موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - التعامل مع الفتن - شرح اعتقاد حرب الكرماني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - التعامل مع الفتن

بسم الله الرحمِن الرحيم

الحمد رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

والإمساك في الفتنة سُنَّةٌ ماضيةٌ؛ واجبٌ لزومها، فإنْ ابتُليتَ فقدِّم نفسك ومالك دون دينك، ولا تُعِنْ على الفتنة بيد ولا لسان، ولكن امسك لسانك ويدك وهواك والله المعين


الحمد لله، وصلّى الله وسلّم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

بعد أنْ تكلم عن الحُكّام وما يتعلق بطريقة التعامل الشرعية معهم ذَكَرَ الفتنَ، لأنّ كثيرًا مِن الفتن تأتي مِن جهة الحُكّام، وإطفاؤها يُربط في أحيان كثيرة أيضًا بالحُكّام، ولهذا ذَكَرَ بعض الشراح أنّ البخاري رحمه الله تعالى حين رتب كتابه الصحيح وذَكَرَ كتاب الفتن في أواخر الصحيح، كتابُ الفتن وما يتعلق بكتاب الأحكام وغيره ذَكَرَ أنّ الأقربَ لمراد البخاري بذلك أنّ الفتنَ كثيرًا ما يُحتاج في إطفائها إلى الحُكّام، فذَكَرَ بعد كتاب الفتن كتابَ الأحكام - البخاري في صحيحه -، وتقدم كلام موسّع بالأمس عما يتعلق بالحُكّام وطريقة التعامل معهم، ومثلمّا ذكرنا الوضعُ وضعُ فتنة في الخروج عن نهجِ أهل السُّنَّة والجماعة في التعامل مع الحُكّام بالتفريط في طاعتهم وإهانة مقامِ الوِلاية نفسه، أو بالإفراط والمبالغة وإلزام الناس وتزيين طاعة الحُكّام في معصية الله عزّ وجلّ، وقلنا: إنَّ هذا شائع ومنتشر في فِرَقِ الضلال، وذَكَرَ شيخ الإسلام رحمه الله أنّ الفتن كثيرًا ما يكون السبب في وجودها أنّ الناس في ولاة الأمور على قسمين:

القسم الأول: مَن ينظر إلى ما يقع منهم مِن دفع للمظالم وحيازة للثغور وسد لخطر العدو وقسمة الفيء والزكاة ونحو ذلك؛ قال: فيحبهم مِن هذه الجهة، وآخرون ينظرون إلى ما يقع مِن الحُكّام مِن جهة المحاباة في القَسْمِ وما يقع منهم مِن ظلم وتصرف غير سويّ فيبغضونهم مِن هذه الجهة، يقول شيخ الإسلام: فالأولون – يعني الذين يبالغون في النظر إلى حسنات الحُكّام - ربما جعلوا سيئاتهم حسنات - يعني مِن حبهم للحُكّام - والآخرون - يعني مبغضيهم - ربما جعلوا حسناتهم سيئات! وذلك أنّ الفتن كما قلنا في مسألة وِلاية الأمر كثيرة، فلعل هذا مِن مراد الإمام حرب الكرماني رحمه الله تعالى لمّا ذَكَرَ ما يتعلق بالحُكّام وطريقة التعامل معهم ذَكَرَ بعد ذلك ما يتعلق بالفتن، والفتنُ لا شكّ أنها أعمُّ وأوسعُ مِن أنْ تكون مربوطة بالحُكّام فقط! لأنّ الفتنة مِن حيث هي معناها الاختبار، وكثيرًا ما تطلق على نتيجة الاختبار السيئة، ولهذا يُتعوذُ بالله عزّ وجلّ مِن الفتن.

ودلّتِ النصوص الكثيرة عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم على أنّ الفتنَ تكثرُ في آخر الزمان فقال صلّى الله عليه وسلّم -كما في صحيح مسلم: «إنَّ هذه الأمة جُعِلَ عافيتُها في أوّلها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها»(1)، وهذا هو الواقع؛ فإنّ عافية الأمة كانت في أولها، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم أيضًا - كما في صحيح مسلم -: «أنا أَمَنَةٌ لأصحابي؛ فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأمتي؛ فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما تُوعد»(2)، فالأمر بعد الصحابة رضي الله عنهم لا شكّ أنّه قد اختلف عن الأمر لمّا كان الصحابةُ رضي الله تعالى عنهم موجودين، وليس معنى ذلك أنّ الأمة ضلَّتْ وضاعتْ! لا يقال هذا ولله الحمد، لكن لا شكّ أنّ وجود الصحابة وهم علماء الأمة وأسوتها وقدوتها قد كفّ اللهُ به مِن الشَّرِّ في أمور الدِّين والدنيا شيئًا عظيمًا جدًا عن الناس، وبناء عليه ينبغي أنْ يُعْلَمَ أمرُ الفتن.

