موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان - شرح اعتقاد حرب الكرماني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان

المسألة الثالثة: هي الاستثناء في الإيمان - ويأتي الكلام عليها إنْ شاء الله عزّ وجلّ في كلام حرب الكرماني -.

موضوع الإيمان مِن حيث المصنفات – لعلنا نذكر بعض المصنفات لطالب العلم -، مِن أكثر مَن اعتنى بموضوع الإيمان الإمامُ البخاري والإمامُ مسلم رحمهما الله تعالى، الإمامُ البخاري رحمه الله تعالى بدأ كتابه الصحيح بكتاب بدء الوحي، ثم كتاب الإيمان وذكر فيه نحوًا مِن أربعين بابًا، ذَكَرَ فيه رحمة الله تعالى عليه ما يدل على أنَّ الإيمان قول وعمل، ذَكَرَ فيه ما يدل على أنَّ الإيمان يزيد وينقص، ذَكَرَ فيه ما يدل على أنَّ الزيادة تكون حتى في القلب، ذَكَرَ فيه ما يتعلق بالرَّدّ على مقولة الخوارج بتكفير مَن وقع منه المعصية؛ فاعتنى به كثيرًا جدًّا رحمه الله تعالى وترجم له تراجم في غاية الأهمية.

الإمامُ مسلم رحمه الله تعالى في المقدمة في صحيحه بدأ بكتاب الإيمان واعتنى عناية بالغة جدًا جدًا بأحاديث الإيمان، فهو مِن أهم المراجع مِن جهة النصوص - هو والبخاري - في الدلالة على الإيمان وعلى شروط "لا إله إلا الله" وعلى الزيادة والنقصان وعلى الرَّدّ على المرجئة وعلى الرَّدّ على الخوارج، ومسلم رحمه الله تعالى لا يُبوب؛ يقول: كتاب الإيمان ويسوق النصوص دون تبويب، البخاري رحمه الله تعالى يُبوب؛ فيقول: باب زيادة الإيمان، ويذكر الأدلة مِن الكتاب والسُّنَّة على الزيادة والنقصان في الإيمان وهكذا.

صنّف أهل العلم أيضًا مصنفات كثيرة جدًا كأبي عبيد رحمه الله تعالى؛ صنف في الإيمان، وصنف فيه عدد مِن أهل العلم.

أيضًا صنفوا في كتب العقيدة المسنَدة، هناك كتبٌ تروي العقيدة تحديدًا، ترويها عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وعن الصحابة والتابعين، وهي على جانب كبير مِن الأهمية – وسبق أنْ نوهنا عنها - ككتاب اللالكائي "شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة"، وكتاب الآجري "الشريعة"، وكتاب ابن بطة "الإبانة الكبرى"، وغيرها مِن الكتب العديدة التي أُفردت لرواية أدلة ونصوص الاعتقاد، فاهتموا جدًا بموضوع الإيمان، واستغرق موضوعُ الإيمان في هذه الكتب صفحات كثيرة للغاية، ورووا فيه روايات بالمئات مِن الروايات عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وعن الصحابة وعن التابعين وعن أئمة الإسلام في مسائل الإيمان عمومًا، في حقيقته – التي تحدثنا عنها - وفي كونه يزيد وينقص، ومسائل الاستثناء في الإيمان الآتي ذِكْرُها.

صنف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مصنفًا في الإيمان، توسّع فيه جدًا، وناقش فيه مقولات الخوارج ومقولات المرجئة بأنواعها، وهو مِن أنفع وأنفس ما صُنِّفَ في موضوع الإيمان.

فاهتم أهل العلم بموضوع الإيمان لأنَّ ضبطه مهم للغاية، المخالفة في موضوع الإيمان وحقيقته يترتب عليها في بعض الأحيان أنْ يقول القائل بمقولة المرجئة وهو لا يشعر، أو أنْ يقول بمقولة الخوارج وهو لا يشعر، فلهذا مِن المهم جدًا ضبطُ أمرِ الإيمان وبيان حقيقته وفق ما قرّر أهل السُّنَّة.

