موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - قاعدة المشقة تجلبُ التيسير وتفريعات عليها - شرح القواعد الفقهية للسعدي
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح القواعد الفقهية للسعدي لفضيلة الشيخ أحمد بن حمد بن عبد العزيز الونيس
  
 
 شرح القواعد الفقهية للسعدي
 مقدمات متعلقة بعلم القواعد الفقهية
 المقدمة الأخيرة: المؤلفات في القواعد الفقهية
 تنبيه
 ترجمة الناظم والتعريف بالمنظومة وشروحها
 مقدمة المنظومة
 قاعدة: الأمور بمقاصدها وتفريعات عليها
 المصالح والمفاسد
 قاعدة المشقة تجلبُ التيسير وتفريعات عليها
 قاعدة الضرورات تبيح المحظورات
 قاعدة اليقين لا يزول بالشك وتفريعات عليها
 قاعدة يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا
 قاعدة العادة محكمة
 قاعدة مَن تَعَجّل شيئًا قبل أوانه عُوقب بحرمانه
 قاعدة اقتضاء النهي الفساد
 دفع الصائل
 الألفاظ التي تفيد العموم
 قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور
شرح القواعد الفقهية للسعدي - قاعدة المشقة تجلبُ التيسير وتفريعات عليها

ومِنْ قواعدِ الشَّريعةِ التَّيسيرُ ... في كُلِّ أمر نَابَهُ تَعْسِيرُ


الشرع والشريعة في اللغة هي مورد الماء، وأُطلق على ما شرعه الله تعالى لعباده تشبيهًا بشريعة الماء لأنه بها تحصل حياة القلوب ويتحقق الرِيّ المعنوي؛ كما أنّ الماء تحصل به حياة الأبدان ويتحقق به الرِيّ الحسيّ.

ومعنى هذا البيت أنّ مِن قواعد الشريعة قاعدةُ "المشقة تجلبُ التيسير" وهي مِن القواعد الكلية الكبرى، ومعناها أنّ المكلف إذا وَجَدَ شدة وصعوبة - سواء في بدنه أو في نفسه عندما يقوم ببعض التكاليف الشرعية - فإنّ هذه المشقة تكون سببًا للتخفيف والتسهيل عنه بحيث تُزال عنه هذه الشدة أو تُخفف عنه، وهذه القاعدة لها مكانتُها العظمى في الفقه، ويتخرج عليها جميعُ الرُّخَص الشرعية، كما أنها تُبرز مقصدًا مِن مقاصد الشريعة وهو: "رفع الحرج عن المكلفين".

هنا مسألة وهي أقسام تيسيرات الشرع وتخفيفاته، تنقسم تيسيرات الشرع وتخفيفاته إلى قسمين:

القسم الأول: التخفيف والتيسير الأصلي، يعني أنّ الشريعة في أصلها جاءت بالتخفيف واليسر وليس فيها حرج ولا مشقة على العباد، كما قال الله جلّ وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا(1)، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(2)، وقال عليه الصلاة والسلام: «بُعِثْتُ بالحنيفية السَّمْحَة»(3)، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنّ الدينَ يُسْرٌ»(4)، فالمقصود أنّ الشريعة في أصلها شريعة يُسْر وتيسير، وليس فيها حرج ولا مشقة.

مِن صور هذا القسم: سهولة هذه الشريعة مقارنةً بالشرائع السابقة، مثال ذلك: بنو إسرائيل لَمّا حصل منهم ما حصل وأرادوا التوبة؛ كانت توبتهم بأيّ شيء؟ بقتل أنفسهم! وأمّا في هذه الأمة فالتوبة سهلة على العبد، متى ما توفرت شروطها؛ فإنّ اللهَ جلّ وعلا يتوب عليه.

أيضًا مِن مظاهر التيسير في هذه الشريعة ما يَرِدُ فيها مِن الأصول العظيمة، كـ "الأصل في المعاملات الحلّ"، هذا نوع تيسير، يعني إذا جاءنا عقد جديد فتأمل فيه العلماء؛ فلم يجدوا فيه ما يدلّ على تحريمه مِن رِبًا أو غرر أو ظلم أو أكل أموال الناس بالباطل أو نحو ذلك؛ فإنهم يحكمون بإباحته ولا يحتاج الأمرُ هنا إلى دليل خاص على جواز هذا العقد، يعني لو قلنا: إنّ "الأصل في المعاملات التحريم" معنى ذلك حتى يدل الدليل على جوازها، فإذا جاءنا عقد جديد مثل: الإيجار المنتهي بالتمليك، عقد مختَلف فيه بين المعاصرين، لو قلنا: إنّ "الأصل في المعاملات التحريم حتى يدل الدليل على الجواز" نقول: لا بُدّ لِمَن قال بالجواز أنْ يأتي بالدليل، أمّا إذا قلنا أنّ: "الأصل في المعاملات الِحلّ" فمَن قال بالجواز لا يحتاج لدليل فالأصل معه، مَن احتاج لدليل هو المخالف الذي يقول بالتحريم.

