موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الصَّدَاق - شرح عمدة الفقه لابن قدامة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الفقه لابن قدامة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح عمدة الفقه لابن قدامة
 باب السَّبْق
 باب الوديعة وباب العارية
 كتاب الإجارة
 باب الغصب
 باب الشفعة
 كتاب الوقف
 باب الهبة
 باب عطية المريض
 كتاب الوصايا
 باب الموصَى إليه
 كتاب الفرائض
 باب الحجب وباب العصبات
 باب ذوي الرحام
 باب أصول المسائل وباب الرد
 باب تصحيح المسائل وباب المُنَاسَخَات
 باب موانع الميراث وباب مسائل شتى
 باب الولاء وباب الميراث بالولاء
 كتاب العتق/ باب العتق وباب التدبير
 باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد
 كتاب النكاح
 باب وِلاية النكاح
 باب المُحَرّمات في النكاح
 شروط الرَّضَاع المُحَرّم
 باب نكاح الكفار
 باب الشروط في النكاح
 باب العيوب التي يُفسخ بها في النكاح
 كتاب الصَّدَاق
 أسئلة
شرح عمدة الفقه لابن قدامة - كتاب الصَّدَاق

كتاب الصَّدَاق


أنا سأشرح بتمهل لأنه ليس معكم كتاب فأسشرح بتمهل.

بدأ يتكلم المصنف رحمه الله تعالى عن الصَّدَاق، والصَّدَاق بعضُ أهل العلم يرى أنه ركن، وبعض يعني حكم مقصود في النكاح، وبعضهم يرى أنه أحدُ واجبات النكاح، والفرق بين عَدِّه ركنًا وبين عَدِّه واجبًا مِن واجبات النكاح أنّ نفيَ الصَّدَاق - انظر العبارة - أنّ نفيَ الصَّدَاق؛ إذا تزوج رجلٌ امرأةً مع نفي صَدَاقها قال: لا صَدَاق بيننا! فإنه يكون نفيًا للركن فإنه يُبطل النكاح، هذا مَن يَعُدّ أنه ركن وهو طريقة القول الثاني في المذهب، وأمّا مشهور المذهب فإنه مِن واجبات النكاح ومقتضياته، مقتضيات النكاح وواجباته، وبناءً عليه فإنّ نفيَه في عقد النكاح لا يُبطل العقدَ؛ وإنما يَبطل الشرطُ وحده؛ فيكون للمرأة مهرُ المِثْل، ولذلك أيها الإخوة عندما نتكلم عن بعض الأفعال أو بعض الأشياء فنقول: هل هذه الأشياء أركان أم أنها واجبات؟ هل هي شروط أو واجبات؟ يترتب عليها آثار كثيرة جدًا، مثل ما ذكرتُ لكم قبل قليل: بعض الإخوان لَمّا سمعني أقول: هل الصَّدَاق ركن أو واجب؟ يقول: ما الثمرة؟ نقول: لا! هناك ثمرة، وذكرتُ لكم قبل قليل، مثال آخر - ولا أريد أنْ أذكر أمثلة كثيرة - عندما نقول: التسمية، هل التسمية شرطٌ أم واجب في الذكاة؟ وهل هي شرط أم واجب في الصيد؟ على المشهور مِن المذهب أنّ التسميةَ في الذكاة واجبةٌ؛ والتسميةَ في الصيد شرطٌ، وبناء على ذلك فإنهم يقولون: مَن نسيَ التسميةَ في الذكاة أُبيحت ذكاتُه لذبيحته، ومَن نسيَ التسمية عند إرساله الآلة أو الجارحة في الصيد لم يُبَحْ صيدُه، لماذا عدّوها شرطًا؟ للنصّ، لحديث أبي ثعلبة في الصحيح(1)، وتكلمتُ في هذا المحل كيف نعرف الركن أو الشرط مِن النص - قواعد ذكرها ابن النجار وغيره -، أريدك أنْ تعرف هنا مسألة أنّ الصَّدَاق - على المشهور - هو واجب ومقتضى مِن مقتضيات النكاح؛ فنفيه يلتغي ويَبْطل الشرط وحده دون العقد.