الفتن أيّها الإخوة لا شكّ أنّ هذه الأزمنة وقبْلَها حتى مِن الأزمنة أنها أزمنة فيها فتن كثيرة، والفتن - أعاذنا الله وإياكم مِن شرّها - قد لا يتصور الإنسان أنه واقع فيها وهو لا يشعر، فعلى سبيل المثال: الفتن الآن الواقعة في الإعلام: كثير مِن الناس سابح فيها وغارق وهو لا يشعر أنه في فتنة! فباسم الأخبار ينظر إلى النساء وتُتبعت الأخبار بهذه الطريقة، وباسم الأخبار أُدخلت قنوات إلى بيوت الناس لم تقتصر فقط على السوء في الأخلاق؛ بل هي جملة مِن الفتن في أمور الدِّين والاعتقاد قد قام عليها مجموعة مِن أشرِّ مَن في هذه الأمة مِن حملة الفكر الليبرالي ودعاة الشَّرّ والفساد مع الحملة البالغة الكبيرة على السُّنَّةِ وأهلها، فالمُدْخِل لها في واقع الأمر شرعًا قطعٌ في فتنة، فتنة مِن جهة تتبع هذه الصور التي هي مِن أضرّ وأشرّ ما يكون على القلب صور النساء، ولهذا لمّا أَمَرَ الله تعالى بغض البصر أَمَرَ بغض البصر مذكرًا باسم الإيمان فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ(3)  ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(4) سبحانه وتعالى، فلو أغلقتَ على نفسك الباب ولم يشعر بك الأهل ومَن حولك؛ فعَلّام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية يعلمها، ولهذا لاحظ الانتكاسَ الكبيرَ الذي وقع لأناس بسبب الصور، قد ذَكَرَ شيخ الإسلام وابن القيم وعلماء الأمة أنَّ الصورَ على جانب كبير جدًا مِن الخطورة؛ وأنها فتنتْ أناسًا كثيرين وزلزلت دينهم - نسأل الله العافية والسلامة -، هذه مِن الفتن الآن الواقعة، مِن الفتن تتبع هذه الشبهات والبحث عنه وشراء كتبِها وتتبع مواقعها والنظر إلى مجموعة مِن الزنادقة والملاحدة المعلومين بالفكر اليساري العلماني العفن أو بالفكر العلماني الغربي العفن، جملة مِن الفلسفات الخبيثة يحملها مجموعة مِن شرار هذه الأمة ومِن أفسقهم وأفسدهم وأشرّهم على أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولا يزال بعضهم إلى الآن يخرج بهذه القنوات بفكره، ولا يزال حتى شيوعيًا - مع أنّ الشيوعية سقطت في الأرض ولا يزال الفكر الشيوعي إلى الآن! - ولا يزال عنده الإلحاد إلى الآن؛ ويطعن في القرآن والنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم صراحًا والناس تتفرج عليه!! هذه فتنة، لا شكّ أنها فتنة، تُعرّض دينك هذا التعريض العظيم للبلاء وللفتن وتتبع مواقع الشَّرّ والسوء والقنوات والمواقع الالكترونية وتشتري كتب هؤلاء الزنادقة والملاحدة الذين لا يُشكّ لحظة في أنهم زنادقة، الواحد منهم يقول أنه لا يؤمِن أصلًا باليوم الآخر! وإنما يحمل الفكر الشيوعي صراحًا ويطعن في القرآن صراحة! مَن ينظر إلى هؤلاء؟ مَن يتابع هؤلاء؟ مَن يسهل عليه أنْ يدخل عليه مثل هذه القنوات وييسر سُبُلَ وصولها إلى أهله وإلى ذريته إلّا المفتون؟ المفتون هو الذي يقع في مثل هذا، وهكذا الفتن الواقعة الآن في كثير مِن التساهل في المعاملات المالية المحرمة أو المعاملات المشبوهة؛ قد أخبر عليه الصّلاة والسّلام أنّ الأمة يقع لها فتنة في المال إلى غير ذلك مِن الأمور التي هي إخلال لِمَا بين العبد وما بين ربه تبارك وتعالى مِن العهد العظيم الذي تقوله في دعاء سيد الاستغفار "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت"(5)، فأنت بينك وبين الله تعالى عهدٌ فالْزمه بتقواه سبحانه وتعالى فيما تنظر وفيما تسمع وفيما تذر وفي دينك الذي هو الذي عصمة أمرك وأعظم ما تملك، لا تعرض هذا الدِّين العظيم للخطر، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَن سمع بالدحال فلينأ عنه؛ فإنّ الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يلبث أنْ يتبعه لِمَا يبث مِن الشبهات»(6) أو كما قال عليه الصّلاة والسّلام، فلينأ عنه - يعني فليبعد - وهو الدَّجَّال؛ أعور عينه اليمنى، مكتوب على جبينه كافر؛ ومع ذلك أَمَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالبعد عنه، فكيف بهذه الفتن الواقعة الآن في الناس؟ الفتن - أعاذنا الله منها - متنوعة ومتلونة، وصارت سُبُلُ وصولها إلى الناس متيسرة جدًا بخلاف السابق إلى سنوات غير قليلة قبل أنْ تنفتح هذه الأمور التي انفتحت على الناس؛ كان مِن العسر أنْ يصل إلى الناس الذين يعتصمون بالله عزّ وجلّ ويبعدون عن مواقع الشبه ولا سيما في خارج البلاد، الآن صارت تأتي الناس بكل سهولة وبكل يُسر، ليس بينها وبين الناس إلّا شاشة في الجوال أو شاشة في الكمبيوتر أو غيره.

