موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - صفة الكلام - شرح اعتقاد حرب الكرماني
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - صفة الكلام

والقرآن كلام الله تكلم به؛ ليس بمخلوق، فمَن زعم أنّ القرآن مخلوق؛ فهو جهمي كافر، ومَن زعم أنّ القرآن كلام الله ووقف؛ ولم يقل: ليس بمخلوق؛ فهو أكفرُ مِن الأول وأخبث قولًا، ومَن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة؛ والقرآن كلام الله فهو جهميّ خبيث مبتدع، ومَن لم يكفر هؤلاء القوم والجهمية كلهم فهو مثلهم.

وكلم الله موسى تكليمًا منه إليه، وناوله التوراة مِن يده إلى يده، ولم يزل الله عزّ وجلّ متكلمًا عالمًا، فتبارك الله أحسن الخالقين.


ذَكَرَ رحمه الله تعالى ما يتعلق بكلام الله، وهذا الموضوع العظيم مِن الموضوعات التي صمد أهل السُّنَّة رحمة الله تعالى عليهم صمودًا كبيرًا أمام مقولة كفرية هائلة أراد المعتزلة والجهمية أنْ يُفشوها في الأمة، واستعانوا بالسلطة والقوة في زمن بني العباس، حيث استولوا على عقل المأمون والمعتصم والواثق، وقال هؤلاء الخلفاء الثلاثة مِن بني العباس بمقولتهم، وإلّا فالأصل أنّ بني العباس الأصلُ فيهم أنهم على السُّنَّة، يعني اعتقادهم اعتقاد أهل السُّنَّة، مثلهم مثل بني أمية، لكن هؤلاء الثلاثة مِن بني العباس أضلَّهم الجهميةُ، ولم يكتفوا بإضلالهم؛ بل أضلوهم واستعملوا قوتهم وقوة الدولة ليُجْرُوا في أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم مقولة بشعة عظيمة هائلة حاصلها ومؤداها أنْ يُؤَدّى بالأمة إلى الكفر البواح - نسأل الله العافية والسلامة - لأنها مقولة كفريّة كما سيأتي بيانها.

فنقول: أولًا الموضوع يحتاج إلى بسط وشيء مِن التوضيح والتفصيل.

أولًا: كلام الله صفة مِن صفاته، وصفات الله تعالى مِن الله، وما دامت صفات مِن الله فلا يمكن أنْ تكون مخلوقة! لأنّ الذي مِن أوصاف الله لا يكون أنْ مخلوقًا قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(1) فأبطل الله عزّ وجلّ عبادة ما يُعبدُ مِن دونه لوجود النقص والعيب فيه؛ وهو أنه يُخلَق ولا يَخلُق، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(2) فالرب تعالى هو الخالق، وليس مِن الرب شيءٌ مخلوقٌ، بل هو الذي يخلق ما سواه سبحانه وتعالى، فإذا قيل: إنَّ صفات الله مخلوقة فالمقولة عظيمة جدًا، يترتب عليها عدمُ استحقاق الله العبادة - نسأل الله العافية -، لأنّ الله بِمَ أبطل عبادةَ مَن دونه؟ بكونه يُخْلَقُ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(3) كيف يُعبدون وهم على هذا الحال! لا يَخلُقون بل هم الذين يُخلَقون، ولمّا ذَكَرَ الله تعالى أمرَ عبادته واستحقاقه للعبادة قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ(4) قوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فيه تعليل وبيان للسبب لماذا نعبده؟ لأنه خلقنا، فالمخلوق يعبد ربه الذي خلقه، وكل شيء فهو مخلوق، والله هو الذي خلقه سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ(5).

فأراد الجهمية – أخزاهم الله – أنْ يقولوا: إنَّ صفات الله مخلوقة، إذا قيل: إنَّ مِن الله تعالى ما هو مخلوق! تطرق إشكال كبير، وهو أنّ الرب إذا كان - نسأل الله العافية والسلامة، نعوذ بالله مِن مقالة الكفر - إذا كان منه شيء مخلوق؛ فالمخلوق قد أبطل اللهُ تعالى عبادتَه بنص قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(6) فكيف يُعبدُ هؤلاء وهم يُخلَقون، فالله هو الخالق وليس مِن الله تعالى شيء مِن صفاته مخلوق، فتقول الجهمية: إنَّ صفات الله مخلوقة! ومنها صفة الكلام! ولمّا كان القرآنُ كلامَ الله قالوا: إنَّ القرآن مخلوق، هذه المقولة بلا أدنى شك وبإجماع أهل السُّنَّة كُفْرٌ لا يُشكّ فيه، ويترتب عليها ما لا يعلمه كثيرٌ مِن الذين لا يفقهون مدلولات الخلاف العَقَدِيّ، حتى إنَّ بعض مَن لا يفقه في الأزمنة الأخيرة هذه انتقدوا الإمام أحمد وأئمة السُّنَّة فقالوا: عرضوا أنفسهم للسجن وللتعذيب بل وللقتل لأجل مقولة مِن المقولات التي كان يسعهم ألّا يخوضوا فيها ويتركوا المسألة ويتركوا الخوض فيها مِن الأساس! نقول: هذا لأنك لا تعي ولا تفهم ولا تدري ما الذي يترتب على هذا الخلاف، مثل مَن يقول: الشيعة هؤلاء إخواننا وأحباؤنا ليس بيننا وبينهم خلاف! نقول: لا تدري ماذا يعني مذهب الشيعة؟ مذهب الشيعة القائم على تكفير الصحابة رضي الله عنهم؛ يترتب عليه الطعن المباشر في القرآن، لأنّ القرآن لم ينقله إلى الأمة إلّا الصحابة، ويترتب عليه الطعن المباشر في السُّنَّة، ويترتب عليه الطعن المباشر في جميع الأحكام لأنهم هم الذين رووها، فإذا كُفِّرَ مَن نقل القرآن؛ فإنه يُطعن بالقرآن، لأنّ مَن نقله لا يُقال: ليسوا ثقات! بل يقال: ليسوا مِن المسلمين! فلأجل ذلك يُسَهِّلُ في الخلاف مع الرافضة مَن لا يفقه ما الذي يترتب على الخلاف معهم، ولهذا قال أبو زرعة رحمه الله: "إذا رأيت الرجل يقدح بأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاعلم أنه زنديق، فإنّ هذا القرآن إنما أداه إليك هؤلاء الشهود – يعني الصحابة - وإنما أرادوا انْ يقدحوا في شهودنا ليقدحوا في ما شهدوا به وهو القرآن"(7) فيترتب عليه مثل هذا.