أيضًا مِن مظاهر التيسير في الشريعة: مراعاة عدم التكليف بالمستحيل، فما كلفنا الله عزّ وجلّ إلّا بما نقدر عليه.

أيضًا مراعاة إباحة ما يحتاجه الناس - وقد أشرتُ إلى هذا - مثل: عقد الإجارة وعقد السَّلَم، فهذه مما يحتاج الناس إليها؛ فجاءت الشريعة بإباحتها.

القسم الثاني: التيسير والتخفيف الطارئ، الأول في الأصلي؛ وهذا في الطارئ، المراد به أنّ الشرع راعى وجود بعض الأعذار الطارئة التي تَرِدُ على المكلف في أحواله المختلفة فشرع التيسيرَ عند وجود هذه الأمور الطارئة.

والتخييف الطارئ هنا على أنواع:

مِن أنواعه: تخفيف الإسقاط، كإسقاط حضور الجمعة والجماعة عن المريض، نعم، له بدل فهو يصلي الظهر في بيته، لكن الكلام على حضور الجمعة والجماعة سقط في حقه لأجل العذر والمشقة.

أيضًا مِن أقسام التخفيف الطارئ: تخفيف التنقيص، يعني أنْ ينقص في الشيء المشروع مراعاة لحال المكلف، ومثاله: قصْرُ الصلاة في السفر.

أيضًا تخفيف الإبدال: كإبدال الوضوء بالتيمم عند فقْدِ الماء.

أيضًا تخفيف التقديم: كالجمع بين الصلاتين تقديمًا، وكتقديم الزكاة لسَنَة أو سنتين، وأيضًا مِن صور التقديم تقديم زكاة الفطر عن يوم العيد ليوم أو يومين - لأنّ الأفضل في أوقاتها أنْ تكون يوم العيد قبل الصلاة - لكن مراعاة للتخفيف على العباد جاز تقديمها بيوم أو يومين، وأيضًا تقديم التأخير كالجمع بين الصلاتين تأخيرًا، وكتأخير قضاء الصوم إلى شعبان – يعني لا يلزمه أنْ يقضي بعد العيد مباشرة -، فهذا كله مِن تخفيف التأخير.

أيضًا تخفيف الترخيص، كالترخيص في النطق بكلمة الكفر عند الإكراه على ذلك، لكن مع اطمئنان القلب بالإيمان، ومثَّلوا له بالترخيص في صلاة المستجمر مع بقية آثار النَّجُو التي لا يزيلها إلّا الماء، إذا استجمر الإنسان بحجارة أو تراب أو مناديل ونحو ذلك؛ فإنه لا بُدّ أنْ يبقى شيءٌ يسير في المَحَلّ لا يزيله إلّا الماء، فهذا مما يرخص فيه.

أيضًا مما يدخل في ذلك: تخفيف التغيير، كتغيير صفة العبادة، ومثاله: صلاة الخوف، الصلاة لها صفة معروفة، لكنْ إذا جاء الخوف فإنه تتغير الصفة مراعاةً لحال المكلفين ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا(5) في حال المسايفة والكَرّ والفَرّ فإنه يصلي بحسب حاله، مستقبل القبلة وغير مستقبل القبلة، يومئ بركوعه وسجوده - وإنِ اختلفت الصفة -، كل ذلك للتخفيف عن العبد ورفع الحرج عنه.

أيضًا تخفيف التخيير: وهذا ظاهر في الكفارات التي فيها التخيير، مثل كفارة اليمين، يُخَيّر بين ثلاثة أشياء: وهي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوة عشرة مساكين، فإنْ لم يستطع انتقل بعد ذلك إلى الصوم، أُنَبّه هنا أنّ بعض العامة إذا حنث الإنسان يقولون: صُمْ ثلاثة أيام! وهذا خطأ لأنها على الترتيب، لكن الرتبة الأولى فيها تخيير بين ثلاثة أشياء؛ فإن كان عاجزًا انتقل إلى الثاني، فهذا تخفيف بالتخيير بين هذه الخصال.

