُون ويُؤلفون وينصحون ويقابلون الناس ويأتون إلى الناس، الكلام هذا غير صحيح.

- هل هناك علاقة بين ما يحدث في العراق والشام مِن إبادة وبين خروج الدَّجَّال – خاصة السياسة العالمية -؟

لا تربطوا يا إخواننا الكرام مواضع يعني أحداث مثل هذه بأشراط الساعة، هذا خلل كبير حصل مِن عدد مِن الناس، هل ندري كم بيننا وبين خروج الدَّجَّال؟ لا أحد يدري، هل لهذه الأحداث؟ أنت لو رأيتَ الحرب العالمية ماذا ستقول؟ الحرب العالمية اجتاحت الأرض، مات فيها أكثر مِن خمسين مليون إنسان، ستقول: بعدها الدَّجَّال سيأتي بسَنَة، أنت ما تدري، كونه يربط بين أحداث وأشراط الساعة؛ سيأتي كذا، سيخرج يأجوج ومأجوج، سيخرج الدَّجَّال، سينزل المسيح، كل هذا غير صحيح، ولو رأيتَ ماذا فعلتِ التتار عام ستمئة وست وخمسين؟ أبادوا في بغداد مليون وثمانمائة ألف، وأسقطوا الخلافة العباسية بأسرها، حَدَثٌ هائل وكبير جدًا، ممكن يأتي إنسان ويقول: أبدًا الدَّجَّال سيخرج! هذه أمور غيبية لا يعلمها حدّها إلّا رب العالمين سبحانه وتعالى.

- يقول: إذا خِيْفَ على العبدُ مِن ولي الأمر؛ هل يجوز الدعاء على هذا الولي؟

السؤال ليس بواضح، إنما إذا خاف الإنسان مِن أنْ يتسلط يسأل الله عزّ وجلّ أنْ يهديهم وأنْ يكفّ عنه شرهم وشر غيرهم "أعوذ بك مِن شَرّ كل دابة أنت آخذ بناصيتها" تشمل الجميع، فتستعيذ بالله عزّ وجلّ مِن الشَّرِّ وأيّ مصدر في محله، لكن أنْ تدعو عليهم فهذا ليس بسليم!

- يقول: هل يأجوج ومأجوج تحت الأرض؟

لا غير صحيح، بنص القرآن على الأرض، لأنهم كانوا يؤذون الناس، ووصلهم ذو القرنين ووضع بينهم وبين الناس السَّدَّ.

- يقول: هل بدعة الخوارج مكفرة أم مفسقة؟

اختلف العلماء في الخوارج، هل هم كفار أم ليسوا بكفار، مِن أهل العلم فمِن يرى أنّ الخوارج يكفرون، ويستدل على هذا بنصوص مثل قول النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام: «يمرقون مِن الدِّين كما يَمْرُق السهمُ مِن الرمية»(12)، واستدلوا بأنّ هذا ورد حتى عن أبي أمامة - وهو صحابي رضي الله تعالى عنه وأرضاه -، وظاهر صنيعِ البخاري في صحيحه أنه يُرَجِّحُ هذا القول، قال: "باب قتال المحاربين وأهل الرِّدَّة"(13) ثم أورد أحاديث الخوارج في هذا الكتاب، لكنّ الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم - وهو الذي عليه عليٌّ رضي الله عنه الذي ابتُلي بهم -، وعليه - كما يقول شيخ الإسلام - أكثرُ أهل العلم، أكثرُ أهل العلم أنّ الخوارجَ ليسوا بكفار، وإنما صار عندهم تنطع وزيادة، وأما شيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله فكان يرى كُفْرَهم، وحصل أكثر مِن مناقشة معه رحمه الله تعالى، وكان يستدل بقول النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام «قتيلهم شَرُّ قتيلٍ تحت أديم السماء»(14)، والحديث الحقيقة شديد للغاية، أديم السماء تحتها عدد مِن القتلى مِن الكفار، مِن كفار اليهود والنصارى والملاحدة والوثنيين، فقول النَّبيِّ صلّى اله عليه وسلّم "شَرُّ قتيل" يقول الشيخ رحمه الله: "هذا لا يقال إلّا في كافر" لأنّ تحت أديم السماء قتلى مِن الكفار، فكان يرجح رحمه الله تعالى هذا القول، وهكذا يستدل بقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «يمرقون مِن الدِّين ثم لا يعودون إليه» (15)، لأنّ الذي يَمْرُقُ يمكن أنْ يعود، لكن في الحديث «ثم لا يعودون إليه» قال: هذا يدلُّ على أنّهم يخرجون مِن الملة، هو يرجح هذا رحمه الله تعالى، هو قول قويّ بالمناسبة، يعني لا يُقال: قول باطل وضعيف! لا، في الحقيقة أنه قول قويّ، لكنّ الراجح بإذن الله تعالى ما ذكره شيخ الإسلام مِن أنّ الأقوى - وهو الذي عليه تعامل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه معهم – أنّ الأقوى أنهم ليسوا بكفار، لأنهم لو كانوا كفارًا لَمَا جاز لعليٍّ أنْ يتركهم، لأنهم لمّا ذهبوا إلى حروراء تَرَكَهُم، فلو كانوا مرتدين ما ترك المرتدين، تركهم حتى قتلوا عبد الله بن خباب، فلما قتلوا عبد الله بن خباب أتى إليهم ولم يقل: أنتم كفار! قال: أعطوني قتلةَ عبدِ الله، فأبوا، قالوا – تعرف الخوارج فيهم فوضى -: كلنا قتلناه! فشَنّ الغارة رضي الله عنه وأرضاه عليهم وأبادهم إبادة عظيمة في النهروان(16)، فالصحيح أنهم ليسوا بكفار، لكنهم تشدّدوا وتنطّعوا، وهذه عاقبةُ البعدِ عن العلم وفَهْمِ النصوص الفَهْمَ الغير السويّ؛ وإحسانِ الإنسانِ الظنَّ بنفسه وبُعْدِه عن العلماء؛ أنّ الله يُسلطُ عليه الغلوَّ والزيادةَ والمبالغةَ، فكان مِن آثار هذا ما حصل لهم - نعوذ بالله مِن الزيغ والخروج عن السُّنَّة.

وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وآله وصحبه وسلم


(1) صحيح. المستدرك (8326) من حديث تميم رضي الله عنه مرفوعًا، وقال الذهبي: (على شرط البخاري ومسلم).
(2) الروم: 41.
(3) السُّنَّة لأبي بكر بن الخلال (1/ 83).
(4) سير أعلام النبلاء بنحوه (7/ 363).
(5) الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 199) والمسئول هو يزيد بن عبد الله بن الشخير.
(6) صحيح البخاري (1152) من حديث ابن عمرو رضي الله عنه مرفوعًا.
(7) الشورى: 11.
(8) الإخلاص: 4.
(9) الفرقان: 58.
(10) سبق تخريجه.
(11) هذه الجملة فيها تصرف يسير لأنّ الجملة تركيبها متداخل من الشيخ حفظه الله.
(12) صحيح البخاري (3610) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(13) لم أعثر على هذا التبويب بلفظه! ولكن لعل الشيخ – حفظه الله – أراد "باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم". صحيح البخاري (9/ 16).
(14) صحيح. الترمذي (3000) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح وضعيف الترمذي (3000).
(15) صحيح البخاري (7562) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(16) صحيح. مصنف ابن أبي شيبة (37893)، وصحح إسناده الشيخ أكرم ضياء العمري في " عصر الخلافة الراشدة".