موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح رشف الشمول من علم الأصول - شرح رشف الشمول من علم الأصول
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح رشف الشمول من علم الأصول لفضيلة الشيخ سعد بن ناصر الشثري
  
 
شرح رشف الشمول من علم الأصول - شرح رشف الشمول من علم الأصول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، أما بعد

فأسأل اللهَ جل وعلا أنْ يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة؛ وأنْ يجعلنا وإياكم مِن الهداة المهتدين، وبعد:

بين أيدينا نظمٌ نظمه الشيخ عبد القادر بن بدران الدوميّ الحنبليّ أيام بداية طلبِه، والشيخ مِن علماء الحنابلة الذين لهم مساهمة كبيرة في علم الأصول، وقد نَظَمَ هذا النَّظْمَ ليكون مختصرًا في هذا العلم، وقد ابتدأه بحمد الله تعالى، والمراد بحمد الله وصْفُه بالجميل الاختياري، والحمد: الألف واللام يُراد بها هنا الحمد الكامل الذي لا ينتابه نقصٌ مِن وجه مِن وجوهه، وقد وصف اللهَ عزّ وجلّ بأنه قد نَظَمَ شملَ الفروع بالأصول، بمعنى أنّ مَن أراد أنْ يستوعب الفروعَ فعليه بمعرفة الأصول؛ فمَن عرف الأصول تَمَكّن مِن ضبط الفروع ومِن ضَمِّ بعضها إلى بعضها الآخر، ثم ذَكَرَ فضله سبحانه في إنزال الكتاب العظيم القرآن الكريم، حيث كان هذا مِن أسباب فضْلِه العام على الناس كلهم "مِن العَهْدِ الذِي لِدُرِّ مَكْنُونِ الكِتَابِ يَحْتَذِي" أي يسير على طريقته، وبَيَّنَ أنّ مَن أراد أنْ ينجو في بحار العلوم فعليه أنْ يهتدي بكتاب الله عزّ وجلّ وسُنَّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، ولا يتمكن الإنسانُ مِن فهم ما فيهما إلّا بمعرفة قواعد الأصول، وقوله "قد حَيّر العقول" قد يُراد به صفات رب العزة والجلال؛ فإنه لا يُهتدى لكنهها، ولا تعرف حقيقتُها إلّا مِن قِبَلِه سبحانه، وقوله "جلّ" أي ارتفع وعلا عن يماثله غيرُه في أوصافه، ويحتمل أنْ يراد بذلك الكتاب، قال: "فَلَمْ تَجِدْ لِسَيْرِهَا سَبِيلَا" أي: أنّ العقول لم تجد طريقًا تعرف به حقيقة الرب جل وعلا، وحين إذن سَلَّمَتِ العقول للنقول، فصفات الله مستندها النقل مِن كتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم، قال: "فَزَالَ غَيْنُ القَلْبِ ذَا بِالصَّقْلِ" غين القلب أي: ما يقع عليه مِن غشاوة ومِن جهل، فهذا يزول بواسطة النقل الذي يصقل القلب، "مِنْ سُنَّةِ الهَادِي الأَمِينِ المُصْطَفَى" كما يؤخذ مِن كتاب الله في هذا الباب يُؤخذ مِن سُنَّةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، "خَيْرِ الأَنَامِ نُورِ أَهْلِ الاصْطِفَا، صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مِنْ غَيْرِ عَدَدْ دَوْمًا" أي: دائمًا، "وَلَا حَدٍّ" أي: ليس لمقدار الصلوات عليه حدّ، "يُحِيطُ بِالأَمَدْ" ثم ثَنَّى بذكر الأصحاب وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون والآل، قيل: بأنّ المراد بهم أهلُ بيته ممن آمن به، قال: وكذلك دعا لِمَن "نَالُوا بِحُسْنِ القَصْدِ إِتْحَافَ المِنَنْ" أي مَن حسُنَت مقاصدُهم؛ فإنّ المؤلفَ يدعو لهم، وهذا فيه ترغيب أنْ يقصد الإنسان بأعماله وبطلبه العلمَ وجهَ الله ورفعةَ الدرجة في الآخرة، ثم قال: "وَبَعْدُ" أي: مهما يكن مِن أمرٍ بعد "فإنّ الأُصُولُ قَوْلُ المُجْتَهِدْ" الأصول علمٌ معروف، وهذا العلم له فائدة وثمرة عظيمة، فمِن ثمراته أولًا: أنه هو الذي يستند إليه المجتهد في استخراج الأحكام، ولذا قال: "قَوْلُ المُجْتَهِدْ"، وثانيًا: هو "حُجَّةُ النِّحْرِيرِ وَالحَبْرِ المُجِدْ" يعني أنّ الناس يستفيدون مِن هذا العلم تركيبَ الحجج والبراهين والأدلة، قال: "وَهْوَ المُنَادَى فِي الزَّمَانِ الاوَّلِ" أي أنّ أصحابَ الزمان الأول يحرصون عليه ويتعلمونه لأنه هو الذي يُمَكّن الإنسانَ مِن معرفة الأحكام الشرعية مِن أدلتها وهو "دُونَ الفُرُوعِ" فإنّ الفروع ثمرة وناتج عن تركيب قواعد الأصول مع الأدلة، قال: "مَنْ ذَاقَهُ نَالَ الأَمَانِي وَازْدَهَى" أي: مَن عرف هذا العلم - علمَ الأصول - واستطاع أنْ يطبقه على النصوص ليستخرج الأدلة؛ فإنه ينال المنازل العُلا التي يتمناها أصحاب الفضل، "وَازْدَهَى" أي: افتخر وعرف قَدْرَ نفسه "فِي رَوْضِهِ" أي: في مكان مزهر مثمر، وذلك أنه يستطيع استخلاصَ الأحكام مِن الأدلة "يَجْنِي" أي: يقطف "ثِمَارَ المُشْتَهَى" أي: ما أراده مِن المعاني والأحكام يستطيع أنْ يأخذه مِن الأدلة.

ثم قال: "لَكِنَّ أَهْلَ عَصْرِنَا قَدْ أَضْرَبُوا" يعني قد وُجِدُ الزهدُ في هذا العلم، وأسباب الزهد: منها أنّ بعضهم ادّعى أن هذا علمٌ صعبٌ وبالتالي زَهَّدَ نفسَه وغيرَه فيه، وهذا العلم صعوبتُه مزيةٌ فيه، لأنّ العلمَ الذي يكون سهلًا يستطيع الإنسانُ دراستَه بنفسه، لكن ما كان صعبًا مِن العلوم فإنّ الناسَ يتعلمونها ويحتاجون فيها إلى المعلم الناصح، وآخرون قالوا بأنّ هذا العلم ليس فيه جديدٌ! وهذا خطأ، بل إنه إذا ركبناه وركبنا قواعدَه على الأدلة استنتجنا أحكامًا جديدة مِن وقائع جديدة، وآخرون "اسْتَعْذَبُوا مَوَارِدَ التَّقْلِيدِ" فقالوا: نأخذ بما في المذاهب وما في الكتب وبالتالي لا نتحتاج إلى هذا العلم! وهذا مِن النقص، وذلك لأنّ كلامَ الله لا يضاهيه كلامُ أحد؛ ولأنّ الوقائع متجددة فمِن أراد معرفةَ أحكامِها فلن يتمكن إلّا بمراجعة الكتاب وتسليط أحكامِه على الوقائع بواسطة قواعد الأصول والاستنباط، قال: "فَأَبْعَدُوا عَنْ مَوْطِنِ التَّأْيِيدِ" أي: لأنهم لمّا ابتعدوا عن كتاب الله وعن سُنَّةِ رسوله وعن الفهم لِمَا فيهما ابتعدوا عن المواطن التي ينصر اللهُ أصحابَها ويؤدّيها، "مِنْ أَجْلِ ذَا" أي: لهذا السبب "أَحْبَبْتُ أَنِّي أَنْظِمُ نَظْمًا لَطِيفًا لَيْسَ فِيهِ مُعْجَمُ، إِذْ هَذِه الأَيَّامُ تَقْضِي بِالمَلَلْ مِنْ سُوءِ حَظٍّ وَارْتِكَابٍ للزَّلَلْ" فهذه الأيام لحظوظ الناس السيئة ولِمَا عندهم مِن الذنوب يزهدون في العلم ويتكاثرون القليل منه، قال: "لَاسِيَّمَا الوَقْتُ لَنَا قَدْ عَانَدَا فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ مُرَادِي بَاعَدَا" فوقتُه يقول: شحيح؛ ولذلك احتاج أنْ يضع هذا النظم ليُقَرِّبَ له هذا العلم، "فَدُونَكَ رَشْفَ الشَّمُولِ" هذا هو اسم هذه المنظومة، والرشف الشرب مِن الإناء ونحوه بسحب الماء، والشمول قيل: ما يكون مشمولًا مغطى، وقيل: ما كان مستوعبًا، ثم قال: "حَبَّذَا عِلْمُ الأُصُولِ المُنْتَقَى وَالمُحْتَذَى، فِفِي الذِي ذَكَرْتُهُ كِفَـايَهْ فَاسْمَعْ مَقَالِي يَا أَخَا الدِّرَايَهْ".