أنتقل إلى أدلة هذه القاعدة، يدل لها جميع الأدلة في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية التي جاء فيها الترخيصُ عند وجود المشقة، ومِن ذلك: قول الله عزّ وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ(6)، وقال جلّ وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ(7)، وأمّا في السُّنَّة فقال عليه الصلاة والسلام: «إنّ الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها - ما لم يتكلموا أو يعملوا به -»(8)، وهذا مِن رفع الحرج عن الناس، فإنه لا يخلو المرؤ مِن الوساوس والخطرات التي تَمُرّ في ذهنه، فلو كان يعاقب عليها ويحاسب عليه؛ فإنّ هذا فيه حرج عظيم عليه، فجاء الشرع برفع ذلك، أيضًا قال عليه الصلاة والسلام: «إنّ الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»(9)، أخرجه ابن ماجه، أيضًا في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح مسلم أنه عليه الصلاة والسلام "جمع بين الظهر والعصر؛ والمغرب والعشاء مِن غير خوف ولا مطر" لَمّا سُئل ابنُ عباس رضي الله عنهما عن سبب ذلك قال: "كي لا يحرج أمته"(10).

أنتقل بعد ذلك إلى أسباب المشقة التي تجلب التيسير، هناك عدة أسباب، منها:

السفر: ومِن تخفيفاته القصرُ للصلاة، والجمع بين الصلاتين، والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، والفطر في رمضان ونحو ذلك.

أيضًا مِن الأسباب: المرض، فيجوز للإنسان أنْ يتيمم عند الخوف مِن استعمال الماء بزيادة المرض كالجرح مثلًا أو تأخر الشفاء، وكذا يجوز للمريض أنْ يصلي قاعدًا إذا لم يستطع أنْ يصلي قائمًا، كل هذا مِن التيسير.

أيضًا مِن الأسباب: النسيان، ومِن صور التخفيف فيه عدم الإثم وعدم وجوب القضاء إذا أكل الإنسان أو شرب ناسيًا في الصوم الواجب.

أيضًا مِن الأسباب: الإكراه، ومِن صور التخفيف فيه أنّ مَن أُكره على البيع بغير حق؛ فإنّ هذا العقد لا يصح، أيضًا لو أكرهتِ المرأةُ زوجها على الطلاق – هددته بالسلاح: تطلق وإلّا قتلتك! – فطلقها، فرحت المرأة وذهبت إلى أهلها، رجع الرجل وقال: هذا الطلاق لا يصح لأنه بإكراه.

أيضًا الجهل: ومِن تخفيفاته عدم سقوط حق الشفعة إذا كان الشفيع جاهل بحقه فيها، كثير مِن الناس يجهل هذه المسألة، يكون شريكًا مع شخص في بيت، ثم يبيع هذا الشريك نصيبَه مِن البيت ويعلم شريكُه بأنه تمَّ البيع لكنه يجهلُ أنّ له حق في الشرع - وهو حق الشفعة -، بمعنى أنه يأخذ هذا القسط أو هذا النصيب الذي بِيْعَ بثمنه مِن البائع، فمتى ما علم ولو بعد مدة نقول: لك الحق في أنْ تشفع، فهذا تيسير مِن الشرع، والسبب في ذلك جهل هذا الشريك للحكم الشرعي، أيضًا لو تكلم الإنسان في الصلاة جاهلًا بالحكم فإنه لا إثم عليه ولا قضاء، كما حصل لمعاوية بن الحكم رضي الله تعالى عنه عندما تكلم في الصلاة فلم يأمره النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم بقضاء ولم يعنفه لأنه كان جاهلًا بالحكم.

أيضًا مِن الأسباب: عموم البلوى، والمراد بها شمولُ وقوع الحادثة للمكلفين أو المكلف بحيث يعسر الاحترازُ منها أو الاستغناء عن العمل بها، عموم البلوى يظهر مِن التعريف أنه يشمل صورتين:

الأولى: عسر الاحتراز، وهذا في الغالب يختص بما يقع بغير اختيار المكلف، كمَن به سلسُ البول، والمرأة المستحاضة التي يستمر معها الدم؛ فهنا تجوز الصلاة ولو كان الدم مستمرًا أو البول يتقاطر، لكنْ له أحكام مفصلة عند الفقهاء في هذا، لكنه يصلي ولو كانت النجاسة تنزل منه، فهذا مما يعسر الاحتراز منه.

