موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - حوادث الدهر تتشابه - شرح تاريخ دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح تاريخ دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب لفضيلة الشيخ عبدالله بن سعد ابا حسين
  
 
شرح تاريخ دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - حوادث الدهر تتشابه

هذا التمهيد يُعْنَى بالأشباه والمَثُلَات التي حصلت على أهل الإسلام وعلى العلم بعامة وعلى علم السُّنَّة أيضًا، الأشباه والمَثُلَات التي حصلت على علم السُّنَّة، يعني الحوادث المتكررة على السُّنَّة - العقيدة السلفية وعلى أهلها -، وأيضًا الحوادث المتكررة التي قلتُ عنها واصطلحتُ عليها بالمَثُلَات والأشباه، الحوادث المتكررة المتشابهة على التوحيد وأهله، أبدأ بهذا التمهيد أولًا ثم أدخل في الموضوع وهو تمهيد يطول لكنه مهم جدًا.

فأقول: قارئ كتب التاريخ بشكل عام - وخصوصًا تاريخ بلدان المسلمين ودولهم - يخرج بأنَّ الحوادث تتكرر والوقائع تتشابه، الوقائع التي تحصل على المسلمين في بلدانهم تتشابه، هذا التشابه حصل لتشابه أسباب حصول الحوادث، فإذا قرأ الإنسانُ التاريخَ مستحضرًا المَثُلَات والأشباه حصل له الاعتبارُ وحصلت له العظةُ، إذا قرأ الإنسان التاريخ مستحضرًا أنَّ بعض الوقائع تشبه بعض وبعض الحوادث تشبه بعض يحصل له الاعتبارُ وتحصل له العظةُ، وكلما ازداد في قراءته قاصدًا معرفة المَثُلَات والأشباه مِن الحوادث ومعتبرًا خرج بمعرفة وبإدراك مهم وهو سنن التاريخ، يعني الكيفية والطريقة التي تجري عليها الحوادث التاريخية، هذا الإدراك يزيد وينقص بحسب استقراء وبحسب كثرة قراءة التاريخ - تاريخ البشرية بشكل عام وتاريخ المسلمين بشكل خاص -، البلدان - بلدان المسلمين وبلدان غيرهم - لكن نتكلم عن بلدان المسلمين، البلدان في الغالب هي مَحَلّ أنواع الحراك؛ الحراك العلمي - العلم والعلماء -، الحراك التجاري التجار والتجارة، الحراك الزراعي الزُّرّاع والزراعة، الحراك السياسي، الحراك الصناعي، كل أنواع الحراك، الحراك الثقافي والمعرفي، البلدان هي محلّ هذا الحراك في الغالب، البلدان اهتم بها واعتنى بأنواع الحراك فيها المؤرخون؛ فلا تكاد تقرأ في كتاب مِن كتب التاريخ إلّا وتجد أنه يلتفت على الحراك الموجود في البلد، كل ما تكلم عن حادثة يعطيك شيئًا في هذا الحراك شعُرت أو لم تشعر، أيضًا لأجل هذه القضية أو لأجل الاهتمام بالبلدان ظهر عند علماء الإسلام كتب البلدان، في القرن الثالث الهجري هناك كتبٌ تتعلق بالبلدان، البلدان لليعقوبي، ثم جاء بعده في القرن الرابع الهجري كتب تهتم بالبلدان الاصطخري وابن حوقل وغيره مِن علماء الإسلام، صفة جزيرة العرب للهمذاني وغيره، جاء ياقوت الحموي في القرن السابع الهجري، توفي سَنَة ستمئة وستة عشر للهجرة، فكتب معجم البلدان، يكتب كل بلد ويلتفت إلى ما في هذا البلد مِن الحراك، يلتفت إلى ما فيه مِن حراك العقيدة، أحيانًا يصف البلد ما العقيدة السائدة في هذا البلد، أحيانًا يقول: هذا البلد خوارج، أحيانًا يقول: هذا البلد كذا، أحيانًا يقول: هذا البلد فيه مِن العلماء فلان وفلان وفلان، وأحيانًا يلتفت إلى ما يتميز به البلد تجاريًا أو غير ذلك، قارئ سيرة العلم وحراك العلم في البلدان يجد أنه ينتقل مِن بلد إلى بلد، وسيجد أنه يضعف في بلد أو في بلدان ويقوى في بلد أو بلدان، هذه حقيقة تَمُرُّ عليك قد لا تشعر بها أثناء القراءة، لكن مع تراكم القراءة وكثرة القراءة في كتب التاريخ وكتب البلدان وكتب التراجم تخرج عندك هذه النتيجة؛ أنَّ العلم لا يستقر، يعني لا يستقر في بلد يكون دائمًا فيها لا يخرج عنها أو يكون دائم القوة أو دائم الضعف! لا، العلم يتحرك، يقوى ويضعف ويطفأ أحيانًا في بلد مِن البلدان كما سيأتي بيانُه وهكذا، العلم والحراك العلمي في البلد تجد أنه متصل بالحراك التجاري؛ فإذا ازدهرت البلد بالتجارة كَثُرَ فيها العلماء وكَثُرَ فيها الحراك العلمي، لماذا؟ العالِم بشر، لا بُدَّ أنْ يُؤَمِّنَ عيشَه وعيشَ أبناءه ومَن يعول ويكفل لهم المكان الملائم لعيشهم، هذا جانب، الجانب الثاني: التجارة والتجار إذا كانوا في بلد هم يُمِدُّون الحراك العلمي، الأوقاف تكثر، والأوقاف تنصب على العلم والتعليم والدرس والتدريس، الأوقاف مِن مدارس أو دور أو حيطان مثلما حصل في نَجْد، حيطان تُوقف ونخيل يُوقف على العلم وأهله، الأوقاف صورها شتى، هذه الأوقاف تُمِدُّ الحراك العلمي في البلد، إذًا يزداد الحراك العلمي في البلد ويتأثر بشكل كبير بالحراك التجاري، هذا الحراك وهذه الأوقاف ستَجُرّ لنا وظائف دينية، سنحتاج إلى ناظر وقت، ناظر الوقت لا بُدَّ أنْ يكون على جانب مِن العلم الشرعي، سنحتاج إلى مدرس ومعلم، المعلم لا بُدَّ أنْ يكون على جانب شرعي، تحتاج إلى ولايات لا بُدَّ أنْ يكون صاحبُها متأهلًا بأهلية شرعية علمية وهكذا، الحراك التجاري والحراك العلمي في أي بلد مِن البلدان يتأثر بشكل مباشر بالسلطان ومَن في حكمه، مَن في حكم السلطان مِن الكبراء الأمراء الرؤساء المتنفذين أصحاب القوة في البلد، دائمًا الحراك التجاري والحراك العلمي يتأثران بالسلطان، فإذا كان السلطان قويًا يحفظ الحقوق في البلد ويمنع التعديات تحركت التجارةُ بشكل ميسور وازدهر البلدُ تجاريًا، ويزدهر أيضًا البلد علميًا ويتحرك العلم والعلماء، أمّا إذا كان السلطان في البلد يقمع العلمَ أو ظالمًا يتعدى على الأوقاف ويتعدى على التجار والتجارة ويتعدى على غيره ويأمر العالِم أنْ يكون معه فإنَّ هذا البلد جزمًا سيضعف فيه العلم وسيضعف فيه الحراك العلمي وأيضًا يضعف فيه الحراك التجاري، الآن دخل شيء أُنَبِّهُكَ عليه وهو معرفة السُنن والطريقة التي يسير فيها العلم في تاريخ المسلمين، هذا لا بُدَّ أنْ تدركه، اليوم أقول لك هذا لا بُدَّ أنْ تدركه، طيب سأضرب أمثلة حتى تتضح هذه الصورة بشكل أكبر، بغداد في زمن العباسيين في زمن أبي جعفر المنصور تحديدًا وبنيه وزمن هارون الرشيد توفي هارون الرشيد عام مئة وثلاثة وتسعين للهجرة وتولى أبو جعفر المنصور مئة وستة وثلاثين مِن الهجرة، مِن مئة وستة وثلاثين إلى مئة وثلاثة وتسعين للهجرة؛ كيف كانت بغداد في الحراك العلمي والتجاري؟ السلطان قوي - الذي هو أبي جعفر المنصور - قوي وأيضًا بنوه وهارون الرشيد وهارون الرشيد امتد عمرُه في ولايته فاستقرت له البلاد، وجعل بغداد هي مركز حكمه وهي العاصمة في مصطلحنا، تأمل كيف كانت بغداد في الحراك التجاري التي كانت مِن أزهر البلدان وأقواها في الحراك التجاري وأيضًا الحراك العلمي، فبغداد في تلك الفترة فيها حراك علمي واضح وظاهر، لكن تعال إلى بغداد في نهاية القرن الثالث الهجرة مِن مئتين وخمسة وتسعين هجرية وما بعدها تجد أنه حصلت فيها فتن وغصوب واستيلاء بعض القادة على الأمور فيحصل في بغداد أنَّ هذا القائد إذا تغلّب يجعل جنوده يفسدون في الأسواق وينهبون ويفسدون فضَعُفَ الحراك التجاري والحراك العلمي في بغداد، مِن مئتين وخمسة وتسعين مِن الهجرة إلى عام ثلاثمئة وأربعة وثلاثين للهجرة، دخل بعد ذلك بنو بويه عام ثلاثمئة وأربعة وثلاثين واستقرت بغداد لكنّ الحراك العلمي في بغداد زعامته الرافضة والرفض وسبّ الشيخين - أبي بكر وعمر - والصحابة - رضي الله عن الصحابة والشيخين -، بعد ذلك جاء السلاجقة عام أربعمئة وستة وأربعين مِن الهجرة، دخلوا واستولوا على بغداد والعراق وقطعوا دابر بني بويه، تحرك العلم مِن جديد في بغداد وانتعش وتحرك وصار هناك تدريس وحراك واضح جدًا وهكذا، إذًا بغداد كان فيها علم قوي وظاهر في فترة، ثم زال أو ضعف، ثم قوي وهكذا، بغداد بعد دخول التتار انطفأ فيها العلم ستمئة وستة وخمسين للهجرة، لمّا دخل التتار قتلوا العلماء وأفسدوا كل معالم الإصلاح وكل معالم التحرك في بدايتهم، لا يمكن أنْ تقول أنَّ بغداد محل للعلم بعد ستمئة وستة وخمسين، إذًا العلم يتحرك، قرطبة دخلها عبدُ الرحمن بن معاوية المعروف بصقر قريش؛ عبد الرحمن بن معاوية مِن بني مروان المعروف بصقر قريش دخلها وبُويع له يوم عيد الفطر عام مئة وثمانية وثلاثين للهجرة، لمّا دخلها، عبد الرحمن بن معاوية كان يحب العلم وبنوه أيضًا يحبون العلم توارث البلد عبد الرحمن بن معاوية وبنوه، والبلد مستقر، الدولة مستقرة، قرطبة بالذات كانت مستقرة بشكل كبير، فتحركت فيها التجارة وازدهرت بشكل لافت، وتحرك فيها العلم، صار الناس يخرجون وطلاب العلم يخرجون مِن الأندلس مِن أقصى المغرب ويأتون إلى المشرق إلى العراق ويطلبون العلم فيها وإلى مصر ويطلبون العلم فيها وإلى الحجاز يطلبون العلم فيها ثم يرجعون إلى الأندلس يتولون القضاء ويتولون الشورى، يعني عبد الرحمن بن معاوية وبنوه كانوا يحبون العلم ويُقدّرون أهلَه ويتولون التدريس وما أشبه ذلك، إذًا العلم تحقق في قرطبة تحركًا ظاهرًا واضحًا بفعل وبسبب عبد الرحمن بن معاوية وبنيه، والاستقرار الذي شهدته قرطبة تحديدًا وعامّة بلدان الأندلس على أيدي هؤلاء الولاة، لكن تعال إلى قرطبة في نهاية القرن الرابع الهجري يعني عام أربعمئة تقريبًا أو قَبْلَها مِن قبل أربعمئة بسنوات تجد أنه حصلت فيها فتنة وتنازع بنو