موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص - شرح اعتقاد حرب الكرماني
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص

المسألة الثانية في الإيمان هي التي قال حرب رحمه الله: "والإيمان يزيد وينقص"، إذا علمنا أنَّ الإيمان قول واعتقاد وعمل؛ فمعنى ذلك أنَّ الإيمان شُعَب متعددة كما قال عليه الصّلاة والسّلام: «فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعَبة مِن الإيمان»(1) فأعلاها قول ونطق؛ قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى، وهذا عمل بالجوارح، والحياء شُعَبة مِن الإيمان أمرٌ قلبي، وأصل الحديث أوله «الإيمان بضع وستون شُعَبة»، فالإيمان عند أهل السُّنَّة شُعَب، فالصلاة مِن شُعَب الإيمان، والصيام مِن شُعَب الإيمان، الحياء مِن شُعَب الإيمان، ثم هذه الشُعَب تتفاوت، منها شُعَب إذا فُقدت زال الإيمانُ بالكلية كشُعَبة قول "لا إله إلا الله"، إذا لم يقل الكافر: لا إله إلا الله؛ فإنه لا يكون مِن المسلمين، وهناك شُعَب واجبة وإذا فرّط فيها أَثِمَ لكنْ لا يكفر، كشُعَبة الزكاة وشُعَبة الصيام، وهناك شُعَب مستحبة كشُعَبة إماطة الأذى عن الطريق، فالإيمان شُعَب، المخالفون لأهل السُّنَّة في هذا الباب سواء مِن الخوارج والمعتزلة، والخوارج والمعتزلة يُسمون بالوعيدية، يركّزون على نصوص الوعيد، يقصد بالوعيدية أنهم ركزوا على نصوص الوعيد كذكر تعذيب الله تعالى للعصاة ووعيده لهم بالنار والعذاب ونحو ذلك، فالوعيدية هم المعتزلة، وقبلهم الخوارج، ويأتي إنْ شاء الله ويَسَّرَ لاحقًا وقت نُبيّن لك أنَّ المعتزلة في حقيقتهم خوارج، وكثير مِن العلمانيين والليبراليين يمدحون المعتزلة ويقولون: إنهم من أصحاب الفكر الحرّ! ولا يدرون أنَّ المعتزلة خوارج.

يُقابل الوعيدية فرقةُ المرجئة، ركزوا على نصوص الوعيد(2) مِن كون الله غفورًا رحيمًا وما ورد مِن الفضائل لأهل الإيمان وسعة رحمة الله تعالى، فنشأت هاتان الفِرَقتان متقابلتان، فرقة المرجئة وفرقة الوعيدية، هؤلاء أخذوا بجانب مِن النصوص؛ وهؤلاء أخذوا بجانب مِن النصوص، منهج أهل السُّنَّة والجماعة في جميع مسائل الاعتقاد جمع النصوص كلها، وعدم التركيز على نصوص مع إغفال نصوص أخرى؛ فإنّ هذا مِن مناهج أهل الضلال، لأنّ النصوصَ كلَّها حقٌّ، فلا يحل لأحد أنْ يتشهى ويأخذ مِن النصوص ما راق له ويترك ما لا يروق له! هذه طريقة أهل البدع والضلال، ولا يزال هذا إلى الآن موجودًا في الناس، تجد هذا عند كثير مِن الناس عندنا يسوق مسائل - لعله يأتي إنْ شاء الله تعالى معنا بعض الأمثلة - عندما يسوق بعض المسائل يركز على نصوص أخرى؛ ويترك نصوصًا فيها بيان الحق! لكنه لا يريد أنْ يُبيّن هذا الحق؛ وإنما يأخذ منْ الحق ما هويه ورغب فيه.

