موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شروط الرَّضَاع المُحَرّم - شرح عمدة الفقه لابن قدامة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الفقه لابن قدامة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح عمدة الفقه لابن قدامة
 باب السَّبْق
 باب الوديعة وباب العارية
 كتاب الإجارة
 باب الغصب
 باب الشفعة
 كتاب الوقف
 باب الهبة
 باب عطية المريض
 كتاب الوصايا
 باب الموصَى إليه
 كتاب الفرائض
 باب الحجب وباب العصبات
 باب ذوي الرحام
 باب أصول المسائل وباب الرد
 باب تصحيح المسائل وباب المُنَاسَخَات
 باب موانع الميراث وباب مسائل شتى
 باب الولاء وباب الميراث بالولاء
 كتاب العتق/ باب العتق وباب التدبير
 باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد
 كتاب النكاح
 باب وِلاية النكاح
 باب المُحَرّمات في النكاح
 شروط الرَّضَاع المُحَرّم
 باب نكاح الكفار
 باب الشروط في النكاح
 باب العيوب التي يُفسخ بها في النكاح
 كتاب الصَّدَاق
 أسئلة
شرح عمدة الفقه لابن قدامة - شروط الرَّضَاع المُحَرّم

بسم الله الرحمِن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه وللحاضرين وللمسلمين

يقول المصنف رحمه الله تعالى:

ولا يُحَرِّم إلّا بشروط ثلاثة


بسم الله الرحمِن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أنْ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبد الله ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أمّا بعد

شرع المصنف رحمه الله تعالى بذكر شروط الرَّضَاع المُحَرّم؛ إِذْ ليس كل رضاعٍ يكون مُحَرِّمًا! وقد مَرَّت معنا الشروط المتعلقة باللبن الذي يُرْتَضَع به؛ فلا بُدّ أنْ يكون اللبن قد ثاب عن حَمْلٍ، وبدأ المصنف يتكلم عن بعض الأمور الأخرى المتعلقة بهذه الشروط.

أحدها: أنْ يكون لبن امرأة - بكرًا كانت أو ثيِّبًا - في حياتها أو بعد موتها


بدأ الشيخ بالشرط الأول، فقال: لا بُدّ أنْ يكون لبنَ امرأة، ومفهوم ذلك - كما أشار إليه المصنف – فلو أنّ طفلين قد اشتركا في الارتضاع مِن بهيمة؛ أو أنه قد ثاب لبن مِن رجل؛ فإنّ بعض الرجال - وقد مَرَّ علي هذا الشيء - يكون عنده مشاكل في الهرمونات فيخرج مِن ثديه مثل اللبن! لكنه ليس لبنًا، فإنّ هذا لا يُحَرِّم، ولذلك قال: لا بُدّ أنْ يكون لبن امرأة, المصنف لم يُشِرْ للقيد الثاني المهم وهو أنه لا بُدّ أنْ يكون هذا اللبن قد ثاب مِن حَمْلٍ، وتكلمنا عنه في الدرس الماضي، قال: بكرًا كانت أو ثيِّبًا، نحن ذكرنا قبل قليل أنه لا بُدّ أنْ يكون اللبن ثاب مِن حَمْلٍ؛ فكيف يمكن أنْ تكون المرأة بكرًا؟ نقول: نعم، قد تحمل المرأة وهي بِكْرٌ وذلك فيما لو تَحَمّلت الماء، المرأة قد تتحمل الماء تحملًا، مثله في زماننا هذا ما يُسمى بالتلقيح الصناعي، وقد ذَكَرَ ابن أبي عمر أنّ المرأة إذا لم تكن فراشًا وتَحَمَّلَت ماء رجل؛ فإنّ حَمْلَها يكون له حكمُ مقطوع النسب، أي أنه يكون كابن الزنى لا ينسب لأحد، لا نقول: هو ابن زنى! ولكنه يكون مقطوع النسب، فحكُمه حكمُ ابن الزنى لا ينسب لرجل ولو ادّعاه رجل! لأنه لا بُدّ أنْ يكون الولد للفراش، إِذًا البِكْر يُتصور أنْ تكون حاملًا وإنْ لم تكن ذات زوج وذكرتُ لكم صورتها قبل قليل, قال: أو ثيِّبًا، هذا واضح، في حياتها أو بعد موتها، فقد يوجد مِن النساء مَن يبقى لبنها يَدُرّ بعد وفاتها فيرتضع الطفل، وهذا وُجِدَ، ذكروا أمثلة ويذكرها كبار السِّنِّ الآن أنّ بعض النساء تجلس يومًا ويومين، وهذا مستقر، فإنّ الشخص إذا مات تبقى بعض خلايا جسده لها حياة نباتية، فلذلك يكون له إخراج مِن موضع الإخراج، وقد يَنْدى منه بعض العرق، وقد تطول بعض أظافره ويطول بعضُ شعره وهو ميت! وكذلك قد يَدُرّ اللبن أحيانًا مِن الميتة، وهذه الحياة يسميها الفقهاء بالحياة النباتية، أي أنها ليست حياة حقيقية وإنما هي كحياة النبات يطول وينتج بعض الناتج, ولذلك قال المصنف: فأمّا لبن البهيمة وتقدم معنا، أو الرجل أو الخنثى المشكل فلا يُحَرِّم شيئًا، سأقف مع الخنثى المشكل قليلًا، الفقهاء يقولون: إنّ الخنثى المشكل يُعرف أنه رجل بعلامات، وذَكَرَ المصنف منها علامة سابقة وهي ماذا؟ وهو المبال، أليس كذلك؟ تتذكرون أم نسينا؟ نعم، المبال، وكنتُ قد أشرتُ هناك: هل الحمل علامة يُكشف فيها الإشكال في الخنثى أم لا؟ تتذكرون ماذا قلت؟ قلتُ لكم: الفقهاء يقولون: إنّه ليس علامة، فلو أنّ خنثى حَمَلَ فثاب منه لبن فنقول: إنّ هذا اللبن ليس علامة لكونه أنثى؛ فقد يكون رجلًا! هذا بناءً على كلام الفقهاء المتقدمين، وأمّا في زماننا هذا فقلتُ لكم: إنّ الحمل يُعتبر علامة مقطوع بها لكون هذا الخنثى أنثى، إِذْ لا يمكن أنْ يحمل الرجل وجسمُه لا يقبلُ ذلك مِن حيث تكوينه لكونه الكروموسومات تختلف، لا يمكن أنْ يتحقق ذلك، كذا ذَكَرَ أهل الاختصاص ولست منهم.