مروان على الملك ودخل معهم في النزاع بنو حمود – الأدارسة - فحصلت فتن في قرطبة فرَّ مِن قرطبة أهلُ العلم، لم يبق في قرطبة، الحراك العلمي ضَعُفَ جدًا في قرطبة بفعل الفتن التي دارت بين بني مروان على الملك، تجد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض اليَحْصُبِيّ تجد فيها تراجمًا لعلماء قرطبيين يقول: فلان أخرجته الفتنة مِن قرطبة، وفلان خرج مِن قرطبة زمن الفتنة، يعني مثلًا ابن بطال - شارح الصحيح - تجد أنه خرج مِن قرطبة إلى شرق الأندلس ومكث هناك وتولى القضاء في حصن هناك وتوفي عام أربعمئة وثمانية وأربعين للهجرة تقريبًا، هذا إذا قرأتَ ترجمته تجد أنَّ القاضي عياض يقول: أخرجته الفتنة مِن قرطبة، كذلك ابن عبد البرّ النّمري هذا كان والده فقيهًا في قرطبة فخرج منها، لماذا خرج منها؟ خرج منها بابنه ابن عبد البرّ، لماذا خرج منها؟ بسبب الفتنة التي جرت في قرطبة، إذًا قرطبة ضَعُفَ فيها العلم بشكل واضح جدًا في آخر القرن الرابع الهجري، سبب الضعف ما هو؟ واضح أنَّ السلطان تَفَرّق المُلْكُ وحصلت فتن وتفرّق في هذا الأمر، إذًا الآن اتضح لك أنَّ العلم والعلماء يتحركون وحراكهم لا ينفك عن أنواع الحراك سواء التجاري أو الأمن والأمان في البلدان المختلفة، إذا تبيّن لك هذا الأمر فإننا نقول: هذه سُّنن تجري على العلم بشكل عام، لكن هناك سنن أو حوادث تجري على علم السُّنَّة وعلى أهل الاعتقاد الحق وعلى أهل التوحيد - على التوحيد وأهله - بشكل خاص، نضرب أمثلة حتى يتضح الأمر، أحيانًا يكون هناك اهتمام بالمعرفة والعلم في البلد لكن اعتقاد السلطان ومَن في حكم السلطان مِن أصحاب الرئاسة والنفوذ والوِلاية والأمراء والقوّاد الكبار والوزراء الكبار يكونون يُتيحون المجال لضَرْبٍ مِن ضروب المعرفة أو ضَرْبٍ مِن ضروب العلم ويُصادمون غيرَه، هذا حصل في بغداد عام مئة وثمانية وتسعين للهجرة تولى المأمون ابن هارون الرشيد ومكث إلى مئتين وثمانية عشر للهجرة، المأمون كان يحب المعرفة ويحب العلم ويحب كتب المنطق فرَاجَ سوق الترجمة - ترجمة كتب اليونان -، وانتشرت كتب الفلسفة والمنطق وصار المتكسبون في العلم - المتكسبون بالعلم مِن كل زمن يخرج شخص يتكسب بالمعرفة أو بنوع مِن أنواع المعرفة - المتكسبون بالعلم صاروا يتنافسون في معرفة هذه الكتب وسوق المناظرات، ظهرت المناظرات العقلية ظهرت وسادت خصوصًا في بلاط الأمراء والسلاطين الكبار، فالمتكسبون بالعلم يهرعون إلى هذه المجالس ويتخذون الأدوات المناسبة، المهم أنّ كتب المنطق والفلسفة ظهر لها قوة، ودائمًا إذا حصلت قوة لصاحب هوى أو لأهواء أو لبدعة أو لبدع في محل مباشرة سيرافق ذلك ضعف في السُّنَّة أو في بعض مسائل السُّنَّة في ذلك المحل، مباشرة لا يمكن أنْ يرتفع شعار بدعة أو شعار هوى إلّا وسيكون في ذات البلد ما يقابله مِن انخفاض لقوة السُّنَّة وشعار السُّنَّة في هذا البلد، لذلك ظهرت الفتنة والمحنة - محنة القول بخلق القرآن - وظهر امتحان العلماء في هذه المسألة، وقف في وجه الفتنة مَن؟ الإمام أحمد، لم يقف في وجه هذه الفتنة إلّا الإمام أحمد وأحمد بن نصر الخزاعي وقُتِلَ، نسأل الله أنْ يكون شهيدًا، أحمد بن نصر الخزاعي في السجن على يد الواثق عام مئتين وواحد وثلاثين للهجرة، إذًا حراك السُّنَّة، الحراك العلمي موجود في البلد لكن حراك السُّنَّة ضعيف وحراك البدعة وأهل الأهواء قوي في بغداد، بعد فترة توفي المأمون سَنَة مئتين وثمانية عشر ثم تولى أخوه المعتصم ومكث فترة ثم توفي عام مئتين وسبعة وعشرين مِن الهجرة وتولى الواثق بالله أخوه وتوفي عام مئتين واثنين وثلاثين مِن الهجرة فتولى المتوكل على الله، المتوكل على الله هو الذي رفع الله به المحنة والامتحان في هذه العقيدة عن علماء الإسلام وعن أهل الإسلام عامة، لكن أيضًا لمّا ارتفعت هذه الفتنة صار للإمام أحمد منزلة عند المتوكل على الله، وصار لأتباع عقيدة الإمام أحمد منزلة غير المنزلة السابقة في عشرات السنين التي مضت، هنا ارتفع صوت السُّنَّة وقوي عِلْمُ السُّنَّة في بغداد بعد أنْ كان ماذا؟ كان ضعيفًا، فارتفع صوت السُّنَّة وقوي وتحرك العلم الشريف - علم السُّنَّة وعلم الاعتقاد الحق - في بغداد حراكًا لم يكن يتحرك بنفس القوة قبل أنْ يأتي المتوكل على الله جزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وقَبْلُه الإمام أحمد لَمّا قام به بطبيعة الحال، فهذا مثال مِن الأمثلة الحادثة التي تحدث على السُّنَّة وأهلها وعلى الاعتقاد الحق وأهله، أيضًا ذكرتُ أنَّ السلاجقة دخلوا بغداد سَنَة أربعمئة وستة وأربعين مِن الهجرة فتحرك العلم وتحرك العلماء ونشطت الحركة العلمية في بغداد، لكن في هذا التاريخ قوي جانب الأشاعرة، الحنابلة أتباع الإمام أحمد كانوا أقوياء جدًا لا يُعْلَا عليهم في بغداد، وكان حراكهم آمن ومستقر، الدروس تُعقد، والمجالس العلمية تُعقد، وكل مَن يلقي يُعلن عقيدة الإمام أحمد باطمئنان وبأمن وأمان إلّا أنه حصلت فتنة القشيري المشهورة عام أربعمئة وتسعة وأربعين مِن الهجرة، القشيري هذا أشعري حصل بسببه فتنة، طغرلبك السلجوقي تولى عام أربعمئة وستة وأربعين مِن الهجرة ثم جاء بعده ألب أرسلان، السلطان ألب أرسلان السلجوقي، ومعنى ألب أرسلان يعني قلب الأسد، ثم جاء بعد ألب أرسلان ملك شاه ابن ألب أرسلان، ملك شاه هذا تولى سَنَة أربعمائة وأربع وستين مِن الهجرة، فتنة القشيري حصلت عام أربعمائة وتسع وستين أي بعد أربع سنوات، ملك شاه هذا كان عنده وزير مشهور بالخير وحبّ أهل العلم وحبّ الخير انتصر للأشاعرة، فقوي جانب الأشاعرة في بغداد، وعلى إثره ضعف جانب أتباع الإمام أحمد أو الحنابلة في بغداد في ذلك التاريخ، وجرى على أهل السُّنَّة في بغداد مِن الفتن والبلاء الشيء الكثير، حتى بعضهم اسْتُحِلّ دمُه مِن أهل العلم في بغداد، اسْتُحِلّ دمُه وأُفتي بتكفيره مِن قِبَلِ بعض المعارضين له مِن الأشاعرة، إذًا هناك أيام وسنن تجري على علم السُّنَّة وعلى أهل السُّنَّة وأهل الاعتقاد الحق، أيضًا ازدهرت السُّنَّة في القرن السادس الهجري في الشام بعد الملك العادل، الملك العادل محمود بن عماد الدين زنكي، هذا ملك صالح، ذُكِرَ أنَّه كان يستحضر صحيح مسلم، حتى مرة في مجلس تكلموا في أحاديث في مسلم فصحح لهم، هذا كان يحب الحنابلة في الشام، هو حنفي ويحب الحنابلة في الشام، ويزورهم، يزور المقادسة في دمشق، المهم بعده في زمن الأيوبيين حصل على الحنابلة في الشام فتنة وابتلاء بسبب مَن يخالفهم، عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي صاحب عمدة الأحكام تعرفون عمدة الأحكام؟ عمدة الأحكام المتن المشهور، عبد الغني حصل عليه فتنة وابتلاء واستُحلّ دمُه وأُفتي بتكفيره، وانتقل مِن الشام إلى مصر ثم حصل عليه مرة ثانية ابتلاء وفتنة بسبب عقيدته، وتوفي عام ستمائة مِن الهجرة رحمه الله، إذًا السُّنَّة وأهلها يجري عليهم حوادث وأيام، حينًا يقوون وحينًا يضعفون، حينًا تقوى السُّنَّة وحينًا تضعف السُّنَّة، وإذا ضعُفت السُّنَّة في محل فيقابلها قوةٌ للبدعة وقوة للضلال وقوة للهوى وقوة لِمَن يُخالف السُّنَّة، كذلك تجري حوادث متشابهة على التوحيد وأهله، على "لا إله إلّا الله" وعلى عبادة الله وحده وعلى أهل هذا المعنى العظيم الذي لأجله أُرسلت الرسلُ ولأجله أُنزلت الكتبُ، تحصل لهم أيضًا أحيانًا يضعف هذا الأمر وأحيانًا يقوى، أحيانًا يضعُف أهله وأحيانًا يقوون، مع الحراك العلمي، يكون هناك حراك علمي لكن الحراك العلمي يفتقد هذه المسألة، يكون ضعيفًا في هذه المسألة مِن مسائل السُّنَّة، يكون ضعيفًا في هذه المسألة مِن مسائل الاعتقاد وتوحيد الله جلّ وعلا، قد يكون هذا، يقول ابن المبارك توفي سَنَة مائة وواحد وثمانين مِن الهجرة روى عنه البَرْبَهَارِيّ في شرح السُّنَّة، البَرْبَهَارِيّ في شرح السُّنَّة روى عن عبد الله بن المبارك أنَّه قال: "لا تأخذوا عن أهل البصرة في القَدَر شيئًا، ولا تأخذوا عن أهل خُراسان في الإرجاء شيئًا، ولا تأخذوا عن أهل الشام في السيف شيئًا" السيف يعني الخروج على السلطان "لا تأخذوا عن أهل الشام في السيف، لا تأخذوا عن أهل البصرة في القَدَر، لا تأخذوا عن أهل خُراسان في الإرجاء"(1) طيب بقية مسائل العلم؟ تأخذها، وضع البلد سليم فيها إلّا في هذه المسألة، خراسان إلّا الإرجاء، خراسان إقليم واسع فيه عدة بلدان - نيسابور والري وغيرها -، يقول ابن المبارك: "لا تأخذ المسألة هذه - مسألة الإرجاء - مِن خراسان" لماذا؟ لأنَّ القوة في علم خراسان في بدعة الإرجاء، وحراك العلم ماشٍ، حراك العلم والتعليم والتدريس ماشٍ وموجود، لكن الإرجاء قوي في خراسان، القَدَر قوي في البصرة، السيف قوي في الشام، إذًا علم السُّنَّة قد يقوى في مكان ويضعف في مكان، قد تكون مسائل السُّنَّة موجودة في محل والحراك العلمي موجود إلّا في مسألةٍ مِن المسائل تكون عليه غربة والحق فيها مغمور والقوة للباطل في مسألة مِن المسائل - القدر الإرجاء السيف والخروج على السلطان وغير ذلك مِن مسائل التوحيد - حتى في مسائل الاعتقاد حتى في مسألة تفسير "لا إله إلّا الله" بما يتضمن توحيد الإلهية، سيأتي معنا ما يتعلق بذلك.