الحاصل أنّ الفتن أعاذنا الله منها كثيرة، ومنها الفتن الواقعة في الدماء والتي أخبر عنها صلّى الله عليه وسلّم أنه مما يَكثرُ في آخر الزمان قال: «ويَكثرُ الهرجُ» فقالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: «القتل، القتل»(7) لاحظ كيف كَثُرَ القتلُ، وسهولة القتل، وتَيَسُّر أمْرِ القتل، ومسارعة الناس إلى القتل! حتى إنَّ الواحد إذا أراد أنّ يقتل شخصًا لم يبالِ ولم يكترث أنْ يقتل أعدادًا غفيرة في موضع واحد لأجل أنْ ينالَ مِن هذا الشخص وقد يُقتلُ أعدادٌ غفيرة ولا يُقتلُ الذي أراد! هذا لو كان قتْلُه صوابًا، فحصل القتل العشوائي – هذا الفوضوي - الذي يأتي واحد إلى الناس يفجر سوقًا بأكمله، ووصلت الأمور إلى حدّ تفجير المساجد وتفجير المواضع الحكومية التي يُراجعُ فيها الصغير والكبير ويراجع فيها ذو الحاجة وغيرهم؛ لأجل أمرٍ يسير عند هؤلاء الذين فُتِنوا وهو سهولة القتل! وأخبر صلّى الله عليه وسلّم أنه "يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيه فيمَ قَتَلَ؛ ولا المقتولُ فيما قُتِلَ"(8) - نسأل الله العافية والسلامة -، فيكثر الهرج، ويكثر القتل، وهذا مِن أعظم وأبشع ما يقابل به المرءُ ربَّه، سفك الدم الحرام، قال عليه الصّلاة والسّلام: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: مُلْحِدٌ في الحرم، ومبتغ في الإسلام سُنَّةَ الجاهلية، ومطّلب دم امرئ مسلم ليهريق دمه بغير حق»(9) أبغض الناس إلى الله عزّ وجلّ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى وأهل العلم بعد أنْ سبروا النصوص: "وجدنا الدماءَ أعظمَ ما يُعصى اللهُ بها بعد الشرك"(10)، أعظم جريمة تقع بعد الشرك بالله أنْ تقتل النفس، أعظم مِن الزنا أيّها الإخوة، أشدّ مِن السرقة، وكثير مِن الناس يتورع عن الزنا والسرقة ويَسْهُلُ عليه القتل! وهذا مِن الفتنة، أنْ يستسهل أعظمَ الذنوب بعد الشرك ويتورع عن غيرها! بل قد يتورع عن الغيبة! قد يتورع عن معاملات - الراجح عند أهل العلم المحققين حلُّها وجوازها - لكن صار بها خلاف ضعيف فيتورع عنها؛ فإذا جاءت الدماء استسهل أمرَ الدماء! هذا كله مِن القتن، كل هذا مِن الفتن، ولهذا أخبر عليه الصّلاة والسّلام عن أمْرِ الفتن وما ينتاب الأمة منها في غيرما حديث، توسعنا في الكلام عليها في بداية الفوضى التي اجتاحت بلاد العرب - التي سميت بهتانًا وزورًا بالربيع العربي! - أضحوكة ولعبًا مِن أعداء الله عزّ وجلّ مِن كفرة الغرب الذين يُشعلون النيران ويتفرجون على الناس والنار تضطرم وتأكلهم! وكثير مِن الشباب الآن ممن هم في سِنّ العشرين لم يدركوا ماذا فعلَ الغرب بالشرق، قبل نحو مِن ثمان وعشرين سَنَة كان هناك معسكران، معسكر غربي ومعسكر شرقي، معسكر غربي تقوده الجهات الغربية في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وغيرها، ومعسكر شرقي كان يقوده ما يعرف سابقًا بالاتحاد السوفييتي، كان هناك احتمال أنْ تقع حرب عامة يعني كالحرب العالمية السابقة بسبب قوة الطرفين، فالغرب كيف أسقطوا المعسكر الشرقي؟ أثاروا نفسَ ما أثاروه في البلاد العربية مما سموه بالربيع، أثاروا مجموعة مِن القلاقل الداخلية؛ فسقطت الدول الشرقية واحدة تلو الأخرى، ولم يهرق مِن دم الغربيين دمٌ واحد، فأثاروا القلاقل في داخل تلك البلدان، كثير مِن الناس ممن نشأوا أو كانوا في ذاك الوقت صغارًا لم يدركوا كيف تخلص الغرب مِن السوفييت ومِن طريقتهم، وهي التي تحصل الآن في البلاد العربية دون أنْ يشعر بها الناس، يثيرون جملة مِن القلاقل في الداخل باسم مظالم الحُكّام وباسم الأوضاع الاقتصادية والأشياء التي كانت تثار في نفس المعسكر الشرقي حتى تخلص الغرب مِن المعسكر الشرقي جملة، ثم التفتوا إلى البلاد الإسلامية، فبعد نحو خمس وعشرين أو نحو سبع وعشرين سَنَة فكّروا في نفس الفكرة وهي التي تقع في البلاد العربية ويهتف بها كثير مِن الناس وهم لا يشعرون، فتن! يتفرج علينا عدونا ونحن نهلك بعضنا بعضًا، هذا كله يدل على خطورة التمادي والتساهل والتسرع في الدخول في الفتن، ولنا فيها محاضرة في بداية الأحداث عام "1432 هـ" في بداية الأحداث بعنوان "المنهج الشرعي في التعامل مع الفتن" ذَكَرنا فيها منهج السلف ومقاصد الغربيين مِن إثارة مثل هذه الأمور في البلاد الإسلامية؛ ووجوب أنْ يحذر المسلمون حتى لا يقع في بلدانهم نفس الحريق الذي اشتعل في بلدان غيرهم.

الفتن - كما قال السلف رحمهم الله تعالى -: "الفتنة إذا أقبلت رآها العالِمُ وإذا أدبرت رآها كلُّ أحد"، إذا اشتعلت الفتن وأهلكت الحرث والنسل ودمرت البلدان قال الناس كلهم: هذه فتنة، العبرة ليس بإدبارها لأنها إذا أدبرت عرفها كلُّ أحد، إنما العبرة بالتفطن عند إقبالها حتى لا تدخل فيها وحتى تتعامل معها التعامل السليم، الفتنة إذا أقبلت عرفها العالِمُ وإذا أدبرت عرفها كلُّ أحد، لأنّ آثارها تكون قد تبيّنت فيعرفها كلُّ أحد، ولهذا لماذا يقال دائمًا للشباب: الزموا علماءكم؟ الزموا علماءكم لأنّ العالِم عنده مِن التقوى ومِن العلم والتجربة وكبر السِّنِّ ما يختصر للشباب كثيرًا مِن الأمور التي تخفى عليهم، ولهذا حينما وُجد الانفصام وصار هناك تحطيم وتوهين لجناب العلم وأهله صار هناك فاصل شديد بين بعض الشباب وبين العلماء؛ فصار كثير منهم يُقْدِمُ على الأمور دون أنْ يستفتي! ويلقى اللهَ عزّ وجلّ بذنوب؛ الله يعلم أنّ الزناة أسهل بكثير مِن ذنبه؛ وأنّ النصوص أكثر بكثير على ذنبه، لأنه وقع في أعظم وأقبح الذنوب بعد الشرك وهو الدم الحرام، وربما قَتَلَ في حياته قبْلَ أنْ يلق الله مئة كلهم في رقبته كما في الحديث الصحيح "أنّ القاتل يأتي يوم القيامة يشخب دمه يقول لرب العالمين: يا رب هذا قتلني؛ فسَلْه لم قتلني؟ فيسأله رب العالمين: لِمَ قتلتَه؟ فيقول: ليكون الملك لفلان أو لتكون العزة لفلان، فيقول الله عزّ وجلّ: فإنها لي، الأول يقول: قتلتُه لتكون العزة لك، يقول عزّ وجلّ: فإنها لي، فيقول القاتل الداخل في مثل هذه الفتن: قتلتُه لتكون العزة لفلان أو يكون الملك لفلان، فيقول: فإنها ليست لفلان! العزة لله عزّ وجلّ؛ فيؤخذ بذنبه"(11) – نسأل الله العافية والسلامة -.