الثاني: أنْ يكون في الحولين، لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يُحَرِّم مِن الرَّضَاع إلّا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام»(1).


هذا الشرط الثاني، وهو شرط مهم؛ أنه لا يكون الرَّضَاع مُحَرِّمٌ إلّا إذا كان الرَّضَاع في الحولين، فنبدأ في تقرير المذهب ثم عندي تعليق بعدها قصير، المذهب يقول: لا بُدّ أنْ يكون الطفل في الحولين، والمراد بالحولين أي حولين قمريين، ليست العبرة بالحساب الشمسي، وإنما بالحساب القمري، هذا الأمر الأول, الأمر الثاني: ابتداءُ هذين الحولين يبتدئ مِن حين الولادة وينتهي عند تمام السنتين مِن نفس الساعة، يعني وُلِدَ في الساعة الخامسة ينتهي الحولان عند الساعة الخامسة بعد سنتين قمريتين، هذا واضح، طيب، يقول فقهاؤنا: ولو ارتضع الطفل بعد تمام الحولين بلحظة واحدة؛ لم يَنْشُرِ الحُرْمَة! إِذًا يُقيد بالحولين ولو كان ما قاربه شيء يسير، لأنّ المقدرات في الشرع نوعان، بعضها على سبيل التحديد وبعضها على سبيل التقريب، وهذه هي مِن سبيل التحديد، فالزيادة عليها بشيء قليل يخالف الحكم, المسألة الأخيرة وما يتفرع على المشهور عند قول المصنف "في الحولين": أنّ هذا الطفل إذا ارتضع أربع رضعات في الحولين ثم ارتضع الخامسة بدأها قبل انتهاء الحولين وانتهت بعد انتهاء الحولين ألم نقل: ولو بلحظة؟ فهل تكون الخامسة مُحَرِّمَة أم ليست بمُحَرِّمَة؟ المشهور أنها لا تكون مُحَرِّمَة، لأنه العبرة بالرضعة الكاملة أي بانتهائها، هذا هو مشهور المذهب؛ أنه لا بُدّ أنْ تَكمل الخمس في الحولين، لا بُدّ مِن الخمس كاملة في الحولين، ليس العبرة بالامتداد، بل لا بُدّ أنْ تكون خمسًا كاملة في الحولين، طيب، عندما نقول في الحولين؛ فلو ارتضع الصبي وهو أكثر مِن الحولين قلنا: ولو بلحظة ومِن باب أولى بسَنَة بسنتين بخمس بعشر فالجميع لا يَنْشُر الحُرْمَة، إِذًا ما زاد عن السنتين يُسمى برضاع الكبير، ورضاعُ الكبير لا يَنْشُرُ الحُرْمَة، وعندي هنا مسألة، فقد نُسِبَ للشيخ - وأعني بالشيخ الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى - أنه يرى أنّ رضاع الكبير يُحَرِّمُ! وهذا غير صحيح، بل الذي يُقَرِّرُه الشيخ وينصره أنّ الرَّضَاع الذي يُحَرِّمُ ما كان قبل الفطام، وبناءً عليه فلو انفطم الصبي وهو ابن ستة أشهر فارتضع وهو في الشهر السابع فإنه لا تنتشر الحُرْمَة، إِذًا الشيخ أشدّ في التحريم؛ فلم يقل بالسنتين! وإنما قال بالفطام وهو أقل مِن السنتين! انتبه لهذه المسألة، الذي يقرره الشيخ أنّ الرَّضَاع الذي يُحَرِّمُ إنما هو في الفطام، هذا هو الأصل، لكنّ الشيخ ما الذي قاله هناك؟ الشيخ عنده قاعدة في قضية "هل يوجد شيء على خلاف القياس أم لا؟ وهل هناك استثناء أم لا؟" الشيخ يُقَرِّرُ أنّ فقهاء أهل الحديث يُعْمِلُون كل الأحاديث ولا يَرون حديثًا - بقدر المستطاع - خاصًّا بأحد مِن الصحابة دون أحد، بل إنهم يُعْمِلُون كلَّ حديث إذا وُجِدَتْ شروطُه، فكان الشيخ يقول: إنّ حديث سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما هذا مازال محكمًا بدليل إفتاء عائشة به؛ فإذا وُجِدَ مَن كان مثلَه وكانت المرأة مثلها - أي مثل مرضعته - فإنه قد يُفتى له به، إِذًا الحكم الأصلي أنه لا يجوز ولا يَنْشُرُ الحُرْمَة، هذا هو الأصل، ولكنْ عند الفتوى قد توجد مسألة بعينها لها ظروفها وملابساتها؛ فيُفتى بهذا القول، وهذا الكلام مقبولٌ عند كثير مِن أهل العلم مِن حيث التنظير، لأنّ الفقهاء كما تعلمون وهذا يجب أنْ نركز عليها وننتبه لها؛ وما أخطأ كثير مِن الناس إلّا في عدم فهمه هذا الأصل: أنّ هناك فرقًا بين الفتوى وبين الحكم العام، الحكم العام هذا الشيء لا يجوز، لكن يأتيك فلان لحاجته تقول: يجوز لك أكلُ الميتة، وفلان لحاجته تقول له: يجوز لك شربُ الخمر، هل نقول: إنّ أبا حنيفة مالكًا والشافعي أجازوا شرب الخمر وأكل الميتة لأنهم أجازوه عند الضرورة؟؟ لا، ليس كذلك، فإذا وجدت شروط الاضطرار والحاجة أُبيح ذلك، إِذًا أريدك أنْ تنتبه أنّ الذي يُقَرِّرُه الشيخ وينتصر له وبقوة هو ذلك، لكنْ يقول: يجوز للمفتي أنْ يحقق المناط، ولذلك الشيخ لا يوجد في فتاويه – وهو مِن أكثر مَن نُقلت فتاويه وحُفظت - أنه أفتى مرة بهذا الشيء لِمَن وُجدت له ظروف قد يظن بعض الناس أنها كذلك، إِذًا الخطأ ما هو؟ أنّ بعض الناس قد يظن أنّ مسائل الفتوى تكون في التعليم؛ فيحكم في هذا القول أنه قول "وقيل: إنّ رضاعَ الكبير مُحَرِّمٌ، وقال به فلان و فلان وفلان"!! أبدًا مَن نسب هذا القول للشيخ فقد أخطأ عليه، الشيخ يرى أنّ الذي يُحَرِّمُ ما كان في الفطام، بعض الأطفال يُفطم وهو ابن شهر، تعرفون هذا الشيء، شهر يكون خلاص، ما يشرب مِن أمه رضعة واحدة! الشهر الثاني لو أرضعته أيّ امرأة في الدنيا نقول: لا، أو أعطيتَه وُجورًا أو سعوطًا فإنه لا يُحَرِّم عندنا، إِذًا هو أشد، ولكنْ يقول لك: عند الفتاوى إذا وجد الموجِب يجوز، ولذلك قلتُ لكم هذا الكتاب - وهو جيد، لأحد علماء المالكية في المغرب واسمه القادري، تلميذ عبد القادر الفاسي؛ هذا الفاسي معروف عنده شرح "ميارة" مِن كُتب المالكية المشهورة - له كتاب أجاد فيه سمّاه "رفع العتب والملام عمّن قال: إنّ الإفتاء بالقول الضعيف ضرورة ليس بحرام!" هذا كله اسمُ كتاب، إِذًا عند الضرورة وعند الحاجة قد يُصار لقول ضعيف قال به آحاد العلماء لأجل الضرورة إمّا العامة أو الخاصة، وهذا يجب أنْ ننتبه له، ولذلك دائمًا حكاية الأقوال لا تُقبل إلّا ممن يعرف كيف يحكي هذه الأقوال، وهذه المسائل التي تكون على سبيل الاستثناء يجب ألا تكون عامة عند مَن لا يفهمها! كما قال علي رضي الله عنه: "ما أنت بمُحَدِّث أقوامًا حديثًا - لا تدركه عقولُهم - إلّا أصبحوا به مكذبين!"(2), ولذلك عند الضرورة إذا وجدت حاجتها وموجبها وهكذا، فقط أردتُ أنْ أبين هذه المسألة لأنّ بعض الناس قد ينسب للشيخ الإمام شيخ الإسلام الإمام أحمد بن تيمية عليه رحمة الله كلامًا لم يقله على سبيل الإطلاق! بل أنا أجزم أنّ الشيخ لو كان حيًا لنفى كثيرًا مما يُنسب إليه في هذا الزمان مِن الآراء الفقهية - سواء كانت في شدة الغلوّ أو في شدة الخطأ في الفهم - ونحو ذلك.

