موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب وِلاية النكاح - شرح عمدة الفقه لابن قدامة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الفقه لابن قدامة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح عمدة الفقه لابن قدامة
 باب السَّبْق
 باب الوديعة وباب العارية
 كتاب الإجارة
 باب الغصب
 باب الشفعة
 كتاب الوقف
 باب الهبة
 باب عطية المريض
 كتاب الوصايا
 باب الموصَى إليه
 كتاب الفرائض
 باب الحجب وباب العصبات
 باب ذوي الرحام
 باب أصول المسائل وباب الرد
 باب تصحيح المسائل وباب المُنَاسَخَات
 باب موانع الميراث وباب مسائل شتى
 باب الولاء وباب الميراث بالولاء
 كتاب العتق/ باب العتق وباب التدبير
 باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد
 كتاب النكاح
 باب وِلاية النكاح
 باب المُحَرّمات في النكاح
 شروط الرَّضَاع المُحَرّم
 باب نكاح الكفار
 باب الشروط في النكاح
 باب العيوب التي يُفسخ بها في النكاح
 كتاب الصَّدَاق
 أسئلة
شرح عمدة الفقه لابن قدامة - باب وِلاية النكاح

باب وِلاية النكاح


بدأ يتكلم المصنف عن الركن الثاني بعد الإيجاب والقَبول وهو الوِلاية في النكاح

لا نكاح إلّا بولي وشاهدين مِن المسلمين


قال المصنف: لا نكاح إلّا بولي، جاءت أحاديث كثيرة عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم بهذا اللفظ «لا نكاح إلّا بولي»(1) وجاء في بعضها «وأيّما امرأة نكحتْ نفسَها بغير ولي؛ فنكاحها باطل؛ باطل؛ باطل»(2)، هذه الأحاديث إنْ لم يصحَّ منها حديث على سبيل الانفراد؛ فإنّ مجموعَها يدلّ على ذلك، ولذلك أحمد قال: لا يصح حديث – إسناده على سبيل الانفراد «لا نكاح إلّا بولي»(3) -، لكنّ مجموع هذه الأحاديث التي وردت والآثار التي صحت عن الصحابة رضوان الله عليهم يدلّ على أنّ هذا الحديث ثابت، فبمجموع شواهده وطرقه والمتابعات الشاهدة له تدلّ على ذلك، حتى إنّ بعض أهل العلم بالغَ – كالسيوطي – قال: إنّ هذا الحديث مِن المتواتر! يقصد التواتر المعنوي طبعًا ولا شك.

قال: لا نكاح إلّا بولي وشاهدين مِن المسلمين، لأنه جاء في بعض الألفاظ عن ابن ماجه «لا نكاح إلّا بولي وشاهدي عَدْل»(4) وهذا الحديث فيه مقال، ولكن تَقَبّله أهل العلم، لأنّ أقل ما يسمى إعلانًا هو الشهود، وقول النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أعلنوا النكاح»(5) هذا أمرٌ واجب، وذكرتُ لكم قبل قليل أنّ الإعلانَ منه ما هو واجب؛ وما عرفنا في الشارع أنه قَبِلَ أقل مِن شاهدين اثنين؛ فلا بُدّ مِن شاهدين، قوله: مِن المسلمين، أي مِن ذكور المسلمين، فلا يُقبل في الشهادة على النكاح إناثٌ، ولا بُدّ أنْ يكونا مسلمَين؛ فلا يُقبل غير المسلمين! كما لا بُدّ أنْ يكونوا مكلفين بأنْ يكونا بالغين عاقلين، ويجوز أنْ يكونوا مَحَارِمًا المرأة أو أجنبيين عنها، فلا فرْق بذلك، فلا يلزم أنْ يكونوا مَحَارم للمرأة وإنما يكونوا شاهدين على الإيجاب والقَبول؛ أنّ الأب أوجب العقدَ والزوجَ قد قَبِلَ.

وأولى الناس بتزويج الحُرّة


قول المصنف: أولى الناس بتزويج الحُرّة، يخرج مِن الحُرّة الأَمَة؛ فإنّ الأَمَة يزوجها سيدُها، قال: أبوها، لأنّ الأب هو الأقوى بالوِلاية، وله ولاية الإجبار - كما سيأتي بعد قليل إنْ شاء الله -.

ثم أبوه وإنْ علا


قال المصنف: ثم أبوه، يعني المصنف ترك واحدًا بين الأب والجَدّ وهو وصي الأب، والعلماء يقولون: الأب ثم وَصِيّه ثم الجَدّ، وإنما ترك المصنف ذِكْرَ الوَصِيّ لأنّ الوَصِيّ في مثابة النائب، لأنه سيذكر في آخر الباب قال: ونوابّ كل واحد منهم مثله – أو نحو هذه العبارة، وستأتي بعد قليل مِن كلام المصنف -، إذًا ترْك المصنف لكلمة الوَصِيّ لأنّ الوَصِيّ وكيل أو نائب عنه، واضح معي؟ انظرْ معي، ما الفرق بين الوكيل والوصي؟ الوكالة تُنشأ في الحياة، أليس كذلك؟ والإيصاء إليه يُنشأ في الحياة، فإذا مات الوكيل؟ الوكالة عقد جائز، وكل عقد جائز ينفسخ بالوفاة، إذًا تنفسخ الوكالة، والوصي متى يبدأ الإيصاء له؟ بعد الموت، إذًا الوكيل إذا كان الأب حَيًّا، والوَصِيّ إذا كان ميتًا، واضح؟ إذًا كلمة نائب يشمل الوكيل ويشمل الوَصِيّ، ولكن انتبهوا لهذا - سأذكره لكم بعد قليل - ولكن كل أولياء المرأة لهم التوكيل وليس لأحد منهم أنْ يُوْصِي بتزويجها إلّا الأب فقط، كل أولياء المرأة – أبوها، جَدّها، ابنها، أخوها، ابن عمها، عمها، الحاكم، نائبه - كل أولياء المرأة يجوز له أنْ يُوِكّل - مادام حَيًّا - فإذا مات انفسختِ الوكالة، وليس لأيّ منهم أنْ يوصي بتزويج المرأة إلّا أبوها، لأنّ الأب مِن خصوصيته فإنه في الرحمة والشفقة والإحسان الشديد هو وحده الذي يجوز له أنْ يوصي بتزويج ابنته، بعض الناس تكون ابنته مثلًا يعلم أنّ إخوانه - الذين هم أعمام البنت - لا يُحسنون التزويج مشغولين بأنفسهم الأب لشفقته ببناته ماذا يفعل؟ يكتب في وصيته: أُوصي أنْ يزوج بناتي إمامُ مسجد، ونعلم أنّ إمام المسجد مثلًا رجل صالح يبحث لهم عن الكفء، ويبحث حينئذ، يكون إمام المسجد - الذي ليس مَحْرَمًا لهنّ - مُقَدَّمٌ على جَدِّهِنّ ومُقَدَّمٌ على إخوانهن، بل لو كانت المرأة أَيِّمًا - يعني أنّ لها ابنًا - فهو مُقَدَّمٌ على ابنها يزوجها دون أنْ يرضى ابنها، الأب له الحق أنْ يُوصي لمن يشاء، فقط الأب دون من عداه، ولذلك الأب وحده أيضًا هو الذي له وِلاية الإجبار، البنت الصغيرة لا يزوجها أحد مِن أوليائها قبل البلوغ إلّا أبوها فقط، غير أبوها لا يزوجها، لأنّ عنده مِن كمال الشفقة والرحمة والإحسان ما لا يكون عند غيره مِن الأولياء.

ثم ابنها ثم ابنه وإنْ نزل


قال: ثم أبوه - أي أب الأب – وهو الجَدّ - وإنْ علا أبو الجَدّ، لا بُدّ لكن أنْ يدلي بذكور خُلّص، ثم ابنها، لأنّ أم سلمة رضي الله عنها زوجها ابنُها عمر، قال: ثم ابنه، ابن الابن، قد تكون امرأة تتزوج وابن ابنها هو الذي يَعْقِدُ لها، الشافعي يقول: "رأيت جَدّة وهي ابنة ثمانية عشر عامًا!" قالها الشافعي – أظن في كتاب "الإملاء" -، وعلى ذلك فقد يبلغ ابنها هذا – طبعًا هي بنت بنت ما يزوج - ابن بنتها لكن يعني – هي بنت بنت عمرها ثمانية عشرة - لا يمكن أنْ تكون ابن ابن وهي بنت ثمانية عشر عامًا، لكنْ ربما تزوج وهي في الثلاثين أو في آخر الثلاثين وابن ابنها يكون بالغًا، عليكم الحساب احسبوها بطريقتكم، عمرو بن العاص ليس بينه وبين ابنه عبد الله إلّا ثلاثة عشر عامًا كما قيل.

قال: وإنْ نزل - فهذا مِن باب الفرض – لكن قد يُتصور ذلك، قال: ثم الأقرب فالأقرب مِن عصباتها، الأقرب فالأقرب مِن عصباتها مِن هم؟ نقول: إخوتها ثم أبناؤهم ثم أعمامها ثم أبناؤهم، هؤلاء هم الأقرب، والإخوة - على المشهور - يُقَدّم الشقيق على مِن كان لأب، وهل يُقَدّم الأخ لأب على الأخ لأم أم لا؟ ما رأيكم؟ أو يستويان؟ الأخ لأب أم الأخ لأم؟ مَن أولى؟ الأخ لأب أولى، ثم الأخ لأم، طيب، مِن الأخ لأم أم العم؟ العم أولى، العم أولى مِن الأخ لأم، أخوها يا أخي! ما رأيكم؟ الأخ لأم أصلًا ما يُزَوّج أبدًا! ليس مِن العصبة! يقول: مِن عصبتها، الأخ لأم هذا ليس مِن العصبة، لا يزوج، إذًا الأخ لأم لا يُزَوّج، الذي يُزَوّج أخوها الشقيق ثم أخوها لأب ثم عمّها الشقيق لأبيها ثم عمها لأب، العم لأم لا يُزَوّج لأنه مِن ذوي الأرحام، نعم، أخوها ثم ابن أخيها الشقيق ثم ابن أخيها لأب ثم عمها الشقيق ثم عمها لأب ثم ابن عمها الشقيق ثم ابن عمها لأب، طيب، إنْ استووا في الجهة والدرجة والقوة فكان المرأة لها أربعة إخوة أشقاء؛ فأيّهم يزوجها؟ يستوون، يجوز للمرأة أنْ تختارَ مَن شاءت مِن هؤلاء أنْ يزوجها، تختار هي، فتختار مَن شاءت من إخوتها أنْ يزوجها، إذا اختارت طبعًا، لكن لو زوجها اثنان وقَبِلَتْ مِن كليهما فالمُقَدّم الأول تزويجًا وهكذا، ولا يصح أنْ يزوجها أخوها لأب مع وجود الشقيق - على المشهور مِن المذهب – لا بُدّ منه.

