موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب المُحَرّمات في النكاح - شرح عمدة الفقه لابن قدامة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الفقه لابن قدامة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح عمدة الفقه لابن قدامة
 باب السَّبْق
 باب الوديعة وباب العارية
 كتاب الإجارة
 باب الغصب
 باب الشفعة
 كتاب الوقف
 باب الهبة
 باب عطية المريض
 كتاب الوصايا
 باب الموصَى إليه
 كتاب الفرائض
 باب الحجب وباب العصبات
 باب ذوي الرحام
 باب أصول المسائل وباب الرد
 باب تصحيح المسائل وباب المُنَاسَخَات
 باب موانع الميراث وباب مسائل شتى
 باب الولاء وباب الميراث بالولاء
 كتاب العتق/ باب العتق وباب التدبير
 باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد
 كتاب النكاح
 باب وِلاية النكاح
 باب المُحَرّمات في النكاح
 شروط الرَّضَاع المُحَرّم
 باب نكاح الكفار
 باب الشروط في النكاح
 باب العيوب التي يُفسخ بها في النكاح
 كتاب الصَّدَاق
 أسئلة
شرح عمدة الفقه لابن قدامة - باب المُحَرّمات في النكاح

باب المُحَرّمات في النكاح

وهنّ الأمهات والبنات والأخوات وبنات الإخوة وبنات الأخوات والعمّات والخالات وأمهات النساء وحلائل الآباء والأبناء والربائب والمدخول بأمهاتهنّ


حينما أنهى المصنف رحمه الله الحديثَ عن عقد النكاح وأركانه وما يلزم فيه بدأ يتكلم عن المرأة المنكوحة أو المُزَوّجة، فبدأ يتكلم عن المُحَرَّمَات في النكاح، وأورد المصنف المُحَرّمَات في النكاح لأنّ الأصل أنّ المرءَ يجوز له أنْ يتزوج ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ(1)، فالأصل للمرء أنْ يتزوج ما شاء، ولذلك إنما يُورد الممنوع وهو الأقل، ويبقى ما عداه على الأصل وهو الإباحة، قال: وهنّ أي المُحَرّمَات، وبدأ أولًا بالمُحَرّمَات على التأبيد، إذ المُحَرّمَات نوعان: إمّا مُحَرّمَات على التأبيد وإمّا مُحَرّمَات على التَّأْقِيْت، يعني لفترة مؤقتة، والمُحَرّمَات على التَّأْقِيْت قَصَدَ لهنّ الفصل التالي، والمُحَرّمَات على التأبيد في الحقيقة أنواع، أورد المصنف منهنّ أولًا المُحَرّمَات على التأبيد لأجل النَّسَب، ثم أورد بعدهنّ المُحَرّمَات على التأبيد لأجل الرضاع، ثم أورد بعد ذلك المُحَرّمَات بسبب الوقت ليس بسبب النَّسَب، وإنما بسبب الوقت الوطء، وهناك فرْق بين الوطء وبين النَّسَب سأشير له بعد قليل، وبقي مِن المُحَرّمَات النوع الرابع المُحَرّمَات بسبب المصاهرة يجب أنْ نوردها، وذكرها المصنف، النوع الرابع المُحَرّمَات بسبب المصاهرة، والنوع الخامس الذي لم يُورده المصنف المُحَرّمَات على التأبيد لأجل السبب وهو اللعان، فإنّ مَن لاعن امرأة حَرُمَت عليه على سبيل التأبيد ولو أكذب نفسه هو أو أكذبت نفسها هي، فإنه يبقى التحريم بينهما على سبيل التأبيد.

بدأ المصنف في المُحَرّمَات على التأبيد لأجل النَّسَب فقط قال: وهنّ الأمهات، أي وإنْ علون، سواء كُنّ مُدليات بإناث أو مُدليات بذكور وارثات أو غير وارثات، فكلُّ مَن علا فإنها تكون أمًّا، قال: والبنات، أيضًا بناته المباشرات أو بنات صلبه أو بنات البطون، كبنت بنت البنت، هذه بنت بطن، وليست بنت صلب، والجميع فيها مُحَرّم، قال: والأخوات سواء كنّ الأخوات شقائق أو لأب أو لأم؛ فإنّ المصنف أطلق وهو كذلك في كتاب الله عزّ وجلّ، وبنات الإخوة: يشمل الإخوة الذكور مِن الشقيق ولأب ولأم، وبنات الأخوات كذلك، قال: والعمّات - سواء كنّ مباشرات أو عمّات للآباء و الأمهات - فكلهنّ يُسمين عمّات، قال: والخالات، أي له أو لأصوله، للمرء أو لأصوله، فخالات أصوله لأبيه وأمه؛ فإنهن خالات له، قال: وأمهات النساء، المراد بالنساء هنا أي الزوجات، فمَن تَزَوّج امرأة فإنه تَحْرُم عليه أمهاتها، أمها وجَدّتها وغير ذلك ممن يُسمى أمًّا لهذه المرأة التي تزوجها، قال: وحلائل الأبناء، أي زوجات الأبناء، قال: وحلائل الآباء والأبناء، أي زوجات الآباء وزوجات الأبناء فإنهنّ مُحَرّمَات، قال: والربائب المدخول بأمهاتهنّ، شرط الدخول بالأمهات خاصّ بالربيبة، وهي بنت الزوجة، أولًا سميت ربيبة مِن باب الوصف الأغلب ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ(2) فدلّ ذلك على أنّ الربيبة سُمّيت بذلك مِن باب الوصف الأغلب، لأنه غالبًا البنت هذه تكون قد رُبِّيَت في بيت زوج أمها ولو بعض الوقت، واشتُرط فيها الدخول قالوا: لأجل المعنى، فلربما عَقَدَ الرجل على امرأة ثم أراد أنْ يتزوج ابنتها، فقالوا: قد يُتصور ذلك، فإنه بمجرد العقد لا يَحْرُم البنت إلّا أنْ يدخل بالأمّ، ومَرّ معنا قَبْلُ أنّ المراد بالدخول هو الخلوة، والخلوة لها شرطان: وهو عدم المشارك، وعدم الناظر، إذا وُجِدَ هذان الشرطان فقد حَرُمَت بنتُ الزوجة المدخول بها، ولا يلزم الوطء، فيكفي مجرد الدخول يكون كافيًا لذلك، هنا مسألة دائمًا يُشار لها وهي قضية الربائب مِن باب التنبيه وهي واضحة أظن لأغلب الإخوان، وهو أنّ المراد بالربيبة ليست التي ولدت قبل الزوج! فقد تكون الربيبة مِن زوج بعده، فلو أنّ رجلًا تزوج امرأة ثم طَلّقها ثم تزوجت امرأته المطلقة زوجًا آخر فأنجبت منه بنتًا فنقول: إنّ هذه البنت مِن الزوج الثاني بعده تكون ربيبة للزوج الأول، إذًا قول: الربيبة إنما هو وصف للإشارة إلى الحكمة في سبب تحريم هذه البنت، وليس وصفًا طرديًّا ينعكس فتثبت به الأحكام، يعني ليس وصفًا طرديًا منعكسًا، وإنما وصف طرديّ لا يُناط به الحكم، ليس وصفًا يطرد وينعكس، وإنما هو وصف طردي محض لا تتعلق به الأحكام.