الثالث: أنْ يرتضع خمس رضعات، لقول عائشة: أُنزل في القرآن "عشر رضعات يُحَرِّمْنَ"؛ فنُسخ مِن ذلك خمس؛ فصار إلى "خمس رضعات معلومات يُحَرِّمْنَ"(3)، فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والأمر على ذلك


قال: الشرط الثالث: أنْ يرتضع خمس رضعات، عندنا هنا مسألتان: أنْ يكون خمسًا، والمسألة الثانية: أنْ يكون رضعات, نبدأ بالرضعات ثم نأتي بالخمس لأنّ دليلها أورده المصنف، المراد بالرضعة هي المَصَّة، فكل ما يمُصّه الصبي؛ فإنه تسمى رضعة، لذلك جاء في بعض الألفاظ «لا تُحَرِّمُ المَصَّة ولا المصتان؛ ولا الإملاجة ولا الإملاجتان»(4)، فدلّ على انّ المَصَّة والرضعة والإملاجة واحدة، وضابطُها قالوا: أنْ يأخذ الصبي الثدي ثم يَمُصّ اللبن - لا بُدّ أنْ يخرج اللبن - إِذًا يلتقم الثدي ويمصّ اللبن ثم يتركه، وهذا الترك - سواء كان بسبب شبعه أو بدون شبع منه - فإنها تسمى مَصَّة أو رضعة، وسواء تركه بنفسه أو أُجْبِرَ على تركه فالجميع كله يسمى رضعة، يعني لو أنّ امرأة تُرضع ولدًا ثم رفعتْ ثديَها عنه قصدًا لكي تلقمه الرضعة الثانية نقول: تُعتبر رضعة ثانية، إِذًا ليس لا بُدّ أنْ يكون الترك بنفسه! بل قد يكون منه وقد يكون مجبرًا عليه بأنْ قُطِعَ عليه وقد يكون شبع فيها وقد يكون لم يشبع، إِذًا هذا ما يتعلق بالرضعة, الأمر الثاني في قوله: أنْ يرتضع خمس رضعات، قوله: خمس رضعات، هذا العدد الأصل فيه النص، لقول عائشة – الذي ذكره المصنف - : أًنزل في القرآن "عشرُ رضعات يُحَرِّمْنَ" فنُسخ مِن ذلك خمس وصار الأمر إلى "خمس رضعات معلومات يُحَرِّمْنَ", أريد أنْ نعرف أنّ قولها رضي الله عنها فنُسخ من ذلك خمس أنّ الناسخ له قرآن آخر، لأنّ مِن أصولنا - أصول أحمد وأصول الشافعي كليهما - أنّ القرآن لا ينسخه إلّا قرآن مثله، إِذًا ما الذي حدث في هذه؟ هناك نسخان في هذه الآية، أنزل في القرآن "عشر رضعات مُحَرِّمَات" ثم جاء نسخ بآية أخرى فنسخ حكمَها وتلاوتها بأنه إنما يُحَرِّمُ خمس، ثم بعد ذلك نُسخت تلاوة الآية الثانية، إذًا الآية الأولى نُسخ حكمُها وتلاوتها؛ والثانية نُسخ تلاوتُها فقط دون حكمها، لأنّ من أصلنا أنّ القرآن لا ينسخه إلّا قرآن، وأطال الشافعي في تقرير هذا الأصل في كتابه "الرسالة"، السُّنّةُ لا تنسخ القرآن البَتّة، لكنّ القرآن ينسخ القرآن وينسخ السُّنّةَ كذلك، لقول الله عزّ وجلّ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا(5).

نسيتُ أنّ الخمس رضعات سواء في مجلس واحد أو في مجالس شتى لا فرق، العبرةُ بالرضعة أو المَصَّة.