ثم معتقها ثم الأقرب مِن عصباته ثم السلطان


قال: ثم معتقها، أي الذي أعتقها، وهو الولي مِن علوّ، لأنّ الولي مِن سفل لا يُزَوّج، قال: ثم الأقرب مِن عصباته أي مِن عصبات المعتِق، قال: ثم السلطان، طيب، إذا المرأة لم يكن لها ولي أو غاب وليّها ولم يكن حاضرًا أو عضَلها وليُّها - في هذه الأمور الثلاثة - فإنها تنتقل الولاية إلى السلطان، والمراد بالسلطان هو الإمام الأعظم أو مَن يُنيبه، بحسب العمل عندنا فإنّ الوِلاية تنتقل لقاضي محكمة الأحوال الشخصية، هو الذي يقوم بتزويج المرأة إذا لم يوجد لها ولي - إمّا حقيقة أو حكمًا -، السؤال إنْ لم يوجد سلطان؛ فمَن الذي يزوج المرأة؟ ما معنى لم يوجد سلطان؟ بلدة ليست مِن بلاد المسلمين - كبلاد الأقليات – لا يوجد سلطان، مَن يُزَوّج المرأة؟ نقول: يُزَوّج المرأة ذو سلطان، إذا فُقِدَ السلطان زَوَّجَها ذو سلطان، أي صاحب سلطة، قالوا: كدِهْقَان القرية - رئيس القرية - في بعض المدن مثل شرق أوروبا مدن كاملة مسلمون، المدينة كاملة مسلمة، لكن لها رئيس، وهذا الرئيس هو الذي يسمى دهقانًا - مع أنّ البلاد ليست فيها محاكم شرعية -، لكن نقول: يُزَوّجها ذو سلطان، دهقان القرية أو كبير القوم إنْ كانت قبيلة، بدأ المعاصرون يتوسعون فيقولون: لو كان في البلد مركز إسلامي واحد؛ فإنّ رئيس المركز الإسلامي أو إمام المسجد الواحد له سلطة فيُزَوّجها حينذاك لأنه ذو سلطان، طيب، فإنْ فُقِدَ ذو سلطان، نقول: نحن في بلد لا يوجد فيه ذو سلطان أبدًا! - مِن الأشياء التي ذكرتُها قبل قليل - فمَن يُزَوّج المرأة؟ نقول: يُزَوّجها رجل مسلم، تبحث عن أيّ رجل مسلم في البلدة فتقول: زَوّجني، فإنْ كانت في بلدة لا يوجد فيها رجل مسلم - وهذه المسائل ليست فرضية! - ذكرها الفقهاء أولًا، وهذه سُئِلتُ عنها بعينها، امرأة في بلد أسلمت ولا يوجد في هذه البلدة رجل مسلم إلّا هي والرجل الذي أسلمت على يديه فقط! فإنْ لن يكن في البلدة سلطان ولا ذو سلطان ولا رجل مسلم – غير الزوج الذي ترغب بالنكاح منه - مَن يُزَوّجها؟ تُزَوّج نفسَها، إذًا على المذهب هل يجوز للمرأة أنْ تزوج نفسها؟ نعم بشروط، إذا لم يوجد لها وليٌّ ولا في البلدة سلطان ولا ذو سلطان ولا رجل مسلم توكله هي؛ تختار مَن شاءت، توكله هي بالتدريج؛ فيجوز لها أنْ تُزَوّج نفسَها، يعني عندنا قاعدة "أنّ الأمر إذا ضاق اتسع".

ووكيل كل واحد مِن هؤلاء يقوم مقامَه


قال: ووكيل كل واحد مِن هؤلاء يقوم مقامَه، عَبَّر المصنف بالوكيل لأنّ الجميعَ له حقّ التوكيل، وأما النيابة بالوصايا فليست إلّا للأب فقط دون مَن عداه - حتى الجَدّ ليس له أنْ يوصي على أحفاده! - وإنما يوصي الأب فقط دون مِن عداه.

ولا يصح تزويج أبعد مع وجود أقرب؛ إلّا أنْ يكون صبيًا زائل العقل أو مخالفًا لدينها أو عاضلًا لها أو غائبًا غيبة بعيدة


قال: ولا يصح تزويج الأبعد بوجود الأقرب منه، إذا كان للمرأة ولِيّان أحدهما أقربَ مِن الثاني؛ فإنّ الذي يُزَوّجها إنما هو الأقرب، فلو زَوَّجَها الأبعد مع وجود الأقرب وعدم وجود أحد الموانع التي سيوردها المصنف بعد قليل؛ فإنّ النكاح يكون باطلًا مثل الذي ذكره أخونا الشيخ – قبل قليل - فيما لو زَوَّجَها أخوها لأب مع وجود أخيها الشقيق، فإنّ العقدَ لا يصح، بل يجب أنْ يُزَوّجها أخوها الشقيق - على مشهور المذهب الذي مشى عليها المصنف هنا -، المسألة التي ذكرناها قبل قليل نأخذها مَن كلام المصنف، فإنْ كانوا لا أحد أقرب مِن الآخر وإنما استووا فزَوَّجها أحدهم دون الآخر؛ نقول: صح، كأنْ يكونا أخوين أو عمّين هنا يصح، كل واحد منهم له أنْ يُزَوّجها، قال: إلّا أنْ يكون صبيًا، هذا أحد الموانع، إذا كان الولي القريب صبيّ فإنّ الوِلاية تنتقل إلى الأبعد، قال: أو زائل العقل بأنْ يكون مجنونًا ونحو ذلك، قال: أو مخالفًا لدينها، كأنْ يكون غيرَ مسلم فلا وِلاية لغير المسلم على المسلمة، قال: أو عاضِلًا لها، العاضِل هو الولي الذي يمنع المرأةَ كفأها، القيد الأول: يمنعها كفأها، لا بُدّ انْ يكون كُفْأً لها، إذا طلبت ذلك، هذا هو القيد الثاني، أنْ تكون قد طلبت التزويج ورفض أنْ يُزَوّجها؛ فيسمى عاضِلًا، بما يصح مهرًا، إذًا عند فقهائنا ثلاثة قيود، يكون الولي عاضلًا إذا منعها الزواج بكفئها إذا بما يصح مهرًا - على المذهب - بما يصح مهرًا؛ وإنْ لم يكن بمهر مثلها لأنّ المرأة لها الحق أنْ تتنازل عن مهرها مثلها، إذًا بما يصح مهرًا، لأنّ المهر واجب عندهم في النكاح.

فقط للفائدة: الذي عليه العمل عندنا في المحاكم: المذهب أنّ الولي إذا عَضَلَ هل تنتقل الوِلاية لِمَن بعده بحكم حاكم أم مِن غير حكم حاكم؟ وضحت المسألة؟ يعني تنتقل ابتداءً أم لا بُدّ أنْ يأتي القاضي فينزع الوِلاية عن الأول؟ المذهب أنه لا يُشترط حكم الحاكم، هذا الأمر الأول، لا يشترط حكم الحاكم؛ فتنتقل الوِلاية ابتداءً، كما لو كان صغيرًا، مثال الصغير: امرأة مطلقة أو مات زوجها وعندها ابن دون البلوغ، وأرادت أنْ تتزوج، أبوها ميت ولا جَدّ لها ولها ابن دون البلوغ وأخ، مَن الذي يُزَوّجها أخوها أم ابنها؟ أخوها، لأنّ ابنها دون البلوغ؛ فحينئذ يُقَدّم أخوها، لكن لو بلغ ابنُها هو الذي يُزَوّجها ولو كان ابن خمسة عشر عامًا وربما لو بلغ قبل ذلك، فقط أريد أنْ تعرف أنّ الصغر قد يكون مانعًا.

انتقال العَضْل - الوِلاية منه إلى مَن بعده - لا يُشترط فيها حكم حاكم - على المذهب -، هذا واحد، اثنان: أنّ الولي إذا عَضَل تنتقل لِمَن بعده مِن الأولياء مباشرة، ولا تنتقل إلى السلطان، هذا هو المذهب على المشهور، والذي عليه العمل في المحاكم أنه لا يحكم بالعَضْل وانتقال الوِلاية إلّا بحكم حاكم، لا بُدّ مِن الرفع للقضاء، هذا واحد، لماذا أَخَذَ القضاء عندنا بذلك؟ قالوا: لأنّ الناس قديمًا كانوا في قرى صغيرة، فالمرأة إذا عَضَلها وليُّها أبوها أو غيره الكلُّ يعرف أنه عاضلٌ لها - هذا لا أحد يشك فيه - الناس يعرفون، أبناء القرية كلهم يعرف أخاه، لكنْ الآن اتسعت المدن وكثرت المدنية فأصبح الجار لا يعرف جاره! فلربما أرادت امرأة فَزَوّج الولي البعيد مع عدم عضلِ القريب! فحينئذ يكون هذا لا يصح، فلا بُدّ مِن حكم حاكم، هذا الأمر الأول، الأمر الثاني: أنّ القضاء عندنا أخذوا أنه إذا عَضَل الوليُّ فينتقل التزويج للقاضي أو للحاكم، ولا ينتقل لِمَن بعده درءًا للخصومات، لأنّ الناس إذا عَضَل الأب يأتي الابن يقول: لا والله لا أزوج! لا أخالف والدي! فمِن باب المصلحة اختصارًا بدل ما نَمُرّ على خمسة أولياء كل واحد يعتذر حتى نَجِد واحدًا يوافق! مِن حين يعضل الوليُّ المباشر تنتقل للحاكم إلّا أنْ تختار المرأة تريد أنْ تختار أحد أوليائها فتتفق معه فحينئذ يُزَوّجها، وإلّا تنتقل مباشرة إلى القاضي، وهذا الذي عليه العمل عندنا، أُخِذَ هذا مِن باب المصلحة وضبطِ أمور الناس، فقط للفائدة أعطيكم إياها.

