موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كف الشر عن أهل الإسلام - شرح اعتقاد حرب الكرماني
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - كف الشر عن أهل الإسلام

والكفّ عن أهل القبلة؛ فلا تُكفِّر أحدًا منهم بذنب، ولا تخرجه مِن الإسلام بعمل؛ إلّا أنْ يكون في ذلك حديث؛ فيروى الحديث كما جاء وكما روي، وتصدق به وتقبله، وتعلم أنه كما رُوي، نحو تَرْكِ الصلاة وشرْب الخمر وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، واتّبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.

ولا أحب الصلاة خلف أهل البدع، ولا الصلاة على مَن مات منهم.


تكلم بعد ذلك عن الكفّ عن أهل القبلة، أنْ تكفّ شَرَّكَ عن أهل القبلة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «المسلم مَن سَلِمَ المسلمون مِن لسانه ويده»(1) أنْ يسلمَ الناس مِن لسانه بتلفظه عليهم؛ وأنْ يسلم الناس مِن شَرِّه بممارسته للشَّرّ وإيصال الشر بيده.

والكف عن أهل القبلة لأنهم أهل الإسلام، وهم إخوانك ولهم عليك الحق العظيم، وهم أفضل أهل الأرض، أهل الأرض إما انْ يكونوا مِن المسلمين وإما أنْ يكونوا مِن الكفار، الذين قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا(2) قال عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا(3)، فبقية مَن ليسوا مِن المسلمين هم مِن أهل الكفر، فأحق الناس ببرّك وإحسانك وإيصال الخير هم أهل القبلة، هم أهل الإسلام، إخوانك الذين تدعو لهم ويدعون لك، تصلي عليهم ويصلون عليك، فكفّ عنهم، كفّ عن أهل القبلة، التكفير معناه الحكم بكفر أحدٍ، هذا معنى التكفير، ولا تكفر أحدًا منهم بذنب، والتكفير الحقيقة إنه يُتناول بأسلوب تارة يكون علميًا - وذلك إذا كان المتكلم في مسائل التكفير مِن أهل العلم -، وتارة يتناول التكفير بأسلوب أبعدَ ما يكون عن العلم وعلامة ذلك في الآتي:

أولًا: أنّ بعض الناس يتحدث عن التكفير؛ وكأنّ التكفير لفظة خاطئة لا يصح أنْ تقال نهائيًا! كأنّ الشرع أتى بالنهي عنها كما نهى عن ألفاظ الجاهلية، فلا يقوله عالمٌ! التكفير حكمٌ شرعي إذا وقع في موقعه فهو إخبار عن حكمِ الله عزّ وجلّ - مثل التفسيق -، كفَّرَه أي حكم له بالكفر، فسَّقه حكم له بالفسق، الله تعالى كَفَّرَ في كتابه أصنافًا وفَسَّق سبحانه وتعالى أصنافًا، فسَّقَ سبحانه وتعالى القاذف، القاذفُ شرعًا مُفَسّق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ(4) وأمر الله عزّ وجلّ فيهم بأمور ثلاثة: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(5) ما حكم القاذف؟ فسَّقَه رب العالمين، فهو فاسق قطعًا، قال عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ(6)، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ(7)، ما حكم النصارى؟ كفار بلا أدنى ريب، كفَّرَهم ربُّ العالمين؛ فإذا وقع التكفير في موقعه فإنه لا شكّ نوع مِن الحكم والإخبار عن حكم مِن أحكام الله تعالى لا يشك فيها، لكن لجهل كثيرين ممن يريدون مقابلة الخوارج صاروا يتحدثون عن التكفير كأنّ التكفير شرعًا منهي عنه إطلاقًا! حتى تجدُ كثيرًا يقول: أهل التكفير والتفجير! ما علاقة التكفير بالتفجير؟ التكفير حكم شرعي؛ فإذا وقع في موقعه فإنه لا إشكال فيه، إنما الإشكال أنْ يقع في غير موقعه، فإذا وقع في غير موقعه على يد خارجيّ لا يعي ولا يفهم؛ هذا لا يعني ذلك أنْ يُعاد إلى حكم الشرع فيُبطل أصلُ التكفير! لدينا باب مستقل في كتب الفقه يسمى باب حكم المرتد، يذكر فيه الفقهاء أحوال مَن يرتدون، فإذا كفرَ أحدُهم باليوم الآخر قال: لا يوجد جنة ولا نار! ما حكمه عند المسلمين جميعًا؟ حكمه أنه كافر، هل يقال: لا تطلق الكفر على هذا! سبحان الله كيف لا يطلق الكفر على هذا، كون هذا الشخص حديث عهد بالإسلام يُنظر هل انتفت الموانع وقامت الشروط، هذه مسألة أخرى، نعم، لا يُتسرع في التكفير، لكن إذا تحققت جميع الشروط وانتفت جميع الموانع وأقيمت الحجة على هذا الشخص بأنّ ثمة يومًا آخر؛ قال: لا يوجد يوم آخر! قرأنا عليه الآيات في كتاب الله وأحاديث النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام الثابتة قال: أبدًا لا يوجد يوم آخر! هل يقال: لا تكفروه! لا يقول هذا عالِم أصلًا، فالتكفير ليس لفظة - يعني قبيحة! - مِن مثل ألفاظ الجاهلية كالحلف لغير الله ونحوه! التكفير حكمٌ مِن أحكام الله، إذا أوقعه العالم أو القاضي يوقعه عن عِلْمٍ ويكون مخبرًا عن حكم الله عزّ وجلّ، فكون الخارجيّ يتسرع ويكفر مَن سواه هذا أمرٌ مثل قَتْلِ الخارجيّ لِمَن خالفه؛ فهل يقال: القتل لا يجوز بتاتًا لأجل أنّ الخوارج يقتلون! القتل هناك قتل قصاص، وهناك قتل تعزير، وهناك قتل الجهاد لأهل الكفر المحاربين، فكما أنه لا يقال: إنه لا يصح القتل نهائيًا! كذلك لا يقال: إنه لا يصح التكفير نهائيًا، إنما الإشكال أنْ يُوقع التكفير على غير أهله، ولهذا قال: "ولا نكفر أحدًا منهم" يعني مِن أهل القبلة "بذنب" هذه العبارة فيها تفصيل كما فصلها نفسه حرب رحمه الله تعالى، الذنوب تارة تكون بمقارفة الكبائر كشرب الخمور والفواحش - نسأل الله العافية والسلامة - ونحو ذلك فهذه بإجماع أهل العلم لا يكفر المسلم بها حتى لو مات وهو غير تائب منها، وفيها حديث أبي ذرّ رضي الله عنه لمّا بشَّر جبريل النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّ مَن مات لا يشرك بالله عزّ وجلّ شيئًا؛ فأنَّه يكون مِن أهل الجنة، فقال أبو ذرّ - مستغربًا ومستعظمًا -: وإنْ زنا وإنْ سرق وهما – يعني وهما مِن الكبائر -؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وإنْ زنا وإنْ سرق» وقال في الثالثة: «وإنْ رغم أنف أبي ذرّ»(8)، المسلم الذي يموت وهو مِن أهل التوحيد وقد قارف شيئًا مِن هذه الكبائر لا يُكفَّر قطعًا، لكن تأتي عبارة "لا يُكفَّر أحدٌ بذنب" قد يدخل فيها - كما سيأتي - عند بعض مَن يطلقونها؛ قد يُدخلون فيها تركَ الصلاة، ويأتي فيها تفصيل - إنْ شاء الله تعالى - تَرْكُ الصلاة، فإذا كان الإطلاق يُراد به مقارفة الذنوب مِن الصغائر والكبائر؛ فإنَّه لا يُكفَّر أحدٌ مِن المسلمين بها؟ فنعم، قال: "بإجماع أهل السُّنَّة" ثم استثنى رحمه الله قال: "لا تخرجه مِن الإسلام بعمل" يعني عمل مِن الأعمال كالزنى أو شرب خمر "إلّا أنْ يكون في ذلك حديث؛ فيروى الحديث كما جاء وكما روي" فإذا جاء حديث عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بأنَّ مَن فعل هذا فإنَّه يكفر؛ فيروى الحديث كما جاء وكما روي، وتارةً يكون الإطلاق - وهذا أمر مهم جدًا - في النصوص؛ يكون الإطلاق للتكفير يُراد به الكفر الأصغر وتارةً يُراد به الكفر الأكبر، مثال قوله صلّى الله عليه وسلّم: «سِبَابُ المسلم فسوق وقتاله كفْر»(9) الكفر هنا في القتال قطعًا يراد به الكفر الأصغر، والدليل نصوص كثيرة، منها قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا(10) فسمّاهم بالمؤمنين مع وقوع القتال ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(11) فسماهم أخوة مع وقوع القتال بينهم، فالكفر هنا أصغر، تأتي نصوص فيها إطلاقات للكفر يكون المراد بها الكفر الأكبر، ويأتي إنْ شاء الله بيانها عند الكلام على تارك الصلاة، "فيروى الحديث ويُبيّن المراد منه" هل المراد الكفر الأصغر أم المراد الكفر الأكبر؟