ويَحْرُمُ مِن الرضاع ما يَحْرُم مِن النَّسَب


قول المصنف: ويَحْرُمُ مِن الرضاع ما يَحْرُم مِن النَّسَب، سيأتي انّ المصنف سيفرد تحريم الرضاع في باب كامل - بعد قليل إنْ أمكن إنْ شاء الله أو غدًا -، لكنْ يُهمنا هنا أنّ إيراد المصنف لهذه المسألة ليُبيّن أنّ كل السابقات مِن النساء مِن الرضاع يَحْرُمْنَ، فقوله: مِن النَّسَب ليس المقصود مِن النسب دون المصاهرة! وإنما قصده أنْ يقول: إنّ المصاهرة السابقة والنَّسَب كلاهما يَحْرُم به الرضاع، وسنشير لهذه المسألة - إنْ شاء الله - في باب الرضاع بعد قليل - إنْ شاء الله -.

وبنات المُحَرّمَات مُحَرّمَات إلّا بنات العمّات والخالات وأمهات النساء وحلائل الآباء والأبناء


هنا أتى المصنف بضابط - فقط مِن باب ضبط المسائل – قال: كل مُحَرَّمَة مِن السابقات تَحْرُمُ بنتُها إلّا بنات العمّات والخالات، فإنّ العمّات والخالات تَحْرُم وأمّا بنتها فإنها لا تَحْرُم فيجوز زواجها، قال: وأمهات النساء؛ فإنهن لا يَحْرُمْنَ، فالأم تَحْرُم وبنتها تحلّ، هو متزوج البنت الآن فلما حَرُمَت الأم بالعقد، البنت أصلًا حلال، ليست كل مُحَرّمة ابنتها تكون حلالًا! أيضًا بنتها الثانية يعني التي هي أخت زوجته لو طلق الأولى جاز له أنْ يتزوج أختها، فأمهات النساء إنما يَحْرُمْنَ وحدهنّ دون بناتهنّ، قال: وحلائل الأبناء والآباء، يعني لو أنّ أبًا تزوج امرأة جاز للابن أنْ يتزوج بنتها مِن غيره، والعكس، فيجوز للابن أنْ يأخذ امرأة ويأخذ أبوه ابنتَها؛ فتكون المرأة زوجة له وابنتها ربيبته وزوجة ابنه أو زوجة أبيه على حسب المثال الذي ذكرنا لكم قبل قليل، فتكون حَرُمَت عليه مِن جهتين، لكونها ربيبة له، ولكونها مِن حلائل أبيه أو مِن حلائل ابنه - حليلة يعني زوجة -.

وأمهاتهن مُحَرّمَات إلّا البنات والربائب وحلائل الآباء والأبناء


قال: وأمهات السابقات كلهنّ مُحَرّمَات إلّا البنات، فإنّ المرء يجوز له أنْ يتزوج أم ابنته، فلو أنّ رجلًا طلق زوجة وأنجبت له بنتًا فأراد أنْ يتزوج أم بنته جاز له ابتداءً واستدامة، والأصل عند الفقهاء قاعدة - طبعًا ذكرتُها في غير هذا الدرس - أنّ القاعدة عندهم "أنّ الابتداء والاستدامة حكمهما سواء - هذا الأصل، الابتداء كالاستدامة إلّا في مسائل مخصوصة تكون الاستدامة أخصّ مِن الابتداء، هذه القاعدة، وهذه المسائل منصوصة لها مناط آخر، إذًا إلّا البنات، قال: والربائب، وهذا واضح جدًّا؛ فإنّ الربيبة أمها حلال، قال: وحلائل الأبناء والآباء، وهذه عكس السابقة التي قال: وبناتهن مُحَرّمَات إلّا حلائل الآباء والأبناء.

ومَن وَطِئ امرأة حلالًا أو حرامًا حَرُمَت على أبيه وابنه وحَرُمَت عليه أمهاتها وبناتها


قال: ومَن وطئ امرأة حلالًا أو حرامًا، نبدأ بالحلال ثم ننتقل للحرام لأنه هو محل إيراد المصنف، إذا وطئ امرأة حلالًا، كيف يطؤها حلالًا؟ إمّا أنْ يطأها بعقد نكاح صحيح بأنْ تكون زوجة له، أو أنْ يطأها بسبب عقد ملك وهو أنْ تكون حُرّية كما مَرّ معنا - كان موجودًا والآن لا جود له -، فمَن وطئ امرأة حلالًا حَرُمَت على أبيه وابنه، حَرُمَت على أبيه لماذا؟ لأنها تكون حليلة ابنه زوجة ابنه، وحَرُمَت على ابنه لأنها تكون زوجة لأبيه، قال: وحَرُمَت عليه أمهاتُها، لأنها مِن أمهات نسائكم، فتَحْرُم عليه أمهاتها، وبناتها، لأنّ بناتها يكنّ ماذا؟ ربائب، هذا واضح لا إشكال فيه، أراد المصنف بقوله مَن وطئ امرأة حلالًا ليشمل عقد النكاح ويشمل عقد الملك، فلو أنّ رجلًا مَلَكَ أَمَة وأمَّها فوطئ الأم حَرُمَت عليه البنتُ، ولو أنّ رجلًا مَلَكَ أَمَة ومَلَكَ ابنتها فوطئ البنت فهنا تَحْرُمُ عليه أمُّها، أو رجل مَلَكَ أَمَة ووطئها ثم باعها واشتراها أبوه يَحْرُم على أبيه أنْ يطأها لأنه قد وطئها ابنه في الحلال، طيب انظر معي، ركّز معي في قضية أو حرامًا، مَن وطئ امرأة حرامًا فالمشهور في المذهب أنّ الحُرْمَة تنتشر لأصولها وفروعها، وبناءً على ذلك فمَن زنى بامرأة يَحْرُم على أبيه وابنه أنْ يتزوجوا هذه المرأة، كذلك مَن زنى بامرأة فإنه يَحْرُم عليه أنْ يتزوج أمَّها أو ابنتها، قالوا: لأنّ النكاح يطلق في الشرع أحيانًا على العقد وأحيانًا يطلق على الوطء، فهو حقيقة في الوطء وحقيقة في العقد معًا، وإنْ كان بعضهم قال: إنه مجاز في أحدهما! فهو الحقيقة في الاثنين، وهنا في باب التحريم عندنا قاعدة وهي قاعدة التغليب، هذه قاعدة التغليب مِن القواعد المهمة جدًا، والتغليب نوعان: إمّا أنْ يكون تغليبًا للأوصاف أو تغليبًا للعدل، فهنا مِن باب تغليب الأوصاف، فإذا اجتمع عندنا وصفان مُحَرّم ومُحَلّل غلبنا الوصف المُحَرِّم وهذه منها، فعندنا هنا وُجِدَ أحد ما يطلق عليه النكاح وهو الوطء؛ فحينئذ يكون مُحَرّمًا، وضحت كيف طريقة استدلال الفقهاء؟ ولهم أدلة أخرى لكني أدلة بالدليل الذي هو مِن حيث المعنى، إذًا هذا مَن وَطِئ امرأة، كيف يكون وطؤه للمرأة بطريق مُحَرّم، قالوا: أنْ يطأها بزواج باطل، كأن يتزوج امرأة نكاح متعة؛ فحينئذ تَحْرُم عليه أمهاتها وبناتها وكذلك حَرُمَت علي أبيه وعلى ابنه، أو أنْ يطأها بزنى، فهذا وطء مُحَرّم لا يجوز له ذلك، أو ينكحها نكاحًا باطلًا - لم أقل فاسد - وإنما أقول: باطل، يعني مجمع على تحريمه، وهو المحلل، فإنّ المحلل وهو مَن وَطِئ امرأة تحليلًا فكان كالتيس المستعار حَرُمَت عليه أمهاتُها وبناتُها، مع أنّ هذا النكاح حكمه حكم الزنى والولد منه ولد زنى لأنه باطل! ومع ذلك نقول: حَرُمَت عليه لأنه نكاح مُحَرّم، طيب، هل ممكن أنْ يطأ الرجل امرأة مِن غير عقد صحيح ولا يكون مُحَرّمًا في نفس الوقت؟ نقول: نعم، وهو وطء الشبهة، رجل ظن أنّ هذا العقد لهذه المرأة صحيح فجلس معها فترة طويلة ثم بعد فترة تبيّن أنّ هذه المرأة أختُه مِن الرضاع، فالوطء صحيح، حينئذ يكون وطأً صحيحًا، أو ظنها زوجته فبانت على خلاف ذلك، هذا وطء الشبهة، طيب المذهب يقول: إنّ الوطء الحلال والحرام - والشبهة مِن باب أولى - كلُّه يَحْرُم الأصل والفرع، طبعًا هم توسعوا أيضًا حتى إنه على مشهور المذهب - وإنّ هذا طبعًا يُعتبر شذوذًا - لكنه شذوذ في الأفعال ليس شذوذًا عن الفقهاء، يقول: إنّ مَن لاط رجلًا حَرُمَ عليه أصوله وفروعه مِن النساء، قالوا: لأنه في المعنى فنظرنا لمطلق دلالة النكاح وهو أحد لفظيه وهو الوطء فيكون مُحَرّمًا، وهذا هو المذكور عندهم.