قال: أو غائبًا غيبة بعيدة، الغيبة البعيدة ضابطها - على المشهور مِن المذهب – أنّ الغيبة البعيدة التي تُسقط حقّ الولي في إيجاب هي الغيبة مسافة قصر، أي أربعة بُرُد، أي ستة عشر فرسخًا، أليس كذلك؟ ستة عشر فرسخًا، والفرسخ كم ميل؟ ثلاثة أميال، يعني ثمانية وأربعين ميلًا، والمراد بالميل - هذه فائدة - بالميل الهاشمي وليس الميل البريطاني الذي نحسبه الآن، هذه مسافة القصر عند المشهور عند المتأخرين، فإذا غاب الرجل الولي مسافة القصر جاز، بعضهم قال: لا ليست هذه! وإنما بالغيبة البعيدة الغيبة التي لا تُقطع إلّا بالمشقة، قد تكون بعيدة جدًا، الزوج في جِدّة لكنّ وصوله إلى الرياض ساعة أو ساعتين، وهذا القيد أورده في "الزاد" والحقيقة أنه يجب أنْ نقول أنه مِن باب المغايرة وليس مِن باب التوضيح، وهذا هو الأقرب أنّ الغيبة إنما هي الغيبة التي لا يمكن قطعها إلّا بمشقة، كأنْ يكون بين بلدتين يحتاج إلى جوازات وتأشيرة وكذا؛ هذه فيها مشقة خارجة عن العادة، فحينئذ يعتبر بمثابة الغائب.

ولا وِلاية لأحد على مخالف لدينه إلّا المسلم إذا كان سلطانًا أو سيد أَمَة


هذه واضحة، أو مخالفًا لدينها، قال: إلّا المسلم إذا كان سلطانًا فإنه يُزَوّج غير المسلمة، أو سيد أَمَة؛ فإنه يُزَوّج أَمَتَه إنْ كانت غير مسلمة

فصل: وللأب تزويج أولادِه الصغار - ذكورهم وإناثهم وبناته الأبكار - بغير إذنهم


بدأ المصنف في هذا الفصل يتكلم عن حكم مهم ذَكَرَ لوازمه ومستثنياته ولم يذكر الركن، الركن هو الرضا، فإنه لا يجوز للأب أنْ يُزَوّج ابنته بغير رضاها، فإنه يجب الرضا، وانتبهوا عندنا مسألة مهمة فانتبهوا لها كي نفهم باب أثر الرضا والإيجاب في العقود، العقود إلّا النكاح، انظر معي، العقود إلّا النكاح لا يصح إلّا بإيجاب مِن البائع ورضاه بذلك الشيء، الإيجاب هو التلفظ ورضاه بهذا البيع، فلو كان مكرهًا عليه فإنه لا يصح بيعُه ولا إجارتُه ولا سائرُ عقوده، إذًا الرضا والإيجاب كلاهما واجبان في منشئ العقود إلّا النكاح، النكاح له شروط سنذكرها بعد قليل، في النكاح يجب رضا الزوجة بدون إيجابٍ منها، وإنما يُوجِبُ وليُّها، إذًا الرضا في المرأة يجب أنْ ترضى بالزوج، لكنْ في مجلس العقد وليّها هو الذي يتكلم عنها فيقول: زوجتك نفسي أو زوجتك موليتي، وهكذا، في المجلس، لكنْ لا يجوز للأب أنْ يُزَوّج امرأةً بلا رضاها، ما الدليل؟ أنّه قد ثبت أنّ امرأةً اتت النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله؛ إنّ أبي قد زَوّجني مِن ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، قد يكون ابن أخوه سيد في قومه، تاجر، لا أدري ما هو يكون، أراد أنْ يرفع العم خسيسته(6)، فرَدَّ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم نكاحَها لها، قال: «أنت بالخيار»، فقالت: أمّا وقد رددتَ نكاحي إليّ؛ فإني أمضيت ما أمضى أبي، ولكني أردتُ أنْ يعلم النساء أنّ لهن في أمرهنّ خيرة(7)، إذًا المرأة يجب أنْ لا تُزَوّجَ إلّا برضاها؛ فإنْ زُوّجِت مِن غير رضاها جاز لها فسخ النكاح، ابتداءً، يفسخ النكاح ابتداءً، وضحت المسألة؟ إذًا هي لا تُوجب لكنْ يجب رضاها، فإنْ لم ترضَ بالزوج يجوز لها فسخ النكاح ابتداءً، يعني قبل الدخول وبعده إلّا أنْ يأتي بما يدلُّ على رضاها بعد ذلك فحينئذٍ يكون خُلعًا ولا يكون فسخًا، لأنّها إذا رضت بالنكاح ثم أرادتْ فسخَه أصبح خلعًا فترد هي مِن مالها المهر، وأمّا الفسخ فليس فيه عِدّة - اللهم إلّا استبراء إنْ كان بعد الدخول -.

للفائدة بعض الناس يقول ماذا؟ يقول: الحنفية يرون أنّ الوليّ ليس لواجب، الحنفية يقولون: الولي لا يوجِب لكنّ الولي يشترط رضاه، عكس قول الجمهور، فالحنفية يقولون: المرأة هي التي في العقد تقول: زَوّجتك نفسي، لكنْ لو عَلِمَ أبوها مِن الغَدّ يجوز أنْ يفسخ النكاح إذا لم يرضَ، لكنْ بعض الناس له أمرٌ معين؛ فينسب للحنفية ما لم يقولوا، الحنفية يشترطون رضا الولي، لا بُدّ مِن رضاه؛ لكنه لا يوجِب، هذا فقط، يشترطون رضا الوليّ لكنه لا يوجِب، بخلاف الجمهور فإنهم يقولون: يشترط رضا المرأة لكنها لا توجِب، إذًا الفرْقُ بين الحنفية والجمهور في قضية مَن الذي يوجِب في مجلس العقد؛ وأنّ الرضا وهو مشتَرط في الولي وفي المرأة عند الجمهور جميعًا، إذًا المرأة يُشترط رضاها وعرفنا دليلَه، ثم بيّنَ المصنف هنا استثناء مِن ذلك وهو مَن الذي يجوز تزويجهم بغير إذن وبغير رضاه، وهذا يسمى بوِلاية الإجبار، ركّزوا معي، الوليُّ في النكاح نوعان: وِلاية اختيار - وهي الأصل والأغلب -، والنوع الثاني: يسمى بوِلاية إجبار، الاختيار - التي شرحناها قبل قليل - أنه لا يجوز للوليّ أنْ يُزَوّجَ امرأتَه إلّا برضاها، لا بُدّ مِن إذنها، تأذنين؟ نعم، إذًا هذه وِلاية اختيار، هناك استثناء قليل في وِلاية الإجبار، وِلاية تسمى بوِلاية الإجبار، انظروا معي، وِلاية الإجبار تكون - لا نقول: تجوز - تكون للأب خاصّة، ولذلك قال المصنف: وللأب، لا يمكن أنْ تثبت وِلايةُ الإجبار لغير الأب، فقط للأب، لا الوَصِيّ - حتى وصي الأب - لا الوصي، ولا الجَدّ، ولا الابن، ولا الأخ، ولا العم، ولا ابن الأخ، ولا ابن العم لهم وِلاية الإجبار، كلهم لهم وِلاية اختيار، لا يُزَوّجها إلّا برضاها، لكنْ الأب وحده، لِمَ الأب؟ لأنّ لِمَا للأب مِن الشفقة والرحمة وحُسن الإحسان للبنت ما يُوْثَقُ فيه هذا الشيء، قال: وللأب، إذًا وِلاية الإجبار للأب، تزويج أولاده الصغار، هذه الصورة الأولى، إذًا للأب إذا كان المُزَوّج صغيرًا - ذكرًا كان أو أنثى -، يجوز للأب أنْ يُزَوّج ابنَه وهو ابن خمس سنوات، لا إشكال يُزَوِّجُه، كيف؟ يذكرون أنّ في بعض البلدان إلى فترة قريبة أنّ الابن إذا كان صغيرًا وكان عنده مال لا يكاد يوجد مَن يخدمُه – ما كان هناك خدم -ولا يأتي خادم يخدمه ليل نهار، فيأتي الأب ويُزَوّجه امرأة أكبر منه لتقوم بخدمة هذا الصبي، وخاصّة إذا كان فاقد الأهلية، وخاصّة الذي يكون عنده مشكلة في عقله يُزَوّج امرأة، قد تكون كبيرة بعمر أمه، فهي عقدًا زوجته وحقيقة هي خادمة له، فتكون لها نفقة مِن ماله وترثه وتقوم بخدمته، وهذا موجود، أنا أدركتُ أناسًا يعرفون هذا الشيء في بعض البلدان، إذًا قد يكون الزواج فيه مصلحة للولد، هذا واحد، إذا كان ذكرًا - وخاصّة إذا كان الصغير فاقد الأهلية -، البنت فيها مصلحة، الزبير رضي الله عنه خطب امرأة وهي صغيرة فقال: إنه ليس لي رغبة بهذه المرأة؛ وإنما أنا كبير في السِّنّ وهي بنت عمرها ثلاث أربع سنوات ولكني أريد أنْ أَبُرّها وأَبُرّ أباها؛ إذا مِتُّ ورثتْ مني؛ فتكون إمّا لها الثمن أو هي مشتركة في أحد الأثمان – في جزء مِن الثمن -، فأراد أنْ يَبُرّها بشيء ترثه، وهذا هو سبب عقد نكاح عمر رضي الله عنه لأم كلثوم بنت فاطمة، ففي صحيح مسلم أنّ عمر رضي الله عنه ذَكَرَ حديثَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «كل نَسَبٍ منقطعٌ يوم القيامة إلّا نسبي»(8)، فقال: أنا راغب بأم كلثوم بنت علي وبنت فاطمة، ليس لي رغبة النكاح! هي ترثني! لكنْ أريدُ أنْ أدخل في هذا الفضل لكي أتزوج بنتَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقط هذا الشيء! إذًا قد يكون مصلحة البنت أنها ترث، واحد يبرأ ذمته يقول: لو أعطيتها؛ يقول: لِمَ أعطيتَ البنتَ فلوس؟ هو شايب! يقول: زَوِّجْهَا، دعني أتزوج ابنتك، ما بقي لي إلّا سَنَة أو سنتين! هذا موجود هذا التفكير عند أناس، عند الصحابة كان موجودًا، فأنت لا تقف بفكرك الآن الموجود ووضعك الاجتماعي الموجود، هذا الدين ليس خاصًّا في بلد ولا خاصًّا بزمان؛ بل لقرون، وما زال صالحًا إلى أنْ يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها، إذًا قضية تزويج الصغير أو الصغيرة فيه مصلحة أحيانًا، فيه مصالح الله أعلم، أنا ضربتُ مثالين، إذًا ليس كل تزويج صغير وصغيرة مُضِرٌّ! وليس كل تزويج صغير وصغيرة منهيٌّ! إذًا قال: تزويج أولاده الصغار، كلمة الصغار عند الفقهاء يُقصد بها كل مَن كان دون البلوغ، كلُّ مَن كان دون البلوغ فإنه يجوز تزويجُه.