"تروي الحديث وتُصدّق به وتقبله ولا تَرُدّ حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتعلم أنَّه كما روي نحو تَرْكِ الصلاة" تَرْكُ الصلاة كسلًا وتهاونًا لأهل العلم فيه قولان معروفان: أنَّ تارك الصلاة كسلًا وتهاونًا قال بعضهم: إنَّه لا يكفر؛ وإنما هذا ذنب مِن الذنوب، وقوله عليه الصّلاة والسّلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمَن تركها فقد كفَر»(12)، يُراد به الكفرُ الأصغرُ كما في حديث «سِبَابُ المسلم فسوق، وقتاله كفْر»(13)، وعلى هذا بعض أهل العلم كالشافعي، أئمة أفذاذ خِيَار لا يشكّ في علمهم وديانتهم كالشافعي رحمه الله وغيره مِن أهل العلم، قال آخرون - كالإمام أحمد وعدد مِن الشافعية والحنابلة - قالوا: إنَّ الكفرَ في حديث الصلاة تحديدًا يُراد به الكفر الأكبر، ودللوا على هذا بأدلة كثيرة جدًا يطول المقام بسردها، ومِن أهم الأدلة على هذا أنَّ هذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؛ أنَّ المعروف عن الصحابة أنَّ ترْك الصلاة كفْر، وحكى الإجماعَ على هذا عددٌ مِن أهل العلم، ممن حكى الإجماعَ على هذا الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله في كتابه "تعظيم قدْر الصلاة" وهو مِن أنفس وأنفع الكتب، تناول فيه مسألة الصلاة ومسألة الإيمان، كتاب نفيس للغاية، قالوا: إنَّ محمد بن نصر المروزي رحمة الله تعالى عليه مع أنَّه مِن العلماء الأفذاذ ومِن المحدثين المشاهير قالوا: إنَّه معتن عناية خاصة بذكر الخلاف، ويعتني بتتبع الأقوال، محمد بن نصر في كتابه هذا حكى أنَّ جمهورَ المحدِّثين - وليس الإمام أحمد فقط - جمهور المحدِّثين وقتَ أحمد وقَبْلَ أحمد وبعد أحمد؛ أنَّ جمهور المحدِّثين على أنَّ تارك الصلاة يكفر، ونقل رحمه الله تعالى أيضًا في كتابه هذا أنَّ المعروف عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو تكفير تاركِ الصلاة ولم يجئ عن أحد منهم خلافُ ذلك، وفيه الخبر عن جابر رضي الله عنه أنَّه لمّا سُئل عن شيء مِن الأعمال تركْه كفْر قال: "الصلاة"(14)، وخبر عبد الله بن شقيق العقيلي رحمه الله لمّا قال: "لم يكن أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم يرون شيئًا مِن الأعمال تركه كفْر إلّا الصلاة"(15) وحكى الإجماعَ على هذا أيضًا الإمام الجليل اسحق بن راهويه هذه الذي ذكرناها في مقدمة الرسالة(16)، وهو أحد شيوخ الإمام حرب الكرماني رحمه الله تعالى، أخبر أنّ النَّبيَّ عليه الصّلاة والسّلام قد صحّ عنه أنّ تاركَ الصلاة يكفر؛ وأنّ هذا هو رأي أهل العلم مِن لدن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يقول إلى يومنا - هذا اسحق رحمه الله -، اسحق مِن المعاصرين للإمام أحمد وهو شيخ الإمام حرب رحم الله الجميع، هذا هو المعروف، ودلّت على هذا عدة نصوص، ويطول في الحقيقة المقام لسردها، لكن راجعها في كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولهذا ماذا يسمى المسلمون؟ يسمون بأهل القبلة، وماذا أيضًا؟ يسمون بأهل الصلاة، لأنه مِن المعلوم أنّ المسلمين مِن أهل الصلاة، وقد كان صلّى الله عليه وسلّم - كما في البخاري - إذا أغار على قوم انتظر؛ فإنْ سمع أذانًا وإلّا أغار(17)، لأنّ مِن شعارات المسلمين الصلاة، فإذا أذّنوا فهم يُصلون فيكفّ عنهم، إذا لم يقع فيهم الأذان معناه أنهم لا يصلون فكان يُغِيْرُ صلّى الله عليه وسلّم عليهم، إلى غير ذلك مِن النصوص الدالة على هذا؛ وأنّ الصحيح مِن أقوال أهل العلم رحمهم الله جميعًا أنّ ترْك الصلاة كفْر - تهاونًا قطعًا -، أما إذا تركها جاحدًا بوجوبها هذا بالإجماع ما فيه إشكال أنه يكفر، ومِن جميل ما ذَكَرَ شيخ الإسلام مِن الأدلة ومِن أوضح – في المجلد السابع مِن كتاب الإيمان - جملة مِن الأدلة مِن ضمنها أنّ مِن المعلوم أنّ الموحدين إذا دخلوا النار؛ فإنّ النار لا تصيب منهم ماذا؟ مواضع السجود، لأنّ العاصي مِن أهل القبلة يصلي؛ فلا تمس النارُ مواضعَ السجود منه، أما الذي لا يصلي يقول شيخ الإسلام: فإنّ النار تأكله ،كله لأنّ عدمَ صلاته دالٌّ على كفْره، قال شيخ الإسلام: إنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ(18) وفيه الحديث الصحيح: "أنّ الله تعالى يكشف عن ساقه عزّ وجلّ؛ فمن كان مِن أهل الإيمان يُمَكِّنُه اللهُ تعالى مِن السجود - وهي العلامة بين المؤمنين وبين ربهم - ومَن كان مِن أهل النفاق في الدنيا؛ فإنه كلما أراد أنْ يسجد رياءً في الدنيا؛ فإنه كلما أراد أنْ يسجد صار ظهرُه - والعياذ بالله - طبقًا واحدًا فخرَّ على قفاه"(19) يقول شيخ الإسلام: هؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لكن نفاقًا فلم يتمكنوا مِن السجود مع أنهم كانوا يصلون؛ فما بالك بمَن لم يكن يصلي أصلًا! يقول: لا يُمَكّن مِن السجود، قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ(20) فكان ترْكُهم للصلاة مِن أسباب عدم سجودهم والذي لا يسجد في ذلك المقام يهلك، وهكذا ما ذَكَرَه اللهُ تعالى مِن ذِكْرِ الصلاة مع التصديق وتَرْكِ الصلاة مع التكذيب: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى(21) فجعل هذا ملازمًا، فالمصدق مصلي، والمكذب متولي لا يصلي، وإذا سأل أهلُ اليمين أهلَ النار عن الذي سلكهم في سقر ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(22) فبدءوا بأول جرْم وأكبر جرْم وهو الكفر ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(23)، فالصحيح الذي دلَّت عليه الأدلة أنّ ترْك الصلاة كفْر ومَن لم يُكَفِّرْ تاركَ الصلاةِ مِن أهل العلم رحمهم الله تعالى فقد قال قولًا هو فيه مجتهد، وهو بإذن الله تعالى مأجور، لكنّ الصواب والقول الذي أجران أجر الصواب والاجتهاد هو قول مَن كفَّر تارك الصلاة، هذا هو الصحيح، لكن إذا لم يكفره عالم مِن العلماء وقال: الصواب عند قول أبي عبد الله؛ محمد بن ادريس الشافعي وهذا إمام جليل مِن أئمة المسلمين رحمه الله تعالى، وكونه لا يكفّرهم؛ هذه مسألة مِن مسائل الخلاف الفقهي، لكنّ الصواب فيها والأدلة القوية الراجحة التي يطول جدًا المقام لسردها وذكرها شيخ الإسلام - في المجلد السابع كما قلنا في الفتاوى - تدل على أنّ الصحيحَ أنّ تارك الصلاة يكفر، ولهذا حُكي عليه الإجماع لأنه هو المعروف عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أنّ ترْكَ الصلاة كفر، ولهذا قال: "نحو ترْك الصلاة".