لولا التوسع في المسألة وأنَّ الوقت لا يُسعف لتكلمنا أيضًا عن الكفر، لأنَّ عندنا قاعدة عظيمة جدًا في العقيدة :اضبط معنى الإيمان؛ ينضبط عندك معنى الكفر، اضبط معنى التوحيد ينضبط عندك معنى الشرك" إنْ أخللت بمعنى الإيمان؛ مباشرة فيختل عندك معنى الكفر، لأنَّ الكفر ضد الإيمان، إنْ أخللت معنى الإيمان وحقيقته أخللت ولابُدّ بمعنى الشرك وحقيقته، فلهذا المرجئة لمّا خالفوا في أمرِ الإيمان خالفوا في أمرِ الكفر، الخوارج لمّا خالفوا في أمرِ الإيمان خالفوا في أمرِ الكفر، أهل السُّنَّة لهم منهج راسخ في الإيمان، وهذا المنهج الراسخ هو منهج راسخ في الكفر وحقيقته وبيانه، وهكذا فيما يتعلق بالتوحيد والشرك، لذا مِن المهم للغاية أنْ يضبط طالب العلم مثل هذه الغاية، ضبط هذه المسائل على النحو الآتي إنْ شاء الله عزّ وجلّ وتفصيله وتبيينه؛ مما يساعد طالب العلم أنْ يضبط هذه المسائل؛ وأنْ يكون على السُّنَّة فيها.

إذن قوله رحمه الله "الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسُّنَّة" هذا فيه بيان حقيقة الإيمان، فقوله "وتمسك بالسُّنَّة" أي حتى لا يقول ويعمل ويوجد عنده الاعتقاد لكنْ يعمل على غير بصيرة! ويقع في البدع والضلالات وهو لا يشعر، يظن أنه على صواب! فلابُدّ أنْ يكون على سُنّة.

ثم قال رحمه الله: "الإيمان يزيد وينقص" وفيه التفصيل الذي ذكرناه.


ويُستثنى مِن الإيمان غير ألّا يكون الاستثناءُ شكًّا، إنما هي سُنّةٌ ماضيةٌ عند العلماء، فإذا سُئِل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إنْ شاء الله، أو مؤمن أرجو، ويقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.


هذه مسألة الاستثناء في الإيمان، مسألة الاستثناء في الإيمان هي مِن المسائل التي خالف فيها المرجئة، لأنَّ المرجئة تقول – كما قلنا -: إنَّ الإيمان شيء واحد، لا يزيد ولا ينقص، مكمل في القلب، إيماننا كإيمان جبريل وميكائيل! قالوا: فما كان بهذه المثابة فإنه لا يُستثنى فيه، أما الاستثناء في الإيمان عند أهل السُّنَّة فإنه على التفصيل الآتي:

أما الاستثناء في الإيمان على سبيل الشكّ في أصل الإيمان فهذا لا يحل! لا يوجد عاقل يقول: أنا مؤمن إنْ شاء الله بمعنى أنا مؤمن في أصل إيماني، يعني أنا مِن أهل الإسلام إنْ شاء الله ويمكن أني لست مِن أهل الإسلام! إلّا أن يكون موسوِسًا، وهذا يقع لأهل الوسوسة، وهم أناس مساكين نسأل الله لهم أنْ يرفع عنهم ويشفي مرضانا ومرضى المسلمين، ليسوا مِن أهل الأقوال! لكن إذا قال المسلم: أنا مؤمن إنْ شاء الله تعالى؛ فإنه لا يستثني في أصل إيمانه، المرجئة تقول: لا يصح أنْ يستثني؛ لأنَّ الإيمان لمّا كان عندهم مكملًا؛ إيمان كإيمان جبريل وميكائيل؛ قالوا على أيّ أساس أنت تستثني في أمر هو شيء واحد؟ إما أنْ يوجد كله وإما أنْ يرتفع كله؟ أهل السُّنَّة قالوا: نحن نستثني لاعتبارات، الاستثناء عند أهل السُّنَّة صحيح وحق بالاعتبارات الآتية، وقد تسمى بالمآخذ، يعني مآخذ أهل السُّنَّة في الاستثناء أو الاعتبار الذي نظر إليه أهل السُّنَّة في أمر الاستثناء، فأنت تستثني؛ فإذا قيل: أنت مؤمن؟ تقول: إنْ شاء الله، هذا معنى الاستثناء، تقول: إنْ شاء الله تركًا للتزكية، يعني لا تزكي نفسك، لأنَّ كلمة "مؤمن" تطلق على مَن؟ تطلق على أبي بكر وعلى عمر وعلى عثمان وعلى المهاجرين وعلى الأنصار كما قال تعالى في المهاجرين والأنصار: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(1)، فإذا قيل: أنت مؤمن؟ تقول: إنْ شاء الله - بهذا الاعتبار -، حتى لا تزكي نفسك؛ فتكون كأنك أحد أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فمِن هذا الباب يصح الاستثناء، مِن باب ترك تزكية النفس هذا الأخذ الأول.