هنا مسألة في قضية التزويج وهو قضية أنّ بعض الناس يقول: كيف الشرع يجيز تزويج مَن كان صغيرًا؟ نقول: الشرع نعم يُجيز تزويج البنت الصغيرة والولد الصغير؛ لكنْ انظرْ للشروط:

أولًا: لا يُزَوّج الصغيرة إلّا من؟ الأب، غير الأب لا يُزَوّج، وغالبًا الأب لا يُزَوّج ابنته أو يُزَوّج ابنه إلّا وقد رأى مصلحة كبيرة في التزويج، هذا الأمر الأول.

الأمر الثاني: أنّ هذا الصغير لا يُمَكّن، يعني لا تدخل على طول بيتِ رجلها! ما يُمَكّن مِن الصغيرة! لكنها تبقى في بيت أبيها حتى تبلغ، وإلى أنْ تبلغ وتكبر يجب على زوجها نفقتها، يعني عشر سنين وهو ينفق عليها وهي جالسة في بيت أبيها، ثم بعد ذلك إذا بَلَغَتْ؛ فلها الخيار بين إمضاء العقد وفسخه، إذًا أين الضرر على المرأة؟؟ ينفق عليها، يعني أنت لا تقف وأنت عندك قدرة في المال! قد يكون الناس عندهم مِن ضيق ذات اليد، وإلى عهد قريب نعرف مِن كبار السِّنِّ مَن يذكر شيئًا لا يكاد يوصف، أعرفُ مَن قال: أكلنا الميتة! أكلتُ جيفة! أعرفُ مَن أكل الجيفة، أُكلتْ الجيفة في خمسينيات القرن الماضي! يعني قبل سبعين وثمانين سَنَة، فأدركنا مَن أكل الجيف وأكل الحمير مِن الجوع! فلا تتكلم عن زمان! الأزمنة تختلف، ولذلك هذه القيود الثلاثة تدلُّ على أنها حكم إذا جاز ووقع فإنّ له قيودًا وشروطًا كثيرة.

لا، ما تُرَد، لأنه راضٍ يعلم أنه مُعَلّق على حين فسخِها.

ويستحب استئذان البالغة


قال: ذكورهم وإناثهم كذلك، قال: وبناتهم الأبكار بغير إذنهم، هذا هو المذهب، الجملة الأخيرة تحتاج إلى انتباه، قوله: بناته الأبكار؛ مشهور المذهب عند أصحابنا أنّ البكر - سواء كانت بالغة أو غير بالغة - بكر يعني ليست ثيبًّا؛ أنّ البكرَ عليها وِلاية الإجبار مطلقًا، فللأب أنْ يُزَوّجها بغير إذنها، طيب، فإذا زَوَّجَها بغير إذنها متى يكون رضاها؟ لها حق الرضا والفسخ، لأنه قلنا: الصغيرة إذا زُوِّجت بغير إذنها فإذا بلغت كان لها حق الفسخ، وكذلك البكر لها حق الفسخ إذا لم ترضَ هذا الزوج، مِن باب الفسخ، واضحة الفكرة؟ طيب، ما هو الدليل؟ وما هي العلة؟ نبدأ أولًا بالدليل، الدليل أنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم لَمّا جاءته تلك المرأة قالت: إنّ أبي قد زَوّجني ليرفع بي خسيسته(9)، حرمة كبيرة! تختلف! ومع ذلك الرسول صلّى الله عليه وسلّم رَدّ النكاح لها ولم يبطل العقد! فدلّ على أنّ البكرَ عليها وِلاية إجبار ولكنْ يبقى رضاها؛ فإنْ رضيتَ وإلّا فلا، ولأنّه جاء في بعض ألفاظ الحديث «والأَيّم حتى تأذن»(10)، وهي الثَّيِّب، فمفهومه أنّ البكرَ لا تُستأذن وإنما عليها وِلاية إجبار، يجوز له أنْ يجبرها، ويجوز له أنْ يستأذنها، إمّا وِلاية اختيار وإمّا وِلاية إجبار، هذا مِن حيث الدليل النصي، مِن حيث المعنى: بعض النساء - وخاصّة إذا كانت لم تتزوج بَعْدُ - قد تتهيب الزواج فتمتنع! ما أريدُ الزواج! ولو كان الأب سيطاوعها - يعني يقول لها: طيب؛ طيب؛ طيب! - ما تزوجتْ قطّ! فلا بُدّ - وخاصّة البنت يعني التي لم تتزوج قَبْلُ - كانت بكرًا، قد يكون فيه بعض الضغط، وخاصّة النساء المخدرات التي لم تعرف الرجال وتهيّبتهم ولم تنظر إليهم - وهنّ الأكمل ولا شك في النساء، المخدرة أكمل مِن غيرها - فهذه قد تتهيب الزواج والنظر في الرجال، فإنها لم تعرف مِن الرجال إلّا أباها، ولذلك مِثْلُ هذه يكون فيها وِلاية إجبار للمنفعة، وكثير مِن النساء قد تُجبر في أول الأمر على الزواج؛ ثم تَجِدُ أنّ الزواج كانت تظنه شيئًا كبيرًا ولكنه في ذاته أمرٌ سهل! بخلاف الثَّيِّب فإنها جرّبت الزواج، فهذا الحاجز مِن الخوف والرُّهاب قد سقط، ولذلك كان المعنى في قضية أنّ وِلاية الإجبار ثابتة على المرأة البكر له معنى وله نصّ يدل عليه، وليس معنى ذلك إسقاط رضاها! بل رضاها باقٍ ولكنه لا يُوجِب، لا يُشترط رضاها، طبعًا لا توجِب في الجميع لكنْ لا يُشترط رضاها وإنما يُستحب استئذانُها.

ثم قال الشيخ: ويستحب استئذان البالغة، البالغة مِن هي؟ لازم قيد، لا يا شيخ! الثَّيِّب البالغة يجب استئذانُها، البالغة ما هي؟ البكر، ولذلك الأفضل أنْ تكون الوِلاية وِلاية اختيارٍ على البكر؛ فتُستأذن، ترغبين بفلان؟ وسيأتي أنّ إذنها صماتها - إنْ شاء الله بعد قليل مِن كلام المصنف -، البكر يُستحب أنْ تُستأذن، لكنْ يجوز لأبيها أنْ يُزَوّجها مِن غير إذنها، إلى الآن يعني بعض الشباب أعرفُه مَن يقول: دخلتُ على زوجتي يقول: ما أدري لِمَ تُزَوّج! ما دراتْ لك! ما معنى دخل ناس على فلان! مازال إلى الآن - جيل وشباب - مازال هذا الحكم الشرعي موجود عند كثيرٍ مِن الناس، أبوها ما يدري لها بالًا! يقول: يقول: لو أشاورها مشكلة!! لذلك وِلاية الإجبار على البنت جائزة لكنّ الأفضل أنْ يكون باستئذانها، طيب، قال: ويستحب استئذان البالغة، ويستحب أيضًا - الفقهاء يقولون - ويستحب استئذان أمها، فإنّ الأم يستحب أن تُستأذن في زواج ابنتها خاصّة، لأنّ الأم أقرب للبنت مِن غيرها.

وليس له تزويج البالغ مِن بنيه وبناته الثُيَّبُ إلّا بإذنه


يقول: وليس له تزويج البالغ مِن بنيه الذكور، طبعًا بالنسبة للذكور المقصود بهم العقلاء، لأنَ المجنون يجوز تزويجُه بشرط - على المذهب - بشرط أنْ يكون هناك مصلحة له، إذا ثبتت المصلحة، الصحيح مِن المذهب - وهو المعتمد - أنّ المجنون يجوز تزويجه إذا ثبتت المصلحة؛ فيُزَوّجه وليُّه، إذًا قول المصنف: وليس له تزويج البالغ مِن بنيه غير المجنون، وأمّا المجنون فيجوز تزويجه بشرط المصلحة وليس مطلقًا! قال: وبناته الثُيَّبُ - جمع ثَيِّب - الثُيَّبُ إلّا بإذنهم، فيشترط إذنها، وللأيم – حديث النبي صلّى الله عليه وسلّم – والأَيِّم حتى تستأذن، فيجب إذن الثَّيِّب.

وليس لسائر الأولياء تزويج صغير ولا صغيرة


هذه مسألة تحتاج إلى تركيز، انتبهوا معي، يقول: وليس لسائر الأولياء، سائر الأولياء المراد بهم غير الأب؛ الجَدّ؛ الابن؛ غير ذلك، تزويج صغير، لا يُزَوّج صغير مطلقًا ذَكَرًا، هذا واضح، هذا لا يوجد فيه أيّ استثناء، قال: ولا صغيرة، قوله: ولا صغيرة، يشمل كل صغيرة، سواء كانت الصغيرة بكرًا أو كانت ثيبًّا، وسواء كانت دون تسع أو أكثر مِن تسع، واضح؟ هذا هو ظاهر كلام المصنف؛ أنّ ليس لغير الأب أنْ يُزَوّج كل صغيرة مطلقًا، وأمّا مشهور المذهب عند المتأخرين فإنهم يَرَون أنّ لكل وليّ - غير الأب طبعًا مِن باب أولى – الأب يجوز له كل شيء، تزويج بنت التسع فأكثر إذا كان ذلك بإذنها، وبعضهم يُقيد إذا كانت ثيبًّا، ولكنْ الذي مشى عليه في "المنتهى" أنها مطلقًا إنْ كانت بنت تسع فأكثر؛ فإنه يجوز أنْ تُزَوّج بإذنها وإنْ لم تك بالغة، إذا أذنت بنت التسع فأكثر فإنها تُزَوّج وإنْ لم تكن بالغة، هذه مبنية على المذهب، عندهم قاعدة في المذهب وهو: أنّ بنت تسع وابن عشر إذنهما معتبر، هذه مرحلة بين أعلى مِن التمييز وأصغر مِن البلوغ، تثبت فيها أحكام كثيرة تصل لعشرة أحكام، مِن هذه الأحكام أنه يصح تزويج بنت التسع بإذنها إذا أذنت، قالت: أريد فلانًا؛ فلها الحق في أنْ تُزَوّج إذا كانت كذلك، وهذا مبنيّ طبعًا على أنّ زمان الأول بنت التسع كانت امرأة في عقلها، الآن الرجل ابن الثمانية عشر يُعامل كطفل! بعض الدول الخليجية إلى عهد قريب النظام عندهم يَنُصّ على أنّ الطفولة إلى الواحد والعشرين سَنَة! عُدِّلَ إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر، عندنا إلى خمسة عشر، أغلب العالم إلى ثمانية عشر! إلى الثمانية عشر وأنت طفل! قبل ثمانية عشرة يقول الشافعي: "وجدتُ جَدّة"! الأنظمة العالمية كلها ترى أنها طفل! الآن الثقافة زادت فترة الطفولة، بينما عند الأوائل كان الشخص ابن عشر - المرأة بنت تسع - الولد ابن عشر يتزوج وربما كان مستقلًا، فالثقافات اختلفت مِن زمان لزمان ومِن حال لحال، هذا يعرفه مَن عاش في عصور متقدمة أو حُكي له عن مَن عاش في الأجيال التي قبلنا، إذًا المذهب، أريد أنْ تعرف فيه استثناء مِن كلام المصنف وهو أنّ بنت تسع مِن الصغيرة يجوز لغير الأب أنْ يُزَوّجها إذا أذنت، قال: ولا كبيرة إلّا بإذنها، هذه واضحة وتكلمنا عنها.