الصورة الثانية: عسر الاستغناء عنه، وهذه في الغالب تقع فيما يكون باختيار المكلف، لكنْ لو لم يفعل لعَسُرَ عليه الأمر وشَقّ عليه الأمر، مثال ذلك: مَسّ الصبيان للمصحف عند التعلم مع كونهم لم يتطهروا! الكلام على الصبي المميز، الصبي المميز هو ممكن أنْ يفقه ويفهم أنْ نقول له: توضأ، لكنّ مراعاة ذلك عند تعليمه للقرآن يلحق مَن يُعَلّمُه حرج، فلهذا جاء الترخيص في أنه يمسه بغير طهارة، لكنْ مع ذلك ينبغي لِمَن يعلم الصبيان أن يحثهم على التوضؤ والتطهر قبل مسّ المصحف.

السابع: النقص، كالتخفيف على الصغير في التكاليف لنقص عقله، وأيضًا التخفيف على الأعمى ونحوه مِن أصحاب الأعذار في عدم وجوب الجهاد عليهم، أيضًا التخفيف على المرأة في أنه لا يجب عليها الجمعة ولا الجماعة، كل هذا لأجل ما اعتراهم مِن النقص.

أنتقل بعد ذلك إلى ضابط المشقة التي تجلب التيسير، وذلك أنّ ما مِن حكم شرعي يأمر الله تعالى به إلّا ويكون فيه شيء مِن المشقة، إذًا ما هي المشقة التي تجلب التيسير والتخفيف؟ وما هي المشقة التي لا تجلب التيسير والتخفيف؟ يقال في هذا: إنّ المشقة التي تجلب التيسير هي المشقة الخارجة عن المعتاد والتي تؤدي إمّا للهلاك أو المرض أو نحو ذلك مِن الأضرار، أو يلحق المكلفَ بها حرجٌ شديد يصعب احتماله؛ فإنه حينئذٍ تراعى هذه المشقة ويأتي التيسير مِن الشرع، مثاله: القيام لصلاة الفجر والوضوء بماء بارد، كل هذه فيه مشقة، لكنْ هل هذا يدخل في القاعدة؟ نقول: هذه مشقة معتادة بخلاف ما لو كان الإنسان في الصحراء وليس معه طعام ولم يَجِدْ إلّا الميتة فماذا نقول؟ إذا لم يأكل الميتة فإنه يخشى عليه الهلاك! إذًا يأتي التيسير والتخفيف فيقال: يجوز لك أنْ تأكل مِن الميتة، لأنّ هذه غير معتادة؛ والمشقة غير محتملة، أيضًا مشقة القيام في الصلاة للمريض، قد يجاهد نفسه المريض وربما يتوكأ على عصا ويقف في الصلاة لكنه لا يستحضر الخشوع فيها، ينتظر متى يركع الإمام أو يسجد، إذًا هذه مشقة غير محتملة يلحق المكلفَ فيها حرجٌ شديد؛ فجاءت الشريعة في التخفيف والتيسير فيها.

أنتقل إلى القواعد المتفرعة عن هذه القاعدة، هناك عدة قواعد، منها:

قاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق" معناها أنه إذا تحققت مشقة في أمر مِن الأمور؛ فإنه يحصل معها ضيق على المكلف؛ فهنا تأتي الشريعة بالتوسيع والتخفيف عنه حتى تزول هذه المشقة ويزول هذا الضيق، وبالعكس مِن ذلك: إذا زالت المشقة وعاد الأمر إلى ما كان عليه وصار هنالك سعة عند المكلف؛ فإنه يُضيق عليه بمعنى أنه يعود الأمر كما كان مِن أصل التكليف، ففيها تقييد للقاعدة الكبرى الكلية وهي" المشقة تجلب التيسير"، يعني لا تجلبه مطلقًا! تجلبه مع استمرار المشقة لكن إذا ارتفعت المشقة يرجع الأمر إلى ما كان عليه مِن الحكم الأصلي، مثال ذلك: المُعْسِر لَمّا كان في ضيق وَسَّعت عليه الشريعة بوجوب إنظاره إلى ميسرة، لكنْ متى ما أَيْسَر هذا المعسر وأصبحَ في سعة؛ فإننا نضيق عليه ونوجب عليه أنْ يُبادر بالسداد "إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق"، مثال آخر: المريض إذا شَقّ عليه القيام فصلى قاعدًا ثم أحسَّ بنشاط في الركعة الثالثة مثلًا أو في الركعة الرابعة؛ فإنه يجب عليه أنْ يُتِمّ الصلاةَ قائمًا.

