موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح اعتقاد حرب الكرماني
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فإنَّ المصنَّفات في الاعتقاد التي صنَّفها علماء الأمَّة السَّابقون على جانبٍ كبيرٍ جدًّا مِن الأهمية، لأنَّ تلك المصنَّفات صُّنفت في وقتٍ خيرٍ مِن وقتنا؛ وأهله خيرٌ مِن أهل هذا الوقت، وكان الإسلام ظاهرًا، والجهاد ماضيًا، والإسلام عزيزًا، وغربة الدِّين الَّتي حصلت على نطاقٍ واسعٍ في الأزمنة الأخيرة لم تكن بالدَّرجة الموجودة في هذه الأزمنة.

المصنفون القدامى رحمة الله تعالى عليهم مِن أئمة السُّنَّة صنَّفوا هذه المصنفات في الاعتقاد حفظًا لاعتقاد هذه الأمة وإبانةً للحق في مسائل الاعتقاد في وقتٍ كان أهل الاعتزال والتَّجهّم والتشيّع وعموم البدع والضلالات كانوا أقلَّ حالًا وأضعفَ مما هم عليه، وقد ثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّ الإسلام يعود غريبًا، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ»(1)، ومِن أعظم وأشدّ وأخطر ما يكون مِن غربة الدِّين أنْ يكون هناك غربةٌ في العقيدة؛ حتَّى تنقلب المفاهيم، وتنقلب السُّنة بدعة والبدعة سُنَّة، ويكون الحقُّ باطلًا والباطل حقًا في نظر الناس كما قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه: "كيف بكم إذا لبستكم فتنة يشيب فيها الصغير ويهرم عليها الكبير؛ فإذا غُيَّرت قيل غُيِّرت السُّنَّةُ"(2)، وهذا حاصلٌ في مثل هذه الأزمنة، فإنَّ الدُّعاة إلى التوحيد حين نبَّهوا الأمةَ إلى تحقيق التوحيد وضرورة ترك الشركيات المنتشرة؛ شُّنت عليهم حملةٌ شعواء كبيرة جدًا على نطاقٍ واسعٍ من أنواع المخرفين من المُتصوِّفة والروافض وأهل التقليد الأعمى والجهلة، وصُوِّر وضعُهم على أنَّه وضعُ مَن يُغير الدِّين ويبدِّل ما بعث الله به نبيَّه محمدًا صلّى الله عليه وسلّم.

اختلطت المفاهيم جدًا عند كثيرٍ من الناس، وكان الناس في هذا البلد إلى عهدٍ قريب المفاهيمُ عندهم على جانبٍ كبيرٍ مِن الوضوح تميزوا بهذا عن بلدانٍ كثيرة؛ حتى اختلط الحابلُ بالنابل ولا سيما مع وسائل الاتصال الحديثة، وصِرتَ تسمعُ الشُّبهَ التي كانت تُردد في بلدانٍ يسود فيها الشرك والخرافة؛ صرتَ تسمعها مِن أبناء هذه البلاد، وصار التزهيد في التوحيد، وشنّوا الغارة على دعاته وعلى دعاة السُّنُّة السليمة الحقيقية المحضة؛ صار أمرًا موجدًا داخل هذه البلاد.