وليس لسائر الأولياء تزويج صغيرة ولا تزويج كبيرة إلّا بإذنها، وإذن البكر الصمات لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الأيّم أحقُّ بنفسها مِن وَلِيّها، والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها»(11).


قال الشيخ: وإذن الثَّيِّب الكلام، المرأة المُزَوّجة إذا كانت ثَيِّبًا لا بُدّ أنْ تتكلم، تقول: رضيتُ بفلان، قبلتُ به، أريدُه، كلامًا صريحًا في الدلالة على ذلك، لا يُقبل منها أيّ لفظ غير الصريح، قال: وإذن البكر الصمات وهو السكوت، والبكر والثَّيِّب لا يعتبر إذنُهما إلّا إذا تقدم معرفةُ الزوج، فلو أنّ ثَيِّبًا قالت لوليٍّ: زوّجني مَن شئتَ فليس هذا إذنًا لتزويجها مِن زيد! بل لا بُدّ أنْ تعرفه، فيقول: جاءنا زيد، أو تقول: أذنتُ لك بأنْ تزوجني مِن زيد، فحينئذ يكون هذا إذنًا صريحًا، فلا بُدّ مِن المعرفة، فالبكر لا بُدَّ مِن إذنها ومعرفتها اسم الرجل لكي تصمت بعد ذلك، فلا يوجد هناك إذن مطلق ولا بُدّ مِن المعرفة، بعض الفقهاء ألحق بالصمات البكاء، فقال: المرأة إذا بكت فإنه علامة إذنها، وهذا ربما موجود في بعض الأعراف، لكنْ في بعض الأعراف عكس ذلك، فقد يكون البكاء علامة عدم الرضا، كان بعض نساء النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم أو بعض النساء تُخْبِرُ أنها إذا ضربتِ المرأة على خبائها فمعناه أنه إذن، إذًا ليس المقصود بالصمات فقط الصمات! وإنما هي صورة مِن الصور الدالة على الإذن، مما يدلنا على أنه لا يلزم الإذن النصيّ بل كل ما قام مقام الإذن النصي مِن الدلائل العُرْفِيّة فإنه يقوم مقامه للحديث الذي أورده المصنف "الأيّم - أي الثَّيِّب - أحقُّ بنفسها مِن وليّها - فلا بُدّ لها - أي لا بُدّ لها مِن الإذن الصريح بالكلام – قال: والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها - أي سكوتها –".

 وليس لولي امرأة تزويجها بغير كفئها، والعرب بعضهم لبعض أكفاء


يقول الشيخ: وليس لولي امرأة تزويجها لغير كفئها، المراد بالكفء الكفاءة في أمرين: في الدين وفي المنصب، نبدأ الكفاءة بالدين، الكفاءة بالدين في أمرين: أنْ يكون كلاهما مِن دين واحد، كلاهما مسلم، أو أنْ يكون الزوج مسلمًا والزوجة كتابية، ولا يجوز ويبطل العقد إنْ كان الزوج غير مسلم والزوجة مسلمة، إذًا هذا ما يتعلق بالنوع الأول مِن كفاءة الدين، النوع الثاني مِن كفاءة الدين: الكفاءة بعدم الفسق، فلا يُزَوّجُ الفاسق بغير الفاسقة، وليس المقصود بالفسق مطلق الذنوب! فإنه ما مِن امرئ إلّا وقد تلبس بشيء مَن الذنوب، ما مِن امرئ – بل الكبائر لا يسلم منها إلّا القليل مِن الناس - ولكنّ المقصود بالذنوب كبائرُها العظيمة - ولذلك يقول الله جلّ وعلا: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(12) وهذه الآية ذَكَرَ بعض أهل العلم – أظنه ابن عربي في التفسير "أحكام القرآن" - ذَكَرَ أنها مِن أشكل آيات القرآن معنىً، لأنه ما معنى ينكح هنا؟ هل هو بمعنى يطأ أو بمعنى يَعْقِد؟ أو بمعنى آخر غير ذلك؟ طيب، إذًا نرجع للمسألة وهي قضية أنّ الفاسق لا يُزَوّجُ إلّا بفاسقة، إذًا هذا ما يتعلق بالكفاءة بالدين، ما يتعلق بالفسق، وبأصل الدين وهو الإسلام، النوع الثاني: الكفاءة في المنصب، وهو يشمل أمرين أيضًا، الأمر الأول: الحرية وعدمها، فإنه لا يصح زواج القِنّ للحُرّة - كما سيأتي -، والأمر الثاني: فيما يتعلق بالنَّسَب، وقد ذَكَرَ المصنف بعد قليل أنّ العرب بعضهم أكفاء لبعض، وسيأتي في كلام المصنف وسنشرحها - إنْ شاء الله -، طيب، إذًا عرفنا أنّ الكفاءة أمران: في الدين والمنصب، وعرفنا أنّ لكل واحد منهما أمرين.

وقول المصنف: بغير رضاها، هذه تفيدنا أنّ اشتراط الكفاءة هو شرط للزوم وليس شرطًا للصحة، وإنما شرط الصحة منه الإسلام - إنْ كانت هي مسلمة -، والحرية - إنْ كانت هي حرة – فقط، وما عدا ذلك مِن الأمور التي أوردتُها قبل قليل مثل قضية النَّسَب ومثل قضية الفسق فهو شرط للزوم وليس شرطًا للصحة! وهذا الذي فُهِمَ مِن كلام المصنف هو الذي عليه أكثر المتأخرين كما قال في شرح "المنتهى" وأمّا أكثر المتقدمين فإنهم على أنه شرط للصحة هذا عبارة شارح "المنتهى" الشيخ منصور، لماذا أورد الشيخ منصور الخلافَ هنا؟ أورد الخلاف هنا لأنّ صاحب الأصل أورد الخلاف، وإيراد الخلاف في المتون له غرض، كونه شرط للزوم ما معناه؟ يعني إذا فُقِدَتْ فيه الكفاءة الثانية مِن الدين والثانية مِن المنصب؛ فإنّ العقد يكون صحيحًا لكنْ يجوز للمرأة فسخُ النكاح، بل ويجوز لجميع الأولياء فسخُ النكاح، لأنّ الحق يتعداهم، هذا المذهب.

والعرب بعضهم لبعض أكفاء، وليس العبد كُفْئًا لحُرّة؛ ولا الفاجر كُفْئًا للعفيفة


قال: والعرب بعضهم لبعض أكفاء، بدء يتكلم الشيخ عن كفاءة النَّسَب، وقال: إنّ العرب كلهم بعضهم لبعض أكفاء، الدليل عليه ما جاء عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه زَوَّجَ ابنتَه مِن عثمان بن أبي العاص - وهو مِن بني عبد شمس -، وكذلك زَوَّجَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم أسامةَ بن زيد مِن فاطمة بنت قيس - وهي قرشية وأسامة بن زيد يعني مِن العرب لكن أظنه كلبيّ أو نسيتُ مَن!(13) -، فدلّ ذلك على أنّ العرب بعضَهم أكفاءٌ لبعض، طيب، قضية العرب بعضهم أكفاء لبعض، ذَكَرَ شيخ الإسلام ابن تيمية أنّ الشخص يُحكم بأنه عربيّ بأحد أمور ثلاثة: إمّا بالنَّسَب، وإمّا باللسان، وإمّا بالطبع، هذه ثلاثة أمور، وكل مَن وجدت فيه واحدة مِن هذه الأمور على سبيل الكمال فهو عربيّ - النَّسَب واللسان والطبع -، فأمّا اللسان فلا يشك أحدٌ أنّ بلالًا رضي الله عنه عربيّ، فهو فصيح اللسان، وإنْ جاء في بعض الأخبار لكنها لا تصح - وإنْ نقلها صاحب "المغني" - أنه كان يخطئ في بعض الحروف؛ فينطقها نطقًا غير صحيح! فهذا غير صحيح، فكيف يُقَدِّمُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم بلالًا ويخطئ في بعض الحروف في الأذان(14)، هذا شبه محال - وإنْ نقلها الموفق رحمه الله -، الأمر الثاني: الطِّبَاع، فمَن أَخَذَ الطِّبَاع فإنه حينئذ يكون طبعه عربي؛ فيكون طبع العرب، فهو بمثابة العرب، ولذلك جاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "خيرُ العجم أشبههم بالعرب، وشَرّ العرب أشبههم بالعجم"، الثالثة: النَّسَب، النَّسَبُ وحده بلا لسان ولا طبع فليس بعربي! وذلك هناك أناس ينتسبون لأشرف النَّسَب وهو آل بيت النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم بنو هاشم ولا يعرفون مِن لسان العربي ولا مِن طبعهم شيئًا! لا يلبسون لبسَهم ولا يأخذون زيَّهم فهؤلاء لا نستطيع أنْ نطلق عليهم أنهم عرب! ولذلك انفراد النَّسَب وحده لا يسمى عربيًا! بل لا بُدّ مِن اجتماعه مع الباقي.

ومَن أراد أنْ ينكح امرأة هو وليُّها؛ فله أنْ يتزوجها مِن نفسه بإذنها


هذه المسألة هي التي يسميها الفقهاء رحمهم الله تعالى بـ "تولي طرفيّ العقد"، تولي طرفي العقد فيه كلام طويل جدًا في العقود – أظن أني أشرتُ لبعضه -، هنا قضية تولي طرفي العقد في النكاح، كيف يتولى طرفي العقد؟ يكون الرجل هو الموجِب وهو القابل معًا، يعني موجِب يقول: زَوّجت زيدًا؛ ويقول - نيابة عن زيد -: قبلتُ نكاحه، فيتكلم بالإيجاب والقَبول، هذا يسمى تولي طرفي العقد، فلا بُدّ مِن الكلام، هو يتكلم، تولي طرفي عقد النكاح على المذهب أنه يجوز فيتوسعون فيه، لكنّ المصنف هنا قال: وإنْ أراد أنْ ينكح امرأة هو وليُّها فله أنْ يتزوجها مِن نفسه بإذنها، انظر معي، تولي طرفي العقد له ثلاث صور، امشوا معي مِن أجل أنْ نفهم الصورة كاملة التي ذكرها المصنف والتي لم يذكرها.