ثم بدأ بتعداد أبواب علمِ الأصول سيرًا على طريقة الجويني في كتاب الورقات، فأوّلها: أمرٌ، وثانيها: النهي، وثالثها: القياس، قال: وفي الأدلة فعلٌ وإجماع والاستصحاب، فهذه هي الأدلة على الإجماع، ثم بعد ذلك احتاج إلى بحث قواعد الاستنباط وكيفية الاستدلال، ثم صفات المجتهد - باب الاجتهاد والتقليد - يُدرس فيه "حَالِ الِاجْتِهَادِ المُسْتَدِلْ" أي: الذي يأخذ مِن الأدلة الأحكامَ "مَعْرُوفَةٌ وَهَكَذَا عَنْهُمْ نُقِلْ" هذا ترتيبهم في أبواب الأصول.

ثم بعد ذلك بدأ يُعرّف ببعض المصطلحات التي تَمُرُّ في هذا العلم، فأوّلها مصطلحُ الفقه وقال: "مَعْرِفَةُ أَحْكَامِنَا الشَّرْعِيَّهْ فِعْلًا قَرِيبَ القُوَّةِ الفَرْعِيَّهْ" فهذا هو تعريف الفقه، قد يخفى على الإنسان بعض المسائل أو بعض وجوه المسائل، الأحكام الشرعية المنسوبة إلى الشارع والحكم في الأصل إثبات أمرٍ لآخر أو نفيه عنه، وفي الاصطلاح هنا إثباتُ المراد بالحكم الخطاب الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين، قال: "مَعْرِفَةُ أَحْكَامِنَا الشَّرْعِيَّهْ" مَن يعرف الأحكام الشرعية على سبيلين:

1- يعرفها مِن طريق التقليد، هذا ليس بمجتهد.

2- مَن يعرفها بواسطة فهمِ الحُكْم مِن الدليل؛ فهذا هو الاجتهاد.

والناس في معرفة الأحكام على نوعين:

مَن يعرفها بالفعل، كما لو سألتكم ما حكم الصلاة؟ أجيبوا؟ ما الدليل؟ فهذا معرفة للحكم بالفعل.

والنوع الثاني: معرفة للحكم بالقوة القريبة، بحيث يكون عندك الأهلية التي تُمكّنك مِن معرفة الحكم، فأقول لك: مثلًا في صلاة الكسوف إذا قُمْتَ مِن الركوع هل تقول: سمع الله لِمَن حمده أو تقول الله: أكبر؟ تقول: انتظرني قليلا سأبحث وأعطيك الجواب، فهذا معرفة بالأحكام الشرعية بالقوة القريبة، الأخ كاتبٌ بالفعل لأنه يكتب الآن، وذاك الأخ كاتبٌ بالقوة القريبة، عنده إمكانية في الكتابة لكنه ليس كاتبًا في الحال.

ثم بدأ يُعدّد أنواع الأحكام الشرعية، فالأول: الواجب، قال: "وَإِنْ يُعَاقَبْ أَوْ يُثِبْهُ التَّارِكْ فَوَاجِبٌ" إذا كان الواجب ما هو؟ الأحكام التكليفية تنقسم خمسة أقسام: أولها: الواجب، وثانيها: المكروه، وثالثها: المندوب، ورابعها: الحرام، وخامسها: المباح.

ما هو الواجب؟ ما يُعاقب تاركُه ويُثاب فاعلُه، بشرط النية يفعله لله، مثل ماذا؟ الصلاة! غلط، نعم، الصلوات الخمس، عندنا صلوات الليل حكمُها مستحب، وعندنا صلوات محرمة مثل الصلاة في وقت النهي، أو الصلاة المبتدعة.

الثاني: المكروه، وهو ما يُثاب تاركُه ولكنه لا يُعاقب فاعلُه، طلبَه الشارعُ طلبًا غيرَ جازمٍ، مثل ماذا؟ الشربُ واقفًا.

والثالث: المندوب، وهو ما يُثاب فاعلُه ولا يُعاقب تاركُه، مثل السواك.

الرابع: التحريم، وهو الذي يُعاقب فاعلُه ويُثاب تاركُه بالنية، هنا نُنبّه إلى شيئين:

الأول: أنّ الثوابَ والعقابَ مرتبطٌ بالنية، مثال ذلك: صلى لا ليتقرب إلى الله؛ وانما ليشاهده الآخرون، يؤجر؟ لا يؤجر.

التنبيه الثاني: أنّ الأحكامَ تتعلق بالأفعال، نقول: ما حكمُ الماء؟ نقول: لا، لا يحكم عليه، وإنما يقال: ما حكم شرب الماء؟ ما حكم إتلاف الماء؟ ما حكم تنجيس الماء؟ ما حكم الوضوء بالماء؟ هذه الأفعال هي التي نحكم عليها، وأما الذوات فلا نحكم عليها.

هناك نوع آخر مِن الأحكام يقال له: الحكم الوضعي، التكليفي فيه خطاب موجه لمكلف، لكنّ الخطاب الوضعي ربط حكم بآخر، وهو أربعة أنواع، ذكر منها المؤلفُ الصحيحَ والفاسدَ، فالصحيحُ هو الذي يُنتج آثارَه، والفاسدُ هو الذي لا يُنتج آثارَه، مثال ذلك: عقدَ على امرأة عقدًا صحيحًا بوجود الشروط وانتفاء الموانع، ماذا يترتب على ذلك؟ وجوب المهر، وجواز الوطء، وثبوت النسب، ووجوب النفقة، إلى غير ذلك مِن آثار عقدِ النكاح، لماذا ترتبت عليه؟ لأنّ عقدَ النكاح صحيحٌ، وبالتالي هذا العقد يُعْتَدُّ به ويَنْفُذْ، وضده الباطلُ وهو الذي لا تترتب عليه آثاره.

مِن الكلمات التي يتكلمون بها كثيرًا كلمة "العلم" ما معنى كلمة "العلم"؟ يقول المؤلف: كلمة العلم لا نستطيع أنْ نُعَرّفها؛ لأنها أعرفُ مِن أنْ تُعَرّف، ولأنها أساس العلوم، بعضهم قال: "هُوَ صِفَاتٌ تَنْكَشِفْ بِهِا الأُمُورُ بِالتَّمَامِ قَدْ عُرِفْ" وبعضُهم قال: العلمُ معرفةُ المعلومِ على ما هو عليه، هل يتفاوتُ العلمُ أو لا يتفاوتُ؟ الأشاعرة يقولون: العلمُ كتلةٌ واحدة لا يتفاوت؛ وانما قد تتفاوت المعلوماتُ؛ فيُظنّ أنه تفاوتٌ للعلم، وأهلُ السُّنَّة يقولون: العلمُ يتفاوت، ولذا قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(1)، ولهذا سأل إبراهيمُ عليه السلام ربَّه أنْ يُرِيَه إياه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي(2) فأراد زيادة العلم واليقين.