إذًا مَرَّ علينا أشياء أريد أنْ أرجع لها حتى لا يكون هناك سرد، مرّت علينا أمور ذكرناها نختصرها ثم نكمل، ما هي الأمور التي ذكرناها قَبْلُ؟

أولًا: أنَّ حوادث الدهر تتشابه، والعلم يقوى في مكان، العلم كله يقوى في مكان ويضعف في مكان لأسباب متشابهة كالفتن والحروب التي تحصل على المسلمين في بلد تجعل العلم ينفر عنها، هذه واحد.

اثنان مما ذكرناه: أنَّ هناك حوادث متشابهة تجري على الاعتقاد الحق، السُّنَّة وأهلها، وضربنا مثال بماذا؟ فتنة الإمام أحمد؛ وما حلَّ بأهل السُّنَّة في بغداد، وأيضًا ما حلَّ بأهل السُّنَّة في بغداد زمن السلاجقة.

أيضًا المعنى الثالث الذي ذكرناه: أنَّ الضعف والقوة يأتي أيضًا على مسألة التوحيد على "لا إله إلّا الله"، هذا سنفصل فيه الآن، سنضرب له أمثلة.

دين المسيح عليه الصلاة والسلام، المسيح عليه الصلاة والسلام بُعث بالتوحيد ثم لَمّا رُفع صلّى الله عليه وسلّم ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ(2) لَمّا رُفع الحواريون بقوا على التوحيد مدة ثم دخلت فيهم البدع، فبقي دين النصارى وبقي الانتساب للمسيح لكن الحقيقة تغيرت، صارت عقيدة النصارى ماهي؟ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ(3) عقيدتهم الشرك وهم ينتسبون إلى المسيح ويَدَّعُون أنَّهم يحملون ما أُنزل على المسيح عليه الصلاة والسلام، هذا مثال مِن الأمثلة أنَّ التوحيد قد ينطفئ على قوم يَدَّعُون الانتساب إليه.

مثال آخر: قصة حدوث الشرك على بني آدم، آدم عليه السلام جاء في الحديث أنَّه نبيٌ مُكلَّم، يعني على التوحيد، يعني نجزم أنَّه كان على التوحيد، فهو نبيٌ مُكلَّم، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ التوحيد بقي في ذريته عشرة قرون كلهم على التوحيد(4)، ثم حدث فيهم الشرك، كيف حدث الشرك؟ قوم نوح كان فيهم أُناس صالحون وَدّ وسواع ويعوق ويغوث ونسر ماتوا مرةً واحدة في زمن متقارب، فقالوا: ننصب لهم أنصابًا وتماثيل حتى إذا رأينا هذه التماثيل نتذكر اجتهادَهم وطاعاتهم وعبادتهم وصلاحهم فنجتهد بالصلاح والعبادة؛ فأحدثوا هذه التماثيل، فلما نُسي العلمُ، مات الجيل الأول والجيل الثاني ونُسي العلمُ، نُسي علمُ هذه التماثيل لماذا وضعت، فحدث الشرك، حدث الشرك وأرسل الله إليهم نوحًا عليه الصلاة والسلام، فعارضوه قالوا: ساحر! قالوا: كذاب، استهزؤوا به وسخروا منه إلى آخره، ثم أغرق الله عزّ وجلّ قومَ نوح وأنجاه وأصحابه في السفينة، ثم بقي قوم نوح الذين نجوا، بقي نوح وقومه، بقي نوح ثم مات ثم جاء قومه وبقوا على التوحيد مدة لا ندري كم هي، ثم حدث فيهم الشرك مرة أخرى بالبدع والمحدثات، طبعًا الذي يحدث الحدث ويبتدع البدعة ليس هو شخص يقول: أنا مبتدع! لا، ولا هو شخص يكون مشهورًا بالفسق في الغالب! لا، الذي يبتدع البدعة شخص يقول: أنا متدين، أنا صالح، أنا أريد الخير، فيَقْبَلُ الناس مِن هذا ويدخل الابتداع في دين الله ثم يتغير الدين شيئًا فشيئًا حتى ينقلب التوحيدُ ويُسمى الشركُ بالتوحيد والتوحيد شرك! والمنكر معروف والمعروف منكر! بقي قوم نوح مدة، ذهبوا وحدث فيهم شرك ثم جاء بعدهم قوم وبُعث فيهم نبي وبقي القوم بعد هذا النَّبِيّ مدة التوحيد لا ندري كم هي ثم حصل الشرك، عاد وثمود ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا(5) ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا(6) وأرسل الله جلّ وعلا الرسل تترا ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ(7) رسلًا بعضهم نعرفهم ورسلًا لا نعرفهم لأنَّ الله لم يقص علينا خبرَهم ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ(8) القصة تتكرر، الحوادث تتكرر، يأتي الرسول بالتوحيد ويكون التوحيد واضحًا قائمًا عزيزًا ثم يحصل التغير على التوحيد بالبدع وبسبب الصالحين شيئًا فشيئًا، فتحتاج الأمة وتحتاج الأرض إلى إرسال رسول آخر، ما زالت البشرية هكذا حتى أرسل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فبقي التوحيدُ بعده، لأنَّ الله جلّ وعلا قال: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ يعني: "لا إله إلّا الله" ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(9) يعني "لا إله إلّا الله" بقي إسماعيل بعد إبراهيم عليهما السلام، جُرْهُم - القبيلة المشهورة - دخلوا مع إسماعيل وذريته فصار البيت لجُرْهُم وذرية إسماعيل ثم بعد مدة طويلة حصل الشرك على العرب، العرب كانوا موحدين، العرب ذرية إسماعيل كانوا على التوحيد، لكن كيف دخل عليهم الشرك؟ عمرو بن لحي الخزاعي كان رأسًا في العرب تلك المدة، كان مشهورًا بالصلاح وعنده مال كثير فملكوه أو رأسوه عليهم فأحدث فيهم البدع وجلب لهم التماثيل وأحدث فيهم البدع، وهو أول مَن سيّب السوائب، ما هي السوائب؟ هي الناقة تُسيّب ولا يحمل عليها شيء قربانًا للآلهة، هو أول مَن سيّب السوائب، عمرو بن لحي كان مشهورًا بالصلاح وبالخيرية فأحدث فيهم البدع، ابتدع فيهم البدع وجلب لهم التماثيل فحدث الشرك على ذرية إسماعيل بعد أنْ كانوا على التوحيد، ما السبب في حدوث الشرك على ذرية إسماعيل؟ ما هو السبب؟ البدع، مَن الذي أحدث البدع؟ رجل مشهور بالصلاح والتدين وحبّ الخير، يقول محمد بن عبد الوهاب لَمّا ذكر قصةَ وَدّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر قال: "وفيها أنَّ الشرك والردة تحصل بسبب الصالحين!" يعني مدعي الصلاح، تحصل بسبب الصالحين! إذًا المَثُلَات والأشباه جرت على العلم كله وجرت على علم السُّنَّة والاعتقاد وعلى أهل العقيدة السلفية وجرت أيضًا على التوحيد وأهله، مَثُلَات وأشباه، هذه الحادثة تشبه هذه الحادثة، وما جرى على قوم يشبه على ما جرى على القوم الذين بعدهم وهكذا، النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لتتبعنَّ سنن مَن كان قبلكم حذو القُذّة بالقُذّة» جاء في رواية «شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو سلكوا جُحْرَ ضَبّ لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله؛ اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟!»(10) وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذِ القرون قَبْلَها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، فقيل: يا رسول الله؛ كفارس والروم؟ فقال: ومَن الناس إلّا أولئك؟!»(11) فالحوادث تجري على الجميع وليس هناك أمة مِن الأمم مستثناة مما جرى ويجري على البشرية وعلى البشر، وليس هناك بلد مِن البلدان مستثنى مِن أنْ يحصل عليه ما حصل على البلد الآخر، فمكة التي فيها البيت الذي رفعه إبراهيم على التوحيد وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام هي التي طردت محمدًا صلّى الله عليه وسلّم! يقول سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم: «والله إنَّ قومك أخرجوني منك! ولولا أنَّ قومك أخرجوني منك؛ ما خرجت»(12) مكة التي فيها البيت هي التي أخرجت محمدًا صلّى الله عليه وسلّم، ما سببُ إخراجه؟ دعوة التوحيد؛ أنه يدعو إلى مَن ينتسب إليه كفار قريش، كانوا ينتسبون إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(13) ليست المسألة أنْ تنتسب! لا، المسألة أنْ تُحقق النسبة، ليست المسألة أنك تقول أنا أُحبّ إبراهيم عليه السلام! لا، المسألة أنك تُحَبّ، ليست المسألة أنك تُحِبّ الله؛ تقول: أنا أحبُّ الله وأحبُّ التوحيد! لا، الشأن أنْ تُحَبّ، أنْ تُحَبّ أم لا؟ الله جلّ وعلا يقول لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم في القرآن: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ هذا هو الميزان ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ(14) ، الدعاوى كثيرة لكن هل مَن يدعي الدعاوى حقق؟ هل عنده بيّنة على ما يدعيه؟ كفار قريش يَدَّعُون أنهم خلفاء إبراهيم! عندهم ما يثبت هذا؟ لا، ما عندهم ما يثبت، المهم أنَّ المَثُلَات تجري على أهل التوحيد، هذه حقيقة لا بُدَّ أنْ تعرفها، المَثُلَات تجري لا بُدَّ أنْ تدركها، والنَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم مع هذه الحقيقة التي ذكرتُها لكم لا بُدَّ أنْ تدرك حقيقة أخرى وهي أنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تزال طائفة مِن أمتي على الحق ظاهرين؛ لا يضرهم مَن خذلهم ولا مَن خالفهم حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك»(15)، وأيضًا تدرك حقيقة أخرى أو تخدم هذه الحقيقة بما يؤيدها «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ»(16) بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ ليس معناه آخر الزمان يرجع غريبًا! لا، الغربة تحصل في زمن وتنتشر في زمن، كما ثبت معك في الحوادث التاريخية، وأيضًا يدل عليه في الدليل أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ الله يبعث على رأس كل مئة سَنَة مَن يُجَدِّدُ لهذه الأمة أمرَ دينها»(17)، إذًا اتضح لك هذا التمهيد؟ هذا التمهيد فيه عمق، دخلنا في بحر التاريخ وتنقلنا في الدول حتى تدرك أنَّ الحوادث تتكرر وأنَّ السّنن والأيام والحوادث تجري، يضعف العلم حينًا ويقوى حينًا، يضعف الإسلام حينًا ويقوى، تضعف بعض مسائل الإسلام وتقوى وهكذا، إذا تبيّن لك ذلك فإننا نقول: ما يتعلق بجريان غربة التوحيد ومسائل التوحيد نحن ذكرنا ما حصل في الأمم السابقة لكن نريد أنْ نتكلم عن أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، هل جرى على التوحيد غربة في زمن المسلمين أم لا؟ تجدُ كلامًا كثيرًا لعلماء الإسلام على مَرِّ التاريخ يذكرون ما حَلَّ على التوحيد مِن غربة؛ وما حصل مِن خلاف التوحيد مِن عبادة القبور، وما حصل مِن طواف على القبور وعبادتها أو الاعتقاد بالمشايخ أو الاستغاثة بالأحياء الغائبين – حي غائب! -، أو الاستغاثة بالأموات، أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي مثلًا ذَكَرَ ما حَلَّ في زمنه، وهو توفي سَنَة خمسمئة وثلاثة عشر للهجرة، يعني أوائل القرن السادس الهجري ذَكَرَ ما حَلّ في زمنه مِن هذه الأمور، أبو شامة الشافعي، هذا أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي، وهذا أبو شامة الشافعي، ذَكَرَ - وهو شامي - أبو شامة شامي مِن أهل الشام، أبو الوفاء كان في العراق في بغداد، أبو شامة شافعي ذَكَرَ ما في الشام مِن مظاهر الشرك الأكبر، ذَكَرَ صنفًا مِن أصناف الصوفية يقال لهم: الفقراء، هؤلاء يعتقدون بمشايخهم، يُحِلّون لهم الحلال ويُحَرّمون لهم الحرام! ينتسبون إلى الإسلام، هؤلاء كانوا في الشام في القرن السادس الهجري تقريبًا وفي الشام، فيها حراك علمي وفيها أهل سُنَّة! أيضًا بعدهم ابن تيمية في القرن الثامن الهجري، توفي ابن تيمية عام سبعمئة وثمانية وعشرون مِن الهجرة ذَكَرَ ما في الشام مِن الشرك الأكبر، دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله! أيضًا ابن القيم بعده ذَكَرَ هذا، وهكذا، الآنْ تكلمنا عن العراق وتكلمنا عن الشام ننتقل إلى مصر، فيه قاسم الحنفي وهو ابن قطلبغا المصري ذَكَرَ ما يحصل مِن دعاء الموتى في زمنه والنذر لهم وما يحصل مِن النذر لهم، وخَصَّ موضع قبر أحمد البدوي بطنطا بمصر، وقَرَّرَ أنَّ ما يُفعل كفرٌ وشركٌ بالله جلّ وعلا، هذا توفي في القرن التاسع الهجري، ومثله البزازي الحنفي، لم يكن في مصر كان مِن أهل خوارزم، يعني في المشرق، في خوارزم وانتقل إلى البلغاء، وذَكَرَ مِن صور الشرك الأكبر وأنكر ذلك.