الحالة الأولى: أنْ يكون الزوجان مجبرين، كأنْ يكون سيد عنده عبد وعنده أَمَة؛ فيقول: زوجتُ عبدي مِن أَمَتي، خلص، إذًا إذا كان الزوجان كلاهما مجبران والوِلاية لشخص فيجوز له أنْ يُزَوّجهما، مثل العبد والأَمَة، هذا واضح، وغالبًا لا يتحقق إلّا بهذه الصورة، وأظنّ أنه لا خلاف فيه.

الحالة الثانية: أنْ تكون الزوجة مجبرة، ما معنى مجبرة؟ يعني أنها صغيرة أو مجنونة أو بكر، فلا يجوز لوليّها أنْ يتزوجها، لا يجوز له أنْ يتزوجها، لشدة التهمة في حقه، فلا يتولى هو طرفي العقد، لأنه متهم، هي ما لها رأي! ولذلك فهو متهم في هذا العقد، وهذا هو المذهب طبعًا.

الأمر الثالث: ما عدا ذلك، يعني امرأة غير مجبرة؛ فأراد أنْ يتزوجها فيجوز له ذلك لأنه لها حق الإذن كأنْ تكون ثيّبًا أو يكون ليس لها أب وهي بكر مثلًا؛ فحينئذ لا تكون مجبرة، وإنما عليها وِلاية اختيار، طبعًا أنا قلت قبل قليل في المجبرة البكر، لا يتصور أنّ الأب يتزوج ابنته! لعلكم تحذفونها هناك، لأنّ وِلاية الإجبار على البكر إنما هي خاصّة بالأب ولا يتصور أنّ الأب يُزَوّج بنته البكر! وضحت الصورة؟ صورة ذلك مثلًا رجل هو ولي لابنة عمه وهو راغب مِن الزواج بابنة عمّه؛ فيستأذن ابنة عمّه فيقول: أرغب بك، تقول: رضيتُ، فيقول: زَوّجتُ نفسي لفلانة، خلاص، تولى طرفي العقد حينئذ، أين أخذنا هذه الصور الثلاث، أخذناها مِن كلام المصنف: مَن أراد أنْ ينكح امرأة هو وليّها ؛ فله أنْ يتزوجها مِن نفسه - يتولى طرفي العقد – بإذنها، معناها أنها ليس عليها وِلاية إجبار، فأخذنا الصورة الثانية، لأنّ وِلاية الإجبار ليس بإذنها! الصورة الأولى داخلة كذلك في هذه المسألة مِن باب الأولوية.

وإنْ زَوَّج أَمَتَه عبدَه الصغير جاز أنْ يتولى طرفي العقد


هذه هي المتعلقة بمسألتنا قبل قليل وهو تولي طرفي العقد إذا كان الزوجان مجبرين

وإنْ قال: لأَمَتِه أعتقتُك وجعلتُ عتقَك صَدَاقَك بحضرة شاهدين؛ ثبت العتق والنكاح، لأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعتق صفيةَ وجعل عتقَها صَدَاقَها(15)


هذه الجملة أوردها المؤلف لأنها متعلقة بالصيغة أولًا، والأمر الثاني لأنها مِن مفردات المذهب، وفقهاؤنا رحمة الله عليهم لهم عناية بالمفردات، ولذلك كان يَحُثّون طالب العلم أنْ يحفظ المفردات، ومنها المفردات التي نظمها مَن؟ مَن نظم المفردات؟ العُمَرِي صاحب "نظم المفردات" وكثير مِن أهل العلم كان يحفظها، بل بعض المشايخ توفي قريبًا - أكثر مِن شيخ أعرفه - كان يحفظ "نظم المفردات"، طبعًا الاستشكال في "نظم المفردات" أنّ المتأخرين خالفوا صاحب النظم في مسائل قليلة لا تتجاوز، عدد قليل جدًا اعتمدوا خلاف ما ذكره فيه وتحتاج إلى تعليق، طيب، المفردات هذه مهمة جدًا عند فقهاء الحنابلة، لأنهم يقولون: هذه المسألة قلنا بها ولم يقل بها أحدٌ غيرنا مِن المذاهب الثلاثة الباقية، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس والإمام الشافعي رحمة الله على الأئمة جميعًا، هؤلاء الأئمة الثلاثة لم يقولوا بهذه المفردات ولذلك كانوا يُعنون بها، لأنّ طالب العلم إذا عرف الفقه وعرف المسائل المجمع عليها والمتفق عليها كما في كتاب "الإفصاح" لابن هبيرة ثم عرف "المفردات" يبقى عنده ما عدا ذلك مِن المفردات المسائل التي فيها خلاف، الذي يحتاج إلى معرفة الخلاف بين أهل العلم.

قال: وإذا قال لأَمَته أعتقتك وجعلتُ عتقَك صداقَك، وكان ذلك بحضرة شاهدين ثبت العتقُ والنكاحُ معًا، ولا يلزمه أنْ يجدد عقد النكاح، الجمهور يقولون: لا، يجدد عقد النكاح، فتعتق فقط؛ ثم بعد ذلك تُستأذن هي ويكون هو وليَّها، لأنه هو معتقها، فتستأذن، هل ترغبين بالزواج مِن فلان؟ فإنْ قالت: نعم؛ زَوَّجَ نفسَه، وإنْ لم تقل: نعم؛ فإنه يرجع عليها بقيمتها، لأنه إنما أعتقها ليتزَوّجها، ثم يعني لم تقبل الزواج به؛ فتصبح قيمتها في ذمته، واضحة الفكرة؟ قال: لأنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم أعتق صفية وجعل عتقَها صداقَها(16)، ولم يُعلم أنّ النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم جعلها تتلفظ أو ينشأ عقد نكاح بعده جديد! بل الصحابة شَكّوا رضوان الله عليهم في صفية هل هي سريّة أم هي زوجة؟ حتى ثاني يوم؛ فلمّا حجبها النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم عرفوا أنها زوجة، لأنّ التي تُحَجّب إنما هي حُرّة؛ وأنّ السرية والأَمَة فلا تُحَجّب، فلما حَجَب النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم صفية علموا أنها زوجة(17)، وهذا يفيد أنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم ينشئ عقدًا آخر بعد عقد نكاحها الذي اشترط فيه زواجَه منها.

فصل: وللسيد تزويج إمائه كلِّهِنّ، وعبيدِه الصغار بغير إذنهم


بدأ يتكلم المصنف رحمه الله تعالى عن أحكام تزويج العبيد والإماء، هذا الباب يعني كما مَرّ معنا في الشرح في الدرس الماضي أننا نقرأه بسرعة ليس إلغاءً له وإنما لأنّ مسائله كانت في عهد المصنف مُحتاج إليها وأمّا في وقتنا فقليل، وأظن - إنْ لم أكن واهمًا ولعلكم تتأكدون مِن هذه المسألة - أنّ الشيخ له ابن اسمه عيسى - مشهور هذا عيسى ولي القضاء - أظنه ابن أم ولد، أظنه، الشيخ الموفق كانت له سرية وأَمَة هي التي أنجبت له ابنه عيسى، أظن ليس له مِن أبنائه مشهور أو ليس له مِن أبنائه إلّا هذا عيسى، لكن معنى كلام الشيخ: للزوج أنْ تزويج إمائه كلِّهنّ، يعني مِن غير استثناء - صغيرة أو كبيرة - وعبيده الصغار بدون إذن.

وله تزويج أَمَة مَوْلِيَّتِه بإذن سيدتها


عنده أَمَة أعتقها؛ وهذه الأَمَة التي أعتقَها عندها أَمَة؛ فيجوز له أنْ يُزَوّج أَمَة المعتَقة بشرط أنْ تأذن مُعْتَقَتُه، مُعْتَقَتُه هي التي تسمى مُوْلِيَّته.

ولا يملك إجبار عبده الكبير على النكاح


لا يجبر العبد الكبير على النكاح، لأنّ النكاح له مؤنة؛ فلا يلزم العبد الكبير على ذلك.

وإيّما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر


فهو عاهر أي زانٍ، يترتب عليه أنه يُقام عليه حَدّ الزنى، وهو أنْ يجلد خمسين جلدة، ولا نفي عليه لأنّ العبد نفيه إضرارٌ بسيده، ولا يُرجم العبد - وإنْ كان متزوجًا - لأنّ العبدَ رجمُه إتلافٌ للمال على سيده، الأمر الثاني: أنّ الولد الذي ينتج مِن هذا يكون حكمُه حكمَ ابن الزنى كما يشير له المصنف بعد قليل.

فإنْ دخل بها فمهرها في رقبته كجناية


قال: فإنْ دخل بها، أي دخل بهذه المرأة التي تزوجها، فمهرها، أي فمهر المرأة في رقبة العبد، فيباع العبد ويُسَدّد مهرُها، لنفرض أنّ مهرها عشرة آلاف والعبد قيمتُه عشرون ألف، يباع العبد فتعطى المرأة عشرة آلاف قيمة مهرِ مثلها، والعشر الباقية تعطى للسيد، ولو كانت قيمة العبد عشرة فقط فيباع العبد بعشرة ويُعطى كامل المبلغ لهذه المرأة التي وطئها، وإنْ كان قيمتُه أقل بأنْ كان قيمة العبد ثمانية مثلًا والمهر عشرة؛ فيباع وتُعطى الثمانية وليس لها أكثر مِن ذلك، ويجوز للسيد أنْ يدفع هذه الجناية التي جناها العبد أو ما في حكم الجناية كالمهر هنا فيدفع العشرة آلاف ويبقي العبد عنده، له الخيار في ذلك، سواء كانت قيمته أقل أو أكثر، قال: فمهرها في رقبته، هذا معنى إذا قلنا: في رقبة العبد، وستمرُّ معنا في الجنايات.

إلّا أنْ يفديه السيد بأقل مِن قيمته أو المهر، ومَن نكح أَمَة على أنها حُرّة ثم علم؛ فله فسخُ النكاح، ولا مهرَ عليه إنْ فسخ قبل الدخول


قال: وإنْ نكح أَمَة على أنها حرة - غَرّته - ثم علم أنها ليست بحُرّة وإنما هي أَمَة! فله فسخ النكاح، لأنّ هذا مِن باب فقد الكفاءة، ولا مهرَ عليه إنْ فسخَ قبل الدخول، لا يدفع لها مهرٌ لأنه مغرور، غُرّ، والغارّ ضامن.