الخلاف العَقَدِيّ لا يدري كثير مِن الناس ما الذي يترتب على الخلاف العَقَدِيّ، ولهذا تجد أنه متكئ ينتقد الإمام أحمد، ينقد ابن تيمية، ينتقد ابن عبد الوهاب، ينتقد أئمة السُّنَّة، يقول: لماذا يُشددون! لأجل ذلك انظر الخذلان الذي وقع لعدد مِن هؤلاء الذين لا يفقهون، ولعله مِن مُعَجَّلِ عقوبة الله تعالى لهم، عدد مِن الذين انتقدوا الآن الإمامَ المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قالوا: إنَّ الإمام - ولا يسمونه الإمام -، يقولون: محمد بن عبد الوهاب حين تكلم عن موضوع القبور وما يقع عندها: إنَّ ما قرَّره فيها فيه مبالغة! هات المبالغة ماهي؟ قالوا: ما يقع عند القبور مِن سؤال أهلها ودعائهم هذا خطأ وليس بصحيح ولا نُقِرٌّه؛ لكنه ليس بشرك! نقول: تدري ما يترتب على كلامك هذا لو كنت تفقه؟ إذا كان صرف العبادة لهذه القبور بالذبح ودعاء أهلها والطواف بهم وسؤالهم الحاجات - التي لا يُسألها إلّا الله عزّ وجلّ - إذا لم يكن هذا شركًا؛ ما الذي يترتب على هذا بالنسبة لجناب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ يترتب عليه أنه قاتل أبناءَ عمه مِن قريش وسفك دماءهم وهم ليسوا مشركين! لأنّ الذي يقع عند القبور بالذبح لها هو الذي كانت تمارسُه قريشٌ بالذبح لللات لأنه كان معظمًا – كان يَلُتُّ السويقَ للحاج - فعظّموه وعظّموا قبرَه؛ فإذا كان الذبح لللات ليس بشرك! وإذا كان دعاء اللات ليس بشرك! فالنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سفك دماءَ أناس ليسوا بمشركين!! فإذا قلتَ: لا؛ أولئك مشركون، لماذا هم مشركون؟ لأنهم عبدوا غيرَ الله، وهؤلاء الذين عند القبور؛ ماذا يفعلون؟ أليسوا يذبحون لأصحاب القبور؟ أليس يجثو الواحد منهم ساجدًا لصاحب القبر يسأله الجنة ويتعوذ به مِن النار؟ الآن حاصل هذا وقبل هذا، فأحد أمرين: إما أنهم مشركون رغم أنفك، وإما أنّ كفار قريش ليسوا بمشركين، وإذا كان كفار قريش ليسوا بمشركين؛ فرسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم قاتل بني عمه وسفك دماءَهم واستحلَّ أموالَهم!!