طيب إذا تَبيّن لك هذا فإنني سأُذَكِّر بالمعاني التي ذكرتُها قبل قليل في كل ما تقدم مِن الساعة التي مضت معنا – احفظ هذه المعاني -:

المعنى الأول: تَغَيُّرُ التوحيد ببدع الصالحين.

المعنى الثاني: أنَّ التوحيدَ يبقى اسمُه وتتغير حقيقتُه.

المعنى الثالث: أنَّ مِن أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم مَن يعبد الأوثان! هذا وضحناه، نضيف إليه لأنه ذكرنا أنه بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، وأيضًا النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تقوم الساعة حتى تعبد فِئَامٌ مِن أمتي الأوثان» إذًا هذا معنى يجب أنْ تنتبه له وتحفظه؛ أنَّ مِن أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم مَن يعبد الأوثان، البخاري بَوَّبَ "باب ما جاء أنَّ بعض هذه الأمة يَعبدُ الأوثان"(18) بَوَّب في صحيحه، هذا المعنى الثالث.

المعنى الرابع: أنَّ الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ.

المعنى الخامس: ما يتعلق بمشابهة هذه الأمة بالأمم السابقة مِن اليهود والنصارى وفارس والروم؛ حتى في حُججهم وفي معارضاتهم للرسل والأنبياء كالاحتجاج بالآباء والأجداد – هذه حجة أزلية - ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(19) ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ(20) هذه الحجة قالها كل المعارضين للرسل، الساحر والمجنون! كل رسول قيل له هذا القول، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ(21) يعني هل الأول أوصى الثاني بهذه المقولة؟؟ ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ(22) أتواصوا بهذه المقولة هذا المعنى الخامس.

