موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - دفع الصائل - شرح القواعد الفقهية للسعدي
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح القواعد الفقهية للسعدي لفضيلة الشيخ أحمد بن حمد بن عبد العزيز الونيس
  
 
 شرح القواعد الفقهية للسعدي
 مقدمات متعلقة بعلم القواعد الفقهية
 المقدمة الأخيرة: المؤلفات في القواعد الفقهية
 تنبيه
 ترجمة الناظم والتعريف بالمنظومة وشروحها
 مقدمة المنظومة
 قاعدة: الأمور بمقاصدها وتفريعات عليها
 المصالح والمفاسد
 قاعدة المشقة تجلبُ التيسير وتفريعات عليها
 قاعدة الضرورات تبيح المحظورات
 قاعدة اليقين لا يزول بالشك وتفريعات عليها
 قاعدة يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا
 قاعدة العادة محكمة
 قاعدة مَن تَعَجّل شيئًا قبل أوانه عُوقب بحرمانه
 قاعدة اقتضاء النهي الفساد
 دفع الصائل
 الألفاظ التي تفيد العموم
 قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور
شرح القواعد الفقهية للسعدي - دفع الصائل

ومُتْلِفُ مؤذيه ليس يَضمنُ ... بعد الدفاعِ بالتي هي أحسنُ


معنى هذا البيت أنّ مَن أتلف مَن صال عليه لدفع أذاه؛ فإنه لا يضمن، بمعنى أنه لا يلزمه العوضُ، لكن بشرط أنْ يكون الدفع بالتي هي أحسن لقول الله عزّ وجل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(1)، والدفع بالتي هي أحسن في مسألة الصيالة يكون لدفع الصائل بالأسهل فالأسهل، فإنْ دَفَعَه بالأشدّ مع إمكانه دفعه بالأسهل فإنه يضمن ويأثم أيضًا، مثال ذلك: لو صال عليه حيوان أو آدمي ولم يتمكن مِن دفعه إلّا بقتله؛ فإنّ له ذلك ولا يأثم ولا قِصاص عليه إذا كان القتل لآدميٍ مسلم! ولا يلزمه الدِّيَة أيضًا! لأنّ الدم هنا يكون هَدَرًا، هذا معتدٍ والمعتدي يُدفع، لكنْ بشرط أنْ يكون لا يمكن دفعُه إّلا بالقتل، فإنْ أمكن دفعُه بالضرب أو الهرب منه أو نحو ذلك فإنه لا يُلجئ إلى الأشد مع إمكان الأسهل، لو صال عليه صيدٌ وهو مُحْرِم فلم يمكن دفعُه إلّا بقتله؛ فيقال: لا إثم عليه لارتكاب هذا المحظور في الإحرام وأيضًا لا يلزمه الجزاء.

دليل ما تقدم: عموم الأدلة المتقدمة في حِلِّ المُحَرّم للمضطر، إذا تأملتَ تَجِدُ أنّ هذا الذي صيل عليه في حال ضرورة، لو ترك هذا الصائل فربما قتلَه، إذًا الحال حال ضرورة، فكل ما تَقَدَّم معنا مِن أدلة اعتبار الضرورة؛ فإنها تدخل في الاستدلال بهذه القاعدة.

أيضًا ما جاء عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَن قُتل دون ماله فهو شهيد»(2)، وعَضَّ رجل يد رجل – على عهد النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم -؛ فنزع يده مِن فمه؛ فسقطت ثنية العاضّ، فاختصموا إلى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال عليه الصلاة والسلام: «يعضّ أحدكم أخاه كما يعضّ الفحل! لا دِيَة له»(3) أخرجه البخاري.

فكل هذه الأدلة تدل على اعتبار هذه القاعدة.

وأمّا كونه يدفع بالأسهل فالأسهل فلأنّ إتلاف حق غيره الأصل فيه الحرمة وهنا أُبيح للضرورة، والمُحَرّم إذا أُبيح للضرورة فإنه لا يُباح مطلقًا بل يُباح بقَدْر ما تندفع به الضرورة، وهذا تقدم معنا أيضًا في قاعدة "الضرورة تُقَدّر بقدرها"، وبناءً على ذلك فإنه يبدأ بالأسهل فالأسهل ثم ينتقل إلى الأشد، لكنّ ابن رجب رحمه الله تعالى ذَكَرَ قاعدة فيها شيء مِن الفرْق، وهي قوله رحمه الله: "مَن أتلف شيئًا لدفع أذاه له لم يضمنه" وهذا واضح، هجم عليه بعير أو هجم عليه آدميّ لقتله فإنه يدفعه بالأسهل فالأسهل ولو قتله، هذا الآن أتلف شيئًا لدفع أذاه له؛ فإنه لا يضمن، لكنْ قال "وإنْ أتلفه لدفع أذىً به ضَمِنَه" ومثّلوا لذلك فيما لو كان الإنسان مُحرِمًا فلم يَجِدْ طعامًا وخشيَ الهلاك فوجد صيدًا فصاده وأكله، فالآن هل هذا الصيد صال عليه؟ يعني هل هو يدفع أذى هذا الصيد؟ لا، وإنما أتلف هذا الصيد لدفع أذى به - وهو الجوع الذي لحق به أو الضرورة التي لحقت به -، فمثل هذا يضمن ويكون عليه الجزاء.


(1) المؤمنون: 96.
(2) صحيح البخاري (2480) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا.
(3) صحيح البخاري (6892) من حديث عمران رضي الله عنه مرفوعًا.