ولبن الفحل مُحَرِّمٌ، فإذا كان لرجل امرأتان فأرضعت إحداهما بلبنه طفلًا والأخرى طفلة صارا أخوين لأنّ اللقاح واحد


بدأ يتكلم المصنف هنا عن عدد مِن المسائل، هذه المسائل في الحقيقة فيها تنشيط الذهن، ولذلك سنَمُرُّ عليها مع السؤال عن عللها، قال: ولبن الفحل مُحَرِّمٌ، تكلمنا عنها قبل وعرفنا دليلها وأنه لم ينقل خلاف إلّا عن بعض السلف كالزبير وغيره، وما عدا ذلك فإنّ الجميع على إثباته، والدليل على إثبات أنّ لبن الفحل مُحَرِّمٌ أنّ النّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما هو عمّك مِن الرَّضَاعة» قاله لعائشة(6)، والعمّ مِن الرَّضَاعة يدلّ على أنّ لبن الفحل يُحَرِّمُ، فلو لم يكن مُحَرِّمًا لَمَا كان عمًّا لها، قال: فإذا كان لرجل امرأتان، انتبهوا لهذا المثال، هنا أمثلة تقريبًا خمس أو سبع أمثلة تحتاج إلى تركيز، هي أمثلة فقط، ولعل الشيخ – أنا أقول: لعل! لأني لا أدري ما هو مقصده! - لعل الشيخ أراد مِن هذه الأمثلة أنْ يشحذ ذهن طالب العلم بذكر المسائل التي إلى تركيز وانتباه، والأمر الثاني: أنّ المصنف عندما أَلَّفَ هذا المختصر يبدو أنه لم يكن غرضُه أنْ يكون لصغار طلبة العلم المبتدئين؛ وإنما يكون لطلاب العلم عمومًا، لأنّ طالب العلم يحتاج أنْ يُراجع المختصرات بين فينة وفينة، ولذلك هنا أورد مسائل لا يمكن أنْ ينتبه لدقائقها إلّا مَن عرف المسائل وأصولها لأنه لم يذكر الأصول التي سنُعلل بها بعد قليل في هذا المختصر، يقول الشيخ: إذا كان لرجل امرأتان، زوجة، الأولى والثانية، الأولى ما اسمها شيخ؟ نمشي على حصة، الأولى: حصة، والثانية أعطونا اسمًا سهلًا، ماذا؟ سارة، عنده زوجتان حصة وسارة، أيهما الكبرى؟ حصة هي الكبرى، وسارة هي الصغرى، انتبهوا معي، سنمثل بهاتين المرأتين، دائمًا مِن الآن سنمثل بحصة وسارة فانتبهوا معنا، عنده امرأتان، فجاءت حصة هنا قال: فأرضعت إحداهما بلبنه طفلًا، جاءت الأولى فأرضعت ولدًا، وجاءت الثانية فأرضعت بنتًا، هذه البنت والولد يعتبران أخوين مِن الرَّضَاع مع أنّ أمهما ليست واحدة! فإنّ كل واحد مِن هذين الطفلين أرضعته امرأة أخرى لكنهما أخوان مِن الرَّضَاع باعتبار لبن الفحل، لأنّ أباهما في الرَّضَاعة واحد، وضحت المسألة؟ وهذه سهلة ليس فيها إشكال، انظر التي بعدها، قال: لأنّ اللِّقاح واحد، طبعًا تعبير المصنف: لأنّ اللقاح واحد أتى به موافقة للأثر، فقد جاء في الموطأ وغيره أنّ ابن عباس رضي الله عنه وغيره سُئِل عن هذه المسألة فقال: "هما أخوان لأنّ اللِّقاح واحد" أو "اللَّقاح واحد"(7)، يصح الوجهان، فيصح إنها تقولها بالفتح - اللَّقاح - وكذا ضبطها في "المُغْرِب"، وقال: إنّ ضبطَها باللَّقاح مبنيٌّ على أنّ سبب العُلُوق هو اللَّقاح، إِذًا فأشار للسبب، كذا ذَكَرَ في "المُغْرِب" وأمّا غيره كالأزهري وغيره فإنه ضبطها بالكسر فقال: الِّلقاح، فكأنّ الزوج واحد - اللِّقاح أي الزوج - فيكون اسمًا وُضِعَ موضعَ الإلقاح، يعني كأنه يقول: فكأنّ المُلْقِحَ واحد، أو الِّلقاح بالكسر بمعنى أنّ محلّ الحمل - اللِّقاح الذي هو الحمل - فإنّ محلّ الحملِ واحد؛ فيكون المُلْقِح واحد، كذا ذكر الأزهري في "الزاهر"، قال: لأنّ اللقاح واحد، عرفنا التعريف.

وإنْ أرضعت إحداهما بلبنه طفلة ثلاث رضعات ثم أرضعتها الأخرى رضعتين صارت بنتًا له دونهما


يقول: لو أنّ رجلًا له زوجتان - حصة وسارة - فجاء طفل ابن الجيران مثلًا فأرضعت حصة هذه البنت أو الولد ثلاث رضعات، ثم بعد أسبوع جاءت الزوجة الثانية له فأرضعتها رضعتين، الزوجة الأولى والزوجة الثانية لَسْنَ أمهات لهذه البنت الطفلة، لكنّ الفحل الذي ثاب اللبن بسببه – وهو الزوج - يكون أبًا لهذه الطفلة، إِذًا هذه الطفلة الرجل أبوها والمرضعات الثنتان ليستا أمهات لها، لأنه ليست كل واحدة منهن – على سبيل الانفراد أرضعت خمسًا! فلا يكون مُحَرِّمًا في حَقّها، وإنما مجموع الرضعات الخمس مُحَرِّم بحق الزوج فقط، وبناء على ذلك فهذه البنت التي أرضعتها الأولى ثلاث والثانية ثنتين يَحْرُمُ عليها أخو أبيها مِن الرَّضَاع، لأنه يكون عمّها مِن الرَّضَاعة، وأمّا أخو المرضعة الأولى أو الثانية يجوز أنْ يتزوجها، واضحة المسألة.

