موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المسيح الدجال - شرح اعتقاد حرب الكرماني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - المسيح الدجال

والأعور الدّجّال خارج؛ ولا شكّ في ذلك ولا ارتياب،  وهو أكذب الكاذبين


الأعور الكذاب يريد به المسيح الدَّجَّال، سماه الأعور لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أخبر أنه أعور عينه اليمنى، قال: «إنَّ ربكم ليس بأعور؛ وإنه أعور عينه اليمنى»(1)، والدَّجَّال كما ثبت في الحديث هو أعظم الفتن على الإطلاق، ما هناك فتنة منذ أنْ خلق الله آدم إلى قيام الساعة أعظم أو أكبر مِن فتنة المسيح الدَّجَّال - نعوذ بالله منه -، ولهذا حذرت منه جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال عليه الصّلاة والسّلام: «ما مِن نبيّ إلّا حذر أمته الأعور الدَّجَّال، لقد أنذره نوح قومَه» (2) وهو خارج في هذه الأمة قطعًا، لأنّ جميع الأمم قبلنا لم يخرج فيهم هذا المسيح، والمسيح الدَّجَّال مِن أعظم الفتن وهو مِن الأدلة على أنّ مَن يظهرون الخوارق العجيبة والغريبة لا يكونون بالضرورة على حق! وقد يظهر على بعض الناس بعض الأمور الخارقة والغريبة، فليس معيار الحق من الباطل أنْ تظهر خوارق على الشخص – كما يظنّ العامة والدهماء والجهلة -، لأنّ الخوارق هذه قد تظهر على يد أناس مِن المحتالين أو السحرة أو مَن لهم صلة بالشياطين، وتظهر على يد الدَّجَّال فتنةً وابتلاءً.

هذا الدَّجَّال يُمَكِّنُه الله تبارك وتعالى مِن باب الفتنة مِن أمور، مِن ضمنها أنه يأمر كما في الأحاديث الصحيحة - أحاديثه في الصحيحين في البخاري ومسلم - وتوسع فيها مسلم رحمه الله تعالى توسعًا بالغًا في كتاب الفتن، فهو أكثر سردًا لسياق أحاديث الدَّجَّال مِن البخاري رحمهما الله.

أخبر عليه الصّلاة والسّلام أنه خارج من خلة بين الشام والعراق فعاث يمينًا وعاث شمالًا، قال صلّى الله عليه وسلّم: «يا عباد الله؛ فاثبتوا»(3) وأخبر صلّى الله عليه وسلّم أنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويمرُّ بالخربة فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل(4) إلى غير ذلك مِن الأمور الهائلة التي تفتن مَن لم يثبّته الله تعالى، لكنّ الله - كما قلنا له وله الحمد والمنّ - قد جعل فيه علامات دالة على كذبه، مِن أظهرها أنه أعور عينه اليمنى وهو يدعي الربوبية! الدَّجَّال يبدأ فيدّعي النبوّة ثم يدّعي الربوبية ويدّعي أنه هو الرب، هو أعور عينه اليمنى، علامةٌ دالة على أنه كاذب أنه أعور، هو يدّعي الربوبية وأنه بيده التصريف وأنه كذا وكذا وعينه على هذه الحال! وهذا عيبٌ واضح فيه، مَن عَوَّرَ عينَه إنْ كان ربًا!! ولهذا قال عليه الصّلاة والسّلام: «ألا إنَّ ربكم ليس بأعور»(5) بل له عينان سبحانه وتعالى وله الكمال المطلق عزّ اسمه، ثم إنه يمكث في الأرض أربعين يومًا، يوم كسَنَة مِن طوله وهو يوم حقيقي، حتى سأل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: ذلك اليوم الذي كسَنَة تكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا؛ اقدروا له قَدْرَه»(6) مما يدل على أنه طول حقيقي، ويوم كشهر ويوم كجمعة يعني كأسبوع وسائر أيامه كأيامكم(7)، ثم يمكث في الأرض، جاء في الروايات أنّ أكثر مَن يخرج إليه النساء(8) - نسأل الله العافية والسلامة - لحرصهنّ على الغريب والعجيب، وجاء في بعض الروايات أنّ الرجل يرجع إلى بيته فيربط موليّته رباطًا لكثرة مَن يخرج إليه - نسأل الله العافية والسلامة - مِن النساء، في الروايات ما يدل على أنّه يُبتلى أهل الإيمان في وقته ابتلاءً عظيمًا، يمرّ بالمؤمنين فيردّون عليه دعوته ويأبون أنْ يقبلوا قولَه له فيصبحون مممحلين(9) ليس بأيديهم شيء مِن باب الابتلاء، وأما مَن كانوا معه فإنّ أنواع النعم التي يفتنون بها تُفتح عليهم، ثم يمكث في الأرض ما شاء الله أنْ يمكث فيها المدة المحددة وهي أربعون يومًا على الوضع الذي ذكرنا، ثم إنَّ الله تعالى يُنزل المسيحَ ابن مريم عليه الصّلاة والسّلام حكمًا عدلًا يحكم بشريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ فيدرك الدَّجَّالَ عند باب لُدّ(10) - باب لُدّ في فلسطين - تحت احتلال اليهود الآن، وأخبر عليه الصّلاة والسّلام أنه إذا وقعتِ الملحمة العظيمة بين المسلمين والكفار فإنه "ما مِن حجر ولا شجر إلّا يقول: يا مسلم؛ هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلّا الغرقد"(11) مع أنّ الغرقد مطيعٌ لله، لا تتصور أنّ الغرقد! هو كل شيء في هذه الدنيا مطيعٌ لرب العالمين مِن طيور ودواب؛ ولكن جعله له الله تبارك وتعالى آية لأنه مِن شجر يهود، ولهذا هم يحرصون عليه جدًا، اليهود الآن يحرصون على شجر الغرقد جدًا، لأنّ أعداء الله يعلمون صِدْقَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فيدركه المسيحُ ابن مريم عليه الصّلاة والسّلام، يدرك الدَّجَّالَ عند باب لُدّ فيقتله، وتنتهي وتنطفئ فتنتُه، وهو مِن الفتن الكبار - نسأل الله العافية والسلامة – الشديدة، ولا يثبت عندها إلّا أهلُ الإيمان، وبَيَّنَ عليه الصّلاة والسّلام أيضًا أنّ "الدَّجَّالَ مكتوبٌ بين عينيه كافرٌ؛ يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب"(12) العبرة هنا ليست بتعلم القراءة والكتابة! العبرة هنا بالإيمان، فإذا كان مِن المؤمنين فإنه يقرأ أنّ بين عينيه كافر، وهذا مِن رحمه الله ومنّته، قلنا: إنَّ مِن الفتن أيّها الإخوة - ولله الفضل والمنّ والحمد والشكر - يكون فيها دلالات ومخارج للمؤمنين للسلامة مِن الفتن، فأعظم الفتن هي فتنة الدَّجَّال كما قلنا ومع ذلك جعل الله فيه مِن الدلالات على كذبه وما يجعل المؤمن يبعد عن فتنته أنّ بين عينيه مكتوب "كافر"، وقال: إنه يقول إنه الرب! وأنه أعور عين اليمنى، وهو يدّعي أنه الرب، إلى غير ذلك مِن الدلائل التي قد يطول المقام بها، لكن تجد أحاديث الدَّجَّال مفصلة في صحيح مسلم، ونقل النووي رحمه الله في رياض الصالحين جملة كثيرة منها، فأحاديث الدَّجَّال ثابتة ومعلومة، وسمي بالأعور الدَّجَّال لأجل العَوَر الذي في عينه.

