موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الإيمان بالقدر - شرح اعتقاد حرب الكرماني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - الإيمان بالقدر

والقَدَر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره؛ مِن الله عزّ وجلّ، قضاءٌ قضاه على عباده، وقدَرٌ قدّره عليهم، لا يعدو أحدٌ منهم مشيئة الله، ولا يجاوز قضاءه، بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له؛ واقعون فيما قدَّر عليهم لا محالة، وهو عدلٌ منه جلّ ربنا وعزّ.

والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتْل النفس وأكل المال الحرام والشرك بالله والذنوب والمعاصي؛ كلها بقضاء وقدَرٍ مِن الله، مِن غير أنْ يكون لأحد مِن الخلْق على الله حجة؛ بل لله الحجة البالغة على خلقه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(1).

وعِلْمُ الله عزّ وجلّ ماضٍ في خلقه بمشيئة منه سبحانه وتعالى، وهو سبحانه قد عَلِمَ مِن إبليس ومِن غيره - ممن عصاه مِن لدن أنْ عُصِيَ اللهُ تبارك وتعالى إلى قيام الساعة - المعصيةَ وخلَقَهم لها، وعَلِمَ الطاعة مِن أهل طاعته، وخلَقَهم لها، فكلٌ يعمل لِمَا خُلِق له وصائر إلى ما قُضي عليه وعُلم منه، لا يعدو أحدٌ منهم قَدَرَ الله ومشيئتَه، واللهُ فعالٌ لِمَا يريد.

ومَن زعم أنّ الله سبحانه وتعالى شاء لعباده الذين عصوه الخيرَ والطاعةَ؛ وأنّ العباد شاءوا لأنفسهم الشرَ والمعصيةَ؛ فعملوا على مشيئتهم! فقد زعموا أنّ مشيئةَ العباد أغلبُ مِن مشيئة الله تعالى، وأيّ افتراء على الله أكبر مِن هذا؟؟

 ومَن زعم أنّ أحدًا مِن الخلْق صائرٌ إلى غير ما خُلق له؛ فقد أنفى قدرةَ الله عن خلْقِه، وهذا إفكٌ على الله وكذبٌ عليه.


تكلم بعد ذلك عن باب عظيم وهو باب القَدَر، والقَدَر ركن مِن أركان الإيمان كما ثبت عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لمّا سأله جبريل ما الإيمان؟ قال: «أنْ تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقَدَر خيره وشره»(2) وفي لفظ «مِن الله تبارك وتعالى»، الكلام في القَدَر نُحب أنْ نرتبه للطالب، أولًا الكلام فيه، ثم نشرح كلام الإمام حرب رحمه الله، فأول ما نبدأ به عادة في موضوع القَدَر أنْ نقول: أقسام النصوص الواردة في القَدَر ثلاثة أقسام، اضبطْها ينضبط عندك بقية الكلام بإذن الله تعالى.

القسم الأول: إثباتُ ما يتعلق بالرب سبحانه وتعالى.

القسم الثاني: إثباتُ ما يتعلق بالعبد.

القسم الثالث: النصوص الناهية عن الخوض والجدال الباطل في القَدَر.

هذه أقسام النصوص في العموم، نأتي إلى القسم الأول: إثبات ما يتعلق بالرب في القَدَر يكون بإثبات أمور أربعة، وهي المسماة بمراتب القَدَر الأربع:

1- أنَّ الله عَلِمَ كلَّ شيء جملة وتفصيلًا.

2- أنَّ الله كَتب ذلك في اللوح المحفوظ.

3- أنَّه لا يكون شيء ولا يقع إلّا بمشيئة الله.

4- أنَّ الله خَلَقَ كلَّ شيء؛ فلا خالق سواه.

هذا القسم الأول: إثبات ما يتعلق بالرب، أنَّ الله عَلِمَ كل شيء جملة وتفصيلًا، حتى عَلِمَ سبحانه وتعالى ما يخطر في القلوب سبحانه وتعالى، حتى قال عزّ اسمه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ يعني ورقة مِن ورق الأشجار، وكم في ملكوت الله مِن ملايين الأشجار منذ أنْ خَلَق الله تعالى الخلائق ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ يعني مِن هذه الأشجار ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(3)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(4)، فالله تعالى قد عَلِمَ الأشياء كلها قبل أنْ تقع، فعَلِمَ ما كان - سبحانه وتعالى -، وعَلِمَ ما سيكون، بل وعَلِمَ ما لم يكن لو أنَّه كان كيف يكون، هذا الأمر الأول إثبات ما يتعلق بالرب سبحانه وتعالى؛ أنَّه سبحانه وتعالى عَلِمَ كل شيء جملة وتفصيلًا.

الثاني: أنَّ الله كَتَبَ ذلك في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ الذِّكْرُ هو اللوح المحفوظ ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ(5)، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(6)، فكتبَ تعالى في اللوح المحفوظ كلَّ شيء حتى التفاصيل، يعني أخذُك للماء وشربُه والمقدارُ الذي ستأخذه كلُّه في اللوح المحفوظ، فلا تقع تحريكة ولا تسكينة إلّا وقد قَدَّرَها اللهُ تبارك وتعالى وعَلِمَها وكَتَبَها سبحانه وتعالى في الإمام المبين، هذا أمرٌ عظيم هائل كبير، ولهذا ماذا تلاحظ في النصوص بعد أنْ يذكر الله تعالى أَمْرَ القَدَر ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(7) في قوله عزّ وجلّ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا(8) هذا أمر عجيب جدًا، أيُّ شيء موجود؟ ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ(9)، يعني أنَّ هذا الأمر العظيم الهائل هو يسير على الله سبحانه وتعالى، كما أنَّه تبارك وتعالى يبعث الخلائق سبحانه وتعالى ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ(10)، هذه الأعداد التي لا يحصيها إلّا الله أمرُ بعثهم على الله يسير ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(11) سبحانه وتعالى، وكما أنَّه تبارك وتعالى يرفع إليه العباد في الدعوات باللغات المتعددة والحاجات المختلفة في وقت واحدة فلا يشغله سبحانه وتعالى دعوة هذا عن دعوة هذا عن دعوة هذا وكلهم يدعو في وقت واحد؛ فذلك عليه تعالى يسير، لأنَّ صفات الله تعالى لا تقاس بصفات المخلوق، به تعلمُ أنَّ الله تعالى عَلِمَ الأشياء كلها على الإجمال والتفصيل، وكتب الأشياء كلها سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ.