ومِن أهم ما يرفع هذا الإشكال ويُزيل هذه الغربة أنْ تُعاد الأمةُ إلى مَن يُتفقُ عليهم مِن المتقدمين بدءًا مِن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم والتابعين وأئمة الإسلام، وإذا أتينا إلى مجال الاعتقاد أيها الإخوة لا يكون هناك مذاهب، نحن نعلم أنَّ المذاهب الفقهية موجودة؛ وأنَّ الخلافَ الفقهيَّ قبل الأربعة رحمهم الله موجودٌ، لكنْ إذا أتينا إلى الاعتقاد؛ فالاعتقاد واحد، تارةً يكون القول في المذهب الشافعي هو الصواب الراجح على المذهب الحنبلي، يتضح هذا بأدلته بجلاء، طالب العلم يتضح له ويرجح مذهب الشافعي بلا أدنى تردد في مسائل، ويتضح في مسائل أنَّ الصواب في المذهب الحنبلي ويرجحه طالب العلم الشافعي، لأنَّ هذه المسائلَ مسائلُ أحكام يُنظر فيها للدليل، إذا أتينا إلى الاعتقاد فالاعتقاد واحد، لا يمكن أنْ تكون فيه هذه الأقوال، ولهذا لما امتُحن شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه وأراد الحاكمُ في وقته أنْ يُصلح ما بينه وبين خصومه وأنْ يقول: هذا الاعتقادُ الذي عليه ابن تيمية هو اعتقادُ أحمد يعني وأنتم على اعتقاد الأئمة الآخرين، أنت على اعتقاد الإمام مالك، وأنت على اعتقاد الشافعي، وأنت على اعتقاد أبي حنيفة؛ فقال رحمة الله تعالى عليه: مذهبُ السلف قبل أنْ يخلق اللهُ أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد! بل هذا قول الأئمة جميعًا، إذا أتينا إلى جانب الاعتقاد؛ هذا قول علماء الأمة رحمة الله تعالى عليهم، وليس هذا قول فلان! ولهذا قال شيخ الإسلام في الإمام أحمد: لم يأخذ أهلُ السُّنَّة عن الإمام أحمد حرفًا واحدًا في الاعتقاد! هل هذا صحيح؟ نعم والله هذا صحيح، الاعتقاد لا يُؤخذ مِن فلان ولا مِن فلان! إنما يُؤخذ مِن النصوص، وأحمد رحمه الله تعالى إنما نَبُلَ ورَفعُ الله تعالى قدْرَه بثبوته على اعتقاد الحق الذي كان قبله، أمّا أنْ يأتي أحدٌ ليعطي للناس اعتقادًا ويقول: هذا اعتقادي فاعتقدوه! فهذا غير واردٍ عند أهل السُّنَّة والجماعة، لأنَّ الاعتقادَ موجودٌ في الكتاب والسُّنَّة وفيما أجمع عليه سلف الأمة رحمة الله تعالى عليهم، فلماذا نقول إذن: أحمدُ إمام أهل السُّنَّة؟ مالك إمام لأهل السُّنَّة، الشافعي إمام لأهل السُّنَّة، البخاري، سفيان، لماذا نقول هذا الكلام؟ يقول شيخ الإسلام: أئمة السُّنَّة تُنسب إليه السُّنَّة لأنهم مظاهر ظهرت فيهم السُّنَّة، أمّا أئمة البدعة فتنسب إليهم البدعة لأنهم مصادر صدرت عنهم البدعة، فرْق كبير جدًا، أحمد صار إمامًا للسُّنَّة لأنَّه صار مظهرًا مِن مظاهر السُّنَّة، طبّق السُّنَّة، ولَزِم السُّنَّة، وصار إمامًا فيها، أمّا أهل البدع فمصادر صدرت عنهم البدعة، فإذا قيل للمعتزلة: قولُكم هذا مَن قال به مِن الصحابة مِن التابعين؟ يقولون: قال به واصل بن عطاء؛ قال به عمرو بن عبيد، والأمّة قبلهم ماذا كانت؟ ضالّة ضائعة؟ قبل أنْ يوجد واصل بن عطاء أين كان هذا الاعتقاد؟ وهكذا الجهمية، مَن إمامُكم قبل جهم بن صفوان وشيخه - شيخ الضلال - الجعد بن درهم؟ يقولون: هؤلاء هم أئمتنا، ولهذا قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله لمّا بلغه أنّ رجلًا مِن أهل البدع عندما قَرُبَتْ وفاتُه قيل له: على دين مَن تموت؟ قال: أموتُ على دين أبي عُمارة، أبو عُمارة هذا هو زعيم هذه الفِرَقة الضالة، يقول: انظروا إلى هذا الشقي! يقول: أموت على دين أبي عمارة ولا أموت على دين أبي القاسم صلّى الله عليه وسلّم! فما قال: أنا انتسبُ إلى دين محمد صلّى الله عليه وسلّم وأموت على دينه! إنما أموت على دين أبي عُمارة.