يأتي سؤال الآن، لماذا ذَكَرَ حرب الكرماني رحمه الله تعالى مع ترك الصلاة شرْب الخمر؟ مع أنّ شرب الخمر بإجماع أهل السُّنَّة لا يكفر صاحبُه! السبب يعود مرة أخرى إلى ترْك الصلاة، لأجل ذلك قال عبد الله بن عمر ورضي الله عنهما - كما نقله شيخ الإسلام في المجلد السابع - قال رحمه الله تعالى: "مَن شرب الخمر ممسيًا أصبح مشركًا؛ ومن شربها مصبحًا أمسى مشركًا" فاستغرب ذلك السائل وقال للنخعي: ما وجه هذا الكلام؟ قال: لأنه يترك الصلاة(24)، فليس تكفيره لشرب الخمر بالإجماع، لا يكفّر، لأنه لو كان كافرًا شارب الخمر لوجب قتْلُه، ومعلوم أنّ له حدًّا؛ وأنّه يُجلد الثمانين معناه أنه مسلم، لأنه لو كان مرتدًا لمّا جُلِدَ الثمانين وتُرِكَ! لو كان مرتدًا لقتل في شرب الخمر، هذا بالإجماع، ما في أحد ِمِن علماء السُّنَّة يقول: إنَّ شرب الخمر أو الزنا كفْر بالله عزّ وجلّ، لكن لأنه يؤدي إلى الكفر، قال: "فإذا شرب الخمر؛ فإنه لا يدري بصلاة ولا وضوء؛ فيستمر في غيّه حتى تخرج وقت الصلاة"، قال أهل العلم - وهو اختيار الشافعي رحمه الله تعالى - إنَّ مَن يشرب الخمر ثم يتصرف تصرفات وهو مخمور قد زال عقله؛ يقول: نأخذه بكل تصرفاته، ولا يُجعل شربُه للخمر سببًا في إسقاط أحكام الله عنه، ولهذا اختار الشافعي رحمه الله أنّ السكران إذا طَلَّقَ فإنّ طلاقَه يمضي، فقيل له - رحمه الله تعالى -: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ(25) فهذا يهذي لا يدري ما يقول! وإذا طَلَّقَ ما يدري ما الطلاق! قال: ما نكافئه بأنه إذا شرب الخمر وطلق؛ نقول: لا يمضي طلاقُه!! قال: سأختار أنْ يمضي عليه الطلاق، وإذا قذف أنْ يقام عليه الحدّ، وإذا قتل قطعًا يقتل، إذا قتل أحدًا وهو مخمور لا يقال: هذا مخمور! لابُدّ أنْ يقتل، قال الشافعي رحمه الله: فنجريها قاعدة، كل تصرفات المخمور يؤخذ بها، وإنْ كان مِن أهل العلم مَن يرى طلاق السكران أنه لا يمضي استدلالًا بقوله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ(26) قالوا: وهذا لا يدري ما يقول، لكن فيما يتعلق بشربه للخمر شربُه للخمر في نفسه قطعًا ليس بكفر لا ريب، لكن لأنه سيؤول به إلى ترْك الصلاة وترْك الصلاة كفْرٌ؛ صار يُذكر شربُ الخمر مع ترْك الصلاة، لا لأنّ شرب الخمر كفْر! ولكن لأنه سيؤدي إلى كفْرٍ، قال: فلا نُتيح له شربَ الخمر ثم نقول: إذا ترك الصلاة؛ فإنه مخمور مسكين! ما نقول هذا الكلام، هو تسبب في أنْ يترك الصلاة، وإنْ كانت هذه المسألة قد تكون مِن المسائل بلا شكّ التي مِن مسائل الاجتهاد، لأنه إذا كان إذا أفاق يصلي؛ فتعود المسألة إلى