وينقسم العلم إلى قسمين: علم ضروري وعلم نظري، الضروري: هو الذي تُصَدِّقُ به النفوسُ مِن غير حاجة إلى فِكْر أو دليل، هذا يقال: له العلم المكتسب، والنوع الثاني: العلم الضروري، وهو الذي ينطبع في ذهن الإنسان بدون أنْ يحتاج معه إلى نظر واستدلال، وهكذا العلم ينقسم إلى قسمين: تصوّر وتصديق، والمراد بالتصور معرفة الأشياء المفردة، تعرف ساعة، والتدقيق معرفة النسبة بين شيئين، الساعة الثانية عشر وقت الموعد وهكذا، يقابل العلمَ الجهلُ، والجهل على نوعين: الجهل البسيط: وهو عدم معرفة المعلوم، مثال ذلك: هل خالد خارج المسجد؟ قلنا: لا ندري، هذا جهل بسيط، النوع الثاني: الجهل المركب، يعني يخطأ الإنسان في معرفة المعلوم، مثال ذلك: وجدتَ رجلاً واقفًا عند باب المسجد تظنّ أنه خالد؛ وفي الحقيقة مسعود؛ فدخلتَ وقلتَ: أنا رأيتُ خالدًا، هذا جهل ولا علم؟ جهل مركب، الجهل البسيط عدم المعرفة، الجهل المركب معرفة الشيء على غير ما هو عليه.

ومِن المصطلحات مصطلح النظر، أي: التفكّر في القول، ثم قال: "وَالوَهْمُ مَرْجُوحٌ وَظَنٌ رَاجِحْ" هناك مراتب للإدراك:

أولها: اليقين، وهو إدراك مطابق جازم.

والثاني: الظنّ، وهو تجويز أمرين أحدها أرجح مِن الآخر، ماذا نعمل؟ نعمل بالراجح.

والنوع الثالث: الشك، وهو التساوي بين المحتملات، قال: "وَالشَّكُّ نَفْيٌ لِارْتِدَادٍ صَالِحْ".

ثم بعد ذلك بدأ بتعريف الكلام فقال: "كَلَامُنَا أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرْ عَرْضٌ مَعَ اسْتِفْهَامِ أَرْبَابِ النَّظَرْ" فالكلام ينقسم إلى قسمين: خبر وإنشاء، الخبر هو الذي يقبل التصديق والتكذيب، مثاله: كم الساعة؟ الساعة أربعة ونصف؛ خبر ولا إنشاء؟ خبر، هذا أكيد خبر؟ كم الساعة؟ هذا إنشاء، الساعة أربعة ونصف هذا خبر، يعني الأول يقول: كم الساعة؟ قال: تكذب! يُقبل؟؟ هذا سؤال لا يتوجه إليه التصديق والتكذيب، الإنشاء على أنواع، منها: الأمر اسكت! هذا أمرٌ، والنهي: لا تتلفت! هذا نهي، "عَرْضٌ مَعَ اسْتِفْهَامِ" الاستفهام خبر ولا إنشاء؟ إنشاء، إلّا الاستفهام الإنكاري، التمني إنشاء، والقسم خبر، "نَحْوُ: نَرَى وَاللهِ فِينَا مَنْ ظَلَمْ" هذا تمثيل للقسم.

والكلام ينقسم أيضًا إلى قسمين: حقيقة، وهو المعنى الذي وُضِعَ الكلامُ مِن أجله، ومجاز: وهو الكلام الذي استُعمل في معنى غير ما وضع له، ماذا تفعل؟ وضعتَ على رأسك ماذا؟ عقال! العقال في اللغة وفي الأصل يستعمل لِمَا ربط الأبلَ ليعقلها عن الحركة، فهذا هو الحقيقة، وهنا استُعمل في هذا الحبل الذي وضع على الرأس، هذا يكون ماذا؟ مجاز، "وَمَا بَقِي مَوْضُوعُهُ مُحَقَّقَا" أي: أنّ الحقيقة هو اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي، وما يكون بعد ذلك مجازًا، ما استعمل في غير ما وضع له يسمى مجازًا.

قال: "ثَانِيهِمَا مَا دَلَّ بِالمَوْضُوعِ وَعَكْسُهُ بِضِدِّ ذِي المَصْنُوعِ وَالأَمْرُ قَصْدُ الفِعْلِ مِمَّنْ دُونَهُ وَاِفْعَلْ مِنْ لَفْظِهِ يَعْنُونَهُ" فهو الآن يريد "ثَانِيهِمَا مَا دَلَّ بالموضوع" فهنا الحقيقة قد تسمى حقيقة، وما وُضِعَ من طريق اللغة يسمى مصنوعًا وموضوعًا، ثم بدأ يتكلم عن القسم الأول مِن الكلام وهو الأمر، فقال: "الأَمْرُ قَصْدُ الفِعْلِ مِمَّنْ دُونَهُ" قَصْدُ يعني: يكون الآمر قاصدًا مِن المأمور أنْ يمتثل فعل المأمور به، وهذا تعريف للمعتزلة، لأنّ المعتزلة يقولون: يشترط في الأمر الإرادة، الجمهور يقولون: الأمر هو اللفظ، لا يشترط له إرادة، مثال ذلك: قال: صَلّ، أمرٌ بنفسه، فهنا أمرٌ، سواء وُجِدَ فيه قصدٌ أم لم يوجد، هناك مرات قد يأمر بالشيء وهو يعلم أنّ المأمور به لن يمتثل، لإقامة الحجة عليه، قال: "وَالأَمْرُ قَصْدُ الفِعْلِ مِمَّنْ دُونَهُ" صيغة الأمر الأصلية: افعل، "وَعِنْدَنَا قَدْ يَقْتَضِي الفَوْرِيَّه" إذا جاء أمرٌ فالأصل أنه يفيد الفور، وهذا مذهب جماهير أهل العلم خلافًا للإمام الشافعي، ولا يفيد التراخي، "بَلْ نَرَى الحِينِيَّهْ" يعني: لابُدّ أنْ يختار الوقت الذي يحين فيه، "كَذَاكَ أَيْضًا يَقْتَضِي التَّكْرَارَا" أي: أنّ الأمر يقتضي التكرار، هذا مذهب بعض الأصوليين، والجمهور يقولون: لا يقتضي الأمر بنفسه التكرارَ إلّا بدليل، مِن القواعد: أنّ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، اجلس، هذا أمرٌ بالجلوس؛ فيكون نهيًا عن ضده، ما هو ضده؟ الاضطجاع والقيام، فالأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، كذلك النهي أمرٌ بأحد أضداده، قال: لا تضطجعْ؛ معناه اجلس أو قِفْ، كذلك إذا كان الواجب لا يمكن امتثالُه إلّا بفعل؛ فإنّ ذلك الفعل يأخذ حكمَه، مثاله: صَلّ في المسجد، لا تتمكن من الصلاة بالمسجد إلّا بالذهاب إليه، فيكون الذهاب إليها وسيلة، ما حكمه؟ واجب.

قال: "فِي غَيْرِ ضُرٍّ" إذا كان يضر بالمكلف لم يجب، "أَوْ كَحَالِ المُكْرَهِ" بدأ الآن يذكر مباحث الأهلية، المكرَه لا يكلف بما أُكره عليه إذا كان إكراهُه يزيل الاختيارَ، كمَن ألقي مِن شاهق، أما إذا كان الإكراه لا يزيل الاضطرار فإنه يكون مكرهًا مكلفًا به، "كَذَاكَ مَجْنُونٌ" المجنون مكلف ولا غير مكلف؟ غير مكلف، وبالتالي لا يخاطب بالواجبات، "وَسَاهٍ" مَن سَهَا لا يُخاطب بما سَهَا عنه إذا كان في حقوق الله تعالى، الصَبِيُّ هل يُخاطب ويكلف؟ نقول: هناك اصطلاحان في التكليف، واحد يقول: التكليف يكون في الخطاب في الأمر والنهي؛ فيكون مكلفًا، وواحد يقول: التكليف الإلزام في النهي أو الأمر، إذن الصبي لا إلزام في حقه؛ فلا يكون مكلفًا، قال: "إِذَا زَالَ الـمُغَيَّا خُوطِبُوا" ما هو الـمُغَيَّا؟ البلوغ للصغير، والعقل للمجنون الكبير وهكذا.

قال: "يُخَاطَبُ الكُفَّارُ بِالفَرْعِ" يعني أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأنّ الله قد خاطبهم بها ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ(3) الناس عام، أوجب على جميع الناس حجَّ البيت، أليس كذلك؟ كذلك قال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ(4) هذا عام، قال: "وَمَا مِنْ شَرْطِهِ فِي رَأْيِ كُلِّ العُلَمَا أَمْرٌ لِنَدْبٍ أَوْ لِتَهْدِيدٍ وَرَدْ" لمّا ذكرنا قبل قليل في تعريف الأمر بأنه قصدُ الطلب قال: هذا لابُدّ مِن وجوده في الأوامر، "أَمْرٌ لِنَدْبٍ" يقول: لأنّ صيغة الأمر افعل وردت ودلت على غير الوجوب إذا كان معها قرينة، يأتي مرة للإرشاد ومرة للإنذار ومرة للإكرام ومرة للاحتقار ومرة للإباحة مع التمني والدعاء.