فالاعتقاد أيها الإخوة مأخوذ مِن الكتاب والسُّنَّة وما أجمع عليه سلف الأمة الصالح رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وإذا قيل: هذا إمام مِن أئمة أهل السُّنَّة؛ فليس معناه أنَّه اخترع لأهل السُّنَّة اعتقادًا! وإنما معناه أنَّه ثبت وصار إمامًا في السُّنَّة كما قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(3)، فلمّا ثبت على الحق صار إمامًا لأهل السُّنَّة، لا أنَّه اخترع للناس عقيدةً فسُمّي بناءً عليها إمامًا! لأنه لو فعل هذا لصار مِن أئمة البدع وليس مِن أئمة أهل السُّنَّة.

مِن هنا حرصنا على أنْ يُربط طلابُ العلم في هذه الأزمنة بكتب السلف المتقدمين، وجاء اختيارُ هذه الرسالة للإمام الجليل حَرْب الكرماني رحمة الله تعالى عليه - ويأتي إنْ شاء الله بعد قليل التعريفُ به - ليُعلم أنَّ هذا الاعتقاد الذي عليه علماء السُّنَّة في هذه الأزمنة هو اعتقادُ أئمة السُّنَّة المتقدمين، لا يختلف - ولله الحمد - ولا يتفاوت، لأنَّ الاعتقاد كما قلنا لا يختلف، ومِن هنا قال أبو المظفر الصنعاني رحمة الله تعالى عليه: مما يَدُلّك على أنَّ أهل السُّنَّة على الحق أنكَ لو طالعت كتب متقدميهم ومتأخريهم مع اختلاف بلدانهم واختلاف أزمانهم لوجدتهم في الاعتقاد على وتيرةٍ واحدة كأنما كَتَبَ الاعتقادَ واحدٌ منهم، فالاعتقاد واحد أيها الإخوة، ولهذا الطعن الحاصل الآن في العقيدة على أساس أنَّها منسوبةٌ لابن تيمية أو لابن عبد الوهاب أو لفلان أو لفلان مِن أهم ما يكون ردًّا عمليًا عليه أن ْ نُدرِّسَ كتبَ الاعتقاد قبل أنْ يُوجد ابن تيمية وابن عبد الوهاب رحمهم الله؛ ثم نقول: هذا الاعتقاد الذي عليه أئمة السُّنَّة القُدامى هو اعتقاد ابن تيمية وابن عبد الوهاب، وإنما نَبُل ابن تيمية وارتفع قدره ونَبُلَ ابن عبد الوهاب وارتفع قدره لأنَّه سلك على مسلك مَن قبلهما، ولو ابتدعا لكان سبيلُهما سبيلَ أهل البدع ممن ضلّ وما أكثرهم، فمِن هنا سنركز بإذن الله تعالى - وسبق الشرح في هذا الجامع لرسالة المزني رحمة الله تعالى عليه وغيره مِن أئمة السُّنَّة -، والمزني مِن أشهر تلاميذ الإمام الشافعي رحمهم الله تعالى، لأنه كما قلنا إذا جئنا إلى موضوع الاعتقاد فالأئمة فيه على وتيرة واحدة كما سيأتي ويتضح ويُبيَّن بإذن الله تعالى.