والله أناس لا تفقه ولا تعي بالذي يترتب على هذا، الشرك شيء واحد، إذا صُرِفَتِ العبادة لعيسى أو لجبريل؛ فإنها كفر بنص القرآن قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(8) فسمى عبادةَ الملائكة والأنبياءَ كفرًا، والنصارى بإجماع أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم كفارٌ، يعبدون شجرًا أو حجرًا؟ يعبدون نبيًا كريمًا مِن أولي العزم عليه الصّلاة والسّلام؛ ومع ذلك هم كفارٌ، فإذا كان مَن يعبدُ المَلَك والنَّبيَّ كافرٌ؛ فكيف بمن يعبد الصالح والولي؟ هذا إذا كان وليًا، مِن باب أولى أنّ مَن كان يُكَفّر بنص القرآن بعبادته للمَلَك وللنَّبيِّ؛ معلوم أنه إذا عبد رجلًا ممن دونهم أنه يكون كافرًا، فإذا كان ما يقع عند القبور مِن سؤال أهلها؛ وهذا والله إنه مِن الخذلان العظيم، ولعله انتقام مِن رب العالمين لأئمة السُّنَّة كالشيخ محمد حيث وقع هؤلاء المتهورون بهذه الكلمات، وهي كلمة يجب أنْ يُستتاب قائلُها منها، إذا قال أحدٌ: إنَّ الذبح لأصحاب القبور ودعاءهم مِن دون الله عزّ وجلّ وسؤالَهم الحاجات التي لا يُسألها إلّا الله - كما يَسألون الآن - ويسجدون لأصحاب القبور سائلين أصحابَ القبور أنْ يشفوهم مِن مرضهم؛ وأنْ يردوا عليهم غائبهم؛ وأنْ ينقذوهم في القيامة مِن النار!! إذا كان هذا ليس بشرك؛ تطرق مِن هذا أنّ الأنبياء أنكروا ما ليس بشرك!! وأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قاتل كفار قريش وهم ليسوا بمشركين!! ما معنى قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ(9) ماذا يكون معنى هذه التسميات في القرآن؟ فإذا غُيِّرَ وزُلْزِلَ معنى الشرك حصل خطرٌ كبير جدًا، ولأجل ذلك انظر لمّا غُيِّرَ اسم المؤمن، المؤمن في الإطلاق الشرعي ليس هو الذي يُقِرُّ بوجود الله فقط! لأنّ هذا موجود عند كفار قريش: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ(10)، وهو مما يُقِرُّ به اليهود والنصارى أنّ الله تعالى ربهم، فلمّا زُلْزِلَ معنى الشرك قيل هذا، لمّا زُلْزِلَ معنى الإيمان سمعنا في هذه الأزمنة مَن يقول: اليهود والنصارى مؤمنون! بل يقول أعداء الله: إنَّ اليهود والنصارى مِن أهل الجنة! بهذه الصراحة في الوقاحة والجرأة على أحكام الله، إذا كانوا مِن أهل الجنة؛ جهاد الأمة باطل كله! منذ عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم والسلف الصالح وفتوح البلدان كان خطأ، أناس والله لا تفقه ما الذي يترتب على هذه الكلمة، إذا زُلْزِلَ المعنى الشرعي لهذه المصطلحات الكبار - الكفر والإيمان والنفاق والشرك -؛ لا يدرون بالذي يترتب عليه، لأنه لمّا قالوا: إنّ ما يقع عند القبور ليس هو شرك مخرج مِن الملة - وإنْ دعوا غير الله -! وحتى يكونوا بمثابة المنصفين قالوا: نحن نقول: هذا خطأ، العقيدة ليس فيها شيء اسمه خطأ إلّا ويُحدد، خطأ هو بدعة مِن بِدَعِ مَن هو منسوب للإسلام أو خطأ هو كفر وشرك يرتد به المرء؟ أما تتلاعب! لا تتلاعب، لا يصح هذا الكلام، تقول: إنَّ هذا خطأ! نحن نعلم أنه خطأ، قدِّرْ هذا الخطأ، أهو بدعة وصاحبها مِن أهل البدع الغير مكفرة كما قلنا؟ أو بدعة وصاحبها هو مِن أهل البدع المكفرة؟ فيأتون إلى القبور ويدعون أهلها صراحًا ولهم كُتُبٌ فيها دعوات، يسألون أصحاب القبور، ويحجون القبور، هناك كُتُبٌ تسمى "حج المشاهد" يحجونها كما تحج مكة! ومجموعة مِن الدعوات يسألون فيها أصحاب القبور الجنة! وأنْ ينجوهم مِن النار! وأنْ يردوا غائبهم! وأنْ يهدوا قلوبهم! ماذا بقي لله عزّ وجلّ؟ فإذا لم يكن هذا شركًا أنكره الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، وهو الذي كان يفعله المشركون زمِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وقاتلهم لأجله صلّى الله عليه وسلّم؛ فمعنى ذلك أنّ الأمرَ يتطرق إلى محمد بن عبد الله لا إلى محمد بن عبد الوهاب! ولكنّ الأمر كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ(11)، وهؤلاء الذين شَنّوا الغارة على هذا الإمام المجدد رحمة الله تعالى عليه في مثل هذه الأزمنة تجدُ الخذلان صريحًا وواضحًا جليًا في كتاباتهم، فشنّوا الغارة على الإمام محمد بن عبد الوهاب، ثم صاروا يُسهّلون الكلام مع الرافضة - شاتمي أصحاب الرسول صلّى الله عليه وسلّم - وقاذفي أم المؤمنين! هكذا الضلال، وهكذا الزيغ، ثم سَهّلوا الأمر مع البهائيين، وهم طائفة بإجماع الأمة - وكتبوا يهنئونهم بأعيادهم - بإجماع الأمة طائفة كافرة، ليست مِن أهل الإسلام، يعني مثل الطائفة القاديانية لأنها طائفة جديدة قائمة على الكفر أصلًا، يفتي علماء المسلمين أنهم ليسوا أصلًا مِن المسلمين ولا يدخلون في عِدَادِهم! فتسلطوا على محمد بن عبد الوهاب وسلّط الله عزّ وجلّ عليهم أنْ يفتحوا قلوبهم للرافضة وللبهائية، ويسهلوا الأمر حتى مع العلمانيين والليبراليين، هكذا مَن لم يجعل اللهِ له نورًا فما له مِن نور، وبعضهم كما قال ابن القيم رحمه الله: "أو لا فقولوا إنّ ثم حزازة ... وتنفس الصعداء مِن حرّان"(12)، بعض الناس عنده مسائل شخصية، فما عنده مسألة شرك ولا غيره، إنما هي مسائل جاهلية قبلية أو متعلقة ببلدان يبغض هذا البلد أو يبغض الشيخ محمد رحمه الله تعالى أو يبغض قبيلتَه أو نحو ذلك؛ فقلبوا المسألةَ هذا القلب، ولأجل هذا كثير مِن كتاباتهم كتاباتٌ جاهلية، أما أنْ يأتي إنسان يقول: هذا الذي يقع عند القبور ليس بشرك! هذا مِن العظائم التي يترتب عليها أنّ مَن كان في زمِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنهم ليسوا بمشركين، ولهذا الإمام المجدد رحمه الله كتابُه "كشف الشبهات" مِن أحسن وأفضل مَن يناقش به مِن مثل هؤلاء، حيث توسّع رحمه الله تعالى في المناقشة معهم، ما معنى الشرك؟ ما معنى العبادة؟ ما الذي كان يصرفه المشركون؟ هل المنهي عنه أنْ تصرف هذه العبادة للأصنام وللأحجار أو يُنهى أنْ تصرف لأي مخلوق؟ المقصود: النهي عن أنْ تصرف لأي مخلوق، حتى مِن الملائكة؟ حتى مِن الملائكة والأنبياء، سمى الله تعالى عبادة الملائكة والأنبياء كفرًا؛ فكيف بعبادة غيرهم؟