فصل


بدأ في هذا الفصل بذكر المُحَرّمَات على سبيل التأقيت

ويَحْرُمُ الجمعُ بين الأختين


قال: ويَحْرُم الجمع بين الأختين، فلا يجوز له أنْ يتزوج أختين - سواء كانتا أختين مِن أب أو مِن أم أو شقيقتين - فلا يجوز الجمعُ بينهما لقول الله عزّ وجلّ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ(3)، فلا يجوز الجمع بينهما في عقد ولا في عقود شتى

وبين المرأة وعمتها وخالتها


وبين المرأة وعمتها - سواء كانت العمّة أختًا للأب أو أختًا للجَدّ أو ما أعلا مِن ذلك - فإنه لا يجوز الجمع بينهما في عقد واحد

لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يُجمع بين المرأة وعمّتها ولا بينها وبين خالتها»(4)، ولا يجوز للحُرّ أنْ يجمع بين أكثر مِن أربع نسوة


نعم، لا يجوز للحُرّ - لكي يُخرج القِنّ لأنه لا يجوز له إلّا اثنتين فقط -، لا يجوز للحُرّ أنْ يجمع بين أكثر مِن أربع نسوة، قوله: أنْ يجمع، لأنه قد يكون تزوج وطلق؛ فلم يجمعهن في وقت واحد، قال: بين أكثر مِن أربع نسوة، لحديث غيلان وغيره أنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم بَيّن أنه لا يجوز للمرء أنْ يتزوج أكثر مِن أربع(5)، ولا يجوز الزواج بأكثر مِن أربع إلّا للنَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم وحده ثم نسخ، نسخ إنشاء العقود في حقه عليه الصّلاة والسّلام، الرسول له خصائص في باب النكاح ليست لأحد مِن أُمَّتِه، منها: أنه يجوز له أنْ يتزوج بأكثر مِن أربع، ومنها أنه يجوز أنْ يُوهب له ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ(6) خالصة، يعني فيها حكم خاص بك، فدلّ على أنه يُوهب له، فيجوز له أنْ يتزوج بدون وليّ، ويجوز له عليه الصلاة واسلام أنْ يتزوج بدون مهر، وهذا مِن خصائصه صلّى الله عليه وسلّم، ثم بعد ذلك نُسخ هذا كله؛ فنهي النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن أنْ يتزوج امرأة بعدهنّ مطلقًا، أنْ يتبدل بهؤلاء النسوة اللائي معه امرأة أخرى، فكان مِن خصائصه لحكمة أرادها الله عزّ وجل ذلك ثم نسخ هذا كله، أنْ يتبدل يعني أنْ يتزوج النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم شيئًا، طيب، قال: ولا للعبد أنْ يجمع إلّا اثنتين لأنّ العبد على النصف مِن حال الحُرّ.

فإنْ جمع بين مَن لا يجوز له الجمع بينه في عقد واحد فسد العقد


يقول: لو جمع بين اثنتين أختين في عقد واحد، كيف؟ في مجلس واحد قال لأب الأختين: زوّجني ابنتيك، فقال: زوّجتك هندًا وفاطمة، فقال: قبلتُ الزواج بها، نقول: كلا الثنتين باطل، وهذه مبنية على قاعدة تسمى قاعدة "الاشتباه"؛ أنّ الاشتباه عندنا إذا استويا ولم نستطع أنْ نرجح أحدَ الأمرين فإننا نأخذ باليقين وهو إبطال الجميع، فنبطل العقد في حق الجميع، فنقول: إنّ جميع العقد باطل.

وإنْ كان في عقدين لم يصحّ الثاني منهما


قال: وإنْ كان في عقدين، تزوج الأخت اليوم والأخت الثانية تزوجها بعد شهر؛ فزواج الثانية باطل والأول صحيح، لأنّ الأول في وقت انعقاده انعقد صحيحًا؛ والثاني هو الطارئ عليه؛ فنفسد الثاني دون الأول.

ولو أسلم كافر وتحته أختان اختار منهما واحدة، وإنْ كانتا أمًّا وبنتًا ولم يدخل بالأم فَسَدَ نكاحُها وحدها


قال: وإنْ أسلم الكافر وتحته أختان اختار منهما واحدة، كما جاء في قصة غيلان لَمّا أسلمَ وتحته عشرة خَيّره النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم بين أربع وأنْ يفارق الباقي(7)، ليس طلاقًا! وإنما فِرَاقًا، يعني مجرد إلغاء للوجود لأنّ العقد لم يصحّ فيهنّ، قال: وإنْ كانتا أمًا وبنتًا ولم يدخل بالأم - لم يدخل بها بَعْدُ - فسد نكاحُها وحدها، أي يفسد نكاح الأم وحدها.

وإنْ كان قد دخل بها فسد نكاحُهما وحَرُمَتا على التأبيد


قال: وإنْ كان لم يدخل بالأم فسد نكاحُ الأم وحدها، لأنّ الربيبة إنما تَحْرُم إذا كانت الأم مدخولًا بها، وأمّا إذا لم يك مدخولًا بها فليست بمُحَرَّمَة، وأمّا الأم فإنها تَحْرُم ولو قبل الدخول، فحينئذ لَمّا تزوج هاتين الاثنتين وهي الأم والبنت معًا فالحقيقة أنّ التي حَرُمَ نكاحُها إنما هي الأم وحدها ولذلك قال: فسد نكاحُها وحدها، ولكن لو كان قد دخل بهما؛ فحينئذ نقول: فسدتا جميعًا لأنه يَحْرُم الجمع بينهما، قال: وحَرُمَتا على التأبيد، لِمَ؟ لأنه وطئ ابنة بطريق مباح أو مُحَرّم فتَحْرُم عليه أمها، ووطئ أمًّا فحَرُمَ عليه ابنتها - سواء كان وطؤه حلالًا أو حرامًا - هذا هو كلامه، واضح كيف تعليل المصنف، المصنف سيكثر مِن هذه الأمثلة كثير جدًا.