ثم ذكر المؤلف عددًا مِن الحروف كمَن وإذن وكل والتسوية، فهذه أدوات وصيغ.

الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، الاستدلال بهذه الآية يحتمل وجهين، العلماء يستدلون بها على كُفْرِ تارك الصلاة: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(5)، قالوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(6)، تعرف أنت أنّ العلماء لهم منهجين في تارك الصلاة، فلا يسير الاستدلال بهذه الآية على كل وجه.

قال المؤلف: باب مباحث الكتاب، "وَالنَّهْيُ ضِدُّ الأَمْرِ فِي كُلِّ القَضَا" ما هو الأمر؟ طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء، ما هو النهي؟ طلب الترك، الأمر يفيد الفورية والتكرار، قال: والنهي يضاد الأمر في ذلك، "وَفِيهِ يَجْرِي الحُكْمُ فِي الَّذْي قَدْ مَضَى" الكتاب يحكم على الأمم السابقة، "مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالكِذْبِ الخَبَرْ لِذَاتِهِ" يعني: أنّ الخبر هو الذي يحتمل أنْ يكون صادقًا و أنْ يكون كاذبًا لذاته، "وَغَيْرُهُ" أي: غير ما يحتمل التصديق والتكذيب فإنه يسمى الإنشاء.

الأمر بالشيء نهيٌ عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده، عندنا قيام وقعود واضطجاع، لو نهاه عن القيام هو أمرٌ بأحد ضدين.

فصل: والعام.

مدلول اللفظ ثلاثة أنواع:

الأول: المنطوق: وهو دلالة اللفظ في محل النطق، قال: «في أربعين شاةٍ شاةٌ»(7) أربعون تجب فيها شاة، فهذا منطوق.

والثاني: دلالة اللفظ في غير محل النطق، ويسمى المفهوم، قال: «في أربعين شاة شاة» معناه تسعة وثلاثين ليس فيها شاة، هذا يسمى مفهومًا.

وهناك نوع ثالث يقال له: الدلالات، يقع الاختلاف فيها، هل هي منطوق أو مفهوم؟

والمنطوق أنواع: نص وصريح، وأمرٌ ونهي، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، هذا ماذا؟ المنطوق.

والمفهوم نوعان: مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة.

والدلالات ستة أنواع:

دلالة الإيماء: وهو دلالة اللفظ على علة الحكم.

والثاني: دلالة الاقتضاء، وهو أن يكون في الكلام دليل أو محذوف نستفيده مِن سياق.

والثالث: دلالة الإشارة، وهو دلالة اللفظ على حكم في غير محل النطق.

والرابع: دلالة الحصر بأنْ يكون في الكلام أداة تجعل الكلام والحكم محصورًا في محل.

والخامس: دلالة الاقتران، وهو أنْ يقترن اللفظُ مع لفظ آخر فنحكم عليهما بحكم واحد في جميع المسائل، ولعله يأتي تفصيل ذلك فيما يأتي.

بدأ بالمنطوق، وأوله العام، قال: وهو ما يشمل اثنين فصاعدًا، مثل: السيارات أوقفتموها زين؟ السيارات لفظ يشمل اثنين فأكثر، اثنين مِن ألفاظ العموم، وألفاظ العموم خمسة أنواع:

أولها: الأسماء المبهمة، مثل: أي وأين ومتى ومَن وما، هذه أسماء مبهمة تفيد العموم، سواء كانت استفهامية أو موصولة أو كانت شرطية، مثاله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ(8) شرطية تفيد العموم، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ(9) ما نافية حرف ليست مِن هذه الأقسام فلا تفيد العموم.

النوع الثاني: المعرف بأل الاستغراقية كقولك: المسلمون.

الثالث: كل وما ماثلها مثل: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ(10).

الرابع: الجمع أو اسم الجنس المضاف إلى معرفة.

الخامس: النكرة في سياق النفي وما ماثله.

قال: "وَاسْتَثْنِ ذَا التَّنْكِيرِ" فصاحب التنكير لا يفيد العموم، "أو فِعْلًا حَصَلْ" الأفعال لا تفيد العموم بنفسها، ثم ذَكَرَ شيئًا مِن أنواع المخصصات، المخصصات منها مخصصات منفصلة تأتي بخطاب آخر، وهناك مخصصات متصلة، مثل التخصيص بالشرط، معروف عندكم الشرط؟ ما هي أدواته؟ إنْ وإذا وما ماثلهما، فالشرط أيضًا يؤخذ منه العمومُ، يقابل هنا "مطلق" وهو الدال على فرد شائع في الجنس، يقوم واحد منكم يصلح الميكروفون! واحد نكرة في سياق الإثبات فيكون مفيدًا للعموم أو للإطلاق؟ لو كان للعموم الجميع يقومون، لو كان للإطلاق يقوم واحد، لكنه غير مستغرق.

يقابل المطلقُ المقيدَ، وهو الدال على صفة زائدة عن الجنس.

مِن أنواع المخصصات: الشرط كما ذكره المؤلف هنا والبدل والاستثناء، عَرَّفَ الاستثناءَ بأنه "إِخْرَاجُ شَيْءٍ بِالْـحُرُوفِ مِنْ عَدَدْ" مثاله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا(11)، قال: "إِخْرَاجُ شَيْءٍ بِالْـحُرُوفِ مِنْ عَدَدْ مِنْ دُونِ تَفْرِيقٍ وَلَا قَطْعٍ وَرَدْ يُسَمَّى الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَ القَوْمِ وَمَا أَرَى فِي ذِكْرِهَا مِنْ لَوْمِ إِلَّا" هذه أدواتها "إِلَّا، وَغَيْرَ، وَخَلَا، ثُمَّ عَـدَا حَاشَا" قال: "وَإِنْ تُجِزْ تَقْدِيمَهُ" أي: يجوز تقديم أداة الشرط على جواب الشرط "وَإِنْ تُجِزْ تَقْدِيمَهُ" تقديم ماذا؟ الشرط أو الاستثناء، يقول: إلّا زائد جاء القوم، غير زيد جاء القوم، "وَإِنْ تُجِزْ تَقْدِيمَهُ نِلْتَ المِنَحْ وَغَيْرُ جِنْسٍ قَدْ يُوَافِي المُصْطَلَحْ".

ثم ذكر الاستثناء، يقول: "يَكُونُ فِي القُرْآنِ تَخْصِيصٌ لَهُ" لمّا أكمل الكلامَ في المخصصات المنفصلة بدأ بذكر المخصصات المتصلة، المتصلة ولا المنفصلة؟ قَدَّمَ معنى الاستثناء والشرط والبدل في المخصصات المتصلة، والآن نبحث في المخصصات المنفصلة.

قال: "يَكُونُ فِي القُرْآنِ تَخْصِيصٌ لَهُ" أي أنّ القرآن يجوز أنْ يخصص القرآن مثل ماذا؟: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ(12) خُصصت بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ(13)، "وَهْيَ بِهَا" أي: يجوز أنْ نخصص السُّنَّة بالقرآن ونخصص السُّنَّة بالسُّنَّة، "قُلْ لِي وَهُـو" وهي أي السُّنَّة بها بالسُّنَّة "قُلْ لِي وَهُـو" أي يجوز أنْ تُخصص السُّنَّة بواسطة القرآن، قال: "وَبِالْقِيَاسِ" أي: يجوز تخصيص الكتاب والسُّنَّة بواسطة القياس "وَبِالْقِيَاسِ فَهُمَا يُخَصِّصَا وَمَنْ يَرَى بِالنَّفْيِ حَقًّا قَدْ عَصَى" يقول: هناك بعض العلماء رأوا أنّ القياس لا يتم تخصيصُه.