وكل ما جاز أنْ يكون ثمنًا جاز أنْ يكون صَدَاقًا - قليلًا كان أو كثيرًا –


بدأ يتكلم لمصنف عمّا يصحّ أنْ يكون مهرًا، فقال: كل ما جاز أنْ يكون ثمنًا جاز أنْ يكون صَدَاقًا، وما لا يجوز أنْ يكون ثمنًا لا يصحّ أنْ يكون صَدَاقًا، ما الذي لا يجوز أنْ يكون ثمنًا؟ ذكرناها في كتاب البيوع، مِن ذلك:

أولها: أنّ كل ما كان مُحَرّمًا لا يصح بيعُه إِذًا لا يصحُّ أنْ يكون صَدَاقًا، مِن ذلك أنّ كل ما كان مِن باب الاختصاص - وليس مِن باب المنافع والأعيان -؛ فإنه لا يصح بيعُه؛ فلا يصحّ أنْ يكون صَدَاقًا، وما كان مِن باب الاختصاص قد يكون لمهانته كالكلب، الكلب يجوز الانتفاع به في الصيد والحرث ولكنْ لا يجوز بيعُه، وبناء على ذلك فلا يجوز أنْ يصدق رجلٌ امرأةً كلبًا؛ فيجعل مهرَها كلبًا! لا يجوز، وقد يكون هذا الاختصاص لعظمه - وهو المصحف - فعلى مشهور المذهب بل أحمد حكاه إجماعًا لا يجوز بيع المصحف، قال أحمد: لا أعلم في بيع المصحف رخصة، فعلى المذهب لا يجوز أنْ يتزوج رجلٌ امرأةً ويجعل صَدَاقَها مصحفًا! لا يجوز ذلك، لأنّ المصحف لا يجوز بيعُه، لكنْ يجوز شراؤه عند الحاجة لمِنَ كان محتاجًا للمصحف يجوز له أنْ يشتريه، وأمّا بيعُه فعلى المذهب لا يجوز وحكاه أحمد إجماعًا متقدمًا، إِذًا أريد أنْ نعرف مسألة مهمة وهو أنّ ما لا يجوز بيعُه لكونه اختصاصًا أو لكون مُحَرّمًا أو لكونه لا منفعة فيه كالحشرات قديمًا وذكرتُ لكم في الدرس - إنْ كنتم تتذكرون معنا قبل - أنّ الحشرات لم يستثنِ منها الفقهاء قديمًا إلّا دودة القَزّ، وفي زمانا أصبح كثير مِن الحشرات لها منافع، كما تعلمون في التجارب وفي غيرها - التجارب الطبية والتجارب الحيوية كذلك - فأصبحت لها منافع، فهذه تختلف باختلاف الزمان، والفقهاء ذكروا المناط، وأمّا الأمثلة فتختلف باختلاف الزمان، وهكذا بعض فقهاء المذهب - وهو الخِرَقي - زاد قيدًا فقال: ما له ثمن ويتنصف، لأنّه قالوا: الحبة الواحدة مِن الشعير لا تتنصّف! فلا بُدّ أنْ يكون متنصّفًا لِمَ؟ لأنّ الرجل إذا طَلّق امرأته قبل الطلاق فإنه يثبت لها نصفُ المهر دون بعضه، والحقيقة أنّ هذه عند التأمل تحصيل حاصل لا يلزم ذلك، لأنّ ما لا يتنصف مما هو ثمن قليلٌ جدًا كحبة شعير! أشياء نادرة جدًا التي لا تتنصف، قال: كل ما جاز ثمنًا جاز أنْ يكون صداقًا - قليلًا كان أو كثيرًا -، قول المصنف: قليلًا كان أو كثيرًا، يدلنا على أنّ لا حَدّ لأقل الصَّدَاق ولا حَدّ لأكثره، ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا(2) والقنطار هو الحمل الثقيل، ولكنّ فقهاءنا يستحبون أنْ لا يأخذ المرء مهرًا لموليته أكثر مِن خمسمئة درهم، ولذلك يقولون: ويستحب أنْ يكون المهر بين أربعمئة إلى خمسمئة درهم، هذا هو المستحب، وإذا أردت أنْ تحسب الخمسمئة درهم، الدرهم بثلاث غرامات؛ فيكون ألفًا وخمسمئة غرامًا مِن الفضة، وغرام الفضة في هذه الأيام تقريبًا بعشر ريالات، فالأفضل أنْ يكون المهر كم؟ خمسة عشر ألف ريال، ليس هذا استنقاص مِن الأب! الأب قد ينفق على ابنته أكثر ويعطيها ما زاد عن هذا المبلغ لكن الكرامة، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "مَن ظنّ أنّ ابنته أكرمُ مِن بنات النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم ونسائه فغالى في حقهن - ظنّ أنه أكرم - فقد أساء"، وقد قالت عائشة: "ما أُصْدِقَ في بنات النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وزوجاته أكثر مِن خمسمئة درهم"(3)، هذا استحبه فقهاؤنا، هذا المستحب، لكنْ تجوز الزيادة إلى ما شئت، يدل على ذلك قولُ النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم «خيركن أيسركنّ مؤنة»(4)، كلما قلّت مؤنةُ المرأة كانت علامةَ خيريّة فيها، ليس لام زيد ولا عمرو! بل هو كلام مَن هو لا ينطق عن الهوى؛ إنْ هو إلّا وحي يوحى - صلّى الله عليه وسلّم -، ثم ذَكَرَ الحديث في الدلالة على أنه لا حَدّ لأقله قال: «التمس ولو خاتمًا مِن حديد»(5)، و "لو" هنا للتقليل، إِذْ خاتم الحديد قيمته قليلة جدًا، والمراد بالخاتم هنا الحلقة، والحلقة رخيصة، ليس المقصود الخاتم الذي يُتجمل به ويكون على هيئة جميلة! وإنما كل حلقة - وهي مِن أرخص ما يكون - ولذلك لا تستهويها هِمَم أواسط الناس.