الوعيدية والمرجئة معًا قالوا: إنَّ الإيمان شيءٌ واحد، ما هو مرادهم بكونه شيئًا واحدًا؟ أنَّه ليس بشُعَب، وبالتالي لا يزيد ولا ينقص، قالوا: إنَّ الإيمان شيء واحد؛ إما أنْ يرتفع كله ولا يبقى عند الإنسان إيمان فيكفر؛ وإما أنْ يوجد كله؛ فيكون إيمانه كإيمان أهل السموات مِن الملائكة - جبريل وميكائيل وبقية الملائكة وكإيمان الأنبياء والمرسلين -، لأنّ الشخص الذي يقول: إنَّ الإيمان شيء واحد معناه عنده إما أنْ يكون كاملًا؛ حتى قالت المرجئة: إيماننا كإيمان جبريل وميكائيل! - نسأل الله العافية والسلامة -، لِمَ؟ قالوا: لأنَّه شيء واحد، فإيمان أشد الناس عصيانًا - في زعمهم - مثل إيمان جبريل وميكائيل! ولهذا مِن لطيف المحاورات التي وقعت بين أهل السُّنَّة وبين المرجئة أنّ ميمون بن مهران رحمه الله كان يُناقش أحدَ المرجئة، وكان يقول في قول المرجئة: "إنَّ إيماننا مثل إيمان جبريل وميكائيل؛ وإنه لا يتفاضل" فبينما هم كذلك إذ سمع ميمون رحمه الله تعالى صوتَ مغنية تغني، فقال للمرجئ: إيمانُ هذه مثلُ إيمان مريم بنت عمران؟ فقام المرجئ مِن محل المناظرة - كأنَّه استيقظ -، يقول: هذه الآن مغنية ورفعت صوتها ولم تستح حتى سمع الناس غنائها، أتقول: إنَّ هذه في إيمانها مثل إيمان مريم بنت عمران التي قال الله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ(3)؟؟ فهذه المقولة بأنَّ الإيمان ليس بشُعَب! خطيرة للغاية، لماذا خطيرة؟ مِن جانبين، أنها أسرعُ طريقة في تكفير المسلم؛ أنْ يُقال: إنَّ الإيمان شيء واحد، يعني إنْ لم يأت بالإيمان كاملًا؛ فإنه يكفر! ومِن هنا انفتح أنَّ التفريط في الواجبات – أيّ واجب مِن الواجبات أو الوقوع في المعاصي - أنَّ صاحبه يكفر! لأنَّهم يقولون: إنَّ الإيمان هو فعل الفرائض وترك المحرمات - وهو شيء واحد -؛ فإذا فرّط في شيء مِن الواجبات مثل أنْ يفرّط في بِرّ والديه؛ في صلة رحمه وصار عاقًا، ينفتح إشكال أنه يكون كافرًا! لأنَّ الإيمان في زعمهم واحد، إما أنْ يوجد كله ويكون كاملًا؛ وإما أنْ يرتفع، فإذا ارتفع يكفر المرء! المرجئة قالت بنفس المقالة، قالت: إنَّ الإيمان شيء واحد! إما أنْ يرتفع كله، وإما انْ يبقى؛ فيكون كاملًا كإيمان جبريل وميكائيل، لكنهم أخرجوا العمل - كما سيأتي - وزعموا أنَّ الإيمان هو مجردُ ما في القلب؛ وأنَّ اعتقاد الناس واحد مِن حيث يقين الناس وقوة ورسوخ إيمانهم واحد، يعني يزعمون أنَّ إيماننا كإيمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في القوة والرسوخ، يعني يقولون: لو نقص يكفر! لماذا قالوا لا يزيد ولا ينقص؟ لأنه عندهم شيء واحد ليس بشُعَب متعددة؛ شُعَب مِن الأعمال والقول والاعتقاد وأعمال القلوب، بناءً على ذلك قالوا: إما أنْ يبقى كله وإما أنْ يرتفع كله، وبه تعرف أنَّ هذه المقالة صارت هي السبب في تكفير الناس، وفي الوقت نفسه - وهذه مِن عجائب المقالات - وفي الوقت نفسه صارت السبب مِن جهة المرجئة في تسهيل أمر المعاصي، لأنَّ المقالة باطلة، النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه قال: «الإيمان بضع وستون شُعَبة»(4) الشُعَبة معناها القطعة والجزء؛ فدل على أنَّ الصوم جزء، والصلاة جزء، وإماطة الأذى عن الطريق جزء، وهذه الشُعَب متفاوتة في أحكامها، فإذا قيل: إنَّ الإيمان جزء واحد؛ فإنه إما أنْ يرتفع كله، وإما أنْ يبقى المرء فيه كاملًا.