مِن أنواع الكلام المجمل: وهو الذي لا يفهم معناه ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ (14) كم مقداره؟ مجمل بيّنته السُّنَّة، قال: "كَلَفْظِ قُرْءٍ" ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ(15) المراد به الأطهار أم الحيض؟ يحتاج إلى البحث عن دليل آخر يؤيد أحدَ المعنين، "كَذَاكَ عَيْنٌ مِثْلُهَا" لفظة عين مرة تطلق على العين الباصرة وعلى العين الجارية وغير ذلك مِن المعاني، نحتاج إلى دليل يوضح المراد منها، "بَيَانُهُ بِالسُّنَّةِ الغَرَّاءِ يَمْضِي شَأنُهُ" يمكن أنْ يُوضح الكتابُ بالسُّنَّة، "إِبْرَازُ شَيْءٍ لِلتَّجَلِّي مِنْ خَفَا فَهْوَ الْبَيَانُ بَحْثُهُ يَهْدِي الشِّفَا" مقابل الإجمال ماذا؟ البيان، ما هو البيان؟ إخراج اللفظ مِن حَيّزِ الإشكال إلى حَيّزِ الوضوح والتجلي، قال: "بَيَانُ تَأْكِيدٍ وَنَصٍّ يَنْفَرِدْ فِي فَهْمِهِ رَبُّ الكَمَالِ المُجْتَهِدْ" هناك أنواع للبيان، منها ما اختص الله به مثل كيفية الصفات، قال: "نُصُوصُ سُنَّةِ النَّبِيِّ الوَاضِحَهْ لِمُشْكِلٍ مَا أَوْضَحَتْ مُصَالِحَهْ" ألفاظُ السُّنَّة تُبيّن وتُوضّح "كَآيَةِ الحَقِّ مَعَ الحَصَادِ في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ(16) كم مقدار الحصاد؟ وضحها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «فيما سقت السماءُ العشر»(17).

قال: "نُصُوصُ بَدْءٍ بِالشَّرِيعَةِ حَذُوا نَحْوَ أَطِيْعُوا مَنْ أَتَاكُم وَخُذُوا" في بدء الشريعة كان هناك أوامر نسخت في آخر الشريعة، قال: "كَذَا القِيَاسُ فِي جَلِي الْإِشَارَهْ" يمكن أنْ يُبين بواسطة القياس الذي يكون جليًا واضحاً، ما هو القياس؟ إلحاق مسكوت عنه بمتكلم به في الحكم.

قال: "بَلْ كُلُّ مَا فِيهِ غِذَا يَجْرِي الرِّبَا" النص ورد في المطعومات «البرّ بالبرّ رِبًا إلّا هاء وهاء، والشعير بالشعير رِبًا إلّا هاء وهاء»(18)، قال: "كَذَا القِيَاسُ فِي جَلِي الْإِشَارَهْ إِلْحـَاقُ مَطْعُومٍ بِذِي العِبَارَهْ، بَلْ كُلُّ مَا فِيهِ غِذَا" كل ما فيه غذاء يلحق بالأصناف السِّتَّة ويجري بها الربا، "بِالبُرِّ وَالتَّمْرِ بِهِمْ قَدْ أَصْحَبَا فَكُلُّ مَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَرَدْ مُقَيَّدًا فَهْوَ البَيَانُ المُعْتَمَدْ"، أين العمود؟ هل هناك شيء ثاني يسمى عمودًا؟ نقول: إذن هذا نص، لفظة عمود أطلقت ويريد بها هذا الأمر فيكون نصًا، ومِن ثمَّ نقول: بأنّ النص يحمل على معناه.

النوع الثاني: المجمل، وهو الذي لا يُفهم معناه، ما نفعل به؟ نحتاج إلى دليل لنفهمه.

الثالث: الظاهر، وهو يحتمل أكثر مِن معنى، ماذا يفعل بالظاهر؟ يُحمل على أرجح معانيه.

قال: "لَكِنَّ أَمْرًا أَظْهَرُ مِنْ آخَرِ" في الظاهر يكون أحد المعنين أرجح فنحمله عليه، في مرات يكون المعنى الأضعف قام معه دليل؛ فنحمله على المعنى الآخر، قال: "نَحْوُ نَظَرْتُ أَسَدًا بِالْبَاصِرِ" ما قال بالعين! مِن أجل يكمل الاشتراك، "فَإِنْ تُرِدْ بِهِ الشُّجَاعَ الْمـُفْتَرِسْ" إنْ كنتَ تريد به الحيوان المعروف هذا حقيقة، وإذا كنت تريد به الحيوان المفترس فهذا ماذا؟ مجاز، إذن إذا أردت به الأسد، الحيوان المفترس هذا حقيقة، وإذا أردت به الرجل الشجاع مجاز، هل يحمل اللفظ على المجاز؟ تقول: لا يُحمل إلّا بدليل، إذا كان معه دليل فإنه يكون مقبولًا، وإذا لم يكن معه دليل فإنه غير مقبول.

ذكر نوعًا آخر وهو النَّسْخُ، قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور أَلَا فزوروها»(19) فهنا "زوروها" خطاب رفعَ حكمًا ثابتًا بخطاب متقدم(20).

النسخ ينقسم انقسامات متعددة، قد يكون للأغلظ، وقد يكون للمساوي، وقد يكون للأقل، النسخ ينقسم إلى أقسام متعددة: نسخ القرآن بالقرآن، نسخ القرآن بواسطة السُّنَّة خالف فيها الشافعي، نسخ السُّنَّة بالقرآن محل اتفاق، نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة محل اختلاف، قال: "وَنَسْخُ قُرْآنٍ نَرَى بِالسُّنَّةِ وَنَفْسُهُ بِنَفْسِهِ يَا إِخْوَتِي وَهْيَ بِهِ وَنَفْسُهَا بِنَفْسِهَا تَقْلِيبُ وَجْهِ الْـمُصْطَفَى نَحْو وَمِثْلُهَا زِيَارَةُ الْقُبُورِ" كانت منهيًا عنها فأُبيحت "وَلَفْظُهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ".

ثم ذكر بحثًا في السُّنَّة، ما هي السُّنَّة؟ أقوال النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأفعاله وتقريراته، هل هي حجة؟ نقول: حجة بالإجماع، هناك الأفعال النبوية على أنواع:

الأول: خاص به، كزواجه بتسع، ومثل قوله عزّ وجلّ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (21) هذا النوع الأول وهو خاص.

النوع الثاني: ما فعله النَّبيُّ على جهة الجبلة والعادة، أنت لماذا ما تركب جملًا؟ أجبْ؟ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم كانوا يركب الجمل، كان يركبه عادة ولم يركبه عبادة!

النوع الثالث: ما وقع بيانًا لمجمل فيأخذ ما هو بيان له.

والرابع: ما فعله على جهة القربة والعبادة، قالت طائفة: هو واجب، والصواب – وهو قول طائفة - بأنه مستحب، لأنّ بعض الصحابة كان يترك الاقتداء بفعله ومع ذلك لم يكن النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ينكر عليهم، إذن عرفنا الخلاف؟ بعضهم يقول: فعلُه للعبادة يكون واجبًا على الأمة لقوله: ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(22)، وبعضهم يقول: هو للندب، لأنّ الصحابة لم يكونوا يلتزمون بجميع أفعاله؛ ومع ذلك لم يكن النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ينكر عليهم، قال: مثل الأضاحي واجبة عليه ومستحبة في حقنا، والوصال، هو يواصل إلى الفجر الثاني ونحن يجوز إلى السَّحَر، قال: "وَقُلْ بِذَاكَ إِنْ تَكُنْ فِي الْقُرْبَةِ لَا فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالَّتِي فِيهَا الدَّلِيلُ بِاخْتِصَاصٍ لَمْ يَجِبْ" إذن عندنا أفعالٌ فعلها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على جهة القربة، هل تكون واجبة أم تكون مستحبة؟ مثل القيام والقعود والتي فيها دليل؟ بدأ الآن يذكر أحكامًا:

النوع الأول: التي خاصة به، التي فيها الدليل بالاختصاص؛ فإنها لا تجب "وأَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهَا تَضْطَرِبْ"، أما التي تكون للقربة فوقع فيها الاختلاف، قال الجمهور فيها: للوجوب، وقال البعض: إنها للندب، "بَعْضٌ يَقُولُ: إِنَّهَا لِلنَّدْبِ وَالْوَقْفَ يَأْتِي إِنْ يَكُنْ فِي الْقُرَبِ" في ما فعله على وجه القربة والطاعة، "وَالْبَعْضُ يَقْضِي فِيهِ بِالْوُجُوبِ وَهْوَ الَّذِي أَفْتَى بِهِ مَحْبُوبِي" أنتم ماذا تقولون؟ واجبة ولا مستحبة؟ مستحبة، لماذا؟ بعض الصحابة تركها ولم ينكر عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: "مَا لَمْ يَكُنْ عَنِ اقْتِرَابٍ" النوع الآخر ما فعله على جهة العادة والجبلة "مُنْتَفِي" فهو المباح، مثل ماذا؟ ركوب الناقة، لبس الإزار، هذا ما حكمه؟ مباحٌ لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يفعله على جهة القربة والعبادة، لو جاءنا واحد وقال: النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يأكل القرع - الدباء - فأنا أريد أنْ آكل الدباء تقربًا لله اقتداءً بنبيّه! ماذا نقول له؟ أخطأتَ! لِمَ أخطأتَ؟ أنا ما فعلتُ إلّا مثل فعل الرسول! قيل: أنت تشابهه في الصورة الظاهرة لكن تخالفه في الباطن، هو لم ينوِ به التقرب لله!! وبالتالي لا يصح منك أنْ تتقرب به لله، الآن جاءنا واحد مثل الشيخ يقول: أريد أنْ أركب البعير ولا أريد أنْ أركب السيارات! لماذا؟ قال: أريد أنْ أقتدي بالنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، قلنا له: هذا فعل نبويّ؛ مِن أيّ الأقسام الأربعة؟ هل اختصّ به؟ لا، هل فعلَه قربةً؟ لا، طيب، هل فعله بيانًا لواجب؟ لا، إذن فعله على جهة العادة، جاء وقال: أنا أقتدي به! قلنا: أنت - وإنْ وافقتَه في الصورة الظاهرة فركبت الجمل - لكن في الصورة الباطنة خالفته، والموافقة في الباطن أولى وأهم، ومثله الشعر، طيب.

"تَقْرِيرُهُ" هذا النوع الثاني مِن أنواع السُّنَّة، سُنَّة تقريرية، إذا قرَّر فعلًا أو قرَّر قولًا "فَحُجّةٌ"، لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لا يُقِرُّ على باطل، "كَذَا سُكُوتٌ عَنْ صَنِيعٍ وَجَدَا فِي عَهْدِهِ مَعْ عِلْمِهِ مُجَدَّدَا" ما معنى هذا الكلام؟ هذا ما هو تقرير! التقرير في البيت الذي قبله، الذي بعده هذا فيه فعل وُجِدَ في عهد النبوة لم يطلع عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، سكت عنه الوحي.

السُّنَّةُ تنقسم إلى سُنَّةٍ متواترة: وهو ما نقله جماعة كثيرة يستحيل تواطؤهم على الكذب وأسندوه إلى أمر محسوس، ما حكمه؟ يجب تصدقيه، والعمل؟ هناك سُنَّةُ آحاد، نقله واحد عن واحد أو اثنين عن واحد، ما حكمه؟ سُنَّةُ آحاد، ما يُفعل فيه لمعرفة درجته؟ لابُدّ مِن البحث في إسناده، هل يؤخذ منه حكم؟ نقول: الضعيف لا يؤخذ منه حكم، والصحيح يؤخذ منه حكم.

قال: "وَأَوْجِبِ الْعِلْمَ بِمَا تَوَاتَرَا عِلْمًا يَقِينِيًّا وَكُنْ مُنَاظِرَا وَمُسْنَدُ الْآحَادِ" يعني المتصل مِن أخبار الآحاد "عَنْهُمْ أَتَى فَحُجَّةٌ فِي قَوْلِنَا قَدْ أُثْبِتَا" يعني دليل شرعي، "سِوَى الَّذِي رَوَى سَعِيدُ الْـمُجْتَـبَى فَإِنَّهُ الصَّحِيحُ فَاطْلُبْ مَأْرَبَا".

قال الشيخ(23): كنا نعزل والقرآن ينزل ؛ فلم نُنْهَ!

بالنسبة لنا الأفعال الخاصة نحتاج لها حكم آخر، دليل آخر، يقول: الفعل النبويّ خاصّ بالنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، طيب غيره؟ ما نحكم عليه بحكم حتى يأتينا بدليل آخر، لا نقول إنه له حكم آخر لأنه في الفعل النبوي! نحتاج إلى دليل آخر.

نسينا دلالة التنبيه.

قال: "بَابُ الْإِجْمَاعِ"، يكفي الكتاب والسُّنَّة، صح أم لا؟ يكفي كتاب والسُّنَّة عن الإجماع؟ نقول: الله عزّ وجلّ يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ(24) يعني إذا لم تتنازعوا فيكفي اتفاقكم عليه، صح؟ قال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»(25) وقال: «لا تزال طائفة مِن أمتي على الحق»(26)، إذن النصوص أحالت إليه، طيب هل وقع؟ هل فيه إجماعات؟ لماذا تلبس نظارات؟ أجمع العلماء على إباحة لبس النظارات، هذا من أيّ أصل؟ أجمع على علماء على قراءة العلم مِن الكتب الخارجة مِن المطبعة، لو ما في مطبعة، مخطوطات، لماذا تنظرون في كتب مطبوعة؟ إذا جاءكم واحد وقال: ألقوها واشتروا مخطوطات! تقول: أجمع علماء العصر على جواز كتابة العلم في الورق بطريقة المطابع، أليس كذلك؟ إذن هناك مسائل إجماعية حتى في عصرنا، عرّفه المؤلف، قال: هو الذي عليه اتفاق فقهاء العصر، غير الفقهاء ما لهم قيمة، مثل كُتّاب الصحف ولا مِن مذيعي التلفزيونات! هؤلاء ما لهم قيمة، الفقيه مَن هو؟ الفقيه هو المجتهد كما سيأتي، فقهاء العصر لو اتفقوا في عصر واحد ينعقد الإجماع، "بَعْدَ النَّبِيِّ الْـمُصْطَفَى ذِي الطُّهْرِ عَنِ اتِّفَاقٍ فِي أُمُورٍ تَحْدُثُ فَهْوَ الصَّحِيحُ" هذا الإجماع الصحيح، "مَا سِوَاهُ مُحْدَثُ" أما العوام لا قيمة لهم، ولا يعتبر بقول فقيه ولد في عصر المجمعين، قال: "وَحُجَّةٌ لِعَصْرِهِمْ وَمَنْ أَتَى" يعني الإجماع حجة لِمَن؟ لمن بعدهم، ولا يشترط في الإجماع انقراضُ العصر! بل بمجرد اتفاقِهم في لحظة يقع الاتفاق، خلافًا لأحمد في رواية، "وَنُقِلَ الْـخُلْفُ عَنِ الصِّدِيقِ وَذَهَبَ الْـجُمْهُورُ لِلتَّصْدِيقِ" أي: نُقِل اختلاف في هذه المسألة عن الصديق أبي بكر فقال: يشترط للانعقاد الإجماع انقراض العصر، لكن في النصوص لم يرد انقراضُ العصر! "وَذَهَبَ الْـجُمْهُورُ لِلتَّصْدِيقِ" هناك فيه إجماع قولي وهناك إجماع فعلي، مثل النظارات كلكم تلبسونها، وهناك إجماع قولي، يتفق قولكم على مسألة، قال: "وَلَا اعْتِبَارَ بِالعَوَامِ وَلَا بِقَوْلِ مَوْلُودٍ لِعَصْرِهِمْ تَلَا رواية وَنُقِلَ الْـخُلْفُ عَنِ الصِّدِيقِ وَذَهَبَ الْـجُمْهُورُ لِلتَّصْدِيقِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ جَمِيعًا صَحَّحُوا بِالْـخُلْفِ مِنْ بَعْضِ الَّذِينَ أَجْمَعُوا" يعني لو خالف واحد مِن أهل العصر لا ينعقد الإجماع، "مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ لِاضْطِرَارٍ يَمْنَعُ وَلَيْسَ قَوْلٌ لِصَحَابِي حُجَّهْ" قول الصحابي هل يُحتجُّ به؟ اختلف العلماء، المؤلف يرى بأنه ليس بحجة.

أقوال الصحابة أربعة أنواع(27):

1- قول صحابي لا مدخل للرأي فيه، فهذا يُعتبر بمثابة الحديث، يسمى المرفوعُ حكمًا.

2- قول صحابي مع مخالفة صحابي آخر له، فهذا ليس بحجة بالاتفاق.