الأمر الثالث: أنَّه ما يقع شيء مهما يكن مِن أمرٍ إلّا بمشيئة الله عزّ وجلّ مِن خير أو شرّ؛ مِن حلو أو مرّ؛ مِن حسن أو سيء؛ كله قد شاءه تبارك وتعالى، فهل الله يشاء الخير؟ نعم، هل قَدَّرَ اللهُ الشرّ؟ أي والله قدَّرَه، إذن مَن قدَّرَه؟؟ قدَّرَه الله سبحانه وتعالى، لماذا قدَّرَه؟ لحكمة بالغة، فهو لا يُقَدِّر الشرّ سبحانه وتعالى بلا حكمة، بل يُقدِّرُه لحكمة بالغة، ونعطيك المثال مِن سيرة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، في موقعة بدر حصل الخير العظيم والفتح المبين وانتصر المسلمون على الكفار، مَن قَدَّرَ النصر؟ رب العالمين، في موقعة أحد حصل ما سمّاه الله تعالى بالمصيبة قال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ أصابتكم مصيبة يعني في أحد فقتل منكم سبعون، قد أصبتم مثليها يعني في بدر قد قتلتم مِن الكفار سبعين وأسرتم سبعين، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ يعني كيف يكون هذا؟؟ ونحن مسلمون وفينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم! كيف يقع هذا؟ أنْ نُغلَبَ على يد المشركين! قلتم أنى هذا؟؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(12)، مِن عند أنفسكم يعني أنتم السبب فيه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(13)، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ يعني بسببكم، بِمَ ختم الله الآية؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(14)، ثم قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ(15) هو الذي قدَّرَه سبحانه وتعالى، ما الذي حصل في أحد؟ حصل في أحد أنْ عُصي أمرٌ واحد مِن أوامر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما عُصي أمرٌ واحد وهو أنَّ الرماة رضي الله عنهم وعفا عنهم جاوزوا المكانَ الذي حدَّده لهم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وقال لهم: «لا تبرحوا حتى أرسل إليكم، إنْ رأيتمونا ظهرنا على القوم فلا تبرحوا مكانكم، وإنْ رأيتموهم ظهروا علينا فلا تُعينونا»(16) نصٌّ واضح، لا تتجاوزوا المكان، لأنَّ جبلَ الرماة خشي رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أنْ يأتي الكفار مِن جهته، بدأت المعركة هُزم المشركون في أحد كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ(17) كم معصية؟ واحدة، وفيهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم، طبعًا الرسول صلّى الله عليه وسلّم قطعًا صلوات الله وسلامه عليه يقينًا وجزمًا ما حصل منه ولا مِن أكثر الصحابة شيء مِن المخالفات، إنَّما وقع هذا مِن الرماة فقط رضي الله عنهم وعفا عنهم وقد تأولوا، قالوا: إنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم طلب منا أنْ نبقى في هذا المكان وقت القتال؛ أما الآن العدو فَرَّ، المعركة انتهت، لا يريدنا النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ نبقى في هذا الموضع إلى قيام الساعة! يريد أنْ نبقى في وقت الحرب مع قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تبرحوا حتى أبعثَ إليكم» فرجع الكفار مِن جهة الجبل وحصلت المصيبة التي قال الله تعالى، ما الفائدة مِن تقدير هذا الأمر؟ الفائدة باقية في الأمة إلى قيام الساعة: أنَّ المعاصي هي سببُ تسليط الكفار؛ وأنَّ إشكالَ الأمة ليس راجعًا إلى أنّ ليس عندها أسلحة نووية وليس عندها أسلحة أو صواريخ!! ليس هذا الأمر، القوة المطلوبة مِن الأمة هي التي قال الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ(18) المستطاع فقط بأنْ تُبذل الأسباب في القوة الحسية، وتُأسس القوة المعنوية بالبناء العقدي الشرعي للأمة، بعد ذلك يتحقق النصر قطعًا، أما أمرُ الأسلحة النووية وما سيحصل للعالم؟ اترك هذا لرب العالمين سبحانه وتعالى، فإنْ شاء تعالى جعل هذه الأسلحة وبالًا على أهلها، الأمة إنْ حققتْ ما أمرها اللهُ تعالى به مِن الإعداد وحققتْ ما أوجب اللهُ تعالى مِن نصر دينه فالأمر لله تبارك وتعالى لأنَّه سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ(19)، فالنصر يأتي به رب العالمين سبحانه وتعالى، فتقدير الهزيمة يوم أحد حكمة بالغة مِن رب العالمين يُعرفُ بها أنَّ الله تعالى يُسلط على الأمة بسبب المعاصي، ولهذا قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ هل مِن حكمة؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(20) فالأمة إذا ضاقت بها السبل ورأت تسليط الأعداء واشتد بها الكرب قالت: أين الطريق؟ الطريق إلى الله تعالى مفتوح لا يحول أحد بينكم وبين رب العالمين، عودوا إلى الله تعالى يعود عليكم سبحانه وتعالى بالنصر، فتقدير الله تعالى لِمَا ذَكَرَه رحمه الله تعالى هنا أنَّ القَدَرَ خيره وشره؛ حلوه ومُرّه؛ سيئه وحسنه؛ هذا كله لا شك أنَّه مِن عند الله تعالى لحكمةٍ بالغةٍ عنده عزّ وجلّ، فتقديره للخير لحكمة، وتقديره للشَّرّ لحكمة سبحانه، ولولا لطفه وحلمه لكان الوضع أسوأ في الأمة بكثير، ودائمًا نحن يا إخوة نضرب أمثلة مِن واقع الأمة، الآن هل في الأمة أحد يخفى عليه وجوب الصلاة؟ ما في أحد مِن أهل الإسلام يخفى عليه وجوب الصلاة، هل هذا الوضع الحاصل في الأمة الآن في التعامل مع الصلاة وضع سوي؟ لا والله ليس وضعًا سويا، كثير مِن الناس لا يصلي، ولا نقول: أكثر؛ هذا إلى الله، الله أعلم بخلقه سبحانه لكن كثيرًا قطعًا لا يصلي، كثير ممن يصلون؛ يصلون صلاةً ليست الصلاة التي أَمَرَ الله بها، فيصلي أحدهم مثل الفجر إذا استيقظ وخرج وقت الصلاة بساعات متعددة صلى! حتى إنك تجد في صلاة الفجر العدد القليل جدًّا مِن الناس في المسجد والبيوت ملأى تشهد عليهم سياراتهم عند بيوتهم، لولا حلم الله لرأيت أشد وأفنى وأفظع، هذا السفور الهائل الآن، كثير مِن النساء، التعامل بالمعاملات الربوية، هذا الإطلاق للأبصار في النساء كأنَّ الله تعالى أباح لك أنْ تنظر إليهن في هذه الشاشات وجوال كثيرين مِن الناس يشهد عليهم، هذه الأمور لولا لطفُ الله وفضله وأنَّ مِن صفاته الحلم سبحانه وتعالى لرأيت العقوبات المعجلة، فالوضع الذي فيه الأمة هو وضعٌ لولا لطف الله لكان أشد، فما قدَّرَه الله عبثًا سبحانه وتعالى، فيُقَدِّرُ سبحانه وتعالى هذه الأمور حتى ترجع الأمة، وإلّا فهو لا يسلط سبحانه وتعالى على الأمة عدوها إذا هي استمسكت، ولهذا مواطن الفصل الكبرى بين الحق والباطل تكون بعد استمساك أهل الحق بحقهم؛ فلا يمكث الباطل أمامه، إذا تأملتَ ما حصل مِن الفتوحات الكبرى العظمى زمن الصحابة والتابعين علمتَ أنَّ الأمرَ راجعٌ إلى الله عزّ وجلّ، فكانت هناك دولة كبرى تسمى دولة الروم، ودولة كبرى تسمى دولة الفرس، ولم يكن هناك سوى هاتين الدولتين الكبيرتين مِن جهة القوة، وكانت الحرب بينهما ضروسًا، أما بقية الأرض فما هم إلّا تبعٌ لهؤلاء، لو أراد الفرس أو الروم لغزو أيّ موضع لا يمكن أنْ يمتنع منهم مِن بلاد عرب أو عجم سوى هاتين الدولتين، هاتان الدولتان في فترة يسيرة سقطتا وما احتاجت إلى نوعية معينة مِن الأسلحة، وإنما احتاجت إلى استمساك حقيقي بمنهج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلم تمكث هاتان الدولتان أنْ صارتا مِن بلاد الإسلام، ودخلت الأفواج الهائلة في دين الله تعالى أفواجًا، مع الفارق الهائل في القوة العددية والعُدَد بين الصحابة رضي الله عنهم وبين هاتين الدولتين، لا يوجد مقارنة أصلًا لا مِن جهة العدد ولا من جهة نوع المقاتل ولا مِن جهة العُدد ونوع الأسلحة، لا يوجد أدنى مقارنة، لكنّ الله تعالى أتى بالنصر لأنَّهم كانوا على المنهج السويّ رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، الحاصل أنَّ الله تعالى لا يُقَدِّر الشرّ - حاشاه تعالى - اعتباطًا، أو يُقَدِّره لغير حكمة! بل يُقَدِّرُه تعالى لحكمةٍ بالغة، وفي كثير مِن الأحيان لولا لطفه تعالى لكان الأمر أمَرَّ وأشرّ، لكنه تعالى لطيف، هذا معنى قولنا أنَّه تعالى يُقَدِّر الخير والشَّرّ جميعًا، إنما يقدرها لحكمةٍ سبحانه وتعالى، وكم مِن إنسان ما ردَّه إلى ربه تعالى ولا أوقفه عن غيِّه إلا قَدَرٌ مُرّ سلطه اللهُ تعالى عليه فرجع إلى ربه، كثير مِن الناس على هذا الحال، كثير مِن الناس هذا حالهم، فصار ما قَدَّرَه الله تعالى عليه مِن ذاك الذي آلمه وأقضَّ مضجعَه صار بالنسبة له خيرًا له في دينه ودنياه ولقي اللهَ تعالى على أحسن حال، ولو أنَّ الله تعالى لم يُقَدِّر عليه ما قَدَّرَ مِن المرّ للقي الله تعالى على أتعسِ حالٍ وأسوئه، فالله لا يُقَدِّرُ الشرّ اعتباطًا حاشاه تعالى، وإنما يقدره لحكمة.