قال: "خارج لا شكّ في ذلك ولا ارتياب، وهو أكذب الكاذبين" نعم؛ لأنه يدّعي - قبحه اللهُ - أنه هو الرب، ويتبعه على هذا أعداد غفيرة جدًا، وجاء أنه يتبعه في الحديث الصحيح يتبعه مَن يهود أصبهان في إيران "يتبعه مَن يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة"(13) فيخرج في المشرق(14)، ويتبعه عدد، في المشرق جاءت أحاديث كثيرة جدًا دالة على أنّ الفتنة منه(15)، ولأجل هذا كثير مِن الفتن الواقعة في الأمة كان مخرجها مِن المشرق، بدعة الرافضة؛ بدعة الباطنية؛ بدعة المعتزلة؛ بدعة الجهمية؛ بدعة الخوارج؛ بدعة مَن أضرّوا بالأمة الضرر الشديد مثل أهل الفتك الخُرّمِيّة وأضرابهم؛ كلهم - سبحان الله - مِن جهة المشرق، ولا يزال المشرق فيه شيء كثير مِن الشَّرّ، وأخبر عليه الصّلاة والسّلام "أنّ الفتنة تخرج مِن هاهنا؛ مِن حيث يطلع قرن الشيطان"(16) ولهذا كان كثير مِن الفتن آتية مِن جهة العراق وما بعده مِن جهات خراسان ونحو ذلك مِن الفتن التي وقعت، وهكذا الحروب والمهالك الكبيرة وقعت أيضًا مِن جهة المشرق، فالحاصل أنّ الدَّجَّال يخرج في المشرق ويتبعه عددٌ غفير مِن أهل المشرق، ثم يكون مسرعًا جدًا في الأرض كالريح في سرعته، كالغيث استدبرته الريح(17)، يعني أنه سريع جدًا ويتمكن مِن وطأ الأرض كلها إلّا مكة والمدينة؛ فإنها محمية منه(18)، والعافية في ذلك - ولله الحمد - بما أخبر به عليه الصّلاة والسّلام، قال: «ومِن أدركه؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف»(19)، وهذا يدل على أنّ الالتزام والاعتصام بالقرآن والسُّنَّة أنه مِن أسباب النجاة مِن الفتن، يعني أعظمَ الفتن؛ أخبر عليه الصّلاة والسّلام أنّ العافيةَ مِن فتنته تُقرأ عليه هذه الآيات العظام مِن سورة الكهف، والكلام فيه يطول، وصنّف فيه العلماء مصنفات وذكروه في غير الصحيحين بيانًا لمَا يقع بين يدي السائل مِن هذه العظائم.


(1) صحيح البخاري (4402) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) صحيح البخاري (3057) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(3) صحيح مسلم (2937) من حديث النواس رضي الله عنه مرفوعًا.
(4) صحيح مسلم (2936) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(5) سبق تخريجه.
(6) صحيح مسلم (2936) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(7) صحيح مسلم (2937) من حديث النواس رضي الله عنه مرفوعًا.
(8) مسند أحمد (17900).
(9) صحيح مسلم (2937) من حديث النواس رضي الله عنه مرفوعًا.
(10) صحيح مسلم (2936) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(11) صحيح مسلم (2922) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(12) صحيح مسلم (2934) من حديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعًا.
(13) صحيح مسلم (2944) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا.
(14) صحيح مسلم (1380) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(15) صحيح البخاري (3279) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(16) صحيح البخاري (3279) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(17) صحيح مسلم (2937) من حديث النواس رضي الله عنه مرفوعًا.
(18) صحيح البخاري (1881) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا.
(19) صحيح مسلم (2937) من حديث النواس رضي الله عنه مرفوعًا.