فلو كانت الطفلة زوجة له انفسخ نكاحُها ولَزِمَه نصفُ مهرها، ويرجع به عليهما أخماسًا ولم ينفسخ نكاحهما


يقول: لو أنّ هذا الرجل تزوج حصة - وهي الكبيرة - ثم تزوج سارة ثم تزوج بنتًا صغيرة دون السنتين، فاتفقت الأولى والثانية على أنْ يفسخوا نكاح الثالثة؛ فما فعلوا؟ جاءت الأولى قال: كي لا تكون بنتًا لي فأَحْرُمُ أنا - كما سأذكر في المثال الذي بعده - فأرضعتها ثلاث رضعات؛ والثانية أرضعتها رضعتين؛ أصبحت الطفلة بنتًا لِمَن؟ بنتًا في الرَّضَاع للزوج فقط ولسنَ أمهات لها، وبناء على ذلك فإنها تَحْرُمُ على الزوج لأنها أصبحت بنته مِن الرَّضَاع، فحَرُمَت عليه وحدها، هُنّ لم يَحْرُمْنَ، فحَرُمَت عليه البنت فقط، ولذلك قال: فانفسخ نكاحها، انفسخ لكونها أصبحت بنتًا له مِن الرَّضَاعة، ويَحْرُمُ على الرجل أنْ يتزوج بنته مِن الصلب فكذا مِن الرَّضَاعة, قال: ولزمه نصفُ صَدَاقها لم لَزِمَ نصف الصَّدَاق؟ لأنّ الفرقة قبل الدخول، لأنّ البنت الصغيرة لا يُدخل بها لأنها صغيرة دون السنتين! ليس فيه دخول أصلًا ولا يتصور ولا يقع ولا يكون هناك تمكين! ويجب أنْ يعطيها نصف الصَدَاق، لأنّ الفرقة ليست مِن طرفها، لو كانت مِن طرفها هي لقلنا: سقط بالكلية، فهي لم تفسد نكاحها وإنما جاء السبب مِن غيرها، فيلزم الرجل، طيب، قال: ويرجع به، أي بنصف الصَّدَاق عليهما، أي على الزوجتين أخماسًا، كل واحدة بحسب الرضعات التي أرضعت، لو كان نصف مهرها خمسون ألفًا؛ التي أرضعت ثلاثًا تعطي زوجها ثلاثين ألفًا، والتي أرضعت رضعتين تعطي زوجها عشرين، وهذه الخمسين كان الزوج قد أعطاها قَبْلَ ذلك للبنت التي انفسخ نكاحُها، قال: ولم ينفسخ نكاحُهما - أي الزوجة الأولى والثانية - لأنهما ليستا أمهات! فلا ينفسخ نكاحُهما، طيب، انظروا المسائل التي بعدها أصعب، والشيخ أتى بالتدريج لكي تنتبه.

ولو أرضعت إحدى امرأتيه الطفلة خمس رضعات - ثلاثًا مِن لبنه وثنتين مِن لبن غيره - صارت أمًا لها وحرمتا عليه وحَرُمَت الطفلة على الرجل الآخر على التأبيد


كل كلام الشيخ على المشهور، هذه المسألة عكسها، امرأة كانت متزوجة برجل وطُلقت، وفيها لبن، فأرضعت بنتًا ثم تزوجت رجلًا آخر، يعني قَبْلَ الزواج الأول أو بعد زواجها تزوجت فأرضعت بنتًا ثلاث رضعات فقط ثم ذهبت ثم حملت المرأة مِن زوجها الثاني، قد يكن الرَّضَاع قبل عقدها الثاني مِن الزوج الثاني وقد يكون بعده لكنّ اللبن ثاب بسبب الزوج الأول، ثم حملت مِن الزوج الثاني، ولنقل: وولدت بعد تسعة أشهر، أرضعتها وهي بنت شهرين ثلاث رضعات ثم بعد سَنَة - أي قبل انتهاء الحولين - أرضعتها رضعتين أُخريين، هذا معنى كلام المصنف: ولو أرضعت إحدى امرأتيه الطفلة خمسة رضعات - ثلاثًا مِن لبنه هو واثنتين مِن لبن غيره - إمّا قبله أو بعده، وعرفتم كيف يكون مِن لبن غيره مِن المثال، قال: صارت أمًا لها، هي أمٌّ لها, وهل الزوجان - الأول والثاني – هم ليسوا آباء، لا يكونون آباء، قال: صارت أمًا لها وحرمتا عليه، مَن التي حرمتا عليه؟ البنت والمرضعة، لماذا؟ أولًا الطفلة هذه التي أرضعتها كان قد تزوجها، الطفلة هذه كان قد تزوجها؛ فجاءت هذه المرأة فأرضعت الطفلة، حرمتا عليه، حرمت عليه الزوجة الطفلة التي تزوجها؛ وأمها التي تحت ذمته وقد أرضعتها ثلاث رضعات، لماذا؟ نبدأ بالأم لأنّ الأم أم زوجته، أمها مِن الرَّضَاعة، والتحريم يُحَرِّمُ مِن الرَّضَاع ما يُحَرِّمُ مِن النسب، والبنت لم حُرِّمَت؟ لأنها بنت زوجته، ليس لكونها بنتًا له! وإنما لكونها بنت زوجته، واضح؟ قال: وحَرُمَت الطفلة على الرجل الآخر، الذي لم يتزوجها لأنها ربيبة بنت زوجته على التأبيد، لأنّ ابنة زوجته ربيبة.

وإنْ لم يكن الطفلة امرأة له لم ينفسخ نكاح المرضعة


يعني إنْ لم تكن الطفلة هذه التي أرضعتها ثلاثًا ومِن غيره ثنتين لا يفسخ نكاح المرضعة، وهذا واضح لكونها ليست أمًا لزوجته - وهي الطفلة التي أرضعتها -.

ولو تزوجت امرأة طفلًا فأرضعته خمس رضعات حَرُمَت عليه وانفسخ نكاحُها وحَرُمَت على صاحب اللبن تحريمًا مؤبدًا لأنها صارت مِن حلائل أبنائه


لنشرح المسألة ومتى تستخدمها المرأة، لو أنّ امرأة مرضعة تزوجت طفلًا، وقلتُ بالأمس: قد يُتصور أنه قد تُزَوّجُ طفلًا ويكون وليُّه مجبِرًا له في النكاح لمصلحة يراها؛ بأنْ تحفظ أمره أو لتقوم بشأنه لعدم وجود الخادم وعدم وجود الحاضن وهكذا، فقال: لو تزوجت المرأةُ طفلًا؛ فأرضعته خمس رضعات، وهو زوجها لأنه طفل في الحولين، فأرضعته خمس رضعات، قال حَرُمَت عليه لأنها أصبحت أمَّه مِن الرَّضَاعة، هذا واضح، وانفسخ نكاحُها، هذا واضح لأنه لا يجوز زواج الأم مِن الرَّضَاعة، وحُرِّمَت على صاحب اللبن، أي: زوجها إذا كانت في ذمته أو كان مطلقة، تحريمًا مؤبدًا، لماذا؟ لأنها زوجة لابنه مِن الرَّضَاع، لذلك قال: لأنها صارت مِن حلائل أبنائه.