الأمر الرابع المتعلق بالرب سبحانه وتعالى: أنَّه ما مِن أمرٍ إلّا والله خالقه، فالله تعالى خَلَقَ العبدَ والأفعالَ التي تصدر مِن العبد - لا شك أنَّها أفعال العبد، العبد هو المصلي والصائم، العبد هو العاصي - لكنّ الله تبارك وتعالى خَلَقَ العبدَ وخَلَقَ له أفعالَه، فأنت الآن لو لم يخلق لك الله هذه الحركة لَمَا استطعت أنْ تأخذَ هذا الكأس، ولهذا الذين يَشُلُّ الله تعالى أيديهم لا يوجد عندهم مثل هذه الحركات بأنْ يَمُدّ يدَه لأنَّ الله تعالى ما خَلَقَ فيه هذه الحركة، فخلق الله العبد وأمده بهذه الحركات وخلقه وخلق له هذه الأفعال، فالأفعال مِن فعل العبد، تنسب للعبد، هو المصلي والصائم والمتصدق، وإذا عصى هو الزاني والشارب والقاتل، هو قاطع الطريق، فتُنسب إلى العبد، لكنّ الله تبارك وتعالى كما أنَّه خلقه فقد خَلَقَ له أفعاله، ولهذا إذا أراد الله أنْ لا يخلق له هذا الفعل مثلما ذكرنا فيمن يكون مشلولًا لا يستطيع أنْ يمد يده لأنَّه لم تخلق له هذه الحركات.

هذا ما يتعلق بالرب سبحانه وتعالى، وهو المرتبط بالقسم الأول، إثبات ما يتعلق بالرب.