وإنْ أصابها فله مهرها


فإنْ أصابها، يعني دخل بها، فلها مهرها لأنّ هذا بما استحلّ مِن فرجها – عبارة الفقهاء -، لأنّ هذا نوع إتلاف، عندهم أنّ الوطء يُوجِب المهرَ مطلقًا، ويرجع هو على مَن غَرّه، فيكون المهرُ الذي أعطاها إياه يرجع على مِن غَرّه وغشه؛ فيرجع عليه ويأخذ منه المهر، إمّا أنْ يكون سيدها أو الخاطب أو غير ذلك.

وإنْ أولدها فولده حُرّ يفديه بقيمته


قال: وإنْ أولدها هو فولده حُرّ - ليس قِنًّا - يفديه بقيمته، لأنّ الشخص إذا وطئ أَمَة فأنجبت ولدًا؛ فالأصل أنّ الولد يكون تابعًا لأمه، هذا الأصل، إلّا إذا كان الزواج زواجًا شرعيًا مأذونًا به أو بناءً على ظنه، لأننا نتعامل أحيانًا بالظن، الزواج تكلمنا عنه هنا في باب العتق، وهنا بناءً على ظنه؛ أنه يظن أنها حُرّة لكنها بانت أنها أَمَة، قال: يفديه بقيمته، يجب عليه أنْ يفديه بقيمته لأنه فيه شبهة المملوك.

ويرجع بما غَرَم على مَن غَرّه ويُفرَّق بينهما


قال: ويرجع بما غرم مِن المهر لها وقيمة الولد إذا أولد على مِن غَرّه - سواء كان سيدها أو غيره -، قال: ويُفَرّق بينهما إنْ لم يكن ممن يجوز له نكاح الإماء، يعني الذي يجوز له نكاح الإماء مَن هو؟ ما رأيكم؟ الذي لم يَجِدِ الطولَ، وأمّا الذي يستطيع الطول إذا كان عنده قدرة مالية فيَحْرُم عليه نكاح الإماء.

فإنْ كان ممن يجوز له ذلك فرضي فما ولدت بعد الرضا فهو رقيق


قال: وإنْ كان ممن يجوز له ذلك فرضي بها، أي فرضي بهذه المرأة فما ولدت بعد الرضا فهو رقيق، هذا واضح جدًا، لأنّ الولد يتبع أُمَّه حريةً ورقًا، ويتبع أباه نسبًا، ويتبع خيرهما دينًا، الخيرية في الدين ينبني عليها الحكم بالإسلام أو عدم الإسلام، فلو أنّ رجلًا مسلمًا تزوج ذميّة وأسقطت سِقْطًا دون البلوغ أو مات دون سِنّ البلوغ، فهذا السقط هل نحكم بإسلامه أو نحكم بكفره؟ نقول: إنه مسلم فيدفن، طيب، لو كان العكس بأنْ تزوج كافرٌ مسلمةً - ولم تكن المسلمة عالمةً بالحكم أو هي عالمة - فيكون الولد حكمُه حكم غير الصحيح، ثم مات ولدها دون البلوغ، فهل ندفنه في مقابر المسلمين أم غيرها؟ ندفنه في مقابر المسلمين، وهذا وُجِدَ، رئيس أحد أمريكا الجنوبية زوجتُه مسلمة؛ فلما مات ولده وهو ابن اثني عشر عامًا قالت: أريدُ أنْ أدفنه في مقابر المسلمين فدفن بعد ذلك؛ والقاعدة صحيحة، لأنّ الولد يتبع خيرَ والديه دينًا، وأُمُّه مسلمة فنحكم بإسلامه وإنْ كان دون سِنّ البلوغ.

أسئلة(18):

- المذهب لا يتولاهم، يوكل، هذا المشهور عند المتأخرين.

- ألم نقل: إنّ للولي أنْ يُزَوّج الصغيرة دون سِنّ التسع بإذنها؟ ألم نذكر على الصحيح في المذهب أنّ المجنون يجوز تزويجه للمصلحة ولو كان مِن غير الأب؟ لكنْ الصغيرة طلّعها، صحيح، لكنْ المجنونة؟ أراد رجلًا أنْ يتزوج امرأة مجنونة وهي تحت وِلايته؟ مجبرة، المجنونة تجبر، ليس لها رضا! نحن نتكلم عن المجبرة، صورة إذا كانت الزوجة مجبرة والزوج الذي يُزَوّجها نقول هناك حالتان:

الحالة الأولى: أنْ يكون الوليّ وكيلًا للأب، فوكيل الأب لا يُزَوّجها لنفسه، هذا واحد، واضح؟

الصورة الثانية: إذا كانت مجنونة.

- ما المراد بالأَيِّم؟

هي الثَّيِّب، التي لم يُدخل بها في نكاح صحيح، وبناءً على ذلك فلو كانت المرأة قد دُخِلَ بها ولو مِن غيرِ وطئ فتسمى ثَيِّبًا، يعني امرأة تزوجت رجلًا لكنه لم يقربها، لكنه دخل بها، نحن عندنا الدخول ما معناه؟ هو الخلوة، إذا خلا بها زوجُها ثبت المهر وحكمنا بأنها ثَيِّب، قد يكن زوجها عِنّينًا! جلست معه سَنَة، هي في الحقيقة لم يقربها زوجها، لكنها حكمًا ثَيِّبًا، وبناءً على كونها ثَيِّبًا لا تُزوج إلّا بإذنها، إذًا الثيوبة هنا يختلف حكمها، فليس معنى الثَّيِّب الوطء وعدمه! وإنما هي أنْ تتزوج رجلًا ويدخل بها، والمراد بالدخول الخلوة التي يثبت بها المهر والعِدّة، والعكس، قد تكون امرأة يعني قد زالت بكارتها بشبهة، وطء شبهة مثلًا، لا أريد أنْ أقول زنى! لكنْ وطء شبهة، فنقول: تسمى بكرًا، في هذا الباب، ولذلك بعض الفقهاء بَيَّن أنّ البكارة تختلف مِن باب لباب، مطلق مصطلح البكارة.

- قضى به الخلفاء الأربعة، حتى بدون وطء، مادام في مكان واحد ليس معهم أحد، ومادام لم يُنظر إليهم؛ فإنه يسمى خلوة، يُنظر إليهم كانْ يكونوا في باب مفتوح يَمُرّ الناس يمشون، أو كانوا في سيارة، السيارة لا خلوة فيها، ليست خلوة، إذا لم تكن مغلقة بستائر أو مظللة، هذه لا تسمى خلوة، مثلًا السائق تزَوّج امرأة وهي تركب معه في السيارة وخلا بها فترة قليلة؛ نقول: لا تسمى هذه خلوة، الخلوة لا بُدّ أنْ يكون مكانًا غير منظور إليه؛ ومكانًا مغلقًا لا يوجد مشارك فيه، لا يجب المهر إلّا إذا كان النكاح صحيحًا، لا يجب المهر إلّا إذا كان النكاح صحيحًا، لماذا قلنا هذا الكلام؟ لأنّ الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول ليس لها إلّا نصف المهر، وليس عليها عِدّة ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا(19)، وإذا كان بعد الدخول وجب لها المهر كاملًا، ووجبت عليها العِدّة كاملة، وضحت؟ لا، المقصود إنما هو فيمن دخلت.

- قضية عدم الإنجاب ليس حقًا للزوج وحده ولا حقًا للزوجة وحدها! بل هو حق مشترك بينهما، ولذلك جاء في الحديث المروي - لأنّ في إسناده مقال - لكنّ الفقهاء يقولون: معناه صحيح، وهو مُحتجّ به «لا يُعْزَلُ عن الحُرَّةِ إلّا بإذنها»(20)، لأنّ المرأة لها حقّ في الولد، إذًا الولد هو مِن آثار العقد ومقتضياته، وهو حق للزوجين معًا، ليس حقًا للزوج وحده! ولا للزوجة وحدها! وبنوا على ذلك عشرات الأحكام، منها في قضية الإسقاط، فلا يجوز الإسقاط عند مَن أجازه إلّا بدواء مباح بإذن الزوج إلى غير ذلك مِن المسائل، الدِّيَة لِمَن؟ لو جَنَتِ المرأة على نفسها وَجَبَتِ الدِّيَة للزوج، ولو جنى الزوج عليها وجبت الدِّيَة للمرأة، وهكذا، إذا اتفقا جاز لهما الاتفاق على ذلك، ولكل واحد منهما وقتما شاء أنْ يلغي هذا الاتفاق، لأنّ هذا الشرط الذي كان موجودًا في أول العقد أو بعده هو شرط يخالف مقتضى العقد؛ فليس بلازم، لا يصح، لكنّ العقد صحيح، فاتفاقهم هذا الشرط وجوده وعدمه سواء، لكنه لا يبطل العقد، سيأتي - إنْ شاء الله - معنا في شروط النكاح، أظن الشيخ ما ذَكَرَ شروط النكاح! اتفاق(21)، إسقاط القتل أو إسقاط النفقة أو الامتناع مِن الولد، مِن حق الزوجين، إذا اتفقا على ذلك فلهما ذلك، لكن لا يكون على سبيل التأبيد، لأنّ هذا إسقاط، والإسقاط لا يكون إلّا بعد الثبوت والاستحقاق، والاستحقاق إنما هو متجدد كل يوم بيومه، النفقة كل يوم بيومه، والمبيت كل يوم بيومه، والولد كل يوم بيومه، لها الحق أنْ تسقطه اليوم وغدًا تقول: أريد ولدًا! مِن حقها، ومَن حق الزوج ذلك.

- الشرط باطل والعقد صحيح، وهذا الاتفاق غير ملزم نقول، لا نقول: إنّ الاتفاق حرام! غير ملزم، بعض الناس عنده مرض؛ عنده سبق.

- إذا لم يوجد الأب فتنتقل مباشرة إلى الوَصِيّ، ثم بعد الوَصِيّ تنتقل للجَدّ، ثم الابن - على المذهب -، الجَدّ مُقَدّم على الابن على المذهب، تنتقل مباشرة، إذا كان الفقد بالأول فقدًا حقيقيًا، بمعنى أنه مات، أو لا يوجد، ليس لها أخ، بهذه طريقة، وأمّا إذا كان الفقد فقدًا حكميًا لكونه غائبًا أو لكونه عاضلًا؛ فالمذهب كذلك أنها تنتقل مباشرة مِن غير حكم حاكم، والذي عليه الأمر القضائي أنّ الفقد الحكم للوليّ لا بُدّ فيه مِن حكم حاكم، قد يُزَوّج ابن عمه ومسافر! نقول: لا، لا بُدّ أنْ ترفع للمحكمة وتقول: والدي مسافر مسافة فيها مشقة برجوعه! وأريد أنْ أتزوج كفئي، لأنّ تأخير الزواج قد يفوت فيُزَوّجها الولي الثاني، هذا ما تقصده؟ هي ليس لها الإذن! المرأة فقط إذا استووا، عندها خمسة أبناء عم كلهم في درجة واحدة – ما شاء الله عندها عشرين عمّ - كل واحد مِن هؤلاء العشرين عم له عشرة أبناءً، فأصبح لها مئتا ولي، فهنا تختار ما شاءت، أبغاك يا زيد أو يا عمرو،  بشرط أنْ يكونوا في درجة وقوة واحدة.