هذه الرسالة للإمام حرب بن اسماعيل بن خلف الكرماني رحمة الله تعالى عليه، يُقال الكَرماني ويقال الكِرماني، وكَرْمَان مِن البلاد السُّنِّيَّة، وهي بين فارس وسجستان وخُراسان، في تلك البلاد التي يسود فيها الآن بعد غربة الدين يسود فيها التشيع والضلال وإلّا فهي بلاد سُنّة، كان خرج منه عدد كبير مِن علماء السُّنَّة وأئمة الإسلام، فتلك البلاد هي بلا شك بلاد على السُّنَّة حتى دخلها ما دخلها مِن مَدِّ الروافض.

مزيَّةُ هذا الكتاب؛ هذا الكتاب له أكثر مِن مزية الحقيقة لكن نركز على شيء يسير مِن مزاياه حتى نبدأ على خير إنْ شاء الله، مِن أهم مزايا الكتاب ما نبَّه عليه الإمام حرب رحمة الله تعالى عليه مِن أنَّ هذا الاعتقادَ هو اعتقادٌ محلُ إجماع أهل العلم، وسمى عددًا منهم كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى توضيحُه، فليس الأمر راجعًا إلى اعتقادٍ ألّفه فلان وفلان! وإنما هذا اعتقاد علماء السُّنَّة في أمصار الإسلام المشهورة في تلك الأزمنة كالعراق والشام والحجاز وغيرها كما سيأتي بيانه.

المزية الثانية لهذا الكتاب: أنَّ الإمامَ حربًا رحمه الله تعالى عَرَّفَ بعددٍ مِن الفِرَق الضالة في وقته مما عاصره ومما كان قبْله، وهذا نادر في الحقيقة في كُتب الاعتقاد، في العادة أنَّ كُتب الاعتقاد تركز في العموم الأغلب على بيان مسائل الاعتقاد، وإذا ذُكرتْ فيها فِرَقُ الضلال؛ فإنها تُذكر للتحذير منها باسمها في العموم الأغلب، حَرْبٌ رحمه الله تعالى في هذا الكتاب عرَّف بعددٍ مِن الفِرَق، وهذا أمرٌ في غاية الأهمية الحقيقة في مثل وقتنا هذا، لأنَّ الحاجة للتعريف بالفِرَق الضالة اليوم مهم للغاية، وسنربط بعون الله تعالى وتيسيره الفِرَق التي ذكرها الإمام حرب رحمه الله تعالى بالفِرَق الموجودة الآن، لأنَّ هناك مَن يقول: ما الحاجة مِن التدريس والتحذير مِن مقولات الفِرَق الضالة؟ الفِرَقُ الضالّة اندثرت وزالت وانتهت! هذا مِن العجائب؟ هذه المقولات مِن العجائب! ما كأنَّ الروافض لها دولة قائمة تنشرها في الأرض! ما كأنَّ التخريف والتصوّف ينتشر في الأرض! ما كأنّ مقالات الجهمية وفروعها موجودة في الأرض! هذه المقالة تدل على أنَّ القائل لا يدري بحقيقة الفِرَق، ولا يدري بخطرها، والأمر كما قال عمر رضي الله عنه: "إنما ينقض الإسلامَ عروة عروة؛ إذا نشأ في الإسلام مَن لم يعرف الجاهلية"(4) الذي لا يعرف الضلال يقع فيه وهو لا يدري، ولهذا كان حذيفة رضي الله عنه يسأل رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم عن الشر يقول: "كنتُ أسألُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم عن الشّرّ؛ وكان أصحابي يسألون رسول الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسألُه عن الشرك مخافة أنْ يدركني"(5) يعني خشية أنْ أقع في الفتن والشّرّ وأنا