نأتي الآن للقسم الثاني: إثباتُ ما يتعلق بالعبد، ما الذي يتعلق بالعبد في القَدَر؟ أنَّ إثبات القسم الأول - المرتبط بالرب سبحانه وتعالى - لا يترتب عليه إعطاءُ العبد حُجة في ترك ما أوجب الله أو فعلِ ما حرَّم، فلا يقَلِ العبدُ: ما دامت الأمور قد قَدَّرَها الله فلا تطلبوا مني صلاةً أو صيامًا! إنْ كان الله قَدَّرَ لي صومًا وصلاةً فسأصوم وأصلي! ولا تمنعوني مِن قطع الطريق وشرب الخمر وإتيان الزنى وعقوق والديَّ وسفك الدماء؛ لأنَّ الله قَدَّر هذا عليّ! ليس له ذلك، لأنَّ للعبد نوعين مِن الفعل، دقق في نوع فعل العبد: النوع الأول: أفعال اختيارية، والنوع الثاني: أفعال غير اختيارية، بِمَ يؤاخذ اللهُ العبد؟ بالأفعال الاختيارية، أما الأفعال غير الاختيارية فهذه التي لا يؤاخذ الله تعالى بها العبد، الأفعال الاختيارية في حياتك بالمئات أو بالآلاف؟ بالملايين، فأنت الآن حين أخذتَ كأس الماء هذا مددتَ يدَك إليه؛ هذا فعلٌ اختياري، ثم قرَّبته مِن فمك؛ هذا فعل اختياري، ثم شربتَ منه مقدارًا؛ ثم أرجعته، هذا فعل اختياري، ثم رجعتَ ثانية فأخذته فشربتَ منه وهكذا، ثم قد تطلب آخر، وهكذا في الأكل، تأكل بمقدار معين، وهكذا في المشي والذهاب والإياب، ففي حياتك ملايين الأفعال الاختيارية، أكثر أفعالك اختيارية، مجيئنا اليوم للمسجد هذا فعلٌ اختياري، رجوعنا لبيوتنا فعلٌ اختياري، إعطاؤنا منعنا ذهابنا إتياننا منامنا أكلنا شربنا كل هذه أفعال اختيارية، فالعبد يُؤاخذ بالأفعال الاختيارية، فإذا صلى أُجِرَ، وإذا ظلم وعقَّ والديه وتعدى على جاره وتلفظ بالألفاظ القبيحة عُوقب، هذه أفعال اختيارية، الأفعال غير الاختيارية محدودة، منها مَن قد يكون الواحد منهم مبتلى بمرض مثل مصاب بالرعاش - نسأل الله العافية - ترى الواحد منهم مَن يده تضطرب أو جسمه يتحرك، هذا الفعل غير اختياري، لو قلتَ له أنت الآن تصلي!! ما هذه الحركة منك منذ أنْ صليتَ حتى سلمتَ وأنت في حركة مستديمة! يقول: لا أستطيع أنْ أترك هذه الحركة، وأنا نائم وأنا مستيقظ وأنا واقف وأنا جالس مستديمة معي، فهل نقول: إنَّ هذا الشخص عنده حركة في الصلاة تبطل بها الصلاة! نقول: لا، لأنَّ فعله غير اختياري، لو أنَّ رجلًا تحرك ربع حركته في الصلاة بطلت الصلاة، يقول: تبطل صلاتك، وإنْ أقل مِن هذا فعلًا، نقول: إنَّ فعلك أنت اختياري، يجب أنْ تخشع في صلاتك، أما هذا فلا يستطيع، في أفعالك الغير اختيارية قد تأخذ شيئًا ثمينًا في يدك بل قد تحمل ابنك فيسقط منك ولم تتعمده! هذا الفعل غير اختياري، لم تختره، فالله لا يؤاخذك بالأفعال غير الاختيارية، إنما يؤاخذك بالأفعال الاختيارية، فالأفعال الاختيارية تكون عن قدرة مِن العبد وعن مشيئة، يعني وصولك اليوم إلى المسجد عندك قدرة تمكنتَ بها مِن الوصول إلى المسجد، وعندك مشيئة، لم تتجه إلى أي موضع في هذا البلد الفسيح إلّا إلى هذا الموضع، يعني عندك مشيئة، إذن فأنت قد أتيت إلى هذا المسجد باختيارك، عكسه - نسأل الله العافية - مَن يذهب إلى مكان سوء وفساد يُؤاخذُ به ويعاقب عليه، لأنه قد اختار وشاء هذا الموضع تحديدًا وعنده قدرة تَمَكّن معها من الوصول إلى هذا الموضع، فالله يؤاخذ العبد بأفعاله الاختيارية، وكل عاقل يدرك أنَّ عنده أفعالًا اختيارية وأفعالًا غير اختيارية، شخص يؤذن المؤذن فيخرج هذا إلى المسجد ويخرج هذا - والعياذ بالله - إلى مكان سيء دنس في نفس الوقت مِن نفس البيت، هذا اختار إلى أنْ يذهب إلى المسجد وهذا اختار إلى أنْ يذهب إلى الفاحشة، فالله عزّ وجلّ يؤاخذ العبد بالأفعال الاختيارية، كل أحد يدرك الفَرْق بين الفعل الاختياري وغير الاختياري، الذين لا يؤاخذهم الله تعالى هم مَن فقدوا المشيئة والاختيار والقُدرة في الأفعال غير الاختيارية أو مَن سُلِبَ العقل مثل المجانين أو نحوهم أو الصغير الذي لم يبلغ، فالعبد يُفرّق بين أفعاله الاختيارية وغير الاختيارية، فيأتي إلى الشيء مختارًا طائعًا فليس له أنْ يقول: إنَّ الله تعالى قد كَتبَ ذلك عليّ! لأنه قال أهل العلم: المدعي هذا الذي يدعي أنه مجبور هو أكذبُ الناس؛ لماذا؟ لأنه لو طُبِّقَ عليه منطقُه الذي يقوله لَمَا رضي، فلو أنَّ أحدًا تعدّى عليه في ماله أو في ولده أو تعدى عليه بالضرب لَمَا رضيَ أنْ يقول هذا الضارب له أو الآخذ لماله: هذا أمرٌ قد قَدَّرَه الله تعالى! فهذا أمرٌ قد كُتِبَ عليّ وأنا قد قُدِّرَ لي أنْ آخذ مالك؛ فليس لك أنْ تعترض، يأبى، يأبى لأنه لا يصدق حين يقول: إنْ كان الله تعالى كَتَبَ أنْ أصلي فسأصلي اتركوني! إنْ رأيتم أني أصلي معكم الظهر فقد كتب الله لي ذلك، وإنْ رأيتموني لم أصل فاعذروني، أنا لم يكتب لي، هذا الشخص الذي ضربك وأخذ مالك أنت فارفع عليه قضية في المحكمة، سبب سهل، هو أنَّ الله تعالى قَدَّرَ الله أنْ يضربك، لا يرضى، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "فعند مراد الرب تفنى كميت؛ وعند مراد النفس تسدي وتلحم!!"(21) إذا جاء مرادُ الرب سبحانه وتعالى وأوامره سبحانه وتعالى والنواهي التي نهى عنها تكون كأنك ميت! تقول: هذا قُدِّرَ عليّ! وعند مراد النفس ما ترضى بهذا! وإنما تسدي وتلحم كالخياط يخيط بالآلة يمين وشمال وإلى أعلى، تتحرك، ما ترضى بهذا، فدل على أنه كاذب، هؤلاء الذين يحتجون بالقَدَر لو قُدِّرَ لنا أنْ نصلي لأنَّ الله تعالى كَتَبَ علينا هذه الأشياء!! هم أكذب الناس، الله تعالى جعل للجنة طريقًا، أسبابًا توصل بإذنه وفضله إلى الجنة، وجعل للنار – والعياذ بالله - أسبابًا توصل إليها قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(22) فاسلك هذا المسلك؛ ييسرك الله لليسرى كما وعدك سبحانه وتعالى، أما أنْ تعكس الأمر ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(23) هل سيدخل إلى الجنة؟ بنص القرآن سيصل إلى العسرى ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(24)، فكما أنَّ الإنسان في حياته الدنيوية يبذل أسبابًا ليصل إلى مصالحه؛ فكذلك في أمرِ دينه هناك أسباب توصلك إلى أعظم المصالح وهي الجنة؛ وأسباب تُنجيك مِن أشرّ المكاره وهي النار؛ فاسلك على ما أمرك الله تبارك وتعالى به، أما أنْ تقول: إني سأفعل هذا في أموري الدنيوية؛ إذا قيل لك: اقبع في بيتك ولا تلتمس الرزق! إنْ كان الله قَدَّرَ لك الرزق سيأتيك الرزق إلى وسط بيدك، وستقول: إنك تؤمن بالقَدَر؟ إنْ كان الله قَدَّرَ لك ذرية فستأتيك الذرية بدون زواج؟ ستقول: إنَّ الأمور مُقدّرة، إنَّ الله كتب لي ذرية فستأتي الذرية لا تتزوج إنْ كنت صادقًا! تقول كيف؟ الزوجة هي سبب للذرية، نقول: العمل الصالح هو سبب دخول الجنة، كما أنَّ العمل الفاسد هو سبب دخول النار، فلماذا تعرف هذه الأمور في مصالح دنياك وتأباها في مصالح دينك، لأنَّك تكذب، لأنَّه لو كان صادقًا وعنده هذه الشُّبهة لعمل بها في أمر دينه ودنياه، لكن لأنَّه كاذب ويريد أنَّ يكفّ أمرَ الشرع له ونهيَه عن المحرم فإنه يقل: أنا خاضع لقَدَر الله عزّ وجلّ، إنْ كنت صادقًا فطبق هذا في أمورك الدنيوية، لا تأكل؛ إنْ كان الله كتب لك الشبع فستشبع بلا أكل، يقول: الأكل هو سبب الشبع، لا تشرب ماءً! إنْ كان الله قَدَّر لك الري فسترتوي دون ماء، يقول: الماء هو سبب الريّ، لا تتزوج؛ إنْ كانت الذرية ستأتيك؛ ستأتيك دون زوجة، يقول: لا يصلح، هذا كلام باطل، لا يقوله إلّا المجانين، نقول: فعلًا، هذا لا يقوله إلّا المجانين، لكن هو الذي تطبقه أنت في تعاملك مع رب العالمين سبحانه وتعالى، فالجنة لها درب بيّنه رب العالمين، أرسل الرسل صلّى الله عليهم وسلم، أنزل الكتب، بيّن الطريق، قطعَ العذر سبحانه وتعالى، فليس لك إلّا أنْ تعمل، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(25) فالقَدَرُ الماضي أنت لا تدري به، ما الذي كتب الله لك في اللوح المحفوظ، والقَدَرُ المستقبل في مصيرك في الآخرة أنت لا تدري به، وأنت الآن بين قَدَرٍ مضى وبين قَدَرٍ آتٍ؛ وأمرَك اللهُ تعالى بالعمل، فيأتيك الشيطان ليشغلك بالقَدَر الماضي الذي لا تدري ما هو وبالقَدَر المستقبل الذي لا تدري ما هو لتترك ما بُعِثَتِ الرسلُ صلّى الله عليهم وسلّم إليك لأجله وهو العمل، ولهذا لَمّا سأل الصحابةُ رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: هذه الأعمال التي نعمل أفي ما جفتْ به الصحف ومضت به المقادير أمْ فيما يستقبل؟ يعني هل هو شيء كُتِبَ علينا بالسابق أو أمرٌ سيستقبل لم يُكتب؟ قال: «بل فيما جفتْ به الصحف، ومضتْ به المقادير» قالوا ففيم العمل؟ ما دامت الأمور قد كُتبت! فقال صلّى الله عليه وسلّم: «اعملوا؛ فكلٌ مُيَسّر لِمَا خُلِقَ له، أما أهل السعادة فيُيسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيسرون لعمل أهل الشقاوة» ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(26)(27)، أهل السعادة يُيسّرون لعمل أهل السعادة، حتى تجد الإنسان في التسعين وفي المئة مِن عمره وهو محافظ ومواظب على الصلاة - وقد لا تلزمه الجماعة - لكن يأبى إلّا أنْ يصلي مع الجماعة، ويتكلف حتى يصلي، ويموت على أحسن خاتمة، يسره اللهُ تعالى لعمل أهل السعادة، صلى ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(28) فسلك هذا الدرب الكريم، فيُسِّرَ لعمل أهل السعادة، فيلقى الله تعالى على عمل أهل السعادة، أما مَن هو على حال الفجور والشرك والضلال والزيغ فإنَّه قد يُسِّرَ لعمل أهل النار، وإنْ كنا لا نجزم لهذا ولا لهذا ولكن نقوله في العموم أنَّ الله تعالى إذا استعمل العبدَ في عمل أهل السعادة؛ فإنَّه يختم له بعمل أهل السعادة، وإذا استعمل العبد في عمل أهل الشقاوة فإنَّه يختم له في عمل أهل الشقاوة إلّا أنْ يشاء سبحانه - الأمر إليه تعالى - إلّا أنْ يشاء؛ فينتقل هذا إلى طريق أهل الضلال أو هذا إلى طريق أهل الصلاح، ولكن - ولله الحمد والمنّ والفضل - كثير مِن السالكين على الهدى يموتون على الهدى كما ذكر عبد الحق الأشبيلي رحمه الله تعالى، ولله الحمد والفضل والمنّة والثناء له عزّ وجلّ أكثرُ مَن يسلك على طريق الخير يثبت على طريق الخير يثبتُ عليه حتى يموت عليه، فعلى العبد أنْ لا يكون خصيمًا لله في القَدَر، لأنّ مَن كان رب العالمين خصمَه فإنه يخصمه، فالله تعالى أمرك بالعمل وقَدَّر قدرًا قبل أنْ يوجد أبوك آدم فضلًا أنْ تلدك أمك ويوجد أبوك، وكَتَبَ سبحانه وتعالى أهلَ الجنة وأهلَ النار وقد عَلِمَهم سبحانه وتعالى، وابتلاك في هذه الدار بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ(29)، فأنت في فترة اختبار، هل الطالب النَّبيه في فترة الاختبار إلّا يضع ذهنه في الأسئلة حتى يحل قبل أنْ ينتهي الوقت؟ يأتيك الشيطان يشغلك في مثل هذه الأمور حتى تترك العمل فتهلك على حجج المشركين ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(30)، كلُّ هذه ظنون وتخمينات وخرص وقول بلا علم، فالحاصل أنَّ العبد عليه في أمرِ القَدَرِ أنْ ينتبه إلى العمل، وهذا هو القسم الثاني، أنَّ كون الأمور قد كُتبت وعلمها الله، هذه مرتبطة بالرب، لا شأن لك أنت بها، وليس لك طريق لتغييرها، هذه الأمور إلى الله، انتبهللقسم الثاني المتعلق بك أنت وهو العمل، فأنت ليس لك حجة على الله بأنْ تترك العمل أو أنْ تُقْبِلَ على المعاصي!