وإنْ أسلم وتحته أكثر مِن أربع نسوة أمسك منهنّ أربعًا وفارق سائرهنّ


هذا مثل قصة غيلان، أنّ مَن أسلم وتحته أكثر مِن أربع؛ أمسك منهنّ أربعًا وفارق سائرهنّ(8)، يعني لا يجوز له أنْ يُمسك الباقيات وإنما يفارقهنّ، وليس طلاقًا وإنما هو فِراق، وبناءً على ذلك فإنّ النسوة يستبرئن استبراء رحم، فقط استبراء رحم، واستبراء رحم على المشهور أنه حيضة واحدة، واختار بعض أهل العلم أنه إنْ أمكن الجزمُ ببراءة الرحم بدون حيضة؛ فإنه يكون استبراء، مثل التحاليل المخبرية وغيره، حينئذ يكون استبراء للرحم.

وسواء كان أمسك منهنّ أول مِن عقد عليها أو آخرهنّ


هذا لا نُفرق مَن الأولى التي عقد عليها ومَن التي لم يعقد عليها، لأنّ ما كان قبل الإسلام حكمه واحد مستو، العقد الأول والأخير، كل ما كان قبل الإسلام فهو مستوٍ؛ فلا ننظر للأول منهما مِن الآخِر.

وكذلك العبد إذا أسلمَ وتحته أكثر مِن اثنتين


نعم، فالحكم مثل السابق.

ومَن طلق امرأة ونكح أختها أو خالتها أو خامسة في عدتها لم يصح - سواء كان الطلاق رجعيًا أم بائِنًا –


أراد المصنف مِن هذه الجملة أنْ يُبيّن أنّ الجمع بين الأختين أو بين المرأة وعمتها أو خالتها قد يكون في حالتين:

الحالة الأولى: أنْ تكون المرأة زوجة لم تطلق، وهذا واضح، فهي إذًا لا يجوز أنْ يتزوج أختها ولا عمتها ولا خالتها.

الحالة الثانية: انْ تكون المرأة قد طُلقت ولكنها لم تخرج مِن العِدّة؛ فحينئذ نقول: إنه لا يجوز للزوج أنْ يتزوج بأختها ولا عمتها ولا خالتها مادامت في العِدّة - سواء كان الطلاق رجعيًا أو كان الطلاق بائِنًا بينونة كبرى أو كان طلاقًا بائِنًا – الصور الثلاث التي أوردتها لك، لا فرق بينها، ولذلك قال: ومَن طَلّق امرأة فنكح أختها أو خالتها أو خامسة في عدتها لم يصح سواء كان الطلاق رجعيًا بأنْ طلقت الطلقة الأولى والثانية لأنها في حكم الزوجات فترث ويجوز له وطؤها ونحو ذلك؛ أو بائِنًا بأنْ كانت الطلقة الثالثة، أو كانت الطلقة الأولى ولكنه طلاق بائِن كما سيَمُرّ معنا - إنْ شاء الله - غدًا في باب الخلع عندما نتكلم عن ما معنى الطلاق البائِن؟ معنى الطلاق البائِن أنها تطلق ولكنّ هذا الطلاق لا يجوز له أنْ يراجعها في العِدّة ولا بعدها إلّا بإذنها وعقد جديد بخلاف الطلاق الرجعي؛ فإنه يجوز له أنْ يراجعها في العِدّة وأمّا بعد العِدّة فلا يجوز أنْ يراجعها إلّا بعقد جديد، هذه مسائل مهمة لا بُدّ أنْ يتنبه لها، طيب أنا أضرب لكم عددًا مِن الأمثلة، رجل عنده أربع نسوة فطلق امرأتَه قبل أنْ تلد وأراد أنْ يتزوج بدلها واحدة - والمرأة المطلقة كانت حاملًا - فمتى يجوز له أنْ يتزوج الرابعة بدلًا منها؟ إذا وضعتْ، قد تضع بعد يوم وقد تضع بعد تسعة أشهر، واضح؟ لو أنه لم يطلقها إلّا بعد الولادة فمتى يتزوج أختها إنْ أراد أنْ يتزوج بأختها أو عمتها؟ بعد انقضاء عِدّتها، هذا هو الصحيح، بعد انقضاء عدتها، طيب، إذا كانت المرأة عِدّتها بالأقراء - التي هي الحِيَض – طبعًا سنتكلم عليها في باب الحيض ولكنْ نأخذها مناسبة لهذا الباب، إذا كانت المرأة عدَّتُها بالحيض؛ فمتى تطهر مِن عدتها بالحيض؟ مَن يعرف؟ لا، ليس بعد الثالثة! إذا اغتسلت مِن الحيضة الثالثة الكاملة - يجب أنْ نقول: كاملة - لأنّ الكاملة لها حكم فيما لو طلقها في الحيض -، إذا اغتسلت مِن الحيضة، طيب، انظروا معي، رجل طلق امرأته بعد ولادتها، بعض النساء – في العامية – تسترضع، ما معنى تسترضع؟ يعني أنها إذا أرضعت ولدها لا يأتيها حيض، سنتين كاملتين! فهذه المرأة بعد طلاق زوجها لها طلاقًا بائِنًا أو رجعيًا، استرضعت سنتين كاملتين؛ هل يجوز له أنْ يتزوج؟ نقول: لا، يجلس زوجها سنتين كاملتين حتى تحيض، ثم إذا حاضت ينتظر ثلاثة قروء ثم ينتظر حتى تغتسل، يعني – تلك المرأة - نكاية بزوجها قد تسترضع! واضح، الصور كافية، قد يكون رجل تزوج امرأة وكان له نظر في أختها، موجود هذا الشيء، تزوج الكبرى وهو لا يريد الكبرى! هو يريد الصغرى أو العكس، فلمّا دخل بها قال: أنا ما أريدها! أريد الثانية، أمّا الأم لا يجوز.

ويجوز أنْ يملك أختين وله وطء إحداهما، فمتى وطئها حَرُمَت أختها حتى تَحْرُم الموطوءة بتزويج أو إخراج عن ملكه؛ ويعلم أنها غير حامل


هذا الفصل مثل الأبواب السابقة متعلقة بالرقّ ونمرّ عليها بسرعة، يقول: إنّ الملك يجوز ولكن الوطء لا يجوز له أنْ يطأ اثنتين وهما تحت ملكه، قال: حتى يُحَرَّم الموطوءة بتزويج، يعني يَحْرُم عليه وطؤها إذا زوّجها، لأنّ السيد إذا زوّج أَمَتَه يَحْرُم عليه وطؤها كما في حديث عمرو بن شعيب، قال: أو إخراج عن ملكه بأنْ يبيع الموطوءة؛ فحينئذ يجوز له وطء أختها.

فإذا وطئ الثانية ثم عادت الأولى إلى ملكه لم تحلّ له حتى تَحْرُم الأخرى، وعمّة الأَمَة وخالتها في هذا كأختها


هذه مسألة واضحة وليس فيها أي إشكال.

مِن باب الطّرف أنهم قديمًا كانوا يذكرون في كتب الأخبار والسير والأدب - ليست كتب الأخبار الشرعية - أنّ الرجل إذا ملك أَمَة فأرادت زوجتُه أنْ تُحَرِّمها عليه ماذا تفعل؟ قالت لولدها؟ إيت هذه الأَمَة؛ فإذا أتى الولدُ هذه الأَمَة حَرُمَت على والده للقاعدة التي ذكرها الشيخ، هذه يذكرونها دائمًا في الأدب يذكرون عليها قصصًا كثيرة، هذه مِن حيل النساء كي تُحَرِّمَ الأَمَة على زوجها، تَحْرُم على أبيه لأنه وطئها بحرام الولد، إذا وطء الأَمَة بحرام حَرُمَت على أبيه.