الحاصل أنّ الفتن مِن حيث معناها ومِن حيث ملامحها ومِن حيث دلائلها ومِن حيث الحاجة إلى لزوم الجماعة ولزوم أهل العلم - عند حلولها ووجودها - على جانب كبير مِن الأهمية أنْ تُفقه وأنْ تُعلم؛ وأنْ ينظر الإنسان ولا يكن واقعًا في الفتنة وهو لا يشعر، ولهذا مِن أنفس الآثار التي وردت عن السلف رضي الله عنهم أنّ رجلًا أتى أبا موسى الأشعري رضي الله عنه وقال له: رجل ضرب بسيفه غضبًا لله عزّ وجلّ ثم مات على ذلك؛ أين هو؟ قال أبو موسى: في الجنة، فقال حذيفة - وأنت تعرف حذيفة رضي الله عنه هو راوية أحاديث الفتن - قال لأبي موسى: استفهمِ الرجلَ وأفهِمْه - يعني فصّل بسؤاله عما يقول، وأفهِمْه بعد ذلك - فقال أبو موسى: سبحان الله؛ كيف قلتَ؟ قال: رجل ضرب بسيفه غضبًا لله؛ ثم مات على ذلك، قال أبو موسى: في الجنة، فقال حذيفة: استفهم الرجل وأفهِمْه، فسبّح أبو موسى ثم قال: كيف قلتَ؟ قال: رجل ضرب بسيفه في سبيل الله غضبًا لله ثم قُتِلَ؛ أين هو؟ قال: في الجنة، فقال حذيفة: استفهم الرجل وأفهِمْه، قال: والله لا أستفهمه - يعني أنّ الأمر واضح - فقال حذيفة: رويدك، تعال، إنه لو ضرب بسيفه حتى قُتِلَ في سبيل الله فأدرك الحقَّ فهو في الجنة، وإنْ ضربَ بسيفه ولم يدرك الحق فهو في النار، والذي نفس حذيفة بيده ليدخلنّ النارَ عددُ كذا وكذا ممن قلتَ؛ ممن يسألون ويغضبون ويرون أنّ الغضب لله؛ ثم يقتلون الناسَ(12)! يقول: سيدخل النار عدد كبير جدًا مِن هؤلاء، في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعد أنْ ذَكَرَ الفتنَ والفرقتين المتقابلتين في الفتن قال صلّى الله عليه وسلّم: «قتلاها كلُّها في النار»(13) قتلى الطائفتين، الأمر خطير جدًا بأنْ تُسَلّ السيوف وتُراق الدماء لأنّ الأصل كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَن حَمَلَ علينا السلاحَ فليس منا»(14) الأصل هو أنّ السلاح لا يحمل إلّا على الكفار أو على البغاة ممن يبغون فيُحتاج إلى إرجاعهم أو على الخوارج، أما أنْ تحمل الأمة السيف على بعضها فهذا نكس وعكس للجهاد، لأنّ الجهاد هو في الأصل هو للكفار، فإذا وُجِدَ بغاةٌ طُلب منهم أنْ يكفّوا ولا يُقاتلون ابتداءً ويوعظون ويُنظر إنْ كان عندهم شبهٌ أو نحوها فإنها تزال ثم بعد ذلك يقاتَلون، لأنّ الأصل أنّ السيف مسلول على الكفار، وهو ليس على أيّ كفار بل الكفار المحاربين، أما مَن كان لهم عهدٌ فإنه يحفظ لهم عهدهم، فأخبر عليه الصّلاة والسّلام بأعداد غفيرة جدًا تدخل النار مِن قتلى الفتن، وهكذا حذيفة رضي الله عنه؛ مع أنّ السؤال يعني حتى أبي موسى ظاهر السؤال أمامه إنّ رجلًا يغضب لله عزّ وجلّ ويضرب سيفه هذا في الجنة؛ أين يذهب؟ حتى ألحّ حذيفة رضي الله عنه عليه ثم أفتاه، وهو الذي روى أحاديث الفتن، حذيفة رضي الله عنه روى كثيرًا جدًا مِن أحاديث الفتن، تجد مروياته في الصحيحين، وتجد مروياته توسّع فيها ابن أبي شيبة في المصنف وفي غيرها مِن الكتب.

يقول رحمه الله تعالى: "والإمساك" يعني الكفّ "وعدم الدخول في الفتنة سُنَّةٌ ماضية" هذه السُّنَّة التي بيّنها صلّى الله عليه وسلّم وكان عليه سلف الأمة الصالح رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، سلف الأمة الصالح كانوا على هذا عليهم رضوان الله.