القسم الثالث مِن النصوص: النهي عن الجدال والنزاع الباطل في القَدَر، وكيف يكون النزاع والجدال الباطل في القَدَر؟ بأنْ تأخذ نصًّا مما يتعلق بالرب فتعارض به نصًا يتعلق بالعبد، أو العكس، نصٌّ يتعلق بالعبد تعارض به نصًا يتعلق بالرب، القسم الأول متعلق بالرب لا علاقة للعبد به، هو الذي عزّ وجلّ عَلِمَ وكتب وشاء وخلق، لا شأن لنا نحن، هذا مرتبط بربوبية الله تعالى، فيما يتعلق بنا نحن؛ نحن مُبتلون بالعمل، فجاءت النصوص بالنهي عن الجدال والنزاع الباطل في القَدَر وضرب النصوص بعضها ببعض، فلهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «أُخِّرَ النزاعُ في القَدَر لشرار أمتي آخر الزمان»(31)، النزاع في القَدَر لا يكون إلّا في الأشرار، لذا مِن أشرّ وأخبث فِرَقِ الأمة وأشدها إفسادًا في العقيدة "القَدَريَّةُ" بشُعَبتيهم - الأوائل والمعتزلة، والجبرية وهم الذين قابلوهم -، كل هؤلاء مِن أشرّ ما يكون في الأمة، لأنهم أشغلوا الأمة وأشغلوا الناس عمّا أوجب الله تعالى مِن العمل، وصاروا في مهاترات ومناقشات حول القَدَر مع أنه قد نُهيَ النهيُ الصريحُ عن ذلك.