هذه المسائل كلها أتى بها الشيخ لتنشيط الذهن.

فصل: ولو تزوج رجلٌ كبيرةً ولم يدخل بها؛ وصغيرةً فأرضعتِ الكبيرةُ الصغيرةَ حَرُمَتْ الكبيرة وثبتَ نكاحُ الصغيرة


بدأ يتكلم المصنف عن بعض المسائل القريبة للسابقة، قال: إذا تزوج رجلٌ امرأةً كبيرة ولم يدخل بها وهي حصة مثلًا، وصغيرة وهي قلنا: سارة، فأرضعتِ الصغيرةَ الكبيرةُ، يجب أنْ تكون المرضعة هي الكبيرة، الصغيرة ليس مِن الممكن أنْ ترضع الكبيرة لأنه لا ينشر الحُرْمَة، والمراد بالصغيرة مَن كان عمرُها أقلَّ مِن حولين، قال: فأرضعتِ الصغيرةَ الكبيرةُ يجب هذا الضبط، ولا أدري لماذا في الحقيقة قَدَّمَ المفعول على الفاعل! مع أنّ الأفصح أنْ يُقَدّم الفاعلُ على المفعول، عندكم مُقَدّم؟ إذًا عندكم أصح وهو الأفصح في اللغة، لأنْ تقديم المفعول لا بُدّ أنْ يكون له معنى وهذا غير موجود هنا، طيب، قال: حَرُمَتِ الكبيرةُ وثبت نكاحُ الصغيرة، نبدأ في الأولى في قوله: وحَرُمَتِ الكبيرة، تأملوا معي، لماذا الكبيرة وهي حصة حَرُمَت على زوجها لَمّا أرضعت زوجتَه الصغيرة؟ لأنها صارت أمَّ زوجته فتَحْرُم عليه، طيب، لماذا الصغيرة لم تَحْرُم؟ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ(8)، لا بُدّ أنْ يكون قد دَخَلَ بها، لذلك قال المصنف: ولو تزوج كبيرة ولم يدخل بها، إِذًا حَرُمَت عليه الكبيرةُ دون الصغيرة.

وإنْ كانتا صغيرتين


يعني عنده زوجتان صغيرتان والثالثة كبيرة.

وإنْ كانتا صغيرتين فأرضعتهما الكبرى حَرُمَتِ الكبرى وانفسخ نكاحُ الصغيرتين وله نكاح مَن شاء مِن الصغيرتين


صورة هذه المسألة: رجل عنده ثلاث زوجات، ثنتان دون سنتين وامرأة كبيرة مرضع، جاءت الكبرى فأرضعت الصغيرتين معًا - وكل واحدة من هاتين الصغيرتين خمسًا -، فجاءت إليها أم المرأة والمرأة والزوجتان الصغيرتان ماذا نفعل؟ ستقول حينئذ: قد حَرُمَتِ الكبرى، هذه الزوجة حَرُمَت على زوجها - لأنّ كما عَلِمْنا قَبْلُ - صارت أم زوجاته الثنتين فتَحْرُم عليه، نحن قلنا هناك: الصغيرة قبل الدخول ثبت نكاحُها، هنا قلنا: وانفسخ نكاح الصغيرتين، ولم نقل: إنه ثبت! الفرق لأنه هنا اثنتان وهناك واحدة؛ ولا يجوز شرعًا الجمع بين الأختين؛ فانفسخ نكاحُهما لأنهما أختان في عقد واحد فلا يصح, قال: وله نكاح مَن شاء مِن الصغيرتين بعد ذلك، ثم بعد ذلك يختار مَن شاء مِن الصغيرتين فيتزوجها، هذه المسائل قد تقول إنها مسائل فرضية ومثله كثير مِن المسائل المتعلقة بالرِّق لكنها في الحقيقة تنشط ذهنَ طالب العلم، لأنّ الفقه بالذات هو الفهم، ولذلك - كما قلتُ لكم - عن قتادة قال: الفرائض كله مسائل فرضية، تطلب الموت وتعدّ جيرانك في الحي كلهم تموتهم(9)! وكذلك مثل هذه، ضبط المسائل، كثرة المسائل التي مناطها موجود وأنْ تأتي فقط بالاحتمالات لضبطها واستظهارها وحضورها في الذهن.

وإنْ كنّ ثلاثًا فأرضعتهن متفرقات حَرُمَتِ الكبرى وانفسخ نكاح المرضعتين أولًا، وثبت نكاح الثالثة


صورة ذلك قال: إذا كنّ ثلاث نساء، يعني ثلاث نساء صغيرات، فأرضعتهن الكبرى منفردات، يعني كل واحدة على سبيل الانفراد، قال: حَرُمَتِ الكبرى لأنها هي المرضعة لأنها أم نسائه، وانفسخ المرضعتين أولًا، وثبت نكاحُ الثالثة التي تأخر رضاعُها، لأنّ رضاع الثالثة إنما ارتضعت منها بعد انفساخ نكاحِ السابقتين اللتين هما أختان لها مِن الرَّضَاعة فانفسخ نكاحُهما ابتداء ثم بعد ذلك رضعت الثالثة.

وإنْ أرضعت إحداهنّ منفردة وثنتين بعدها معًا انفسخ نكاحُ الثلاث، وله نكاح مَن شاء منهن منفردة


صورة هذه المسألة، قال: رجل عنده امرأة كبرى وثلاث زوجات صغيرات دون الحولين، فجاءت الكبرى فأرضعت إحداهن أي إحدى هذه الثلاثة الصغيرات منفردة أرضعتها خمس رضعات كاملات، ثم أرضعت اثنتين بعدها معًا، كيف أرضعت الثنتين معًا؟ كل واحدة ترضعها رضعة، رضعة فرضعة، الثانية فالثانية، الثالثة فالثالثة، الرابعة فالرابعة، يعني أرضعتهما بهذه الصورة، بحيث يكون تحريمهما في وقت واحد، قال: انفسخ نكاح الثلاث، لأنّ الثلاث أصبحنَ أخوات في وقت واحد، قال: وله نكاح مَن شاء منهن منفردة، بخلاف السابقة، فإنّ الثالثة إنما ارتضعت بعد انفساخ نكاح الأولى والثانية.