"سُنَّةٌ ماضية واجب لزومها؛ فإنْ ابتليت" نسأل الله أنْ يعيذنا وإياكم مِن الفتن، والعبد عليه أنْ يكون مِن ضمِن أدعيته أنْ يسلّمه الله تعالى مِن الفتن، ولهذا أَمَرَ صلّى الله عليه وسلّم بالتعوذ مِن الفتن وقال: «ألا إنَّ السعيد مَن جُنِّبَ الفتن، ألا إنَّ السعيد مَن جُنِّبَ الفتن، ألا إنَّ السعيد مَن جُنِّبَ الفتن»(15)، الفتن أمرُها خطير، والإنسان يسأل ربَّه تعالى ألا يُبتلى، ويسأله - تبارك وتعالى - إنْ عَلِمَ فتنةً بعباده أنْ يقبضه إليه غير مفتون، في الدعاء المأثور اللهم: «إنا نسألك فِعْلَ الخيرات وتَرْكَ المنكرات وحُبَّ المساكين، وإذا أردتَ بعبادك فتنة؛ فاقبضنا إليك غير مفتونين»(16) يعني يفارق الإنسان الدنيا قبل أنْ تقع الفتن؛ فيلقى اللهَ تعالى غير مفتون، ولأجل ذلك قال: "فإن ابتليتَ" يعني وقدَّر اللهُ تعالى أنْ تقع الفتنة "فامتحنت وابتليت بها؛ فقَدِّم نفسك ومالك دون دينك" النفس عزيزة على صاحبها، لكن ليس شيء أعزّ ولا أثمن ولا أعظم مِن الدين، فإذا كان الأمر دائرًا بين الدِّين وبين أيّ شيء سواه مِن وطن أو قبيلة أو نفس أو عشيرة أو مال؛ فإنّ الدِّين يُقدّم بلا أدنى شك، قال صلّى الله عليه وسلّم: «رأس الأمر الإسلام»(17)، رأس أمرك هو دينك، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «يوشك أنْ يكون خيرُ مالِ المؤمن غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القَطْر يفرُّ بدينه مِن الفتن»(18) مَن يستطيع أنْ يعيش هذه الحياة؟ يذهب إلى البريّة ويأخذ معه أغنامًا ويتبع بها أعالي الجبال ويتبع الأمطار ويترك وسط البلد! هذا - نسأل الله العافية - عند الفتن، ليسلم له دينُه مِن الفتن، ولله الحمد لم يقع ولله الفضل مثلُ هذا الوضع، لكنْ لا شكّ أنه سيقع، ووقع في أزمنة ماضية، فهذا الرجل قَدَّمَ دينَه وفرَّ مِن موضع الفتنة إلى البريّة - على صعوبة المعيشة في البريّة - ومع ذلك لمّا كان الدِّين لن يحفظ إلّا بهذا؛ فإنه فرَّ إلى البرية وتَرَكَ الناسَ في الفتنة، وهكذا ما يتعلق بالهجرة، الأصل أنّ الهجرةَ تكون مِن بلاد الشرك لا مَن يلاد الإسلام، لا يقال: هاجر إلى أوروبا! الهجرة تكون مِن بلاد المشركين إلى بلاد المسلمين ولا تكون مِن بلاد المسلين إلى بلاد المشركين، فالأصل أنّ الهجرة - مِن حيث الإطلاق الشرعي - هي النقلة مِن بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، لأجل ماذا؟ لأجل سلامة الدين، لأنّ الدِّين لا يعدله شيءٌ، بل جاء عن بعض السلف رضي الله عنهم أنهم خرجوا مِن البصرة إلى "قرقيزية" لأجل وجود شَتْمِ الصحابة رضي الله عنهم في ذلك البلد؛ فقالوا: لا نقعد في بلد يُشْتَمُ الصحابة فيها - لوجود مَن يشتمُ الصحابة مِن الرافضة -، فالحاصل أنّ الدِّين يُقدّم على كل شيء؛ وأنّه قد يترتب عليه شيء مِن صعوبة المعيشة، قد يترتب عليه شيء مِن هلاك الإنسان وموته، فيُقدّم دينه على ماله ويُقدّم دينه على نفسه، ولكن يسألُ العبدُ ربَّه العافية كما في هذا الدعاء العظيم "وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين"(19)، ولماذا يقول الناصحون وأهل العلم: إنه ينبغي إذا وُجِدَ مِن الحُكّام شيء مِن التعدي أو الظلم - كما وقع على أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن الحُكّام والأمراء - أنه ينبغي أنْ تسكن الثائرة مع نصح الحاكم؛ وأنْ يُطلبَ إلى العامة وإلى الناس كما قال أنس رضي الله عنه: "اصبروا؛ فإنه لا يأتِ زمان إلّا الذي بعده شَرٌّ منه، سمعته مِن نبيكم صلّى الله عليه وسلّم"(20)، لأنّ الناس إذا تركوا يهيجون على الحاكم انفرط العقد وضاعت الجماعة، وتسبب ذلك في وقوع الفوضى العارمة العظيمة، وكثير مِن الناس لا يدرك هذا إلّا إذا وقع فيها، لكن على حساب ماذا؟ على حساب أحوال المسلمين، كثير مِن الناس لا يقتنع بهذا الكلام الذي يقوله أهل السُّنَّة؛ فإذا وقعت فتنةٌ في موضع هو فيه ورأى ما حلّ بالأعراض وما حلّ بالأموال وما دُمِّرَ في البلاد وما حصل مِن الفوضى العارمة في دينهم ودنياهم حتى إنهم قد يعجزون عن أداء الصلاة وعن الذهاب للحج والعمرة! قال: صحيح، إنّ كلام العلماء في محله، لكن بعد ماذا؟ بعد أنْ دُمِّرَت البلاد والعباد، ولهذا العاقل المُوَفَّقُ يعلم أنّ أنصح الناس بالأمة هم علماؤها؛ وأنهم لا يُحابون - كما قلنا: لا يُحابون حاكمًا ولا محكومًا -؛ وأنّ غرضهم الأساسي ما دلت عليه النصوص مِن وجوب حفظ الجماعة ولزموها، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما تكرهون في الجماعة خيرٌ مما تحبون في الفُرْقة"(21)، كم نتمنى أنْ يحفظَ هذا الكلام العظيم حتى الصبيان الصغار في أول ما يدرسون، "ما تكرهون في الجماعة" يعني قد يوجد في الجماعة منكرات، نعم توجد منكرات، تُكْرَهُ؟ إيْ والله تكره، ويكره مَن وراءها، لكن يقول: ما تكرهون في الجماعة وأنتم في حال مِن الجماعة؛ عليكم حاكم وعندكم علماؤكم ويُوصلُ الحقُّ إلى الحُكّام بالطريق الأسلوب الشرعي "خيرٌ مما تحبون في الفُرْقة"، يعني إذا وقعت الفرقة تضاعفت المنكرات وصارت المنكرات ألوانًا وأشكالًا، وظهر أناس ما كان يُتصور ولا يُظنّ – لأنهم كانوا في الجماعة تحت قوة الجماعة - ما كان يُظنّ أنهم بالسوء الذي وصلوا إليه لأنّ الفُرْقة تفتح البابَ لكل أحد ليهبَّ ويفعل ما شاء، إذن انفرط العقد، وأهل الباطل والفساد أنواع، منهم مَن همُّه المال ومنهم مَن همُّه إزهاق النفس ومنهم مَن همُّه - والعياذ بالله - أعراضُ النساء والعبث بهنّ، منهم مَن هو على علاقات خبيثة بأعداء الله عزّ وجلّ مِن أعداء الأمة وما هو إلّا جاسوس مغروس في وسط الأمة لإفسادها، فتظهر أمور في الفُرْقة ويعبث بالأمة عبثًا شديدًا، وإلى الآن بعض البلاد الإسلامية لها نحو ثلاثين سَنَة والفوضى عارمة فيها والأحوال على جانب كبير مِن الاضطراب إلى حدّ أنّ في الدول الإجرامية هذه تأتي وتدفن نفايات نووية في البلدان المضطربة، النفايات النووية خطرة جدًا على التربة وعلى الزراعة وعلى الناس على المدى البعيد، بلد فوضى، كل شيء يمكن أنْ يقع فيه، وهم يعلمون خطورة النفايات النووية وصعوبة التحكم فيها، هذا البلد في فوضى فيلقى فيه النفايات النووية ليهلك الحرث والنسل، لماذا؟ لأنه لم يكن قوة ولم يكن هناك جماعة، فيمكن أنْ يقع فيه كل شيء، أما التنصير والعبث بالأعراض والبيع لها والتلاعب بها فحدث ولا حرج، لأجل ذلك يقال: إنه تُلْزَمُ الجماعة لتحفظ وتضبط، ويُتحمل في الجماعة مِن الصعوبات وما قد يقع مِن المظالم في الأموال ونحوها والقَسْم لها وما قد يقع مِن المظالم التي حتى تتجاوز إلى نوع مِن السجن أو الضرب الذي في وجهه الشرعي لأجل أنْ تبقى الجماعة، وهذا الذي قلنا: إنه حصل للإمام أحمد نفسه مع الواثق - الثلاثة الخلفاء الذين آذوا الإمام أحمد - مع ذلك أَمَرَ فقهاءَ بغداد أنْ يتقوا الله وأنْ لا يشقوا عصا المسلمين، ولمّا قيل له رحمه الله تعالى: ألسنا في فتنة؟ يعني بوجود هذا الوالي الذي هو ناصر للمعتزلة وقائل لقولهم إلى حدّ أنّ الأسير المسلم الذي يُؤسر عند الكفار - وهو مقاتل في سبيل الله - كان يُعْرَضُ عليه عندما يُرادُ أنْ يُبادلَ بأسير مِن أهل الرّوم أو يُفادى بغيره يُعرض عليه هل هو مِن أهل السُّنَّة أو ممن يقول المعتزلة؛ فإذا كان يقول بقول أهل السُّنَّة تُرك عند الكفار! يعني إلى هذا الحدّ مع أنه مجاهد مقاتل في سبيل الله! يُعرض عليه: هل يقول بقول المعتزلة في القرآن أم لا؟ فإذا قال بقولهم فادَوه، وإذا لم يقل بقولهم أبقوه أسيرًا عند الكفار، وصلت الأمور إلى هذا الحدّ، يقول الإمام أحمد لفقهاء بغداد: اتقوا الله ولا تشقوا عصا المسلمين حتى يستريح بَرّ أو يُستراح مِن فاجر، قيل له: ألسنا في فتنة؟ قال: بلى، ولكنها فتنة خاصة، فإذا وقعتِ الفتنةُ العامة انتُهكت الحرماتُ وعُطلت السُّبُلُ(22)، والخبران في السُّنَّة رواهما الخلال رحمه الله تعالى، لأجل ذلك يؤكد أهل العلم على مثل هذا، وقل مَن يفقه هذا ولا سيما مِن المتحمسين والمتسرعين والمتعجلين، ويسهل جدًا أنْ تسمع أنّ هذا ما هو إلّا نوع مِن تخدير الناس! وهذا نوع مِن تسكين الناس! ونوع مِن المحاباة للحُكّام! وأنّ هؤلاء حكام سلطان! هذا الكلام يشمل السلف! يشمل حتى أنس بن مالك، جاء في بعض الروايات أنّ الحجاجَ قَتَلَ مئةَ ألف مِن ظُلْمِه وتعديه(23)، وجاء في خبرٍ ذكره ابنُ حجر رحمه الله تعالى في الفتح أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أراد أنْ يعاقب الجاني حلقَ رأسَه – يعني نوع مِن التعزير ويوقفونه ويشخصون هكذا للناس -؛ فلمّا جاء زياد بن أبيه صار يضرب في الجنايات بالسياط - يعني ضربًا عنيفًا - فلمّا جاء بشر بن مروان صار يُسَمِّرُ في يد الجاني مسمارًا؛ فلمّا جاء الحجاج قال: "هذا كله لعب"(24)! كل هذا الذي قبلي مِن ضرب المسمار في يده وغيره، فصار يستعمل السيف مباشرة في الجنايات - يعني في الأخطاء - السيف مباشرة حتى صار القتلى بهذا العدد الكبير، يقول أنس لأهل البصرة في صحيح البخاري: "اصبروا"(25) أنس مِن علماء السلطان! أنس لم يسلم حتى مِن الحجاج، وتضرر مِن الحجاج ومِن أذيته، وجاء في بعض الروايات أنّ الحجاج هو الذي قتل عبد الله بن عمر رضي الله عنهم؛ بطريقة قالوا: إنه أَمَرَ رجلًا أنْ يأخذَ رمحًا بجانبه وجعلَ على رأس الرمح سُمًّا؛ ففي أثناء مشي ابن عمر ضربه بالرمح فتوفي ابن عمر رضي الله تعالى عنه مِن أثار تلك الضربة، وذلك أنّ عبد الملك قال للحجاج: الأمير عليك في الحج هو عبد الله بن عمر، لأنّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عالم مِن علماء الصحابة، فقال: أنت أمير على البلد وأمير الحج لكن أمير عليك أنت ابن عمر، إذا أمرك أنْ تنفر في الوقت الفلاني تنفر، إذا أمرك بأنْ تطوف بالناس وتمضي بالناس بهذه الطريقة، فجاء في خاطر هذا المبير كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «يخرجُ في ثقيف كذّاب ومُبير»(26) الكذاب هو المختار بن أبي عبيد – وهو الذي ادعى النبوة -، والمبير - يعني المهلك للناس -، وقد أهلك الناس، بل قالت أسماء رضي الله عنها للحجاج إنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يخرج في ثقيف كذابٌ ومبير»(27) أمّا الكذّاب فقد رأيناه وأما المبير فلا أخاله إلّا إيّاك، ومع ذلك كان الصحابة يأمرون بالصبر، لأجل أنْ يبقى للمسلمين جماعة، ولأجل ألّا ينفرط الأمر، ولأجل أنّ المظلمة الواقعة مِن الحاكم لا تستمر، إما أنْ يهديه الله عزّ وجلّ ويؤوب ويتوب ولا سيما إذا نُصِحَ، أو أنْ يتوفى ويُبدل الله عزّ وجلّ الأمة بخير منه كما قلنا، لمّا أراح الله الأمة مِن الواثق العباسي وأتى الله تعالى بالمتوكل، المتوكل رحمه الله على السُّنَّة، وجاء كما قال الشاعر: "في فتنة يخبط فيها المقبل المدبر"(28)، فكتب في الخلافة - على مستوى الخلافة – بإماتة قول المعتزلة، الذي امتحن به مَن قبله الخلفاء الثلاثة فيه! ونصر قولَ أهل السُّنَّة، وأذلَّ الجهمية والمعتزلة إذلالًا شديدًا وعلى رأسهم عدو الله أحمد بن أبي دؤاد - الذي هو رأس الفتنة - وصادر أمواله حتى افتقر وأذله وأهانه، وانتهت الفتنة، وانطفأ الاعتزال، وظهرت السُّنَّةُ ظهورًا قويًا جدًا في زمن بني العباس بعد المتوكل رحمه الله تعالى، فلأجل ذلك كان الإمام أحمد يقول: "اصبروا حتى يستريح بَرّ أو يُستراح مِن فاجر"(29)، وهذه مأثورة عن عدد مِن السلف؛ أنّ الأبرار يستريحون وأنَّ الفاجر المتسلط سيُستراح منه، لكن تبقى الجماعة، ويبقى الكيان، ويبقى للأمة وجود حتى لا يعبث بها، فلأجل ذلك نصوا هنا في كتب الاعتقاد على ما ذكرنا.