حاصل الأمر أنّ الخلاف العَقَدِيّ في أحيان كثيرة لا يدري كثيرٌ مِن الناس بالذي يترتب عليه، ومنه الخلاف الآن مثلًا في موضوع الديمقراطية، وقبله في موضوع الاشتراكية، كثير مِن المسلمين جرت عليهم الاشتراكية، وصاروا يُعَظِّمُون - نسأل الله العافية - حتى "لينين" و"ماركس" وأمثالهم، لا يدرون بحقيقة هؤلاء، ماذا تعرفون عنهم؟ وهم يصلون هؤلاء المسلمون - بعضهم يحدثنا بهذا بأنفسهم – يقول: نصلي ونصوم ولكنا مع المَدِّ الاشتراكي، قال: لا والله ما كنا ندري أنهم يقولون بالأشياء الإلحادية هذه، وإنما صُوِّر لنا مسائل عامة، يُصوّر لهم ماذا؟ حقوق العمال، وأنّ الطوائف الكادحة المسحوقة يجب أنْ تأخذ حقوقها، الفقراء ونحو ذلك، فيتكلمون في هذا الجانب، ثم يقولون: مادام الأمر كذلك فالإسلام دين - هكذا قالوا – اشتراكي، لأنّ الإسلام أتى بحقوق العمال وحقوق الضعفاء، ويتركون الأساس الذي بُني عليه المذهب الملعون هذا وهو أنه قائم على الإلحاد، وهو الذي في كتبِ منظري المذهب مثل "ماركس" و"لينين" وأمثالهم؛ فيعطونك نسخة مصغرة، ومثل هذا الوثنُ الحاصلُ الآن المسمى بالديمقراطية، الديمقراطية كما قلنا عدة مرات - وفيها محاضرة مستقلة -، الديمقراطية عند الديمقراطيون أنفسهم يقولون: لا تكن إلّا في جوّ علماني، ولهذا قلنا عدة مرات: إنَّ الذين لا يفقهون يلعنون العلمانية ويمدحون الديمقراطية، ومنظري الديمقراطية يقولون: إنَّ الديمقراطية لا يمكن أنْ تجري إلّا في الجوّ علماني، ولهذا يقول: يجب أنْ تُعَلْمَن العقول والمؤسسات، تُعَلْمَن يعني يكون الطابع علمانيًا، بعد ذلك تأتي الديمقراطية، لأنّ الوجه الحقيقي للديمقراطية هو العلمانية، فيأتيك مَن يمدح الديمقراطية، لِمَ تمدح الديمقراطية؟ قال: لأنّ الإسلام فيه شورى والديمقراطية فيها انتخابات! هذا حدّ عقله ولا يدرون بالمدلولات - سواء في المذاهب الحديثة أو في الخلاف العَقَدِيّ مع الروافض ومع مثل هذه المسألة التي يقولون بخلق القرآن، نعوذ بالله أو مَن يقول بهذه الأمور الشركية -، الخلاف العَقَدِيّ خطير جدًا، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: "تناظروا في شيء إذا أخطأ فيه أحدكم قيل له: أخطأتَ - وهو الفقه - ولا تناظروا في شيء إذا أخطأ فيه أحدُكم قيل له: كفرتَ!"(13) يقول: بعض الخلاف العَقَدِيّ كفْرٌ، انتبهوا واحذروا، لهذا قال رحمه الله تعالى: لو أنّ رجلًا قال: إنَّ دية الرجل بيضة لكان أكثر ما يقع أنْ يُضحك منه، لأنه معلوم أنّ الرجل ديته ليست بيضة، يضحك الناس منه، لو أنك قسمتَ تركة قسمة خاطئة ردّها الناسُ عليك، قيل: هذه القسمة غير صحيحة، لكن هل أحد يكفرك؟ يقول: لا أحد يكفرك، يقولون: إنك لا تعرف الفقه ولا تدري، لا تدخل نفسك ولا تقحمها، الخلاف العَقَدِيّ أمرُه يؤول للضلال والكفر في كثير مِن الأحيان، فلأجل ذلك هؤلاء الذين أتوا ليكونوا في زعمهم "موضوعيين" كما يُعبّرون عن أنفسهم؛ وأناس ليسوا مِن ذوي الأفق الضيق مثل أحمد بن حنبل وأمثاله! يقولون: هؤلاء ضيقو أفق، جاء للمأمون وغيره يقول بخلق القرآن أو غير خلق القرآن! ما الذي يجعلك تخوض بهذا الغمار وتتعذب! هكذا يقولون في أئمة السُّنَّة! نقول: أنت لا تدري بالمدلول الخطير لهذه الكلمة الذي بيّناه الآن، إذا قيل: إنَّ القرآن مخلوق والقرآن كلام الله فمعنى ذلك أنّ كلامَ الله - وهو صفته – مخلوقٌ، بالتالي المخلوق لا يستحق العبادة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ(14) ولهذا الخلل في جانب مِن التوحيد ينعكس في جانب آخر، فمِن هنا قال تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ(15) فأنتم تعبدون مَن خلقكم وأوجدكم مِن العدم فهو يستحق أنْ يُعبد، فإذا قيل: ربنا منه شيء مخلوق! ما الذي يترتب عليه؟ هذا الاستحقاق للرب للعبادة! لأنّ المخلوق قطعًا لا يستحق العبادة، ولهذا أبطل الله تعالى في سورة النحل بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(16) يعني كيف يعبدون وهم بهذا الحال؟ إذا قيل: كذلك الله صارت هذه الآية يدخل في عمومها - نعوذ بالله – رب العالمين! فلهذا وقف الإمام أحمد رحمه الله تعالى وأئمة السُّنَّة لأنهم يعلمون أنّ الموضوع موضوع كفر أو الإسلام، ولهذا كان الإمام أحمد لمّا قيل له: إنْ عُرِضْتَ على السيف ترجعْ؟ لأنّ العرض على السيف إكراه؛ والإكراه بنص القرآن يعذر به صاحبه، يقول: لا، يقول حتى لو قتلتُ أنا لن أرجع؛ لأنّ الأمر أمرُ كفرٍ وإسلام، فإذا لم أصمد أنا وأخذتُ بالرخصة؛ فإنّ معنى ذلك أنّ الأمة قد ستضلّ، ولهذا - ولله الحمد والمنّ - كانت عاقبة هذا الموقف العظيم كبيرة جدًا؛ وهو أنه مِن أكبر فناء المعتزلة، وما رفع الإمام أحمد سيفًا ولا سفك دمًا! لكن بقوة العلم، لأنّ أهل العلم منصورون بالسِّنان وبالحجة والبيان، فهذه المسألة: لماذا يُعَظِّمُ أهل العلم منها؟ لِمَا ذكرتُه لك، لأنه يترتب عليها عدمُ استحقاق الرب للعبادة - نسأل الله العافية والسلامة -، أمرٌ خطير وبشع للغاية أنْ يقال أنّ القرآن مخلوق، لأنّ القرآن كلام الله، وكلام الله صفته، فإذا كان القرآن مخلوقًا فكلام الله مخلوق وهو صفته، وإذا كان مِن صفات الرب عزّ وجلّ شيء مخلوق؛ فكيف يُعبد الربُّ ويستحق العبادة وهو الذي يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(17) يعني يقول الملحد: كذلك رب العالمين منه شيء مخلوق! فما الذي يجعل هذه الآية تسقط عبادة المخلوقين ولا تسقط عبادة الرب؟ لهذا قال الإمام أحمد إنّ المسألةَ مسألةُ كفر أو إسلام، ولهذا أجمع أهل السُّنَّة على كُفْرِ مَن قال بخلق القرآن، وحكى إجماعَهم اللالكائي رحمة الله تعالى عليه والطبراني، وسَرَدَ اللالكائي رحمه الله تعالى أسماء أكثر مِن خمسمئة مِن علماء السُّنَّة في الشام وفي الحجاز وفي مصر والعراق وخراسان وفي الثغور وساقهم رحمه الله تعالى كلهم متفقون على أنّ مَن قال: إنَّ القرآن مخلوق؛ فإنه يكون كافرًا، لأنَّهم يدركون خطورة هذه الكلمة، ولهذا نُعيم بن حماد رحمه الله يقول: "احذروا قولهم إنَّ القرآن مخلوق، فإني كنتُ جهميًا وأعي معنى هذه الكلمة"(18)، يقول: الكلمة هذه خطيرة، يعني مسألة كفر أو إسلام، كنتُ في السابق مِن الجهمية فهداني الله للسُّنَّة يقول: فأنا أعي وأدري خطورةَ هذه الكلمة، فلأجل ذلك نصَّ علماءُ السُّنَّة على أنَّ مَن قال: إنَّ القرآن مخلوق؛ فإنَّه يكفر، وحكاه ابن القيم رحمه الله تعالى وذَكَرَه في النونية، فقال مبيّنًا إجماع أهل السُّنَّة على كُفْرِ مَن قال: إنْ القرآن مخلوق: "ولقد تقلَّد كفرَهم خمسون في عشرٍ مِن العلماء في البلدان" خمسون في عشرة خمسمائة "واللالكائي الإمام حكاه عنهم بل قد حكاه قبله الطبراني"(19) يقول: حكوا هذا التكفير مِن قِبَلِ علماء السُّنَّة – فيمن قال: إنَّ القرآن مخلوق - حكوه عن هذا العدد الكبير مِن علماء السُّنَّة، ولهذا أئمة السُّنَّة صمدوا وصبروا ومات منهم مَن مات في السجن، وعُذّب منهم مَن عُذّب، وقُتل منهم مَن قُتل، وأبى كثير منهم أنْ يقول: إنَّ القرآن مخلوق! لأَّنَّهم قالوا: إنْ جرتْ هذه المقالة في الأمة؛ فمعنى ذلك أننا سنتسبب في دخول الكفر في الأمة، ثم يأتي إنسان متكئ على أريكته لا يدري بالخلاف العَقَدِيّ يقول: رحم الله الإمام أحمد! سامح الله الإمام أحمد! كان ينبغي ألّا يُدخل نفسه في هذا الأمر! لأنك لا تدري ما الخطر والخلل الكبير الذي سيَرِدُ على الأمة، والآن هذا الوقت - سبحان الله - وقت انتقاد السابقين، يأتي إنسان لم يُقَدِّمْ للأمة شيئًا؛ ولو مات ما بكاه إلّا أهله، ولم تدرِ عنه أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ ثم يأخذ علماءَ السُّنَّة ينتقد هذا! ويذمُّ هذا! ويبدي وجهةً في هذا! أنت الآن ماذا فعلتَ للأمة؟ أنت وعشرة آلاف مِن أمثالك لا تعْدِلُون واحدًا مِن علماء السُّنَّة، ولو هلكتم دفعةً واحدة ما دَرَتْ بكم أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، ما لكم أيّ تأثير، ما لكم في أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم أيّ قَدَمِ صِدْقٍ، ليتها تَسْلَم مِن كلامكم وتكفّون عن التصريحات والكتابات، ما منكم إلّا الشَّرّ والسوء، ثم يأتي أحدُهم ينتقد الإمام أحمد وينتقد ابن تيمية وينتقد ابن عبد الوهاب وينتقد علماء السُّنَّة! هؤلاء رحمة الله تعالى عليهم الذين جعل الله لهم مِن المقام العليّ في الأمة ومِن التأثير الكبير، يعني انظر إلى ما حصل مِن موضوع الشرك وكيف اندثر - ولله المنّ والفضل - في عدد كبير مِن البلدان، والذي يقول: إنَّه ما كان يوجد شرك في الجزيرة العربية! نقول: خسئت، يَرُدُّ عليك حديثٌ في الصحيحين عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقوم الساعة حتى تصطك ألياتُ نساء دوس على ذو الخلصة، وذو الخلصة - يقول الراوي - طاغية دوس الذي كانوا يعبدونها في الجاهلية»(20) وأُعيدت عبادةُ ذو الخلَصة، وأدرك عبادةَ ذي الخلصة تلاميذ الشيخ محمد في الدولة السعودية الأولى ودُمِّرَ منها ما دُمِّرَ بالمساحي والفؤوس ثم بَقيت منه بقيةٌ دُمّرت زمِن الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى مِن أكثر مِن مائة سَنَة بالديناميت؛ ولا تزال صخور ذو الخلصة موجودة إلى الآن، يقول: ما في شرك! ما في شرك والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا تقوم الساعة حتى تصطك أليات نساء دوس على ذي الخلصة»(21)!! ذو الخلصة الذي كانوا يعبدونه في الجاهلية، بِمَ ترجم البخاري رحمه الله على هذا الحديث؟ قال: "باب تَغَيُّرِ الزمان حتى تُعبد الأوثان"(22) وترجم عليه ابنُ حبان بقوله "باب ظهور علامات الجاهلية في أهل الإسلام"(23) ثم يقول: ما في شرك! سبحان الله بهذه السهولة وهذا التأثير العظيم! ثم يُقال: أبدًا ما في الأمة شرك! ما في الأمة شرك؟؟ الآن بعض المزارات الموجودة في كثير مِن البلدان قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وزمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وإلى اليوم وهي تُزارُ ويُشركُ بالله عندها، موجودة الآن ولها تاريخ ولها كتب، مبنيّة مِن أكثر مِن مئات السنين، يُذبحُ عندها لصاحب القبر، ويُدعى صاحبُ القبر، ويُسجد له، ويُطلب منه ما لا يُطلب إلّا مِن الله ويقولون: ما في شرك! زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما كان في شرك! ما في شرك والحديث في الصحيحين؟؟ وأبى الله إلّا أنْ يجعل تدميرَ ذي الخلصة على يَدِ مَن تقولون: إنَّه ليس في زمنه شرك! ثم هذا الذي صار في الأمة مِن انبعاثِ عددٍ كبير مِن أبنائها لتبني الشيوعية والإلحاد ما هو؟ هذا ليس بشرك؟ ليس بكفر؟ مَن الذي تبنى المذاهب الإلحادية في الشرق والغرب؟ هذا مِن أبناء الأمة، وتبنوا هذه المقالات في الوجودية وفي الشيوعية وفي الفكر العفن الفلسفي الغربي موجود وعدد مِن كتبهم يدافعون عنها - نسأل الله العافية - حتى شابت شعورهم وماتوا على هذا! وهم يؤيدون وينشرون في الأمة الشيوعية، الشيوعية ليست بكفر؟ هل هناك أحد يقول: ليست بكفر؟ سبحان الله العظيم، يعني تتعجب مِن هؤلاء الناس، حديث ثوبان أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ مِن أمتي بالمشركين، وحتى يعبد قبائل مِن أمتي الأوثان»(24) حديث صحيح، الحاصل أنّ إدراك الخطر في الخلاف العَقَدِيّ هو الذي يجعل الإنسانَ يعي خطورةَ هذا الخلاف، ولماذا يُؤكدُ علماءُ السُّنَّة هذا التأكيد؟ ولماذا يُكَفِّرون مَن قال: إنَّ القرآن مخلوق؟ لِمَا ذكرناه لك، أما الذي يتكئ ولا يدري بحقيقة الخلاف أدخلنا عليه انتقاد أئمة السُّنَّة، ولهذا قال: "والقرآن كلام الله، تكلم به ليس بمخلوق، فمَن زعم أنّ القرآنَ مخلوقٌ فهو جهميّ كافر" لأنّ المقولة أصلها مِن الجهمية، وهذا قلنا بإجماع أهل السُّنَّة.