المعتزلة - وهم مِن الوعيدية - رجح متأخرهم القاضي عبد الجبار مقولةَ أبي هاشم وأبي علي مِن المعتزلة أنَّ الإيمانَ هو أداء الفرائض وترك النواهي وفعل المستحبات، وهذا إشكال كبير جدًا على المعتزلة، لماذا؟ لأنه إذا أدخل فعل المستحبات في حدّ الإيمان وقال: إنَّ الإيمان شيء واحد؛ معناه أنّ مَن ترك المستحب - في مثل هذه الحالة – عند مَن يقول: إنَّ الإيمان شيء واحد أنه إذا تَرَكَ المستحب؛ فإنه يلزمهم أنْ يقولوا بكفره! وهم لا يقولون بهذا قطعًا، هل المستحبات عند أهل السُّنَّة مِن الإيمان؟ نعم، الإيمان قول واعتقاد وعمل يدخل فيه تركُ المعصية لله، يدخل فيه فعلُ المستحب، يدخل فيه فعلُ الواجب، لأنَّ الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكنّ أهل السُّنَّة يقولون: الإيمان شُعَب، الذين يقولون الإيمان شيء واحد! يُشكل عليهم هذا الأمر، إذا قالوا: إنَّه شيء واحد يرتفع كله فيكفر الإنسان؛ ويبقى كله فيكون إيمانه مثل إيمان جبريل وميكائيل، ولهذا قال أهل السُّنَّة: إنَّه يزيد وينقص، ولا شك أنَّ الزيادة والنقصان أمرٌ نَصَّتِ النصوص عليه، والعجب ممن يقول: إنَّ الإيمان لا يزيد - مع قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا(5) -!! نصوص جلية صريحة في كتاب الله عزّ وجلّ بزيادة الإيمان، والنقصان ورد في غيرما أحاديث.

أولًا النقصان أيها الإخوة مَن أقرّ بالزيادة يلزمه أنْ يقرّ بالنقصان، لأنَّه قبل الزيادة كان ناقصًا ثم زاد، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم في النساء: «ما رأيتُ ناقصات عقل ودين أغلب لِلُبِّ الرجل الحازم مِن أحداكن»(6)، فذكر أنَّه عندهن نقصانًا في الإيمان، وهكذا النصوص التي جاءت عنه عليه الصّلاة والسّلام في قوله «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(7)، إذا جاءت هذه النصوص عند أهل السُّنَّة معناها جليّ واضح، لا يتطرق منها أيّ إشكال، "لا يؤمن أحدكم" يعني الإيمان الكامل، لأنَّ الإيمان يزيد وينقص، تُشكل هذه النصوص عند مَن يقول: إنَّ الإيمان شيء واحد! ثم يأتي هذا الحديث «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(8)، كم عدد الذين يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم؟ لا شكّ أنَّه الأقل، بل أقل الأقل، الصفوة الخُلَّص مِن المؤمنين، كُمَّلُ الإيمان، مَن هو الذي يحب لأخيه نفس ما يحب لنفسه؟ لا شكّ أنهم قليل، ولهذا مِن رحمة الله تعالى أنَّ الإيمان هنا ينقص ولا يرتفع بالكلية ويزول، لأنه لو قيل بمثل هذا «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(9)، مَن يبقى على وجه الأرض مِن المسلمين؟ قلة قليلة، فالمقصود هنا "لا يؤمن أحدكم" الإيمان الكامل لأنَّ الإيمان يزيد وينقص، على مقالة هؤلاء "لا يؤمن أحدكم" الإيمان نُفِيَ هنا! وهم لا يعلمون إلّا أنَّه شيء واحد يرتفع كله أو يبقى كله! فتشكل هذه النصوص عليهم، ولهذا قالت الخوارج: إنَّ مَن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ وهكذا قوله صلّى الله عليه وسلّم «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»(10) عند أهل السُّنَّة المعنى واضح، يعني "لا يزني الزاني حين يزني" وهو مؤمن الإيمان الكامل؛ إِذْ لو كَمُلَ إيمانُه لَمَا زنى؛ فإذا ضَعُفَ إيمانه زنى، هذا المعنى، الخوارج قالوا: إذا زنى كفر، إذا سرق كفر، في هذا الحديث المشكل عليهم لا يستطيعون هم أنْ يطبقوه، فيقال للخوارج قوله صلّى الله عليه وسلّم «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»: أنتم معاشر الخوارج أصدقوا؛ مَن منكم يحب لأخيه الخارجي ما يحب لنفسه؟ لا شك أنهم الأقل، فعند ذلك ستكفرون أنفسكم مِن مذهبكم نفسه، هنا القول بأنَّ الإيمان يزيد وينقص دلّتْ عليه النصوص كما قلنا، وهو الذي يعلمه الإنسان مِن نفسه، فيعلم مِن نفسه أنه كان عنده شيء مِن الضعف أمام بعض المعاصي، تغلبه نفسه؛ ثم إنَّ الله تعالى مَنَّ عليه بالتقوى فصار لا يعصي، فصارتِ المعاصي هذه التي كان يلتذ بها صارت أبغض إليه مِن كل شيء لأجل الله تعالى، ما الذي حصل لهذا الشخص؟ زاد إيمانُه قطعًا، وهكذا يحسُّ المرء بزيادة إيمانه في تفاوت أحواله، فتجدك في رمضان في العشر الأخيرة منه على حال مِن الإقبال على الطاعة أكثر مِن حالك في معظم أيام السَّنَة، هذا لأنَّ الإيمان زاد عندك، يكون عندك بعض الأحيان شيء مِن الفتور الذي تسبب في شيء كأنْ تلفظت بشيء غير مناسب أو عملت عملًا غير مناسب؛ ثم ندمت عليه، تفكرتَ في نفسك: أنا لم أتلفظ بهذه الكلمة السيئة والقبيحة إلّا لضعف إيماني؛ وإلّا لو كان إيماني قويًا لَمَا تلفظتُ مثلًا بهذه الكلمة، كأنْ تتلفظ على والدك أو على أحد مِن ذوي رحمك أو على أحد مِن المسلمين بلفظة غير طيبة وغير جيدة؛ لضعف إيمانك صدرتْ منك هذه اللفظة، ثم لأنك ندمتَ على ما وقع منك فزاد إيمانك ورجعت ندمت على ما وقع منك واستغفرت ربك، هذا معنى الزيادة والنقصان، والمرء يحسُّ به مِن نفسه؛ وأنه ليس على حال واحد دائمًا، ولهذا تصلي صلاة تكون فيها خاشعًا؛ وتصلي نفس الصلاة في يوم آخر فلا تكاد تضبطها، الصلاة خاشعة كنت أكثر حضورًا وكان قلبك أكثر استحضارًا والإيمان عندك أزيدُ وأرفعُ؛ فلأجل ذلك صارت صلاتُك خاشعة، فهذه مقامات كثيرة جدًا يدركها المرء مِن نفسه أنَّ إيمانه يزيد وينقص.


(1) صحيح البخاري (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) قول الشارح– حفظه الله - : "نصوص الوعيد" يظهر أنه سبقُ لسان، ولعل مرادَه: "نصوص الرحمة والمغفرة" كما هو ظاهرٌ مِن السياق لِمَن تأمله.
(3) المائدة: 75.
(4) سبق تخريجه.
(5) المدثر: 31.
(6) صحيح البخاري (304) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا..
(7) صحيح البخاري (13) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا.
(8) سبق تخريجه.
(9) سبق تخريجه.
(10) البخاري (2475) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.