وإنْ كان دخل بالكبرى حَرُمَ الكلُّ عليه على الأبد


حَرُمَ الكلُّ عليه على الأبد، لماذا؟ لأنهن صِرْنَ ربائب للكبرى فيَحْرُمْنَ عليه مطلقًا.

ولا مهر للكبرى إنْ كان لم يدخل بها


لماذا؟ عندنا قاعدة: أنّ كل فرقة تكون بسبب الزوج فإنّ المهر عليه، وكل فرقة تكون بسبب الزوجة فإنها تردّ المهر للزوج، وكل فرقة لا تكون بسبب الزوجة فالمهر على الزوج ويرجع على مَن غَرَّه أو أفسد النكاح، إِذًا فيها ثلاث قواعد، إذا كان إفساد النكاح وفسخه وإبطاله والطلاق مِن جهة الزوج فالمهر عليه وجهًا واحدًا، وإنْ كان مِن جهتها فعليها المهر، وإنْ كان مؤجلًا فلا شيء لها، وأمّا إنْ كان مِن أجنبي - يعني مِن طرف ثالث - فالمهرُ على الزوج ويرجع الزوج على مَن غَرَّه، إِذًا أصبحت عندنا ثلاث قواعد، انظروا تطبيق هذه القواعد، قال: ولا مهر للكبرى إنْ كان لم يدخل بها، لماذا؟ لأنها هي التي أفسدت نكاحَ نفسها؛ فلا مهرَ لها، قال: وإنْ كان دخل بها فلها المهرُ، لأنّ المهرَ بما استباح مِن فرجها، هذه قاعدة: بعد الدخول فلها المهر بما استحلّ مِن فرجها، قال: وعليه نصف مهر الأصاغر، يدفع لهنّ النصف لأنّ فرقته للأصاغر ليس بسببهن هُنّ! وإنما بسبب أجنبي، فالزوج هو الذي يدفعه ويرجع على الأجنبي، ولذلك قال: وعليه نصف مهرِ الأصاغر - يعني النسوة الأصاغر - يرجع به على الكبرى لأنّ الكبرى هي المفسدة، لا نقول: إنّ المهر على المفسدة! على الزوج، ويرجع الزوج به على الطرف الثالث.

ولو دبّت الصغرى على الكبرى وهي نائمة؛ فارتضعت منها خمس رضعات حَرَّمَتها على الزوج، ولها نصف مهرها يرجع به على الصغرى إنْ كان قبل الدخول، وإنْ كان بعده فلها مهرُها كله لا يرجع به على أحد، ولا مهر للصغرى


يقول: ولو دبّت الصغرى إلى الكبرى وهي نائمة، يعني لم تتعمد الكبرى الإرضاع وإنما كانت نائمة؛ فجاءت الصغرى وهي طفلة فارتضعت مِن الكبرى، قال: فارتضعت منها خمس رضعات حَرَّمَتْها على الزوج، أي حَرَّمَتِ الصغرى الكبرى على الزوج، ولها - أي الكبرى - نصف مهرها عليه، أي على الزوج، يرجع به على الصغرى، طبعًا الصغرى هنا صغير، والصغير عليه الجناية إلّا فيما تحمله العاقلة وهو الدِّيَة، والدِّيَة لا تحمل ما كان دون الثلث، وهنا هذا ليس مِن الديات، حينئذ يكون على الصغرى مِن مالها ولو كانت طفلة دون السنتين، قال: يرجع به على الصغرى - كأنها أتلفت مالًا ونحو ذلك -، قال: إنْ كان قبل الدخول، أي قبل الدخول بزوجته الكبرى، وإنْ كان بعده - أي بعد دخوله بالزوجة الكبرى - فلها المهر كله لا يرجع به على أحد، يعني يعطيها المهر كاملًا، وقد حَرُمَت عليه، لا يرجع به على أحد، لأنه استقر بالدخول، قال: ولا مهر للصغرى مطلقًا، طبعًا لأنه لم يدخل لأنها أفسدت نكاحهَا بنفسها ولو كانت مِن غير قصد.

ولو نكح امرأة ثم قال: هي أختي مِن الرَّضَاع! انفسخ نكاحها


انتهى الشيخ مِن ذِكْرِ المسائل السابقة فبدأ يتكلم عن أحكام أخرى، فقال: لو أنّ رجلًا بعد زواجه قال لامرأته: هي أختي مِن الرَّضَاع! قال الشيخ: انفسخ نكاحه، لأنه أقرَّ على نفسه بأنّ النكاحَ باطلٌ، لأنه نكاح أخت مِن الرَّضَاع، وبناء على ذلك فقهاؤنا يقولون -كما في "المنتهى" وغيره - أنّ الزوج إذا ادّعى بعد ذلك أنه كان مخطئًا لم يُقبل منه في الظاهر، لا يقبل منه، فلو أنّ امرأة رفعتْ دعوى على زوجها وأشهدت اثنين أنه قال: إنّ زوجتَه أختُه مِن الرَّضَاعة! فإنّ القاضي يفسخ النكاح مطلقًا، قال: لو أنا مخطئ! حتى لو كنت مخطئًا! هذا إقرار على نفسك ولا يقبل الرجوعُ فيه في الظاهر، وعندما قلنا: في الظاهر يفيدنا ذلك لو أنّ الرجل قال هذا الكلام وهو في الباطن مُقِرّ بخطئه أو بكذبه وصدقته زوجته ولم تدّعِ أمام القاضي؛ فإنه يُدَيّن، إذا صدّقته زوجته، قالت: نعم لن أرفعَ إلى القاضي، يُدَيّن، فحينئذ يُدَيَّن، لكن لا يُفسخ إلّا بحكم القاضي، وهذه مسألة تتعلق بالتَّدَين، تَدَيّن غير الحكم، إذا قلنا: يُدَيّن أي فيما بينه وبين امرأة ما لم يصل للقاضي، القاضي لا يُدَيّن وإنما يحكم بالظاهر، انتبه لهذه المسألة، يُدَيّن يعني واحد قال لامرأته: أنت طالق، فادّعى أنه قصده بطالق كذا - كلمة بعيدة جدًا لا يُقبل منه - تطلق زوجته إلّا أنْ تُصَدّقه أنه قصد بطالق أي أنت طالق مِن الوثاق، مع أننا لا نقولها في لهجتنا لكن ربما قصد ذلك، فإنْ صَدَّقَتْه فيُدَيّن، يعني بينك وبين الله عزّ وجلّ، المفتي هو الذي يُدَيّن، القاضي لا يُدَيّن، يقول: بينك وبين الله عزّ وجلّ، أنا لا أفتيك لا أُحِلّ ولا أُحَرّم، هذا ما في نفسك، لأنك إنما أخطأت، قال: نعم، إِذًا لست أختًا لك مِن الرَّضَاع، لا يفسد النكاح، لو رُفع للقضاء القضاء لا يُدَيّن فيه، يحكم بالظاهر، إذا ثبت عند القاضي.