تصرفات وأفعال السكران والكلام فيها، وهو إذا أفاق يصلي، فقد يقال: والله أعلم إنه ليس بتارك للصلاة، وهذا لا يعني أنّه يعذر ويقال: هذا مسكين وشرب الخمر! لابُدّ أنْ يُقام عليه حدّ الله، لكنّ الله تعالى نهى أنْ تُقرب الصلاة قبل أنْ يَبُتّ تعالى حكمَ الخمر ما نهى أنْ تُقْرَبَ الصلاة مِن قبل السكارى، فلو أتى إلى المسجد يصلي لوجب أنْ لا يُمَكّن، لأنه يهذي ولا يدري، ولا تصح الصلاة منه أصلًا وهو سكران، ولأجل هذا ذَكَرَ حربٌ هذه المسألة، وقال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: "لأنْ أزني أحبُّ إلي مِن أنْ أشرب الخمر، إني أذا شربتُ الخمر تركتُ الصلاة، ومَن ترك الصلاة فلا دين له"(27)، مثل هذه العبارات "أحبّ إليّ" لا تعني أنّ الزنى - معاذ الله – محبوب! لكن يقول: لو خُيِّرْتَ بين أمرين لكان عندي الزنا أيسر لأنّ الزاني لا يفقد عقله لكن شارب الخمر يفقد عقله، ويترتب على فقدانه لعقله أنْ يترك الصلاة، وبالتالي فإنه يكون بلا دين، وهكذا قول مسروق رحمه الله: "مَن شرب الخمر فقد كفَرَ؛ وكفْرُه: أنْ ليس له صلاة"(28) يعني كفْرُه لم يأت مِن مجرد شربه الخمر! وإنما بسبب أنه يتطرق إليه ترْكُ الصلاة بسبب شربه الخمر، وهذا كله يؤكد على أنّ ترْك الصلاة على الصحيح كفْرٌ، أما هذه المسألة بخصوصها فإنّ شاربَ الخمر بلا أدنى ريب ليس بكافر؛ وإنما تسبب في أنْ يترك الصلاة؛ فلأجل ذلك قالوا فيه ما قالوا.


(1) صحيح البخاري (10) من حديث ابن عمرو رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) البينة: 6.
(3) الأنفال: 55.
(4) النور: 23.
(5) النور: 4.
(6) المائدة: 17.
(7) المائدة: 73.
(8) صحيح البخاري (5827).
(9) البخاري (48)، ومسلم (64) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا.
(10) الحجرات: 9.
(11) الحجرات: 10.
(12) صحيح. أبو داود (2623) من حديث بريدة رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (4143).
(13) سبق تخريجه.
(14) الإبانة الكبرى لابن بطة (2/ 672).
(15) صحيح. الترمذي (2622). الصحيحة (1/ 175).
(16) تعظيم قدر الصلاة للمروزي (2/ 929).
(17) صحيح البخاري (610) من حديث أنس رضي الله عنه.
(18) القلم: 42.
(19) صحيح البخاري (4919) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا.
(20) القلم: 43.
(21) القيامة: 31، 32.
(22) المدثر: 42.
(23) المدثر: 43.
(24) الإيمان لابن تيمية (ص: 237).
(25) النساء: 43.
(26) النساء: 43.
(27) السُّنَّة لأبي بكر بن الخلال (4/ 150).
(28) ضعيف مقطوع. النسائي (5665). صحيح وضعيف النسائي (5665).