"ومن زعم أنّ القرآنَ كلامُ الله ووقف" وهم يسمون بالواقفة، مجموعة مِن الجهمية لمّا نصر الله عزّ وجلّ السُّنَّةَ على يد المتوكل رحمة الله تعالى عليه؛ أظهروا الورعَ والتقوى، قالوا: ما نقول القرآن مخلوق ولا غير مخلوق! نقف، نقول: القرآن كلام الله، هل الخلاف في كون القرآن كلام الله أو في كون هذا القرآن الذي هو كلام الله مخلوق أو غير مخلوق؟ الخلاف في هذه المسألة، فلهذا سموا بالواقفة، فتفطن لهم علماء السُّنَّة ولهذا قالوا: إنهم أخبثُ، لماذا؟ لأنّ الذين قالوا: إنَّ القرآن مخلوق كُفْرُهم ظاهرٌ وجليّ وقولُهم اندثر، ومحا الله تعالى هذا القول - وله الحمد والمنّ - ولم يقل به إلّا شُذّاذ الآفاق الذين لا يعلمون شيئًا، تجده مثلًا عند الإباضية وأضرابهم ومَن لا تأثير لهم، لكن هذا القول انمحى، أتى هؤلاء بطريقة فيها نوع مِن التحايل، لهذا قال الإمام أحمد: الجهمية طوائف، منها مَن يقول: إنَّ القرآن كلام الله مخلوق، ومنهم مَن يقول: إنَّ القرآن كلام الله ويقف(25)، لأنهم لمّا غُلِبوا قال: نقول: القرآن كلام الله، نقول: أنتم قبل الخلاف وبعد الخلاف تقولون: القرآن كلام الله، خلافنا معكم هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ ولهذا قال: مَن وقف ولم يقل: ليس بمخلوق؛ فهو أكفر وأخبث مِن الأول قولًا، لماذا؟ لأنه يمكن أنْ يجري كلامَه في العامة دون أنْ يدري، لكن وُجِدَ بعضُ المحدِّثين الذين ظنوا أنّ هذا مِن الورع، قالوا: ما ندخل في هذا الموضوع، لأنّ أيضًا ما أدركوا، هؤلاء قال أهل العلم: إنه لابُدّ أنْ يُعَلّموا وأنْ يُبيّن لهم مدلول هذه الكلمة، ولماذا نُصِرُّ أنّ القرآن ليس بمخلوق؟ لابُدّ مِن النص، لأنّ كلام الله مُنَزّل غير مخلوق، لأنه قد لا يدري، قد يكون مهتمًا مثلًا بروايته وحفظه لكن لا يدري بالمدلول، قال: لابُدّ أنْ يُعَلّم ويُعَرّف ويُفَهّم، ولهذا بعضُ مَن كان يقول بهذه الكلمة ويرى عدمَ الخوضِ بها لَمّا عُلِّم انتبه، قال: ما كنت أدري أنّ هذا هو مرادُهم!