بذلك تعرف أنواع النصوص بالقَدَر، وأنه - ولله الحمد - لا تعارض ولا تناقض بين الأمر المرتبط بالرب، فالرب هو رب العالمين سبحانه وتعالى الذي إليه الأمر، لا يقع تحريكة ولا تسكينة في ملكوته إلّا بإذنه، فلا يمكن أنْ يقع شيء إلّا بإذنه تعالى مِن خير أو شرّ، لكن فيما يتعلق بك إذا وقع منك الشَّرّ أنت في مدة المهلة؛ في مدة الاختبار؛ في مدة الحياة، عُدْ إلى ربك وأصلح ما وقع منك، هذا هو الواجب المتعين، أما إذا عبث الشيطان بالعبد أشغله بالقَدَر الماضي أو بالقَدَر المستقبل وترك العمل، فالحاصل أنَّ موضوعَ القَدَرِ هو مِن أعظم ما يدفع للعمل، ولهذا عَدِيٌّ رضي الله عنه لَمّا سأل النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لَمّا قال: أخبرنا كأنا ولدنا الآن؛ هذه المقادير فيما مضى وكُتِبَ أو فيما يُستقبل؟ فأخبر النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنها فيما مضى، قال ففيمَ العمل؟ قال: «اعملوا؛ فكل مُيَسّر لِمَا خُلِقَ له»(32)، قال عديٌّ رضي الله عنه قال: "ما كنت أشدّ اجتهادًا مني الآن"(33)، إذا عرفتَ القَدَر علمتَ أنَّ القَدَر يدفعك للعمل، ما يدفعُك لترك العمل! لأنَّ القَدَر إلى الله أمرُه وأنت مبتلى بالعمل، أُرسلتْ لك الرسل، أُنزلتْ عليك الكتب، قيل لك: أنت لك مدة ومهلة، هناك أوامر أَمَرَ اللهُ بها، وهناك نواهي نهى الله عنها، ستموت وسيحاسبك الله، فمالك وما للأمر المتعلق بالرب؟؟ أنت متعلق بك أمرٌ أنت مرتبط بفعلك، أَقْبِلْ عليه قبل أنْ تهلك وتلق الله على حال الغفلة، بذلك تعرف أنَّ موضوع القَدَر - ولله الحمد - لا يُمثل مشكلة ولا يُعَدّ معضلة، لكنّ نقاشَ ونزاعَ هؤلاء الأشقياء فيه هو الذي جعل الشُّبهَ تتداخل، وإلّا فهو - ولله الحمد - شأنه شأن بقية مسائل الاعتقاد جليّ واضح، إذا عرفته بتفاصيل نصوصه الثلاثة هذه فإنه إنْ شاء الله يتجلى لك، وبه تعرف قولَه رحمه الله تعالى "والقَدَر خيره وشره، قليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره مِن الله تبارك وتعالى" هو الذي قَدَّرَ سبحانه، قضاء قضاه على عباده وقَدَرٌ قَدَّرَه عليهم، لا يعدو أحد منهم مشيئة الله ولا يجاوزه، يعني مَن كُتِبَ له أمرٌ قدَّرَه الله تعالى فإنه لابُدّ أنْ يقع وأنْ يصل إلى ما قَدَّرَه الله تعالى عليه، بل كلهم صائرون إلى ما خلقهم له وواقعون فيما قَدَّرَ عليهم عليه لا محالة، ثم نَبَّه لأمر في غاية الأهمية وهو أنَّ الله تعالى عَدْلٌ فيما قَدَّر، قال: "وهو عدلٌ منه" القَدَرُ عدلٌ مِن الله، بل الله تعالى لا يظلم مثقالَ ذرة سبحانه وبحمده، هو سبحانه وتعالى الأعلمُ بعباده، كما أنَّ الله تعالى يقول: ﴿أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ(34) فهو أعلم حيث يجعل هدايته سبحانه وتعالى، فالهداية لها أهل والضلالة لها أهل، فالله تعالى يهدي مَن يشاء - سبحانه وتعالى - ويضل مَن يشاء، ولهذا قال: "والزنى والسرقة وشربُ الخمر وقتلُ النفس وأكلُ المال الحرام والشرك؛ جميع هذه الذنوب كلها قد قَدَّرها اللهُ تعالى" وكما قلنا ليس بذلك عذر للعاصي! بل إذا وقع منه سرقة أو زنى أو شرك؛ فهو مأمور بالرجوع منها مادام في مدة المهلة، أنْ يتوب مما وقع منه، ويعلم أنه لا حجة له على ربه تعالى في ما قَدَّر، بل لله وحده الحجة البالغة، ولهذا ختم اللهُ تعالى الآية بسورة الأنعام بقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(35)، "كلُّها بقضاء وقَدَر مِن الله مِن غير أنْ يكون لأحد مِن الخَلْق على الله حجة بل لله الحجة البالغة لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون".