قال: "فإن ابتُليت فقَدّم نفسك ومالك دون دينك، ولا تُعِنْ على الفتنة بيد ولا لسان" الفتنة: الدخول فيها يكون بأحد طريقين: إما بالقول أو بالفعل، أما باللسان فخُطَط تُدَبّر وأشعار تنظم وجماهير تجمع ويخطب فيهم خطبًا حماسية؛ حتى تجد الضجيج والصراخ والصياح وتجد الناس قد وصلوا إلى مرحلة مِن الهيجان لو قيل لهم: اقتلوا لقتلوا! لو قيل لهم: دمروا لدمروا! بسبب هذه الأشياء الحماسية هذه التي تحرك الناس، وقد قال عليه الصّلاة والسّلام في الفتنة: «اللسان فيها أشدُّ مِن السيف»(30)! لأنّ اللسان في الفتن؛ السيف قد يكون معك أنت تمضي لتقتل أحدًا فقد يقتلك هذا الذي لقيتَه ولم تقتل أحدًا أو تقتل رجلًا أو رجلين حتى يقتلك آخر، لكنّ اللسان يحرك آلافًا مِن الناس؛ فيُهلك بعضهم بعضًا، فيعمل اللسان أشدَّ مِن السنان والسلاح «اللسان فيها أشدُّ مِن السيف»(31)، ولهذا لمّا وقع القتالُ بين المسلمين خرج سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه إلى البريّة وبدأ وأخذ أغنامًا وبقي في البرية فجاءه ابنه عمر فلمّا رآه سعد توسم فيه أنه سيحدثه ليدخل في الفتنة فأول ما رآه قال: أعوذ بالله مِن شَرّ هذا الراكب، فلمّا أتى قال: يا أبت؛ الناس يختصمون في الملك؛ وانت أعرابي في غنمك! يقول: لماذا لا تذهب! تهرّب وأتى لهذا الغرض، وأول ما رآه قال: أعوذ بالله مِن شَرّ هذا الراكب، ثم قال: إنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ الله يحب العبد الغني الخفي التقي»(32) وأبى أنْ يشترك رضي الله تعالى عنه في القتال كما هو معلوم مِن حاله، ولهذا لا يُعان ولا يساعد في الفتن لا باللسان أو بالمؤلفات والكتب أو بالخطب أو بالأشعار ولا باليد بحمل السلاح أو دفع الأموال، لأنّ الفتنةَ يجب الإمساكُ فيها والكفُّ عنها وعدم التمادي فيها، والأصل أنْ يُحرص على إطفائها، تجد الناصح للأمة أحرصُ ما يكون على أنْ يطفأ الفتنة، لأنها كالحريق الذي اشتعل في بيتك، الحريق الذي اشتعل في بيتك أول ما تبدأ فيه في محاولة إطفائه، الجماعة مثل بيتك، فإذا وقع فيها شَرّ وفتن واضطراب فأنت تحرص قدر المستطاع على إطفاء الشَّرّ إنْ كنت ناصحًا وعلى علم وتقوى وورع، ولأجل هذا تجدُ علامة الناصح أنه لا يُهيّج الرعيةَ على الحاكم، وفي الوقت نفسه لا يُهيّج الحاكم على الرعية، هذا الناصح الصادق، يعني إذا أتى إلى الرعية يقول: اصبروا؛ والله عزّ وجلّ قد أمرنا بهذا؛ ونحن لابُدّ أنْ نحفظ الكيان؛ ولابُدّ مِن التصبر التي دلت عليه النصوص الكثيرة، ويأتي الحاكم فيقول: اتق الله؛ الناس في رقبتك؛ التصرف هذا غير سوي وغير صحيح؛ أنا أقوله لك ولا أحد يسمع؛ لكن هذا التصرف في غير محله؛ ارحم الرعية؛ هؤلاء كلهم في ذمتك، ولهذا قال بعض أهل العلم: إذا أتينا الحُكّام كنا للرعية عند الحُكّام؛ وإذا أتينا الرعيةَ كنا للحُكّام عند الرعية، يعني هو ناصحٌ فيأمر الحاكم بالرفق والتؤدة والرحمة بالرعية وإطفاء الفتنة، إذا جاء عند الرعية تجدُه يأمرُهم بالصبر والسمع والطاعة بالمعروف؛ وأنْ يُحفظ للوِلاية حقُّها، فتجده مصلحًا مع الحاكم ومع المحكوم معًا، أما أنْ يأتي للرعية يهيجها أو يأتي للحاكم فيقول: تسلط عليهم وزدهم! هذا لا يكون مِن الناصحين بلا شكّ، ولأجل هذا هو حريص على النصح للطرفين قدر المستطاع لأنّ هذه أمته وهي جماعة المسلمين وهو حريص على إطفاء الشَّرّ الواقع فيها، أطلنا هذه الإطالة اليوم وبالأمس لأجل أنّ الحال يقتضي هذا، والحاجة الماسة تقتضي التطويل في مثل هذه المسائل؛ وأنْ تُبرأ الذمة في بيان الحق وإظهاره؛ وبيان أنّ هذا هو قول أهل السُّنَّة والجماعة؛ وأنه ليس فكرة خرجت مِن أحد أهل العلم أو مِن فلان أو فلان في أيّ قرن مِن القرون! هذا مدلول النصوص، النصوص إذا أردتَ أنْ تتكلم أو تخطب أو تضع محاضرة في الفتنة تحار حيرة بأيها تبدأ، كثرة كاثرة مِن النصوص والآثار الدالة - ولله الحمد - على المنهج السويّ الواضح، ولهذا مِن فَضْلِ الله والمنّة ومِن نعمة الله عزّ وجلّ البالغة واليُّسر الذي يجعله تعالى مع العسر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(33)، مِن نعمة الله عزّ وجلّ أنّ الله تعالى يُبيّن والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُبيّن طرق النجاة عندما تدلهم الأمور لتتضح المعاني لِمَن يخضع للنصوص وينحي هواه، أما مَن يسلك مسلكَ أحد الطرفين المرجئة والنواصب مِن المبالغين في الطاعة حتى في المعصية! أو مَن يسلك مسلك الخوارج والفوضويين ومَن يريدوا أنْ يعيدوا الأمة إلى سَنَن أهل الجاهلية فإنّ هؤلاء لا يسمعون، وسبحان الله الهوى في هذا غالب، الهوى في هذا غالب، ترى أناسًا تقدّم بهم السِّنُّ حتى بعضهم أخذ حظًا مِن العلم، لكن سبحان الله إذا أتى هذا الأمر كأنما غُشِّيَت أبصارهم، للهوى العجيب الغريب في مثل هذه المسائل، فلأجل ذلك أطلنا لأنّ بعض المواضع تحتاج إلى شيء مِن الإطالة وفيها نوع مِن المعالجة لأحوال الناس، لكن حينما نأتي إلى موضع مِن المواضع مثلما يتعلق بالكرسي كما سيأتي - إنْ شاء الله -، ما في أحد - ولله الحمد – من أهل السُّنَّة عنده شبهة في الكرسي الذي قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ(34) فنتكلم عنه بشيء مِن الإيجاز، أما مثل هذه المسائل التي انبنى وترتب عليها فعلًا مواقف ودماء أُزهقت وبلدانًا دُمّرت وأحوال إلى الله تعالى تُشتكى؛ لابُدّ أنْ يُركز وأنْ يُدقق في مثل هذه المسائل وأنْ يكون المتكلم واضحًا صريحًا صادقًا يُبيّن الأمرَ حتى تبرأ الذمة وتتضح المعالم ويهلك مَن هلك عن بيّنة ويحيى مَن حيّ عن بيّنة، لأجل ذلك قال: "إنه لابُدّ أنْ تُجتنب الفتنة بعدم الإعانة" عدم الإعانة ولا الاشتراك لا بيد ولا بلسان، ولكن اكفف يدك ولسانك، هذا الذي يكون في الفتنة، بأنْ يكون عندك كفّ للسانك مِن أنْ تقول ويكون عندك كفّ مِن أنْ تمارس وتفعل ما يكون عونًا أو دخولًا مباشرًا في الفتنة، وقد أخبر عليه الصّلاة والسّلام أنّ الفتنَ الناسُ فيها على أنواع قال: «القاعد فيها خيرٌ مِن القائم، والقائم فيها خيرٌ مِن الماشي، والماشي فيها خيرٌ مِن الساعي»(35) يعني أنّ الناس فيها أحوال، منهم مَن يسعى ويركض ركضًا، ومنهم مَن يمشي فيها مشيًا، ومنهم مَن هو واقف فيها، ومنهم مَن هو قاعد، يقول: هذه الأحوال، كل ما تقدم وزاد في الفتنة فإنه بالمقام الأشَرّ والأفسد - نسأل الله العافية والسلامة - اكفف يدك ولسانك وهواك.