قال: "ومَن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة؛ والقرآن كلام الله فهو جهميّ خبيث مبتدع" الجهمية أيضًا أرادوا أنْ يأتوا إلى مقولتهم بطريقة ملفوفة، فقالوا: القرآن كلام الله لكنّ ألفاظنا بالقرآن مخلوقةٌ، كلمة "اللفظ" ماذا تعني؟ أتعني معنى واحدًا أو معنيين؟ معنيين، قد تعني الشيء الذي يُتلفظ به وهو القرآن نفسه، وقد تعني كلامَك وصوتَك، فأتوا مِن هذه الزاوية كما أتوا مِن زاوية الوقف والورع حتى يتوصلوا به إلى قوله مِن جديد، فقال أهل العلم: هذا نوع مِن التجهم ابتداءً، بل تقول: القرآن كلام الله مُنَزّل غير مخلوق، وكل أحد يعلم أنّ العبد مخلوق وأنّ صوته مخلوق؛ لكنّ القرآن الذي يقرأه الذي تكلم به الله عزّ وجلّ ليس بمخلوق، فأتوا مِن هذه الزاوية فقالوا: ألفاظنا مخلوقة، ألفاظكم مِن أيّ ناحية؟ اللفظ مصدر، لفظ يلفظ لفظًا، هل تقصد المتلَفَّظ به وهو القرآن أو تقصد صوتَك؟ فلمّا كانت الكلمة محتملة نهى أهل العلم أنْ يُفتح هذا الباب حتى لا يدخل الجهمية منه مِن جديد، وقالوا: هذا نوع ابتداع، هو يريد الجهميُّ أنْ يدخل على الأمة مِن زاوية ومِن باب آخر.