لا أدري، ولذا قال الشاعر: "عرفتُ الشّرّ لا للشّرّ! لكن لتوقيه، ومَن لا يعرف الشّرّ مِن الخير يقع فيه"، وهذا واقع، ستجد الآن في كتب بعض طلبة العلم - وهم لا يشعرون، وهم مِن طلبة العلم مِن أهل السُّنَّة بلا شك - نَقْلَ مقالات هي للجهمية وهم لا يشعرون! لأنهم لا يعرفون مقالةَ الجهمية؛ فينقل قولَ الجهمية وهو لا يدري قول الجهمية! وهذا وجد في الحقيقة في عدد مِن الكتب، ووجد حتى في بعض رسائل الماجستير والدكتوراه لطلبة عِلْمٍ متخصصين يأخذون في مثل المجالات الشرعية هذا اللقب المنتشر الآن، وهو لا يدري أنَّ هذه مقالة للجهمية! قد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الزمخشري: إنه يدخل اعتزالياته بما لا يشعر به القارئ، يعني يبث مقالاته في الاعتزال بطريقة لا يدري بها القارئ، ولهذا تجد مقالات الزمخشري تُنقل في بعض الأحيان وهو لا يدري - الناقل - أنَّ هذه المقالة هي مقالة المعتزلة! ولهذا بإذن الله تعالى - وهذه مِن مزايا الرسالة كما قلنا - سنُعَرّف ببعض الفِرَق قطعًا تعريفًا إجماليًا، وسنضع بحول الله تعالى مقدمة - إذا أتينا إلى الفِرَق في آخر الرسالة - عن الفِرَق وأسباب نشأتها وأهم علاماتها وأوائل ظهورها وكيف تعامل السلف معها والموجود منها، لأنَّ الآن يقول كثير مِن الناس مثلًا: المعتزلة اندثرت؛ وبعد أنْ أتى الله بالخليفة المتوكل رحمه الله تعالى ونصر السُّنَّة انمحى الاعتزال، هذا كلام مَن لا يدري بحقيقة المعتزلة، المعتزلة انتقلت مقالاتُهم الباطلة إلى عدد مِن الفِرَق ودخلت فيها، وتجدُ مقالات المعتزلة الآن في كتب الرافضة وفي كتب الإباضية وفي كتب الزّيديّة وفي كتب عدد ممن ينصرون هذه المقالات مِن المُسَمَّين بالتنويريين أو العقلانيين، بل تجدها في كتب العلمانيين والليبراليين ينصرون مقالات المعتزلة لأنَّ فيها تنحيةً للنص الشرعي وتقديمًا للهوى الذي يسمونه العقل، فمعنى ذلك أنَّ القائلَ لا يدري بأصل مقولة المعتزلة ويظن أنّ المعتزلة حتى توجد لابُدّ مِن أنْ يُوجد كيان يسمى بكيان المعتزلة، العبرة بالمقالة نفسها، والفِرَقُ أيها الإخوة - كما سيأتي – تتداخل، كثير مِن الفِرَق تتداخل، يدخل بعضها ببعض لأنها فِرَقٌ ضالةٌ، فينتقل كثير مِن أقوال الفِرَق إلى فِرَق أخرى، إما أنْ تنتقل المقالة بأَسْرها أو بعض مِن هذه المقالات، وتوجد هذه المقالات في الفِرَق وإنْ لم تتسمَّ باسم الفِرَقة القديمة، وهذا يحتاج إلى التنبه والتفطن، ولا سيما والناس الآن يطّلعون للأسف الشديد على ما هَبَّ ودَبَّ مِن كُتُبٍ ومقالات، لا يكترثون بمطالعة مناظرات ومواقع وقنوات إلّا مَن شاء الله لهم الهداية ولَزِمَ منهجَ السلف في البعد عن مثل هذه المواضع الخطرة، ولهذا تسربت مقالاتُ الفِرَق لكثير مِن عوام المسلمين وهم لا يشعرون، مقالات المرجئة، مقالات المعتزلة، مقالات للرافضة، مقالات