فإنْ زَوّج الرجلُ ابنته بأيّ صَدَاق كان جاز، ولا يُنْقِصها غيرُ الأب مِن مهرِ مثلِها إلّا برضاها


الرجل يجوز له أنْ يُزوج ابنته بأيّ صداق كان، لكن لا يُنْقِصها عن مهرِ مثلها إلّا برضاها، أمّا الأب فيجوز له أنْ يُنْقِصها عن مهرِ مثلها، لأنّ الأب له مِن الشفقة والرحمة والإحسان والبذل لابنته الأكثر، بل يجوز للأب أنْ يأخذ صَدَاقَها لأنه «أنت ومالك لأبيك»(6)، يجوز للأب أنْ يأخذ ما شاء مِن مال أبنائه - ذكورًا وإناثًا -.

فإنْ أَصْدَقَها عبدًا بعينه فوجدته مَعيبًا خُيِّرَت بين أرشه ورَدّه أو أخذِ قيمته


هنا مثَّلَ المصنفُ قال: فإنْ أَصْدَقَها عبدًا بعينه فوجدته مَعيبًا، طبعًا ذكرتُ لكم قَبْلُ أنّ الفقهاء يُمَثِّلون دائمًا بالعبيد لأنها واضحة وصفاتها معلومة لكل الناس لكل الأزمنة، لأنه يتكلم عن آدميّ، لكن هذا المثال الذي أورده المصنف نجعلُ لها قاعدة فنقول: "إذا أَصْدَقَها مباحًا معينًا مَعيبًا" مباحًا ليس مُحَرّمًا، ومعينًا ليس موصوفًا، ومَعيبًا ليس فيه عيب؛ فإنّ المرأة تُخَيّر بين أمرين: إمّا بين الأرش، والأرش هو فرْقُ ما بين الصحيح والمَعيب؛ فنُقَدّر قيمةَ هذا المُعَيّن المَعِيب المباح صحيحًا ونُقَدّره مَعيبًا وننظر الفرقَ بينهما؛ فتأخذ المَعِيبَ مع الفرق وهو الأرش، أو رَدُّه، تُرجع هذا المعين المَعيب للزوج وتأخذ قيمتَه إذا كان صحيحًا.