وليس للمسلم - وإنْ كان عبدًا - نكاحُ أَمَة كتابية كافرة؛ ولا لحُرّ نكاح أَمَة مسلمة؛ إلّا ألّا يَجِدَ طول حرة ولا ثمن أَمَة ويخاف العنت، وله نكاح أربع إذا كان الشرطان فيه قائمين


هذا يتكلم في نكاح الأَمَة، قال: إنه لا يجوز للحُرّ نكاح أَمَة مسلمة - طبعًا غير المسلمة لا يجوز كما ذكرتُ في الجملة الأولى - وأمّا الأَمَة المسلمة فيجوز بثلاثة شروط: الشرط الأول: أنْ تكون مسلمة، الأمر الثاني: أنْ لا يَجِدَ طول حُرّة ولا ثمن أَمَة، والشرط الثالث: أنْ يكون قد خاف العنت، أي الخوف على نفسه مِن الوقوع في الحرام؛ فحينئذ يجوز له ذلك، قال: وله نكاح أربع، أي أربع إماء، إذا كان الشرطان فيه قائمين، طبعًا فيه ثلاثة شروط، كونها مسلمة وهذا متعلق بالإماء، والشرطان الآخران: أنْ لا يجد طولًا، وأنْ يخاف العنت، لأنه قد لا يَجِدُ الطول لكنه لا يخاف العنت، ليس له رغبة في النساء؛ فحينئذ يَحْرُمُ عليه نكاح الإماء، طبعًا إذا اختلّ هذان الشرطان - كما تعلمون - فإنّ ولده مِن هذه الأَمَة يكون رقيقًا، الأمر ليس سهلًا، لذلك لا يجوز إِذْ يترتب عليه أثر، فإنّ الابن يكون رقيقًا.

حكمُ الرضاع حكمُ النَّسَب في التحريم والمَحْرَمِيّة


قد بدأ المصنف رحمه الله تعالى يتكلم عن حكم الرضاع، فقال: إنّه حكم النَّسَب، وقصده بحكم النَّسَب أي في التحريم والمَحْرَمِيّة، في التحريم أي في ما يُحَرِّمُه مِن الزواج وفي ما يُحَرِّمُه مِن الجمع بين الأختين، وهو كذلك في ما يُبيحه في التحريم وفي ضد التحريم، وهو ما يبيحه في ما يرفع التحريم، في ما يجوز النظر إليه، فإنّ الرجل يجوز له أنْ ينظر إلى أخته وأمه مِن الرضاع كما لو كان مِن النَّسَب، إذًا فقول المصنف: في التحريم أي فيما حُرّم وفيما رُفع عنه التحريم كالنظر ونحوه، قال: والمَحْرَمِيّة، أي أنّ الرضاع يُثبت المَحْرَمِيّة، فالأخ مِن الرضاع كالأخ مِن النَّسَب، يجوز أنْ يسافر وأنْ يخلوَ بأخته مِن الرضاعة، فهو يأخذ حكمَ المَحْرَمِيّة، طيب، عندنا هنا مسألة فيما يتعلق بقول المصنف: حكمُ الرضاع حكمُ النسب، حكم النَّسَب هنا قال: في التحريم والمَحْرَمِيّة فيشمل ما حَرُم ابتداءً بالنَّسَب، كأن تكون أمًا له مِن الرضاع أو بنتًا له مِن الرضاع أو اختًا مِن الرضاع أو أنْ يكون ذلك مِن باب المصاهرة لأنّ المصاهرة ملحقةٌ بالنَّسَب، فعلى سبيل المثال: أمُّ زوجته مِن الرضاع - يعني زوجته لها أمٌّ مِن الرضاعة - أمُ زوجته مِن الرضاعة تكون مَحْرَمًا له كذلك لأنّها مِن أمهات النساء، وهذا يسمى التحريم بالمصاهرة، الدليل عليه أنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يَحْرُم مِن الرضاعة ما يَحْرُم مِن النَّسَب»(9) وهذه الأنساب كأمّ الزوجة مثلًا ونحوه هي في الحقيقة مصاهرةٌ راجعةٌ للنسب؛ فحينئذٍ نقول: إنّه ينشر الحُرْمَة في الجميع، وهذا قول أكثر أهل العلم.

فمتى أرضعتِ المرأة طفلًا صار ابنًا لها وللرجل الذي ثاب اللبن بوطئه؛ فيَحْرُم عليه كل مِن يَحْرُم على ابنهما مِن النَّسَب