دليل هذه القاعدة: أنّ الله عزّ وجلّ شَرَعَ لعباده صلاةَ الخوف على صفتها المعروفة بما في ذلك مِن التوسيع عليهم ثم قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ(11) يعني على الصفة المعروفة التي جاء بها الشرع، فمتى ما ضاق الأمر اتسع، ومتى ما اتسع ضاق.

أيضًا مِن القواعد التي تتفرع عن هذه القاعدة: قاعدة "الاضطرار لا يبطل حقّ الغير" ومعنى هذه القاعدة: أنّ المضطر إذا تَصَرّف بما يرفع عنه الضرورة فترتب على ذلك إتلافُ مال آدمي؛ فإنه يلزمه الضمان، كمَن اضطر إلى طعام غيرِه، ما وَجَدَ إلّا طعام ذلك الرجل فأخذه وأكلَه، نعم، نقول: لا تأثم لأجل الضرورة؛ لكن لا يبطل حق الغير! فيلزمك الضمان وتعطيه قيمة هذا الطعام.

نقف على هذا، وأسأل الله عزّ وجلّ لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح، والله أعلم، وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمد.

أسئلة(12):

- لا، الحكم معلق بالسفر، العلة هي السفر، فمتى ما وجدتِ العلة وُجِدَ الحكم وهو الترخص ،وأمّا المشقة فهذه حكمة.

- المسيء صلاته ما أمره بإعادة ما مضى! وإنما أمره بإعادة هذه الصلاة، ثم إنّ معاوية بن الحكم كان يصلي مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم يعني الصلاة بأركانها كلها مكتملة؛ إنما حصل فيها هذا الأمر فقط! فرْق بين هذا وهذا.

- إنّ ما حُرِّم تحريم وسيلة جاز عند الحاجة والمصلحة الراجحة.

- هنا اجتمعت عندنا مصلحة ومفسدة، نراعي الأرجح منهما، تكون لها قاعدة ثانية.

- الأفضل له أنْ يعتكف في المكان الذي يكون أخشع له للقاعدة التي ذكرتُها.

- طيب إذا كان كذلك أَلَا يستحق العقوبة؟ تعزيرية ولو لم يكم مثلًا حَدّ! لكن كلامنا الآن على اجتماع مصلحة ومفسدة يمكن أنْ يسقطها الحاكم إذا كان سيترتب على إقامة الحَدّ مفسدة أعظم، ممكن أنْ يسقطها، وإلّا الأصل كما ذكرتَ، الحدود لا بُدّ مِن إقامتها، التعازير يمكن لأنّ الأمر فيها أخفّ، لكن - كما ذَكَرَ زميلُك -: عبد الله بن أُبيّ بن سلول أَلَا يستحق العقوبة التعزيرية؟ أقلّ شيء! لأنه تولى كبره ومع ذلك ما عوقب! لماذا؟ لدفع مفسدة، النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام لم يقتل المنافقين حتى لا يُقال إنّ محمدًا يقتل أصحابه! ولكن لدفع مفسدة أعظم، المقصود مِن هذا التمثيل يا إخوان - قد تكون هذه المسألة يعتريها شيء - لكنّ المقصود بالتمثيل أنه إذا وُجدت مفسدة أعظم ومفسدة أدنى منها؛ فإننا نرتكب الدنيا لدفع الكبرى، وهذه تختلف فيها وجهات النظر، يعني لو اجتهد مجتهد وقال: هذه أعظم مِن هذه - وهو أهل للاجتهاد – فلا يُثرّب عليه! قد يُخالفه غيرُه باجتهاد آخر.

نكتفي بهذا، والله أعلم، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد.


(1) البقرة: 286.
(2) الحج: 78.
(3) صحيح. أحمد (22292) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (2924).
(4) صحيح البخاري (39) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
 (5) البقرة: 239.
(6) النحل: 106.
(7) النساء: 101.
(8) صحيح البخاري (5269) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(9) صحيح. ابن ماجه (2043) من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (1731).
(10) صحيح مسلم (705).
(11) النساء: 103.
(12) هنا الأسئلة ليست واضحة، ولكن وضعنا الجواب الواضح الذي قد يُفهم منه سؤالُه.