وإنْ وجدته مغصوبًا أو حُرًّا فلها قيمته


بدأ يتكلم المصنف عن مسألة وهي مسألة: إذا كان المال مستحَقًا، المصنف قال هنا : إذا كان المال مستحَقًا، أعطاها معينًا لكنْ بَانَ أنّ هذا المعين مغصوب، ملك للغير، قال: أَصْدَقْتُكِ هذه السيارة، ونالت إعجابَها، السيارة سيارة فخمة، لَمّا جاءت تستلمها جاء صاحب السيارة "الكورولّا" قال: لا! هذه سيارتي! فأصبح مغصوبًا، ليس له، مستحَقًا لغيره، المصنف يقول: فلها قيمته - قيمة هذا المعين -، هذا كلام المصنف، وأمّا مشهورُ المذهب فإنّ مَن أَصْدَقَ امرأةً مالًا مستحَقًا فإنها تستحق مهرَ المِثْلِ مباشرة، ولذلك قاعدة المذهب أنها لا تستحق القيمةَ إلّا في المباح المَعيب، وأمّا إذا بَطل المسمى؛ وبطلان المسمى لأحد أربعة أسباب: إمّا لكون المسمى مُحَرّمًا، أو لكون المسمى مستحَقًا كالمغصوب، أو لكون المسمى مجهولًا، أَصْدَقْتُك ما في هذه الحقيبة، لا تعلم! قد يكون مالًا كثيرًا وقد يكون مالًا قليلًا فيصح النكاح لكنْ تنتقل لمهرِ المِثْلِ، أو عدم الإذن مِن المستحِق بالتسمية، إذا لم يأذن المستحِق بالتسمية فلم يأذن به؛ فحينئذ في الحالات الأربع فإنه يُنتقل إلى مهرِ المِثْلِ، المصنف هنا مشى إلى أنّ لها القيمة والمذهب مخالف.

وإنْ كانت عالمة بحريّته أو غصبه حين العقد فلها مهرُ مثلها


لأنها عالمة بالعيب، هذا رأي المصنف، وأمّا المذهب فإنه مطلقًا - سواء كانت عالمة أو غير عالمة –

وإنْ تزوجها على أنْ يشتري لها عبدًا بعينه فلم يبعْه سيدُه أو طلب به أكثرَ مِن قيمته فلها قيمته


هذا الذي تكلمنا عنه قبل قليل؛ وهو المستحَق أو الإذن مِن المستحِق التسمية لأنه لم يصدر منه ذلك.

نقف إلى هنا

نكون ذلك أنهينا - بحمد الله عزّ وجلّ - كتابَ النكاح، ولعلنا نرجع مرة أخرى في كتاب الصَّدَاق مرة ثانية.

أسأل الله عزّ وجلّ للجميع التوفيقَ والسَّدادَ، وأسأله سبحانه أنْ يرزقنا العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ؛ وأنْ يتولانا بهداه؛ وأنْ يغفر لنا ولوالدينا والمسلمين والمسلمات، وأسأله جلّ وعلا أنْ يجعل اجتماعَنا في هذه المكان اجتماعًا مرحومًا وأنْ يجعل تَفَرّقنا بعده تفرقًا معصومًا عن كبائر الذنوب، وأسأله جلّ وعلا أنْ يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات؛ وأنْ يرينا الحقَّ حقًا؛ وأنْ يرزقنا اتِّبَاعَه؛ وأنْ يرينا الباطل باطلًا؛ وأنْ يرزقنا اجتنابَه، واسأله جلّ وعلا أنْ يُوَفّق ولاة الأمور المسلمين في كل مكان لكل خير؛ وأنْ يجمع كلمتهم على الهدى والتقى، وأسأله سبحانه وتعالى أنْ يصلح لهم البطانة؛ وأنْ يدلهم على الخير والهدى، وأسأل الله عزّ وجلّ للجميع التوفيقَ والسدادَ، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


(1) صحيح البخاري (5496).
 (2) النساء: 20.
(3) صحيح مسلم (1426) بنحوه.
(4) حديث «خيرهُنّ أيسرُهنّ صَدَاقًا» ضعيف. صحيح ابن حبان (4034) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا. الضعيفة (3584).
قلتُ: لكن قال الشيخ الألباني رحمه الله تحت حديثٍ - بنحوه -: "ويغني عن هذا الحديثِ حديثُ عائشةَ الآخرَ بلفظ: «إنّ مِن يُمْنِ المرأةِ تيسيرُ خطبتِها، وتيسيرُ صَدَاقِها، وتيسيرُ رحِمِها"، أخرجه ابن حبان والحاكم وغيرهما بسند حسن كما بينته في الإرواء (1986)". يُنظر: السلسلة الضعيفة (3/ 244).

(5) صحيح البخاري (5121) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه مرفوعًا.
(6) صحيح. ابن ماجه (2291) من حديث جابر رضي الله عنهما مرفوعًا. صحيح الجامع (1486).