بدأ المصنف في ذكرِ أحكام الرضاعة، فقال: فمتى أرضعتِ المرأة طفلًا صار ابنًا لها، قول المصنف رحمه الله تعالى: إذا أرضعتِ المرأة طفلًا، نعم سيأتي في كلام المصنف صفة اللبن، قال: صار ابنًا لها، أي ابنًا لها مِن الرضاعة، وقول المصنف: طفلًا، سيأتي أنّه لا بُدّ أنْ يكون في الحولين مِن كلام المصنف - إنْ شاء الله -، قال: وللرجل الذي ثاب اللبن بوطئه، انتبهوا، هذا هو محل إيراد المصنف في هذه الجملة، هذه المسألة يسميها الفقهاء بلبن الفحل، الفحل ليس له لبنٌ! الفحل هو الرجل، الرجل ليس له لبن؛ وإنّما نقول: لبن الفحل هذا هو معناه، بمعنى أنّ الرجل تكون له زوجة وهذه الزوجة ترضع ولدًا أو طفلًا فيكون هذا الطفل أبوه مَن ثاب اللبن بسببه، فإذا قلنا: هل لبن الفحل يُحرّم؟ هذه هي المسألة، الفحل ليس له لبن أساسًا! لا يخرج منه لبنٌ ولا حليب، ولكنْ يسميه الفقهاء بلبن الفحل، أي اللبن الذي ثاب أي خرج بسبب الفحل، واضحة معنا هذه المسألة؟ انظروا معي، القاعدة أنّ لبن الفحل يُحَرّم بشرط، انتبهوا لهذا الشرط، أننا نقول: لا بُدّ أن يكون هذا اللبن ثاب بسبب حملٍ لاحقٍ بالواطئ، لاحق - بالقاف - بالواطئ الذي وطِئ المرأة، أُعيدها، انتبهوا لهذا القيد، لا بُدّ أنْ يكون اللبن قد ثاب بسبب حملٍ لاحقٍ بالواطئ، هذه الجملة سأشرحها وانتبهوا لها هي مهمة؛ خذوها جملة جملة، الأولى: أنْ يكون بسبب حملٍ، لم نقل: بسبب الولادة! لماذا؟ لأنّ المرأة قد يثوب لبنها قبل الولادة، هذا معروف أنّ بعض النساء مِن الشهر السادس وهي تَدُرّ، فلو أرضعت وهي حامل في الشهر السادس أو السابع فحينئذٍ ينشر الحُرْمَة، إذًا لا بُدّ أنْ يكون بسبب الحمل، إذًا هذا منطوقه يشمل ما قبل الولادة وما بعدها، طيب، إذا ثاب اللبن مِن غير حملٍ؛ هل تتصور أنّ اللبن يخرج مِن غير حمل؟ سؤال؟ تصور كثير، الآن أيّ امرأة تذهب للصيدلية يعطيها صاحب الصيدلية هرمونات - حبوب - تأخذها تُدِرُّ اللبن حتى لو لم تكن متزوجة! لو ثاب اللبن مِن غير حملٍ هل ينشر الحُرْمَة أم لا؟ مشهور المذهب – أقول: المشهور، وأنا أقول مشهور لماذا؟ لأنّ هناك قول آخر يفتي به بعض كبار مشايخنا - مشهور المذهب المعتمد أنّه لا يُحرّم، لأنّه لا بُدّ أنْ يكون مِن حمل، لأنّ المرأة قد يخرج منها شيء تظنه لبن وهو ليس بلبن! تظن أنّه خرج منها شيء ولم يخرج شيء أساسًا! لذلك لا بُدّ أنْ نقول: إنّه لبنٌ قد ثاب بسبب الحمل، قد يكون خرج منها إفرازات؛ قد يكون خرج منها أي شيء آخر؛ لكنه ليس لبنًا، لا بُدّ أنْ يكون لبنًا، والنَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّما الرضاع ما أنشز العظم وأنبت اللحم»(10)، ولا يكون ذلك إلّا في اللبن المغذي، وهذه الأشياء التي تخرج لا تكون مغذيةً وإنما هي لأنه هرمونات دَرّت ولا تكون مغذيةً لجسد الطفل! والحقيقة قول المذهب قوي جدًا، إذًا عرفنا الآن المسألة الأولى وهي مسألة ثاب بسبب حملٍ، طيب، وهذا ينشر الحُرْمَة بالرجل والمرأة، أمّا الرجل فهو زوجها فلا بُدّ أنْ يكون قد ثاب بسبب حملٍ لاحقٍ بالواطئ، حملٍ لاحقٍ بالواطئ، انظروا معي، سأذكر أشياء فقولوا لي هل تَصْدُقُ عليه أم لا؟ امرأةٌ طُلقت وهي حامل متى تنقضي عدتها؟ إذا ولدت، إذًا متى يجوز لها أنْ تتزوج؟ بعد الولادة وهي في النفاس يجوز لها أنْ تتزوج، طيب، يعني ما تركت وقتًا، تزوجت زوجًا آخر وهي في النفاس فأرضعت بنتًا، هذه البنت مَن أبوها مِن الرضاعة؟ الأول أم الثاني؟ ما القاعدة التي قلتُها لكم؟ لبنٌ ثاب مِن حملٍ لاحقٍ بالواطئ، الحمل هذا لاحق بالأول أم الثاني؟ بالأول، إذًا أبوها مِن الرضاعة هو الزوج الأول وليس الثاني، إذًا سؤال وأجبني أنت يا شيخ؟ هل يجوز للزوج الثاني أنْ يتزوجها؟ ليس أبوها! يجوز له؟ لا، الله يهديك، لأنّها ربيبته، حَرُمَت عليه لكونها ربيبته وليس لكونه أبًا لها وهي ابنته! وضح الفرقُ، ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ(11) لازم أنْ يكون قد دخل بأمها، وضحت المسألة؟ إذًا عرفنا الآن تُلحق بالواطئ، طيب، مثالٌ آخر، هذه القيود الفقهية التي تظن أنّها سهلة أنا أضرب لك مثالين ثلاثة عليها قد تصل عشرة أمثلة تتخرج على هذا الضابط، لو حملت مِن الثاني؟ خلاص إذا حملت مِن الثاني الذي ترضعه بسبب الحمل مِن بعد الحمل خلاص، لأنّ المرأة تعلمون أنّ المرأة إذا حملت انقطع رضاعُها، ولذلك النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم كاد أنْ ينهى عن الغيلة - التي هي الوطء في الرضاع(12) - قال: «ولكني رأيتُ الرُّومَ يفعلون فلا يضرّ أبنائهم»(13)، فسمح به، لأنّ المرأة إذا حملتْ في أثناء الرضاع انقطع لبنُها، ولذلك لو حملت مِن الزوج الثاني معناه أنّه انقطع لبنُ الأول - وإنْ ثاب لبنٌ في أثناء مدة الحمل فهو منسوب للثاني لا للأول -، طيب، خذوا المسألة هذه، رجلٌ تزوج امرأةً فإذا بهذه المرأة قد ولدت بعد شهرٍ، طبعًا الفقهاء يقولون: إن المرأة إذا تزوجت رجلًا وولدت لأقلّ مِن ستة أشهر فلا يُلحق الولد به في قول جماهير أهل العلم ولو استلحقه الزوج - ليس هو أبًا له -، واضحة هذه المسألة؟ إلّا روايةً عند الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب الكلوذاني ورواية عن الإمام أبي حنيفة - نسيتُ مَن نقلها عن الموفق! فلان بن حمّاد - أنّه يصح استلحاقها، وهذا لها وجه، لكنْ على قول المذهب أنّه لا يصح الاستلحاق، دعنا نمشي على المذهب، لو ولدت لأقل مِن ستة أشهر فثاب منها لبنٌ هل اللبن يكون ملحقًا؟ هل يكون أبوه مِن الرضاع أم لا؟ لا يكون أبًا له مِن الرضاع، طيب أسهل مِن هذه المسألة: رجلٌ لاعن امرأةً لنفي الولد - سوف يَمُرّ معنا السَّنَة القادمة وسنتكلم عن اللِّعان -، رجلٌ لاعن امرأةً – لعل له غرضان - درء الحدّ ونفي الولد، لاعن امرأةً لنفي الولد فانتفى الولد منه؛ فأرضعت مِن هذا اللبن الذي نُفِي بنتًا أخرى هل تكون البنت ابنةً لهذا الرجل؟ لا، وبناءً على ذلك فإنّ اخوانه يجوز أنْ يتزوجوا هذه البنت لأنها ليست بنت أخيهم، هذا فقط أردتُ أنْ آتي لكم بالقيد.

وإنْ أرضعتِ طفلةً صارت بنتًا لهما تَحْرُم على كل مَن تَحْرُم عليه ابنتُهما مِن النَّسَب لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يَحْرُم مِن الرضاع ما يَحْرُم مِن النَّسَب»(14)


قال: وإنْ أرضعتِ المرأة طفلةً صارت بنتًا لهما، أي لها ولزوجها الذي ثاب اللبن بسبب وطئٍ لاحقٍ به، فقال: تَحْرُمُ على كل مِن تَحْرُم عليه ابنتهما مِن النَّسَب - سواء كان بسبب المصاهرة أو بغيره - لقول النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَحْرُم مِن الرضاع ما يَحْرُم مِن النَّسَب»(15) هذا واضح، هذا حديث عائشة.

والمُحرَّمُ مِن الرضاع ما دخل الحلق مِن اللبن سواءٌ دخل بارتضاعٍ مِن الثدي أو وُجور أو سعوطٍ محضًا كان أو مشوبًا إذا لم يُستهلك