- يقول: إذا زَوَّج الأخ مِن الأب أختَه مع وجود الشقيق، ما حكم هذا الزواج؟

تكلمنا عنه قبل قليل وأنّ ما ذكره المصنف والمذهب أنه لا يصح هذا النكاح، لا يصح، لا بُدّ أنْ يُوجِب، يرجع مرة ثانية ويُزَوّج، الحل كيف الإجازة؟ يأتي بالولي القريب، لا يحتاج إلى الذهاب إلى محكمة، أحضر الولي القريب الذي الآن هو مستحق الوِلاية فنقول: زَوّجها، يقول: زوجتُك ابنتي فلانة، قبلتُ، يا لله مع السلامة، حتى لا يحتاج(22)، يعني الأمر سهل جدًا.

- بعض أهل العلم - وهو رواية قوية في المذهب - أنّ الإخوة في درجة واحدة، لا ننظر إلى القوة! ننظر للجهة، هذا القول قوي جدًّا في المذهب، ليس بالضعيف! لذلك قلتُ لكم: نمشي على المشهور إلّا ما خالفه المصنف – أشياء قليلة تذكر -، لا، القول قوي جدًا، ليس بالسهل.

- هل يجوز أنْ أرفع صوتي في قراءة القرآن وأنا أتوضأ في دورات المياه؟

طبعًا قراءة القرآن منهي عنها في الحشوش ومنهي عنها عند قضاء الحاجة، فإذا كان الشخص في حُشّ - يعني دورات المياه - ويقضي حاجته؛ فالنهي عنها لسببين، حينئذ يُمنع منها، فلا يُقرأ القرآن في دورات المياه لأنّ هذا ليس مكانًا لقراءة القرآن بلا شك!

- هل يجوز النظر للمرأة التي أُريد خطبتها مِن دون إذنها؟

نعم، يجوز، سواء بواسطة أو بدون واسطة، بواسطة الآن أصبحوا يرسلون الصور - بعض الناس -، فهذه(23)، ولا تُدِمِ النظر؛ فإنه يكره، بل يَحْرُم إدامة النظر وهكذا.

- لو قَدَّمَ على الإيجاب والقَبول قول الخاطب للولي: زوّجني ابنتك أو موكلتك فلانة.

هذا ما فيه شيء، هذه خطبة، فيقول: زوّجني ابنتك، فيقول: زوّجتك ابنتي، لكنّ المهم أنْ يقول بعدها قبلتُ، بخلاف البيع، البيع لو قال: بعني بيتُك، فقال: بعتُك، مع أنّ الأمر ليس صيغة إيجاب لكن قد يكون دلالة حالية عليه، لكن لا بُدّ مِن التكرار، لا بُدّ أنْ يقول: قبلتُ، ولذلك مأذون النكاح لماذا يُؤَكّد على المأذون لكي يأتي بالصفة، لازم أنْ يقول: زوّجتك، ويقول الثاني: قبلتُ، لا بُدّ مِن اللفظ الصريح في التزويج، وفي المرأة يقول: زوّجتك ابنتي فلانة - زينب أو رقية أو حصة - أو هكذا، فلا بُدّ مِن الاسم الصريح أو الإشارة إذا كانت حاضرة هذه، غالبًا لا تحضر النساء، فيقول: زوّجتك ابنتي فلانة، فلا بُدّ أنْ يأتي بالاسم صريحًا، وإنْ لم تكن ابنته فيقول: زوّجتك ابنة عمي فلانة بنت فلان، لا بُدّ مِن التعيين، عقد النكاح هذا ليس بلعب! هذا صريح.

- هل يجوز للقاضي أنْ يُزَوّج بكرًا لرجل بدون إذن والدها؟

نعم، إذا زوّجها القاضي حينئذ يجوز، لأنّ أباها يكون قد عَضَل، هذا طبعًا عند البلدان الإسلامية التي تشرط الولي، هناك بلدان التي لا تشترط الولي، إمّا لكونه زواجًا مدنيًا أو لكونه أحوال شخصية شرعًا، يعني يكون نظامًا شرعيًا إسلامي لكنه أَخَذَ بقول الحنفية وبعض العلماء، فإنْ كان الزواج مدنيًا - بعض الدول زواجهم مدنيّ - ولا يوجد ذلك إلّا في دولتين عربيتين، وما عدا ذلك الزواج المدني إنما هو في دول غير عربية، فتزويج القاضي لا عبرة به، لا يقوم مقام الوليّ مطلقًا، ولا نقول: إنّ حكم الحاكم يرفع الخلاف في هذه المسألة، انتبه الزواج المدني لا نقول: إنّ حكم الحاكم يرفع هذا الخلاف، لكن لو زوّجها في محكمة معينة فنقول: يصح النكاح بشرطين، انظر معي، بعض الناس يقول: لو تزوجتُ في البلد الفلاني لم يُزَوّجوني إلّا بوليّ، فأذهب أنا وهذه المرأة في البلد الفلاني فنتزوج بدون ولي، هل يصح الزواج الثاني أم لا؟ قضى به أبو حنيفة، نقول: الزواج الثاني يصح بقيدين، القيد الأول: لا بُدّ أنْ يحكم به حاكم، ما معنى أنْ يحكم به حاكم؟ يعني أنْ يكون العقد مُسَجّلًا في محكمة شرعية، كمحاكم الدول الشرقية، المحاكم المدنية هذه غير معتبرة، المحاكم المدنية لا توجد إلّا في دواتين -  لبنان أظن، وذكروا دولة أخرى - فيها زواج مدني وفيها زواج شرعي، المحاكم لا نعتبره حكم حاكم! لأنّ الزواج فيه العقد ابتداء ليس شرعيًا ليس مبنيًا على اختلاف فقهي، وبناءً على ذلك – ما زلت في الشرط الأول -  لو أنّ رجلًا تزّوج امرأة نكاحًا عرفيًا – تعرفون الفرق بين المدني والعرفي، عرفي يعني مِن غير حكم حاكم - نكاحًا عرفيًا بلا ولي؛ فالنكاح باطل؛ باطل؛ باطل، وإنْ أفتاه مَن أفتاه، لو أفتاه أبو حنيفة رحمه الله تعالى بنفسه فالنكاح باطل، لأنه لم يحكم به حاكم، القيد الثاني: أننا نقول: إنّ هذا النكاح لا بُدّ أنْ يكون الناسخ غير عالم بالحكم، لأنّ عالم الحكم والمتدين مخالفته لتدينه يُبطل الحكم في حقه، واضح؟ بعض الناس يرى تدينًا في بعض المعاملات شيئًا معينًا لا يجوز له أنْ يخالف هذا التدين - وإنْ حكم الحاكم بخلافه -، مثلما ذكروا أنه لو كان الحاكم حنفيًا فلا يرى شركة الأبدان، فقد حُكي الاتفاق أنّ الحاكم لو كان حنفيًا فمنع مِن شركة الأبدان؛ فاكتسب المرء مالًا مِن شركة الأبدان جاز له ذلك، ومثله العكس، لو كان الحاكم حنفيًا فأجاز بيع الوفاء - والجمهور يمنعون مِن بيع الوفاء - يرون أنه ربًا صريح، فلا يجوز للمسلم إذا كان يتدين ببيع الوفاء أنْ يتعامل به، إذًا لا بُدّ مِن التدين، يأتيني واحد يقول: أنا أرى أنه لا يجوز الزواج بغير وليّ؛ ولكن أريد أنْ أذهب إلى البلد الفلاني لأنهم يُزَوّجون بغير الولي لكي أتزوج فلانة، نقول: نكاحك باطل، طيب ما معنى أنه يتدين به؟ إمّا كان مجتهدًا وترجح عنده هذا الدليل، أو كان مُقَلِّدًا والذين يستفتيهم في بلده والسائد في الفتوى في بلده أنه لا بُدّ مِن الولي؛ فلا يجوز له أنْ يتزوج بدونه، واضحة المسألة؟ هذا التفصيل مهم، لأنّ كثيرًا مِن عقود الأنكحة تَمُرّ ويُطلب منها الإثبات والإرث مع أنها مِن غير ولي! فما الذي نصححه وما الذي لا نصححه؟ وللشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب كلام في هذه المسألة جميل، رَدّه للكلام أو التفصيل الذي قلتُه لكم قبل قليل، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد.


(1) صحيح. ابن ماجه (1880) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا. صحيح الجامع (7555).
(2) صحيح. أبو داود (2083) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا. صحيح الجامع (2709).
(3) سبق تخريجه.
(4) صحيح. معرفة السنن والآثار للبيهقي (13633) من حديث عمران رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (7557).
(5) سبق تخريجه.
(6) كلمة غير واضحة - بعد خسيسته -.
(7) صحيح. أحمد (25043) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا بنحوه، وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند.
(8) صحيح. البيهقي في الكبرى (13394) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا بنحوه. صحيح الجامع (4527).
(9) سبق تخريجه.
(10) لفظه في صحيح البخاري (5136) عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تُنكح الأيّمُ حتى تُستأمر، ولا تُنكحُ البِكْرُ حتى تُستأذن» قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: «أنْ تسكتَ».
(11) صحيح مسلم (1421) مِن حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا.
(12) النور: 3،.
(13) الكلبيُّ – جزمًا – كما في تاريخ الإسلام للذهبي (2/ 474).
(14) حديث "إِنّ سينَ بِلَالٍ شِينٌ" لا أصل له، ينظر السيرة النبوية لابن كثير (4/ 657).
(15) صحيح البخاري (5086) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا.
(16) سبق تخريجه.
(17) صحيح مسلم (1365) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا.
(18) هنا الأسئلة ليست واضحة، ولكن وضعنا الجواب الواضح الذي قد يُفهم منه سؤالُه.
(19) الأحزاب: 49.
(20) ضعيف. ابن ماجه (1928) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا. الإرواء (2007).
(21) جملة غير واضحة.
(22) كلمة غير واضحة.
(23) جملة غير واضحة.