ثم قال: "ومَن لم يكفر هؤلاء القوم والجهمية كلهم فهو مثلهم" يعني أنه إذا وُضِّحَ له أنّ هذا هو المدلولُ الخطير وأبى قال: "فإنه يكون مثلهم" لكن مثلما ذَكَرَ الإمام أحمد أنّ مثل هؤلاء يُعَلَّمون، لأنّ بعض الناس ما يستوعب ولا يدري، مثلما ذكرتُ قبل قليل عن أحد حدثنا عن الاشتراكية يقول: كنا نصلي ونصوم ثم أدركناهم ولعناهم، ما كنا نعرف الاشتراكية بهذا الوضع! كنا نصوم ونصلي في شبابنا ونحن نقول: اشتراكية؛ ما ندري! فبعض الناس قد يتبنى كلامًا أو قولًا وهو لا يدري به فلا يُستعجل عليه، نقول: هذا القول وهذا الكلام وهذا المذهب حاصله كذا وكذا؛ أتقول به؟ بعض الأحيان يرتعب، يقول: أعوذ بالله كيف أقول مثل هذا الكلام وأنا مِن المصلين! كيف توجه لي أصلًا هذا الكلام؟ نقول: هذا هو المذهب الذي تتبناه لكنك لا تدري، ولهذا يُعَلّم هؤلاء.