ثم تكلم عن المسألة الأولى وهي كما قلنا مراتب القَدَر أربعة، العلم والكتابة والمشيئة والخلْق، ذكر ما يتعلق بعلم الله أنه "ماضٍ في خلْقِه بمشيئة منه، قد عَلِمَ مِن إبليس وغيره ممن عصاه مِن لدن أنْ عُصي سبحانه وتعالى إلى قيام الساعة عَلِمَ المعصية وخلقهم لها" وقَدَّر سبحانه وتعالى أنْ يعصيَ إبليس ويشقى، وأضله وأزاغه، حيث تفاخر بأصله ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ(36) فأضله اللهُ ووكله إلى نفسه، وهكذا مَن قَدَّرَ الله تعالى عليهم الهلاك - نسأل الله العافية -، قد علمهم سبحانه وتعالى وقد عَلِمَ أعمالهم، وقد عَلِمَ الطاعة مِن أهل طاعته وخلقهم لها، فهو يعلم سبحانه المطيعين ويعلم العاصين عزّ اسمُه، فكلٌّ يعمل لِمَا خُلِقَ له، وصائر إلى ما قُضي عليه وعُلِمَ منه، لا يعدو أحد منهم قَدَرَ الله ومشيئته، يعني أنَّ الله إذا عَلِمَ أنَّ هذا مِن أهل الجنة وعَلِمَ أنَّ هذا مِن أهل النار؛ وأنّ هذا يعمل بعمل أهل الجنة وهذا يعمل بعمل أهل النار لا يمكن أنْ يُغيّرَ أحدٌ منهم هذا، فيكون الذي يعمل بعمل أهل الجنة يقول: سأغير قَدَرَ الله تعالى وأخالف ما علمه! هذا أمرٌ محال، لأنَّ عِلْمَ الله تعالى سابقٌ، فمَن زعم أنَّ الله شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة؛ وأنَّ العباد شاءوا لأنفسهم الشرّ والمعصية! فقد زعم أنَّ مشيئةَ العباد أغلب!! هذه المقولة مقولة القَدَريّة، نعوذ بالله، وهو مِن أجهل الناس بالله عزّ وجلّ، القَدَريّة مِن المعتزلة يقولون هذا، يقولون: إنَّ الله شاء مِن العباد الطاعة؛ لكنّ العباد الذين عصوا أَبَوا ووقعت مشيئتهم دون مشيئة الله! قالوا: فالكافر ما شاء الله منه الكفر! بل شاء منه الإيمان! لكنّ الكافر شاء الكفر َلنفسه وتحققت مشيئةُ الكافر دون مشيئة الله! مع صريح قول الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ(37)، فمشيئة العبد هي المؤخَّرة وليست هي المقدَّمة، ومع ذلك قالوا ما قالوا! ولهذا قال رحمه الله: إنَّ هذه المقولة تقتضي أنَّ مشيئةَ العباد أغلبُ مِن مشيئة الله! فأيُ افتراء على الله أكبر مِن هذا - نسأل الله العافية والسلامة -.

حينما يزعمون أنَّ العبد هو الذي يُقَدِّرُ فعلَه - كما هي مقولة المعتزلة؛ نسأل الله العافية – قالوا: إنَ العبد هو الذي يُقَدِّر فعلَه دون الله! فالعبد يُقَرِّرُ الأمرَ ويقع الأمرُ دون ما شاءه الله عزّ وجلّ! هذه فيها نسبة العجز لرب العالمين سبحانه - قَبَّحَ اللهُ المعتزلةَ وقَبَّحَ مقولتَهم -، فيجعلون المشيئة الواقعة هي مشيئة العبد دون مشيئة الرب سبحانه وتعالى! وكل ذي عقلٍ يعلم بالتجربة كذِبَهم، كيف ذلك؟ كم عزمنا على أمرٍ وخططنا له وهيئنا له السبلَ وحققنا جميعَ الأسباب ثم إنه لم يقع؟ مثلُ السفر، تحجزُ في مكة وتحجزُ طيرانًا وتهيءُ حقائب سفرك وتُعِدُّ العدةَ وتؤخرُ مواعيدك ثم تصبحُ ولا تسافرُ! ما الذي حصل؟ مشيئتُك غلبتْ أم مشيئة الله؟ هذا الذي حصل، يعني مشيئتك هذه قد أعددتَ كل شيء وهيأتَ كل سبب ولم يبقَ سببٌ واحد إلّا وقد أعددتَه، ما الذي حصل؟ مشيئتُك هذه لا تمضي إلّا إذا أمضاها الله، فغلبتْ مشيئةُ الله مشيئةَ العباد كلهم، فلا يمكن أنْ تسافر إلّا إذا شاء الله، ولهذا قال الشافعي - رحمه الله ونوّر الله قبرَه - قال في بيت شعر يُعظّم فيه رب العالمين: "فما شئتَ كان وإنْ لم أشأ، وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكن" يقول: فما شئتَ يعني رب العالمين، فما شئتَ كان وإنْ لم أشأ أنا، وما شئتُ مما خططتُ له وعزمتُ عليه، وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكن، هذا لا شك أنَّ المشيئة إلى الله، وأنَّ المردّ في هذا إلى رب العالمين سبحانه وتعالى، هو الذي إليه الأمر، فمَن زعم أنَّ أحدًا مِن الخلق صائر إلى غير ما خلق له؛ فقد نفى قدرةَ الله تعالى عن خلْقِه، وهذا إفكٌ مبين، ثم سيضرب المثال عليه إنْ شاء الله تعالى في مناقشة المعتزلة في مقولتهم هذه.

- يقول: هل يجوز أنْ أقول لفلان أنت خارجي أو مرجئ بقصد اللهو والدعابة والمزاح؟

إخواني هذه ليست مواضع مزاح! هذه مواضع ضلال وبدع، فلا تكون مِن مواضع المزاح، يعني مما يمكن أنْ يمزح به الإنسان أنْ يقول لأحد: أنت عندك بخل؛ أو فعلتَ كذا أو كذا مما يعلمُ أخوك أنَّك فيه ممازح له، لكن تقول له: أنت خارجي أو مرجئ أو رافضي أو يهودي أو نصراني! هذه إطلاقات لها مدلول، لا تخرجه من السُّنَّة باسم المزاح بتاتًا.

- يقول: مَن يُعَرِّفَ الإيمان بتعريف أهل السُّنَّة ثم يُفصّل بمسائل الاعتقاد على طريقة المرجئة؛ فيقول: مَن سجد لصنم فلا يكفر حتى يعتقد ذلك بقلبه؛ فهل يطلق عليه اسم أهل السُّنَّة؟