المأخذ الثاني: أنَّ الإيمان المطلق يشمل فعلَ جميع ما أَمَرَ الله به وتركَ كل ما نهى الله عنه، فمَن ادعى ذلك لنفسه؛ فقد ادعى أمرًا عظيمًا! لذلك يستثني؛ فيقول: أنا مؤمن إنْ شاء الله؛ بالنظر إلى أنَّ الإيمان مطلق وأنْ تأتي بجميع ما أمرك الله تعالى به وأنْ تكفّ عن كل ما نهاك الله عنه، فمَن يستطيع أنْ يدعي هذا لنفسه؟ لا يدعي هذا لنفسه عاقل! لأنه مَن كان بهذه المثابة فهو مِن أهل الجنة، فالذي يأتي بالإيمان المطلق يكون مِن أهل الجنة، فتستثني بهذا الاعتبار، أنك لمّا علمتَ أنَّ الإيمان المطلق هو فعلُ جميع ما أَمَرَ الله به وترك كل ما نهى الله عنه مِن صغير أو كبير؛ فهذا أمر لا تستطيع أنْ تدعيه هذا لنفسك، فتقول: أنا مؤمن إنْ شاء الله - بالنظر إلى أنَّ الإيمان المطلق هو هذا -.

المأخذ الآخر: أنَّ العبرة كما قال عليه الصّلاة والسّلام: «إنما العمال بالخواتيم»(2)، فتستثني بالنظر إلى أنَّك لا تدري على أيّ شيء تموت وبِمَ يُختم لك؛ فتقول: أنا مؤمن إنْ شاء الله - بالنظر إلى الخاتمة -، فتسأل الله تعالى أنْ يُحسن لك الخاتمة، فتقول: أنا مؤمن إنْ شاء الله تعالى، لأنّ الإنسان إنما هو على ما لقي اللهَ عليه، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالخواتيم»(3)، فلو أنه كان على الإيمان مدة طويلة مِن حياته ثم - نسأل الله العافية - انتكس ومات على الضلالة؛ فإنه لا ينفعه ما سلف مِن عمله بعد أنْ كَفَرَ وتركَ الإيمانَ، فتستثني بالنظر إلى الخاتمة.

المأخذ الرابع: أنه يصح الاستثناء حتى في الأمر المتحقَّق منه كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ(4) مع أنَّ الله يعلم أنهم سيدخلونه، وكما في حديث زيارة المقابر في قوله صلّى الله عليه وسلّم «وإنّا إنْ شاء الله بكم لاحقون»(5) وهذا معلوم أنَّ جميع الناس يموتون ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(6) ومع ذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: «وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون»(7)، وهكذا الرجل في قبره - المؤمن والفاجر - كلاهما يقول له الملك: «وعليه تُبعث إنْ شاء الله»(8)، الاستثناء هنا ليس شكًّا ولكنه على سبيل التحقيق، فمِن أكثرِ ما ينبغي أنْ يحملك على الاستثناء في الإيمان هو تركُ التزكية؛ وأنْ لا تزكي نفسك، فالمؤمنون حقًا هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(9) هذه الآية نزلت في المهاجرين وفي الأنصار، مَن يدعي هذا لنفسه؛ ويزعم أنه بلغ الكمال؟ فلأجل ذلك يستثني.

قول حرب رحمه الله هنا: "هي سُنَّةٌ ماضية عن العلماء أو عند العلماء - كما في النسخة عندكم –" هذا هو الأمر المعلوم المعروف عند أهل العلم رحمهم الله هو الاستثناء في الإيمان للمآخذ التي ذكرنا.

ثم بيّن المرادَ بالاستثناء في الإيمان، ما معنى الاستثناء في الإيمان؟ في الفقرة التي بعدها "وإذا سُئِلَ الرجلُ أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إنْ شاء الله، أو أنا مؤمن أرجو - يعني أرجو إنْ أكون مؤمنًا -، أو إذا قيل له: هل أنت مؤمن؟" كلمة مؤمن كما قلنا يمكن أنْ تنصرف إلى الإيمان الكامل، أنْ تقول للأمر الذي هو مؤمن به والذي أنت منه متأكد تقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، هذه تسمى صيغ الاستثناء، هذا المراد بالاستثناء في الإيمان، الاستثناء في الإيمان إذا قيل لك: هل أنت مؤمن؟ تقول: إنْ شاء الله، هذا الاستثناء في الإيمان، أو تقول: أرجو أنْ أكون مؤمنًا، أو بدلًا مِن أنْ تقول له: نعم أو لا؛ تقول له: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، فهذه هي مسائل الإيمان الكبار التي عادة ما يدور الكلام عليها.


(1) الأنفال: 74.
(2) صحيح البخاري (6607) عن سهل بن سعد رضي الله عنه مرفوعًا.
(3) سبق تخريجه.
(4) الفتح: 27.
(5) صحيح  مسلم (974) من حديث عائشة رضي الله عنه مرفوعًا.
(6) الزمر: 30.
(7) سبق تخريجه.
(8) صحيح. ابن ماجه (4268) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح موارد الظمآن (1/ 343).
(9) الأنفال: 74.