3- قول صحابي انتشر في الأمة ولم يوجد له مخالف، فهذا إجماع سكوتي.

4- قول صحابي لا مخالف له في الصحابة ولم يشتهر في الصحابة، فهذا وقع الاختلاف في حُجِّيَّتِه.

قال المؤلف: باب القياس.

ما هو القياس؟ قال: ردُّ أو إلحاق فرع بأصل في حكم شرعي لعلة جامعة، مثاله: المخدرات قاسها على الخمر، وأين الأصل؟ الخمر، والفرع؟ المخدرات، والحكم؟ التحريم ولا الجلد؟ العلة؟ الإسكار، هناك قياس علة وقياس عكس، مثال ذلك: لمّا جمعنا بالمسكر هذا قياس طرد وقياس علة، وهناك قياس عكس، وهو إعطاء محل حكمًا منافيًا لحكم محل منصوص عليه لتنافيهما في العلة، قال: «وفي بُضْعِ أحدكم صدقة» ثم قال: «أرأيتم إذا وضعها في حرام أعليه وزر؟» قالوا: نعم، قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلال»(28) هذا قياس عكس، وهناك قياس طرد يتفق الأصل والفرع في الحكم، كذلك مِن التقسيمات هناك قياس علة بأنْ يكون الجامع وصفًا مناسبًا لتشريع الحكم، وقد يكون هناك قياس دلالة، وهو الجمع بين الأصل والفرع بعامل مشترك، فرائحتك تماثل رائحة الخمر؛ قياس دلالة.

"وَإِنْ تَدُلَّ لَا لِـحُكْمٍ تُوجِبُ فَهْيَ دَلَالَةُ الْقِياسِ تُنْسَــبُ" وهذا قياس الدلالة، الجمع بين الأصل والفرع بوصف يلازم العلة وليس يناسبه.

"وَإِنْ يَكُنْ فَرْعٌ لَهُ أَصْلَيْـنِ" فهذا يسمى قياس الأشباه، وهو أنْ يكون الفرع يتردد بين أصلين؛ فيختلف حكمُه بسبب اختلاف حكميهما، مثال ذلك: كم معك مِن الفلوس؟ هذه الفلوس النقدية نلحقها بالذهب أم نلحقها بالفضة؟ نرى الأكثر شبهًا، الخُلْعُ هل نلحقه بالطلاق أم نلحقه بالفسخ؟ نرى قياس طلب الأشباه، تردد فرع بين أصلين، فنلحقه بأكثرهما شبهًا به.

ذَكَرَ بعد ذلك أركان القياس الأربعة:

أولها: الأصل، ويشترط فيه أنْ يكون حكمُه ثابتًا، فلا تقف على محل حكم لم يثبت، وثبوت الحكم إما أنْ يكون بالإجماع أو يكون بالنص، ولا يصح أنْ يكون بواسطة القياس، لا يثبت حكم الأصل في القياس، هل يكفي الاتفاقُ بين الخصمين في إثبات حكم الأصل؟ نقول: لا يكفي.

الركن الثاني: الفرع، "وَالْفَرْعُ إِنْ كَانَ لِأَصْلٍ يَنْتَسِبْ فَقَدْ نَحَا قَصْدًا صَحِيحًا لَمْ يَعِبْ وَالْعِلَّةُ الْإِطِّرَادُ فِيهَا يُعْتَمَدْ" يشترط في العلة أنْ تكون مُطَّرِدَة؛ بحيث كلما وجدت وجد الحكمُ، لا نجد بعض المحال فيها الحكم وليس فيها العلة! أو نجد بعض المحال فيها العلة وليس فيها الحكم! لابُدّ أنْ تكون العلة مُطَّرِدَة، إذا لم تكن العلةُ مطّردةً؛ فإنّ القياس نتمكّن مِن إبطاله بواسطة النقض، نقول: وجدنا مسألة أخرى فيها علتُك ولم يوجد الحكم! السارق بواسطة الانترنت يُقطعُ؟ أكثر مِن 20 مليون يدخلها في حسابه ويأخذها وفي الآخر تقول: لا يقطع!! نقول ماذا؟ نلحقه بالسارق في جامع السرقة، أليس كذلك؟ طيب، العلة هنا السرقة، جاءنا معترض، قال: الوالد إذا سرق مالَ ابنِه يقطع ولا ما يقطع؟ قلنا: ما يقطع، قال: إذن علتكم غير مُطَّرِدَة، وُجدتِ السرقةُ ولم يوجد الحكم معها وهو القطع!

هناك جمع للأصل أو إلحاق للفرع بوصف مقارن للعلة يسمى هنا قياس دلالة، "وَتَابِعٌ لِلْعِلَّةِ مَا وُجِدَتْ وُجُودُهُ وَنَفْيُهُ إِنْ نُفِيَتْ لِأَنـَّـهُ لِعِلَّــةٍ مَجْلُــوبُ وَأَصْلُهُ مِنْ أَصْلِهَا مَطْلُوبُ" إذا كان هناك وصف مقترن بالعلة يأخذُ أحكامَها.

قال المؤلف: هناك مسائل لا نجدُ فيها دليل إباحة ولا دليل تحريم، ماذا نفعل بها؟ نحملها على الأصل، ما هو الأصل في المياه؟ الطهارة، ما هو الأصل في المطعومات؟ الحِلّ، ما هو الأصل في العبادات؟ الحَظر، فإذا جاءتنا عبادة جديدة ماذا نقول؟ نبحث عن دليل، إذا لم نجد دليلًا لها نقول: هذه عبادة جديدة؛ والأصل في العبادات الجديدة أنْ تكون على الحظر، يجوز أكل الكنغر؟ فيها دليل إباحة أو دليل تحريم؟ لا نجد، فنحكم عليه بقاعدة الأصل، الأصل في المطعومات الحلّ، إذن الأصل في الأشياء هو الحلّ والجواز، الأفعال قبل بعثة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم الأصل فيها الحلّ أو الأصل المنع؟ ذكر المؤلف قولين، واحد يقول: أصل الكل الحلّ "وَقِيلَ: لِلتَّحْرِيمِ وَالْأَوَّلُ الْمـَشْهُورُ" وهو الحلّ "وَهْوَ الْمـُعْتَمَدْ فَلْيَحْكِهِ أَهْلُ الْكَمَالِ وَالرَّشَدْ" الصواب أنه المسألة هذه غلط ولا يوجد وقت قبل بعثة الرسول منذ خلق الله البشر؛ والرسل يأتونهم مِن واحد لواحد.

ننتقل بعد ذلك إلى التعارض والترجيح، عندنا دليلان متعارضان، نقول: التعارض لا يقع في أدلة الشريعة لكنّ التعارض بحسب أذهاننا، ماذا نفعل؟

أولًا: نحاول الجمع بين الدليلين بأنْ نحمل أحد الدليلين على محل والآخر نحمله على محل آخر، كما لو ورد عام وخاص فنحكم بالخاص في محل الخصوص ونحكم بالعام فيما عدا ذلك، إذا لم نستطع الجمعَ؛ فإننا ننظر للتاريخ ونجعل المتأخرَ ناسخًا، إذا لم نستطع القولَ بالنسخ فإننا نرجح بين الدليلين، ونرى الدليل الأقوى منهما، قال: "إِذَا مُثَنًى خَاصٌ اوْ عَامٌ عَرَضْ وَأَمْكَنَ الْـجَمْعُ فَجَمْعٌ يُفْتَرَضْ" اجمع بينهما، يعني اعْمِلِ الدليلين، إنْ يمتنع الجمع "فَرُدَّهُ لِلْوَقْفِ ثُمَّ اجْتَهِدْ عَسَى دَلِيلًا تَقْفِي وَيَنْسَخُ الْأَخِيرُ حُكْمَ الْأَوَّلِ مِـمَّا أَتَانَا فِي الْكِتَابِ المُنْزَلِ" إلى آخر ما ذكر، ثم ذكر ترتيب الأدلة، فقال: الأول أنْ يُقدم الكتاب ثم السُّنَّة ثم الإجماع ثم اجتهاد الأمة.