(1) صحيح مسلم (1844) من حديث ابن عمرو رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) صحيح مسلم (2531) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعًا.
(3) النور: 30.
(4) النور: 30.
(5) صحيح البخاري (6306) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه مرفوعًا.
(6) صحيح. أبو داود (4319) من حديث عمران رضي الله عنه مرفوعا. صحيح الجامع (6301).
(7) صحيح البخاري (6037) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(8) صحيح مسلم (2908) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(9) صحيح البخاري (6882) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا.
(10) الأم للشافعي (6/ 222).
(11) صحيح. النسائي (3997) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا بنحوه. صحيح وضعيف النسائي (3997).
(12) مصنف عبد الرزاق (9565).
(13) صحيح. مسند أحمد (4286). يُنظر حديث الصحيحة (3254).
(14) صحيح البخاري (7071) من حديث أبي موسى رضي الله عنه مرفوعًا.
(15) صحيح. أبو داود (4263) من حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (975).
(16) صحيح. الترمذي (3233) من حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (59).
(17) صحيح. الترمذي (2616) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (1122).
(18) صحيح البخاري (19) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(19) سبق تخريجه.
(20) صحيح البخاري (7068).
(21) المستدرك (8663)، وقال الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة (5838): (قلتُ: هذا مع وقفه؛ فيه مجالد بن سعيد؛ وليس بالقوي، كما في التقريب).
(22) السُّنَّة لأبي بكر بن الخلال (1/ 134).
(23) الترمذي (2221) عن هشام بن حسان، وصححه الشيخ الألباني في "هداية الرواة" (5939).
(24) فتح الباري لابن حجر (13/ 20).
(25) سبق تخريجه.
(26) صحيح مسلم (2545) من حديث أسماء رضي الله عنها مرفوعًا.
(27) سبق تخريجه.
(28) منسوب لعلي بن الجهم يمدح المتوكل.
(29) سبق تخريجه.
(30) ضعيف. الترمذي (2178). ضعيف الجامع (2475).
(31) سبق تخريجه.
(32) صحيح. مسند أحمد (1529)، وصححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تحقيق المسند.
(33) الشرح: 5، 6.
(34) البقرة: 255.
(35) صحيح البخاري (3601) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.