قال: والرضاع المُحَرِّم ما دخل الحلق إلى آخر كلامه، بدأ يتكلم المصنف ابتداءً عن اللبن الذي يكون مُحرِّمًا كيف يكون دخوله، انظر معي، أول مسألة عندنا قال: ما دخل الحلق، ما دخل الحلق، طبعًا هذه عبارة المصنف، وفي "الإقناع" قال: ما وصل إلى الجوف مِن الحلق، وهذه الفرق بينهما دقيق جدًا لقضية وصل الحلق ثم خرج، وهل الحلق ملحقٌ بالجوف أم ملحقٌ بالظاهر؟ الخلاف فيها دقيق جدًا وليس ذا أهميةٍ كبيرة، قول المصنف: ما دخل إلى الحلق هذه تُفيدنا مسألة مهمة جدًا، وهو ليس كل مدخلٍ للجوف يكون ناشرًا للحُرْمَة! أنتم تعرفون أنّ فقهاءنا يُفرقون بين الجوف والمُجَوّف، هناك عندهم جوف وعندهم مُجَوّف، الجوف كل ما كان مغطى بالجسم، الرأس جوف، العروق جوف، عروق الدم في الجسم كلها حتى الرجلين جوف، المعدة جوف، كل جسد يسمى جوفًا، والمنافذ للجوف كثيرة جدًا مذكورة في كتاب الصيام، منها: كل غرزٍ داخل الجلد، فلو أنّ شخصًا جُرح بجرح ثم جُعِلَ تحت الجرح دواء فدخل إلى داخل جلده هذا يسمى دخل إلى الجوف، لذلك يفسرون به، كتاب الصوم ذكرته هناك، في باب الرضاع قالوا: لا، لا بُدّ أنْ يكون الدخول مِن طريق الحلق، قالوا: ولا يكون مِن طريق الحلق إلّا أمران، مِن طريق فمه أو أنفه فقط، وبناءً عليه فإنّه لو قُطّر في عينيه أو في أذنيه أو قُطَّر في إحليله أو احتُقِنَ به، انظر هذه الأمور أربعة، أو جُعِلَ في وريده، احتقن ما معنى حُقن؟ ليس الإبرة! ما المراد بالحقنة؟ قيل: فلان احتقن؟ الاحتقان هو إدخال شيء عن طريق الدُّبُر، ولذلك كره علي رضي الله عنه الاحتقانَ، يكره الاحتقان، لأنه يرى أنها ليست مناسبة لأمور عللها رضي الله عنه، الاحتقان عندما يُذكر في كتبِ الفقهاء مَن احتقن والاحتقان يفطر؛ فالمراد ليس بالحقن الإبرة! وإنما المراد بالحقنة إدخال شيء عن طريق الدبر، إذًا الاحتقان أو غزّ شيء في الجسد كله يفطر لأنه إدخال في الجوف لكنه لا ينشر الحُرْمَة في الرضاع إلّا ما كان عن طريق الفم والأنف، إذًا لا بُدّ أنْ يكون دخول اللبن إلى الجوف مِن طريق الفم والأنف، ولذلك عَبّر "ما دخل الحلق" ولا يصل الحلقَ شيءٌ إلّا مِن طريق الفم والأنف خاصّة، هذا واحد، طيب، هذا الدخول للحلق قلنا: إنه يدخل مِن طريق الفم والأنف، كيف يكون الدخول؟ أحيانًا يكون عن طريق المصّ - الذي هو الارتضاع الذي ذكره المصنف -، وأحيانًا قد يكون عن طريق السعوط - كما ذَكَرَ المصنف هنا - أو الوُجور، السعوط أو الوُجور، الوُجور ذَكَرَ بعض العلماء أنّ الصواب فيها بالضمّ - لأنّ بعضهم يقول: الوَجور – لكنّ الأصوب فيها الوَجور، فالسعوط هو أن يُدخل مِن طريق الأنف كأنْ يُنقط في الأنف على هيئة السعوط حتى يدخل، والوجور هو أنْ ينقط في الفم حتى يصل تنقيطًا إلى الفم، هذا يسمى وجورًا، كلّ هذا يُحَرّم، طيب، الطفل لا يشرب! قد يشرب لكنْ نادر، ولكنْ إذا كبُر في آخر السنتين، وهو مِن باب أولى، طيب، إذًا التقطير في الإحليل كما ذكرتُ لكم غير هذين المدخلين لا يُحرِّم مطلقًا، طيب، إذًا قال: والرضاع المُحَرِّم ما دخل الحلق مِن اللبن، أي ما دخل الحلق ووصل إلى الجوف - كما عبّر صاحب "الإقناع" وهو الأدق في التعبير -، سواءٌ دخل بارتضاع مِن الثدي - وهو المصّ - أو وجور أو سعوط - عن طريق الأنف – محضًا كان - أي اللبن - أو مشوبًا، مشوبًا بمعنى أنّه خُلط به غيره، زاد عليه ماءً يُسمى مشوبًا، أو زاد عليه لبنًا صناعيًّا، هذا موجود، بعض الناس قد يزيد على اللبن الطبيعي لبنًا صناعيًا وهكذا، قال: إذا لم يُستهلك، يعني يتغير حقيقته - كامل الحقيقة - فيصبح شيئًا آخر، حينئذٍ يجوز، لماذا يُستهلك؟ لأنّ الخلط لمّا غَيّر حقيقته فحينئذٍ لا ينشر الحُرمة.

باقي خمس دقائق قبل الأذان لِمَن يريد أنْ يخرج قبل الأذان - موافقةً للسُّنّة - لحديث أبي هريرة "أنّ مَن خرج بعد الأذان فقد عصى أبا القاسم"(16).

أسئلة(17):

- أحضر لي مصطلحًا غير الاحتقان، الاحتقان عند الفقهاء هو مِن طريق الدُّبر، لماذا نقول هذا الشيء؟ لأني مررتُ على بعض الباحثين المعاصرين مَن يقول: إنّ الإبرة لا تُفطّر إلّا فلان وفلان مِن العلماء! لأنّهم قالوا: إنّ الاحتقان لا يُفطّر! ومنهم مَن يقول: إنّ الإبرة تُفطّر لأنّ الاحتقان يُفطّر! هذا شيء وهذا شيء، أريدك فقط أنْ تعرف المصطلحات، معرفة المصطلحات الفقهية مهم جدًا، يعني لو قلتُ لكم سؤالًا - وهذه الجائزة مني ليست مِن الجامع؛ إلّا الإخوان الذين حضروا معي في بعض الدروس - ما الفرقُ بين القَسامةِ والقُسامةِ؟ أحضرها غدًا، غدًا بلا جائزة، الأنسولين - على مشهور المذهب - أنّها تُفطّر، وأمّا على الرواية الثانية وهي التي يُفتي بها مشايخنا الشيخ ابن باز وابن عثيمين أنّها لا تُفطّر، وهذه محلها باب الصيام ولن أذكر القاعدة هنا وإنما يذكر في باب الصيام، فلا أريد أنْ أخرج عن بابنا الأصلي!

- هذا أخونا يقول: هل يجوز للرجل أنْ يطأ امرأته وهي حامل؟ نعم، يجوز بإجماع أهل العلم، لا خلاف فيه، وإنّما المرضع نهى النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن وطئها ابتداءً لأنه قال: «هممتُ»(18)، ولكنْ لم يفعل ذلك، وعند الأصوليين أنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم إذا قال: "هممتُ" ولم يفعل؛ فإنّه لا يدلُ على الحُرْمَة، واختلفوا هل يدلّ على الكراهة أم لا يدل؟ فهمّ بالفعل ثم تركها، والمعتمد في المذهب أنّه لا يُكره؛ أنّ الهمّ لا يثبت فيه كراهة ولا حرمة مِن باب أولى، إذًا المقصود المرضع التي تُرضع وليدها، نبدأ بهؤلاء لأنهم أولى.

- يقول: إذا طلق الرجل امرأته فهل تَحْرُمُ عليه ربيبتُه ويكون مَحْرَمًا لها؟

هذه الصياغة الصحيحة، وأنا أنصحك - وأنت الآن - احرص دائمًا على أنْ تكون كتابتُك الفقهية وأسئلتك مصاغةً بصياغةٍ دقيقة، قد تكون هذه صياغة سهلة مفهومة نقول: لا، احرص على هذه الأمور، لأنّه إنْ احتجت لها فيما بعد تكون سهلة على لسانك، فاحرص دائمًا أنْ تكون عباراتك - قَدْر المستطاع - حتى إذا رفعتها لغيرك فصححها فهذه نعمة، ففرصة أنْ يكون غيرك يصحح لك العبارات، نقول: نعم، لأنّها ربيبة، والربيبة تكون مَحْرمًا له ولا يجوز له أنْ يتزوجها وإنْ طلق أمَّها، بل وإنْ وُلدت بعد طلاق أمها كذلك.