ثم قال رحمه الله: "وكلم موسى تكليمًا كما قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا(26) " وقول الله تعالى "تكليمًا" هو تأكيد بالمصدر لبيان أنه تكليم حقيقي؛ وأنّ الله تعالى كلمه كلامًا حقيقيًا.

قوله "وناوله التوراة مِن يده إلى يده" جاء هذا عن بعض التابعين لكن لا يُعْلَمُ محفوظًا عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم(27)، يعني هو موجود عند أهل الكتاب وجاء عن بعض التابعين وربما التابعون الحقيقة تلقوه عن أهل الكتاب، يعني حكوه عنهم، فنحن نقول: مثل هذه الأمور الأصل أنه لا يُؤخذ أمرُها إلّا مِن نصِّ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأما كون الله عزّ وجلّ أنزل التوراة على موسى فهذا لا إشكال فيه، لكن هل ناوله إيّاها بيده؟ مِن يده إلى يده؟ هذا لا شكّ أنه يحتاج إلى دليل.

ثم قال: "ولم يزل الله متكلمًا عالمًا، فتبارك الله أحسن الخالقين" لماذا قال: "ولم يزل الله متكلمًا"؟ لِيَرُدَّ على الكلابية ومَن ورثهم مِن الأشعرية والماتريدية ممن يقولون: إنَّ الله تبارك وتعالى تكلم بما أراد ثم لم يتكلم! بل يقال: الله تكلم، ويتكلم بما شاء سبحانه كيف شاء ومتى شاء، وسيكلم أهلَ الجنة بنصّ القرآن، وسيكلم أهل النار بنص القرآن، ويكلم ملائكته، فيتكلم ولا يزال يتكلم بما شاء كيف شاء - سبحانه وتعالى - فتبارك الله أحسن الخالقين.


(1) النحل: 20، 21.
(2) النحل: 17.
(3) النحل: 20.
(4) البقرة: 21.
(5) الزمر: 62.
(6) النحل: 20.
(7) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص: 49).
(8) آل عمران: 80.
(9) البينة: 1.
(10) الزخرف: 87.
(11) النور: 40.
(12) الكافية الشافية (ص: 90).
(13) تبيين كذب المفتري (ص: 343).
(14) النحل: 17.
(15) البقرة: 21.
(16) النحل: 20.
(17) النحل: 20.
(18) سير أعلام النبلاء (597/ 10).
(19) الكافية الشافية (ص: 42).
(20) صحيح البخاري (7116) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(21) سبق تخريجه.
(22) صحيح البخاري (9/ 58).
(23) صحيح ابن حبان (15/ 149).
(24) صحيح. أبو داود (4252) من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (785).
(25) هنا كلام الشيخ - حفظه الله - كأن فيه استدراكًا على نفسه، واللفظ كما في الشريط هو: "لهذا قال الإمام أحمد: الجهمية ثلاثة طوائف، منها مَن يقول: إنّ القرآن هو كلام الله، ومنهم مَن يقول: إنَّ القرآن كلام الله مخلوق، ومنهم مَن يقول: إنَّ القرآن كلام الله ويقف" ولعل الصواب هو ما أثبتناه، وهو ظاهر للمتأمل. والله أعلم.
(26) النساء: 164.
(27) يُنظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (12/ 533).