هذه المعاني الخمسة ذكرها شيخُ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مؤلفاته وكررها وأَكَّدَ عليها، فإنك لا تكاد تقرأ رسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب قصيرة أو طويلة إلّا ويذكر فيها معنى مِن هذه المعاني أو معنيين أو أكثر، مثلًا مسائل الجاهلية، مسائل الجاهلية ماذا يريد بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ مسائل الجاهلية التي شابه فيها هذه الأمة أهلَ الجاهلية مِن الوثنيين وأهل الكتاب - النصارى واليهود -، رسالة مسائل الجاهلية كل هذه الرسالة تقصد هذا، أيضًا رسالة فضل الإسلام ذَكَرَ فيها باب "ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا"، وذكر فيه بابًا كاملًا في التحذير مِن البدع وأردفه بباب في غربة الإسلام وكأنه يقول: إنَّ الغربة للإسلام تحصل بسبب البدع، كتاب التوحيد عقد فيه بابًا كاملًا فيه "باب ما جاء أنَّ بعض هذه الأمة يعبد الأوثان" وذَكَرَ فيه أنّ سببَ الكفر هو الغلو في الصالحين، وذَكَرَ فيه "التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟!" كل هذا الذي حصل في الأمم السابقة، وَدّ وسواع ويغوث ويعوق، أيضًا رسائل الشيخ في تفسير "لا إله إلّا الله" تجدُ فيها بعضَ هذه المعاني، وهكذا، أيضًا تفسير الشيخ للقرآن، الشيخ له كتاب اسمه "استنباط القرآن" ذَكَرَ فيه بعضَ الآيات وفسَّرَها، ما فَسَّرَ كلَّ القرآن، لا، ذَكَرَ بعضَ الآيات ويُفَسّرها، تجدُ فيه العجب العجاب مِن هذه المسائل وتكرار هذه المعاني عليك وأنت تقرأ في هذا التفسير.

إذًا إذا تبيّن لك أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب عنده هذه المعاني وتكررت هذه المعاني فاعلم أنَّ المعارضين للشيخ محمد بن عبد الوهاب يعارضون هذه المعاني، هذه المعاني يعارضونها، لا تجدُ أنَّ أعداء الشيخ والمعارضين للشيخ محمد بن عبد الوهاب يقولون: إنه يحصل الشرك مرة أخرى، يقولون: لا يمكن أنْ يحصل الشرك في أمة الإسلام، هذا يعارضون به المعنى الذي خدمه الشيخ وكرره وهو قول النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقوم الساعة حتى تعبد فِئَامٌ مِن أمتي الأوثان»(23) وفي الحديث الآخر «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس عند ذي الخلصة»(24) ذو الخلصة كان وثنًا أو صنمًا مِن أوثان الجاهلية أو حجرًا يُعْبَدُ ويفعلُ فيه أنواع مِن أنواع العبادات، إذًا هذه المعاني الخمسة التي ذكرتُها لك اعلم وتَيَقَّنْ أنَّ ذهن المعارض للدعوة كان لا يمكن أنْ يقرَّ بهذه المعاني، هو ضد هذه المعاني، لذلك تجدُ شبهات المعارضين ترتكز أولًا على أنه لا يمكن أنْ يكون في أمة الإسلام كفرٌ! مثلما حصل مِن سليمان بن سحيم - عدو الشيخ - أو أكبر وأشهر أعداء الشيخ، وهكذا، وإذا قرأتَ ودخلتَ في تاريخ دعوة الشيخ ورسائله ورسائل المعارضين له أو مواقف المعارضين له وأنت مستحضر هذا الكلام ومستحضر هذه المعاني ومستحضر جريان السنن ومستحضر المَثُلَات التي ذكرتُها لك ستقف على حقيقة تبهرك وهي أنَّ لكل قوم وارث، أعداء الرسل ورثهم مَن ورثهم، وأتباع الأنبياء ورثهم مِن ورثهم، نفس الحجج التي يُحتج بها على محمد بن عبد الوهاب أو على أتباع الدعوة يَحتج بجنسها المعارضون للرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، إذًا المَثُلَات جرت على دعاة الإسلام وعلى الإسلام وعلى السُّنَّة وعلى أهل السُّنَّة وعلى أتباع الاعتقاد السلفي وعلى أتباع الإسلام بشكل عام وعلى أهل العلم بشكل عام - كما ذكرنا أمثلتَه قبلُ.


(1) شرح السُّنَّة للبربهاري (ص: 116).
(2) النساء: 158.
(3) المائدة: 73.
(4) صحيح. الحاكم (3654)، وقال الحافظ الذهبي رحمه الله: (صحيح على شرط البخاري). وانظر (تحذير الساجد) (ص90).
(5) الأعراف: 65.
(6) الأعراف: 73.
(7) المؤمنون: 44.
(8) النساء: 164.
(9) الزخرف: 28.
(10) صحيح البخاري (3456) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا.
(11) صحيح البخاري (7319) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(12) صحيح. الترمذي (3925) عن عبد الله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (7089).
(13) آل عمران: 67.
(14) آل عمران: 31.
(15) صحيح. مسند أحمد (16932) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه مرفوعًا، وصححه الشيخ (16) صحيح مسلم (146) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(17) صحيح. أبو داود (4291) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (599).
(18) صحيح البخاري (9/ 58) بلفظ: "باب تغيير الزمان حتى تُعبدَ الأوثان".
(19) الزخرف: 23.
(20) الزخرف: 22.
(21) الذاريات: 52، 53.
(22) الذاريات: 52، 53.
(23) صحيح. أبو داود (4252) من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (785).
(24) صحيح البخاري (7116) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.