ذكر المؤلف الفصل الأخير في الاجتهاد، ما هو الاجتهاد؟ قال: الاجتهادُ بَذْلُ الوسع في طلب الظنّ بحكم الشرع مِن قبل المجتهد حتى نرى العجز عن المزيد، حكم الجوال؟ قام الفقيه وراح ينظر في الأدلة وينظر في دلالاتها حتى وصل إلى القول إلى أنه ما في دليل آخر إلّا ما وصل إليه؛ فبالتالي يقول: بأنه مباح.

ما هي شروط المجتهد؟ يقول المؤلف: المجتهد لابُدّ أنْ يعرف العقيدة والفقه، الجمهور لا يشترطون هذا! إنما يشترطون أربعة أشياء:

الأول: معرفة مواطن الإجماع مِن الاختلاف.

الثاني: أنْ يعرف الأدلةَ الشرعية.

الثالث: أنْ يعرف مِن لغةَ العرب ما يُمكّنه مِن فهمهما.

الرابع: أنْ يعرف أصول الفقه ليتمكن مِن استخراج الأحكام مِن الأدلة.

لماذا يُشترط له أنْ يعرف مواطنَ الاتفاق مِن الاختلاف؟ قال: يمكن أنْ يدخل في ما يخالف الإجماع فيما يدعي أنه إجماع!

يشترط أيضًا فيه أنْ يعرف المهم مِن التفسير والحديث والأثر وحال الرواة، ويشترط فيه أنْ يكون عارفًا بلغة العرب ما يُمكّنه مِن الفهم.

المسائل الاجتهادية؛ هل كلُّ المجتهدين مصيبٌ أم المصيبُ واحدٌ وما عداه مخطئ؟ المصيب واحد، ما الدليل؟ «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران؛ وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد»(29) معناه يصيب ويخطئ، مَن أصاب فله أجران ومَن أخطأ فله أجرٌ واحد، هل يجوز للمجتهد أنْ يأخذ بأحد الأقوال بدون اجتهاد؟ نقول: لا، لابُدّ أنْ يجتهد في المسألة، ما يفتي إلّا بعد الاجتهاد.

"وَمَا لِقَوْلِ الغَيْرِ كَانَ يَقْصِدُ مِـنْ غَيـْرِ تَـرْجِيـحٍ فَـذَا مُقَلِّــدُ" الذي يأخذ بقول غيره هذا مقلدٌ، واحد مُغيبٌ للقرآن والسُّنَّة كل الكتب ومُغيبٌ كتبِ جميع الفقهاء؛ يصير مجتهدًا؟ لا، راوي، "وَمَا لِقَوْلِ الغَيْرِ كَانَ يَقْصِدُ مِـنْ غَيـْرِ تَـرْجِيـحٍ فَـذَا مُقَلِّــدُ" ليس بمجتهد هذا، "وَمَنْ تَصَدَّى لِاجْتِهَادٍ مُطْلَقِ" يقول: هناك أناس تصدوا للاجتهاد ويكون عندهم أهلية، فمثل هؤلاء لا يجوز لهم السكوت عن معرفة الأحكام(30).

حكمُ الأفعال قبل ورود الشرع فيها ثلاثة أقوال، المؤلف ذكر قولين: أحدها، يقول: هو على الحظر، لأنها لله، والله قبل الشرع لم يأذن باستعماله! ويقول الآخر: هي للإباحة، ما الدليل؟ قال: الله خلقها، ما خلقها عبثًا! إنما خلقها لننتفع بها،:قلنا: هناك قولان آخران والراجح في القولين الأخيرين.

الأشاعرة يقولون: الحق تابع لاجتهادات المجتهدين؛ فكل مَن اجتهد يكون مصيبًا، والجمهور يقولون: الحق في أحد الأقوال، واضح، دليله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ(31).

الاعتزال ليس خاصًا بأصول الفقه، يكون في كل العلوم، لو رأيتَ التفسيرَ لوجدتَ الاعتزالَ موجودًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا(32) قال: إنا خلقناه قرآنًا عربيًا! هذا تفسير معتزلي، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ(33) قال: حظوا بأكمل النعم وأعلاها! تفسير معتزلي لأنه نفي للرؤية.

ثمرة الخلاف(34) في ثلاثة أمور: استصحاب هذا الأصل بعد ورود الشرع، الثاني: بحثها ثمرة في بحث مسألة أخرى، وهي هل الأحكام تثبت بالعقول أو لا؟ لأنّ الذين يقولون: الأفعال قبل ورود الشرع لها حكمٌ؛ معناه يقولون: الأحكام قد تثبت قبل ورود الشرع.

الأخذ بظاهر الحديث واجب إلّا أنْ يدل الدليل على أنّ ظاهره له مراد؛ فيسمى تأويلاً، هل التأويل مقبول؟ إنْ كان بدليل قُبِلَ؛ وإذا كان بغير دليل لم يُقْبَلْ.

المجتهد خمسة أنواع:

1- المجتهد المطلق: لا يتقيد بأصول إمامٍ ولا فروعه.

2- أصحاب الوجوه: وهم الذين لا يتقيدون بفروع الإمام ولكن يتقيدون بأصوله، ولذلك تجدُ لهم أقوالًا في المذهب، لذا تسمى هذه الأقوال: الوجوه، فيقولون: عند الأصحاب وجه.

3- أصحاب الترجيح: هم الذين يُرجحون بين الروايات الواردة عن الإمام بحسب قواعد أصول المذهب، لا يأتون بأصول جديدة ولا أقوال في الفروع جديدة.

4- أصحاب التخريج: المراد بهم هم مَن يقيسون المسائل الجديدة على المسائل الواردة عن الإمام.

5- أصحاب الحفظ، حافظ المنتهى وكشاف الإقناع والمغني والشرح الكبير والكافي؛ هل يجوز أنْ يُعتمد على فتواه؟ الجواب: لا يجوز، حرام، ولو غيّب هذه الكتب كلها، هؤلاء أصحاب الحفظ، لا يفتي إلّا مجتهد وهذا ليس بمجتهد، هو مقلّد، فلا تُقبل الفتوى مِن المُقلّد.

الوجوب عند الأصوليين لأنهم يجعلون الحكم هو خطاب الشرع، بينما عند الفقهاء يقولون: الحكم هو الواجب؛ لأنّ الحكم عندهم هو أثرُ الخطاب.

العام والتخصيص، التخصيصُ له معنى، التخصيص قد يكون بلفظ العام مثال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا(35) التخصيص ورد في قوله "إلّا الذين آمنوا"، "الذين آمنوا" ليس بخاص؛ ومع ذلك هو مخصص لِمَا قبلَه، واضح.

بارك الله فيكم ووفقكم الله إلى الخير.

دلالات الألفاظ تنقسم إلى نصٍّ وظاهر، "ثم" مِن أدوات الظاهر، الأصل أنها تدل على الترتيب، فلا يُقبل هذا الصيام إلّا بالترتيب.

وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد.


(1) التكاثر: 5 - 7.
(2) البقرة: 260.
(3) آل عمران: 97.
(4) فصلت: 6، 7.
(5) المدثر: 43.
(6) المدثر: 42.
(7) صحيح. الترمذي (621) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (4261).
(8) البقرة: 197.
(9) الأنعام: 38.
(10) الحجر: 30.
(11) العصر: 2، 3.
(12) الطلاق: 4.
(13) البقرة: 228.
(14) الأنعام: 141.
(15) البقرة: 228.
(16) الأنعام: 141.
(17) صحيح البخاري (1483) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(18) صحيح البخاري (2174) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(19) صحيح مسلم (1977) من حديث بريدة رضي الله عنه مرفوعًا.
(20) لعله سبقُ لسانٍ من الشيخ؛ وصوابُه "بخطاب متأخر".
(21) الأحزاب: 50.
(22) الأعراف: 158.
(23) هنا سؤال وجواب مع بعض الطلاب، وذكرتُ ما وضح من الكلام المفيد.
(24) النساء: 59.
(25) صحيح. الترمذي (2167) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (1848).
(26) صحيح مسلم (1920) من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا.
(27) هذا جواب لسؤال أحد الطلبة.
(28) صحيح مسلم (1006) من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(29) صحيح البخاري (7352) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه مرفوعًا.
(30) هنا سؤال وجواب مع بعض الطلاب، وذكرتُ ما وضح من الكلام المفيد.
(31) يونس: 32.
(32) الزخرف: 3.
(33) الحجر: 46.
(34) هنا سؤال وجواب مع بعض الطلاب، وذكرتُ ما وضح من الكلام المفيد.
(35) العصر: 2، 3.