قال: ولها المهر إنْ كان دخل بها، لأنه قد استقر، ونصفه إنْ لم يكن قد دخل بها، واضح، لأنّ الفرقة جاءت مِن جهته هو، الفرقة منه هو، فهو الذي أقرّ على نفسه ذلك، طيب، عندنا هنا مسألة المصنف هنا قال: هي أختي ولم يقل: هي ابنتي! لأنّ الفقهاء يقولون: إنّ الرجل إذا قال لزوجته: يا ابنتي مِن الرَّضَاع لا يُقبل مطلقًا، وإنما يُقبل بعد النظر للسِّنّ، فإنْ نُظر للسِّنّ إنْ كان السِّنّ حينئذ قُبِلَ، فالمصنف أراد أنْ يأتي بالصورة الواضحة وهو أنْ يقول الرجل لزوجته: هي أختي مِن الرَّضَاع، فلو أنّ رجلًا ليس بينه وبين زوجه إلّا سنتان أو أربع أو خمس ثم قال عنها: إنها ابنته مِن الرَّضَاع أساسًا لا يُقبل ذلك! لأنّ العادة والعقل يُحيلانه، فالمصنف أتى بالمثال الواضح وهو قوله: هي أخته مِن الرَّضَاع ولم يأت بالمثال الذي يحتاج إلى تفصيل واستبيان.

وإنْ صَدَّقَته قبل الدخول فلا شيء لها


لها المهر أو نصفه إذا لم تُصَدِّقْه، إذا قالت: نعم، ليس عندي ما يدل على أنك أخ لي مِن الرَّضَاع، لا يلزم أنها تكذبه! عدم التصديق لا يلزم منه التكذيب، تقول: لا أدري، قال: فإنْ صَدَّقَته قبل الدخول؛ فلا شيء لها، لأنها تعتبر أيضًا أَقَرّت هي بفساد النكاح، فيكون إفسادُ النكاح منهما جميعًا، وهي التي أفسدت على نفسها.

وإنْ كانت هي التي قالت: هو أخي مِن الرَّضَاع؛ فأكذبها ولا بيّنة لها فهي امرأته في الحكم


هذه عكس السابقة في احكم وعكسها في الصورة، عكسها في الصورة مِن جهة أنها هي التي قالت: أنت أخي مِن الرَّضَاعة، هو أخي مِن الرَّضَاعة، فجاء الزوج إنْ صدقها لا شك أنه يفسد النكاح مباشرة، لكنْ إنْ كذّبها قال: لا، لست أخًا لك أو لا أعلم، ولا بيّنة لها، ليس عندها ما يشهد على ذلك؛ فإنّ القاضي لا يفسخ النكاح، قال: فهي امرأته في الحكم، فالقاضي يحكم ظاهرًا بصحة العقد، وأمّا في الباطن فتُدَيّن المرأة، ما معنى تُدَيّن؟ نقول: لها تعالِ؛ إنْ كنتِ متيقنة أنه أخ لك مِن الرَّضَاع فيَحْرُمُ عليك التمكين أولًا، ويجب عليك فسخُ النكاح ولو بمقابل عوض وهو الخلع، وجوبًا، يجب عليها أنْ تفسخ النكاح، إمّا بطلب منها بلا عوض أو بعوض، إنْ رفض زوجها إلّا بعوض؛ فيجب عليها وجوبًا أنْ تختلع، وجوبًا، لأنها ديانة ترى أنها مُحَرّمة على زوجها، وهذه لها نظائر، مِن نظائرها التي تأتي كثيرًا عند كثير مِن المشايخ أنّ بعضَ الرجال - لقلة دينه وعدم خوفه الله عزّ وجلّ - ربما يُطلق زوجَه أكثرَ مِن ثلاث مرات، ولا يَثبت ذلك قضاءً، فإذا أرادت الزوجة أنْ ترفع ذلك للقاضي ونحوه قال الزوج: أبدًا! ما تكلمتُ! يكذب، ثم إذا ركب السيارة قال: أبدًا، أنا أكذب، إِذًا هي ديانة تعلم أنّ زوجها كاذبٌ، أو أنّ الرجل ينسى كثيرًا فقال: نسيتُ، وهي متيقنة، ليست واهمة ولا شاكّة ولا ظانّة، لكنّ زوجها نسيَ الطلقة الأولى والثانية وطلقها الثالثة، يقول: نسيت، وهي متيقنة أنه طلقها طلقة أو طلقتين، هنا القاضي بِمَ يحكم؟ بالظاهر، أنها إنما هي طلقة واحدة أو النفي الكلي، فالحكم الذي يصدر - هذا معنى الحكم الظاهر - أنها زوجته، لكن يجب على الزوجة - ديانةً – أمران: أنْ تمتنع مِن التمكين وهو الوطء؛ ويلزمها كذلك أنْ تسعى بالفكاك، تقول له: طلقني، فإنْ طلقها بطيب خاطر فحسن وإلّا لزمها أنْ تفتدي بالخلع وسيأتي.


(1) صحيح. الترمذي (1152) من حديث أم سلمة رضي الله عنها مرفوعًا. الإرواء (2150).
(2) روى البخاري (127) عن عليّ رضي الله عنه موقوفًا "حَدّثوا الناسَ بما يعرفون؛ أتحبون أنْ يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟!"، وأمّا "ما أنت محدث قومًا حديثًا لا تبلغُه عقولُهم إلّا كان لبعضهم فتنةً!" فهذا موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه كما في صحيح مسلم (5).
(3) صحيح مسلم (1452).
(4) صحيح. صحيح ابن حبان (4212) - مع التعليقات الحِسَان -.
 (5) البقرة: 106.
(6) صحيح. أحمد (24085)، وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند.
(7) صحيح. الموطأ (2237). وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي (1149).
 (8) النساء: 23.
(9) الذي عند الدارمي (2897) عن علقمة: «أَمِتْ جِيرَانَكَ» وصحح إسناده الشيخ حسين أسد الداراني حفظه الله.