للخوارج تجدها في بعض عامة المسلمين ولا يدرون أنّ أصل المقالة لهذه الفِرَق، وهذا بإذن الله لعله يأتي إنْ شاء الله تعالى التنبيهُ عليه عند الكلام على تفاصيل الكلام على الفِرَق، لكنّ المقصودَ بيانُ أنَّ الاعتقادَ هو أعظمُ ما يملكه المسلم، فلا يحلُّ له أنْ يُعرّضه للشبه والضلالات، ولهذا لَمّا جاء رجل للإمام مالك رحمه الله تعالى وقال: يا أبا عبد الله اسمع مني - وهو مِن أهل البدع والضلال – قال: فإنْ غلبتني؟ قال: تتبعني، قال: فإنْ جاء ثالث؛ فغلبنا؟ قال: نتبعه، قال: إنَّ الله بعث محمدًا صلّى الله عليه وسلّم بدين واحد وأراك تتنقل! عندك استعداد كل مرة تأخذ بمقالة! الإمام مالك مِن فقهه ما قال: فإنْ غلبتُك! قال: فإنْ غلبتني - وهو يعلم رحمه الله أنَّ السُّنَّة لا يغلبها هذا المبتدع -، قال: تتبعني، قال: فإنْ جاء ثالث فغلبنا؟ قال: نتبعه، قال: كم جاء محمد صلّى الله عليه وسلّم مِن دين؟ جاء بدين واحد وأنا اراك الآن تتنقل(6)! ولهذا قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "مَن جَعَلَ دينَه عُرضة للخصومات أكثرَ التنقل"(7)، كل يوم سيكون عنده رأي! ولَمّا جاء رجلٌ للحسن البصري رحمه الله وقال: يا أبا سعيد ناظرني – يعني: في أمور الاعتقاد -، قال: أمّا أنا فعلى بينة مِن ديني؛ وأما أنت فشاكٌّ فاذهب إلى شاكٍّ مثلك فناظره(8)، يقول: أنا أمرُ الاعتقاد عندي ثابت تلقيته عن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ أما أنت فرجل عندك شكّ ابحث عن رجل مِن أمثالك ممن عندهم شك فناظره، أمّا الثابت فلا تأتِ إليه، ابحث عن شاكّ مِن أمثالك.

الحاصل أنَّ الاعتقادَ يجب أنْ يحرص المسلم على عدم تزعزعه؛ وأنْ لا يُعَرِّضَه للاضطراب ولا سيما مِن الجهلة، وإلّا فلله الحمد لا يوجد شبه على وجه الأرض مضت ولا تأتي ولا موجودة الآن لا يكون لها حلّ! لها حلّ، وتُرَدُّ، شبه ملاحدة منصرين روافض معتزلة ليبرالية علمانية أيًّا كان، لا يقال: هذه الشُّبه لا يمكن أنْ تُرَدّ! تُرَدُّ، لكنها تُرَدُّ مِن قِبَلِ متمكن راسخ في الاعتقاد قادر على أنْ يَرُدَّ الشُّبهَ، أمّا الحاصلَ الآن هو أنَّ كثيرًا مِن الناس غيرُ مؤهلين في نفس الاعتقاد، يعني لم يؤسسوا في الاعتقاد التأسيس السليم ثم ينبري بعضهم للرد على الشُّبه والضلالات؛ فيكون الرَّدُّ ضعيفًا! بل يتأثر الرَّادّ والداخل في هذه المناظرات والمناقشات، يتأثر بالشُّبهة، مع أنَّ الشُّبه - ولله المَنّ والفضل - فاسدة بأصلها كما قال تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ(9) هي حججهم داحضة، لكنْ إذا أتى ليردّ على هذه الشُّبه والضلالات مَن ليس بمؤهلٍ؛ فإنَّه بلا شك سيكون رَدُّه - مثلما ذكر أهل العلم – قالوا: إنَّ السلطان يلزمه إذا خرج أحد مِن الكفار للمبارزة وخرج رجلٌ مِن المسلمين ضعيفٌ؛ يلزمه أنْ يمنعَ الضعيفَ مِن مبارزة هذا الفارس القوي مِن الكفار، لأنَّ الظاهرَ مِن حاله أنَّه سيُغلب وسينكسر وسيتأثر بذلك المسلمون! فلا يظهر له إلّا قِرْنٌ مِن أمثاله، وهكذا الشُّبهات - ولله الحمد - والضلالات الرَّدُّ عليها يسير، وهي داحضةٌ باطلة، لكنْ أنْ يتصدرَ للردّ - كما هو حاصل الآن - مَن هَبّ ودَبّ هذا لا شك فيه باطل وخلاف منهج السلف؛ لا يجوز، لأنَّ ذلك يُعرِّض الرَّادّ ويعرض السامعَ أيضًا، يُعرّضهم جميعًا للتزعزع والتزلزل، وهذا لا يجوز كما في المثال أنَّ الضعيفَ لا يصح أنْ يبارز القوي مِن فرسان الكفار، وإنما يبارزه قِرْنُه، ولهذا هذه الشُّبه - ولله الفضل والمَنّ - تُرَدُّ وتدحض، وهل يُردّ على كل شبهة؟ لا شك أنه لا يُردّ على كل شبهة! إنما يُردّ على الشُّبه التي يُحتاج إلى دحضها، أما أنْ نبحث عن الشُّبه نقول: هناك شُبَهٌ قيلت في البلد الفلاني؛ وهذا ردُّه! لا يصح هذا، لأنَّ الشُّبه إذا كانت ميتة؛ فإنها لا يصح أنْ تُحيا حتى يُردّ عليها! لأنَّ أعظم ردٍّ على الباطل أنْ يُترك حتى يموت، لكن إذا اجتاحت المسلمين فلابُدّ مِن الردّ عليها، وإلّا مثلًا فبعد الحرب العالمية الأولى والثانية هناك مناهج كثيرة جدًا في شرق أوروبا وغربها ظهرت وصار لها أنصار بالملايين ثم ماتت وخَبَت، فنذهب الآن في مثل هذا الوقت ونقول: إنه مِن نحو سبعين سَنَة هناك مَن يقول: كذا وكان الرد عليه كذا، هذا غير صحيح، لأنها إذا ماتت، كثير مِن أفكار اليونان وأفكار مَن بعدهم، وحتى أفكار المعتزلة والضلال مِن الباطنية وغيرهم مما مات مِن الشُّبه لا يصح أنه يحيا حتى يُردّ عليه! يعني أعظمُ طريقة في الردّ على الباطل الذي مات أنْ يُترك وأنْ لا يبعث مِن جديد، وإنما يُردّ على الباطل الذي يُحتاج للرد عليه، فالأمر في الحقيقة أنه بحاجة إلى فقه وعلم وإلى دراية وإلى تأسيس للاعتقاد في المقام الأول، وهو ما فعله حربٌ رحمه الله كما سترى، هو أسس للاعتقاد وبيَّنَ الحق ثم ذكر الفِرَق الضالة بعد ذلك.

طريقتُنا في الشرح بإذن الله ستكون مفصَّلة، لأنَّ مدة الدرس كافية بإذن الله تعالى للتفصيل، فسنأخذ مسائل الاعتقاد واحدة واحدة بإذن الله تعالى، ونأخذ كلام حرب رحمه الله تعالى عليه، سنأخذه بالتفصيل ونبيّنه بعون الله تعالى بشيء مِن الإسهاب والتطويل وبيان الأدلة وتوضيح ما قد يُحتاج إلى توضيحه لأنَّ الرسالة تتحمل التفصيل هذا.


(1) صحيح مسلم (146) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) رواه الدارمي (191)، وصححه الشيخ حسين سليم أسد حفظه الله.
(3) الفرقان: 74.
(4) أورده ابن القيم رحمه الله في كتابه (الفوائد) (ص109).
(5) صحيح البخاري (3606).
(6) يُنظر: "ترتيب المدارك" للقاضي عياض (2/ 38).
(7) السنة لعبد الله بن أحمد (1/ 138).
(8) يُنظر: "الإبانة الكبرى" لابن بطة (2/ 543).
(9) الشورى: 16.