هذا الذي حصل الآن، الذي حصل الآن أنَّه عنده قول أهل السُّنَّة في الإيمان وقال بقول المرجئة في الكفر، ومِن أكثر أسباب دخول هذا على طلبة العلم عدمُ تفطّنهم أنَّ في كتب الشروح - شروح الحديث وكتب التفسير أو في كتب أصول الفقه أو غيرها - عدم تفطنهم أنَّ المصنفَ في بعض الأحيان يكون على طريقة المرجئة، فلا يدري، قد يتمادى في شرح حديث مِن الأحاديث، هذه الكتب مفيدة ونافعة – كتب الشروح - لكن إذا كان الرجل الشارح مِن المرجئة انتبه أنت حتى لا تدخل عليك، هذه مقولة المرجئة بلا شك، القول في هذا أنَّ السجود للصنم إذا كان مِن غير مُكره عاقل سويّ؛ يقول شيخ الإسلام: بإجماع أهل السُّنَّة هذا كافر - ظاهرًا وباطنًا -، الذي يقول كما في "الصارم المسلـول"، الذي يقول: لا هذا يمكن أنْ يكون غير كافر! أو سابُّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهو غير مكره وهو عاقل يمكن أنْ يكون مؤمنًا! يقول شيخ الإسلام: بإجماع أهل السُّنَّة هذا قول المرجئة، فالذي حدث أنَّ بعض طلبة العلم بسبب عدم ضبط مسألة الاعتقاد وعدم التفطن لِمَا في مثل هذه الكتب - في الشروح وكتب التفسير بما فيها مِن إشكال المصنف نفسه - دخلتْ عليهم هذه المقولات وهم لا يشعرون، وقلنا: المقصود مِن جنس العمل أصل العمل.

- يقول: ما صحة تقسيم الإيمان إلى أصل الإيمان وكمال الإيمان؟

أصلُ الإيمان الذي يكون به دخول الكافر إلى الإسلام؛ بأنْ يتشهد الشهادتين، ويَعْلَمُ اللهُ مِن قلبه الصدقَ في هذا ويعمل، فعنده أصل الإيمان، أصل الإيمان الذي هو القاعدة الأولية والأصلية له، أما كمال الإيمان فهو تحقيق ما أوجب الله سبحانه وتعالى مِن مثل قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(38) الكمال، إذا قلنا: ذهب أصلُ الإيمان ما يكون الشخص؟ كافرًا، وإذا قلنا: ذهب كمالُ الإيمان؛ مسلم أم كافر؟ مسلم لكنه ناقص الإيمان.

- يقول: وقع في بعض المعاصي، ودائمًا يصوّر الشيطان لي هذه المعاصي ويذكرني بها ما العمل؟

جاهدْه، الشيطان عدو يا أخي، جاهدْه وأنت على خير، احمدِ اللهَ أنَّ الله يَسَّرَ لك الفكاك منها، جاهدْ عدو الله تعالى، وإذا كان هناك شيء يذكرك بها مِن مثل يعني قرناء سوء أو نحوه فهؤلاء ابتعد عنهم، أما مجرد أنْ تتذكرها ويحاول الشيطان أنْ يُغريك بالوقوع فيها فأنت في جهاد معه، جاهدْه.

- نعم نفس الوضع فيما يتعلق بموضوع حقيقة الإيمان وضبط معناه ويتداخل الأمر على بعض المتأخرين هذا ذكرناه.

- يقول: حبذا تأخيرُ بداية الدرس قليلًا كأن يبدأ الساعة الخامسة إلّا ربعًا أو بعدها بقليل، بعضنا يأتي مِن بعيد مِن شرق الرياض وشمالها؛ فيحتاج إلى وقت للوصول.

 نحن لا نحب يا إخوان أنْ نغير جدول المسجد، لأنَّ الإخوة لهم ترتيبُهم، ولو أخرّناه، أنا الآن أخذتُ بعضَ الوقت، لكن غدًا إنْ شاء الله والأيام قادمة فلن أصلَ إلى هذا الوقت، لأنَّ هناك موظفين، لكن اليوم ليس هناك دراسة ولا عمل توسعتُ بعض الشيء، لكن لو أخرّنا الدرس لأدى ذلك إلى تأخير الصلاة، وبالنسبة لمن يأتي مِن بعيد؛ أنا أيضًا آتي مِن بعيد، لكن أرى أنْ الأخ يصلي في الطريق لا يصلي في موضعه، يعني يصلي قريبًا مِن المسجد هنا في المساجد القريبة ويأتي أفضل وإنْ كان فيه كلف لكنه إنْ شاء الله بأجره.

- يقول: هل صحيح ما يقال: إنَّ حق التوكل يكون مِن غير فعلِ للأسباب؟

هذه مقولة الصوفية، يقولون: لا تأخذ بالأسباب؛ بل التوكل في القلب والأسباب لابُدّ منها.

- ما الفَرْقُ بين الرجاء والخوف؟

الرجاء أمر يعمله الإنسان ويتمناه ويطلبه كأنْ يبلغه الجنة، والخوف أمرٌ يَرهبُ منه الإنسان ويُبعد عنه، الفَرْق بينهما واضحٌ.

- وإذا تذكرتُ الوعيدَ في العمل والعبادة وإذا رجوتُ تذكرتُ النعيم(39)

الرجاء والخوف يقول أهل العلم: كجناحي الطائر، على العبد أنْ يكون في أمرِ الخوف والرجاء كجناحي الطائر، الطائر لا يطير بجناح واحد، إذا كُسِرَ جناحُه لا يمكن أنْ يطير به، وإذا كان أحد جناحيه فيه اعوجاج أو إشكال يكون في طيرانه شيء مِن الانحراف(40)، فالمؤمن يجمع بين الخوف والرجاء، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(41) فنجمع الرغبة مع الرهبة، فيكون عندك رغبة وطمع في فضلِ الله، ويكون عندك رهبة مِن رب العالمين ومِن عقابه، فلا تركزْ على هذه وحدها ولا على هذه وحدها.


(1) الأنبياء: 23.
(2) صحيح مسلم (8).
(3) الأنعام: 59.
(4) يونس: 61.
(5) الأنبياء: 105.
(6) يس: 12.
(7) الحديد: 22.
(8) الحديد: 22.
(9) الحديد: 22، 23.
(10) النازعات: 13، 14.
(11) التغابن: 7.
(12) آل عمران: 165.
(13) الشورى: 30.
(14) آل عمران: 165.
(15) آل عمران: 166.
(16) صحيح البخاري (4043) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه مرفوعًا.
(17) آل عمران: 152.
(18) الأنفال: 60.
(19) محمد: 7.
(20) الروم: 41.
(21) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 53).
(22) الليل: 5 - 7.
(23) الليل: 8، 9.
(24) الليل: 10.
(25) الملك: 1، 2.
(26) الليل: 5-10.
(27) صحيح البخاري (1362) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(28) الليل: 5، 6.
(29) الملك: 1، 2.
(30) الأنعام: 148.
(31) صحيح. الحاكم في المستدرك (3765) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (1124).
(32) سبق تخريجه.
(33) صحيح. صحيح ابن حبان (337). التعليقات الحسان (338).
(34) الأنعام: 124.
(35) الأنعام: 149.
(36) الأعراف: 12.
(37) التكوير: 29.
(38) سبق تخريجه.
(39) كلمة غير واضحة.
(40) كلمة غير واضحة.
(41) الأنبياء: 90.