- يقول: ما الأولى تَعَلّم علوم القراءات أم العلوم الأخرى الشرعية؟

هذه المسألة لا يصح أنْ نطلق فيها حكمًا كليًّا لأنّ علم القراءات مِن فروض الكفايات - كما تعلمون -، وإنْ كان بعض أهل العلم يقول: حتى ليس مِن فروض الكفايات لأنّها حُفظت في الكتب، بعض أهل العلم أشار لهذا المعنى، ولذلك تنازعوا هل علم القراءات مِن فروض الكفايات؟ أمّا العلوم الأخرى فتَشْرُفُ بحسب الحاجة إليها، ولا شك أنّ أكثر الناس حاجةً للضروري مِن الفقه، لأنّه ينبني عليه معرفة الصلاة والطهارة والصوم والحج والزكاة والبيع والشراء وسائر العقود المتعلقة بالشرع، فالإنسان إنّما يجب عليه ما باشره واحتاج إليه، هذا هو الآكد في هذا الباب، ولا نستطيع أنْ نقول: إنّ علم القراءات أشرف أو علم الفقه أشرف! هذا فيه مبالغة، ولا شك أنّه ما مِن امرئٍ صنّف في فَنّ إلّا قال: هذا الفنّ أشرفُ العلوم، الذين صَنَّفُوا في الأصول قالوا: هذا أشرف العلوم، والذين صَنَّفُوا في المنطق - وهم أبعد ما يكون – قالوا: هذا أشرف العلوم! والذين صَنَّفُوا في الفقه قالوا: كذلك، والذين صَنَّفُوا في كل علمٍ مِن علوم القرآن قالوا: إنّه أشرف العلوم، سواءٌ كان في علم الرواية - وهو القراءات -، أو علم الأداء - وهو التجويد -، أو في علومٍ متعلقة بالقرآن قالوا: إنّه أشرف العلوم لتَعَلّقه بأشرف الكلام، كعلم عَدِّ الآي، وعلم(19)، وغير ذلك مِن العلوم المبنية في علوم القرآن، إذًا فالعبرة باختلاف الأحوال، والإنسان ينظر ما هو الأنفع له والمناسب.

- أقوم بتحويل ريالات إلى دولارات؛ فأعطي الشركة مثلًا ألف ريال فتحولّها هي دولارات ويستلمها أهلي دولارات؛ فهل يلزمني أنْ أحولها أنا دولارات وأقبضها ثم أحولها؟

انظروا معي، هذه مسألة حوالة نقف عندها، هذه متعلقة بمسألتنا التي قبل قليل وهي معرفة المصطلحات، الحوالات المصرفية هذه ليست مِن باب الحَوالة التي يوردها الفقهاء أبدًا! الحوالات المصرفية هو وكالةٌ، سلمتُك المال لتسلمَه لفلان، هي وكالة، وقد تجمع عقد صرف، واضح المسالة؟ إذًا هي وكالة، الأصل فيها أنّها وكالة، هذا التحويل المصرفي يجب أنْ تقول: التحويل المصرفي، وهذه مشكلة اشتراك الألفاظ سببت مشاكل حتى القرض، القرض عندنا عقد تبرعٌ، عند المعاصرين قرضٌ بفائدة، فأصبحنا نُغير المصطلح فنقول قرضٌ حسن لنجعله يوافق المصطلح الشرعي القديم الذي هو القرض، نرجع للحوالة، الحوالة لها حالات:

الحالة الأولى: أنْ تُحول نفس المال، سلمتَ ريالات يُسلمها لك هناك ريالات، هذه تجوز، ويأخذ ما شاء مِن الأجرة، خمسة بالمئة، عشرة بالمئة، هي تجوز، لأنّها حوالة، وكالة وأخذ أجرةً عليها فأصبحت إِجارة، حوالةٌ بإجارة، هذه صورةٌ واضحة.

الصورة الثانية: أنْ تحولها إلى هناك بريالات، ثم عند صاحب المحل هو يقول الذي هناك، مثلًا بريطانيا، مثلًا حوّلت للأخ طارق في بريطانيا، فهناك في بريطانيا جاء البنك فقال: حُوّلَ لك مِن الرياض ألف ريال؛ فيقول: أريد قيمتَها - الآن هو الذي يستلمها مِن البنك - وضحت الفكرة؟

الصورة الثالثة: أنْ تأتي هنا أنت فتقول: أريد أنْ أحوّلها إلى بريطانيا بالجنيه الاسترليني، هنا مِن الآن أحوّلها إلى هناك، فأنا أُقَدّرها مِن(20) الآن، وضحت الصورة الثانية؟ الصورة الثالثة وضحت؟

الإشكال كله في الصورة الثانية والثالثة، عندنا قرار صدر – أنا أتكلم ليس بالمذهب؛ لأنّ المذهب لم ينصّ على هذه، لأنّ المسألة دائمًا المذهب نقدي، وأمّا التخريج هذه مسالة أخرى -، صدر قرار أنّ هناك عندنا مسألتين، المسألة الأولى: ما يُسمى بالقبض الحكمي، صدر قرار مِن مجمع الفقه أنّ استلام السندات يسمى قبضًا حكميًا، هذا واحد، اثنان: أنّ عندنا مسألة في النقد الإلكتروني هذا الذي هو التحويل في الحسابات يُعتبر قبضًا وإنْ لم يكن باليد قد استلمه، بناءً على ذلك في الصورة الثالثة عندما ذهبت لشركة تحويل الأموال قلت له: حوّل هذه الألف لطارق هناك، قال: هذه تساوي ألفًا، وكتب لي شيك بأنّها تساوي ألف الآن - كتبَ لي فيها شيك أو سند بأنّها تساوي ألف - أعطاني هذا الشيك كأنني استلمتُ ألف جنيهٍ ثم حوّله، إذًا هذا السند يسمى قبضًا حُكميًا، صدر فيه قرار المجمع الفقهي - ليس مني! -، إذًا هذا يدلّ على الجواز، الصورة الثانية: إذا حُوّل في حسابك - مجرد أنْ يُقال: هذا لك في حسابك الشخصي - إذًا هذا قبضٌ؛ فلك حقّ أنْ تحوّله للسعر الثاني، إذًا تجوز الصور الثلاث جميعًا، والتشدد في أنّه لا بُدّ مِن الاستلام باليد أو غير ذلك القواعد والمعاني الشرعية العامّة تدل على جوازه، فلا لزوم لذلك.

وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد


(1) النساء: 24.
(2) النساء: 23.
(3) النساء: 23.
(4) صحيح البخاري (5109) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(5) صحيح. صحيح ابن حبان (4157) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا. الإرواء (1883).
(6) الأحزاب: 50.
(7) سبق تخريجه.
(8) سبق تخريجه.
(9) صحيح البخاري (5239) وصحيح مسلم (1445) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا.
(10) صحيح موقوفًا، ولفظه" لا رضاع إلّا ما شَدّ العظمَ وأنبتَ اللحمَ"، رواه أبو داود (1798) عن ابن حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ولا يصح الرفع. انظر صحيح أبي داود - الأم (6/ 301).
(11) النساء: 23.
(12) هنا قال الشيخ - حفظه الله -: "النكاح" والظاهر أنه سبق لسان، وصوابه "الرضاع" وهو ظاهر للمتأمل في السياق.
(13) صحيح مسلم (1442) عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا.
(14) صحيح البخاري (2645) مِن حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا.
(15) سبق تخريجه.
(16) صحيح مسلم (655).
(17) هنا الأسئلة ليست واضحة، ولكن وضعنا الجواب الواضح الذي قد يُفهم منه سؤالُه.
(18) سبق تخريجه.
(19) كلمة غير واضحة، لعلها "التحريك".
(20) كلمة غير واضحة.