موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب النكاح - شرح عمدة الفقه لابن قدامة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الفقه لابن قدامة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح عمدة الفقه لابن قدامة
 باب السَّبْق
 باب الوديعة وباب العارية
 كتاب الإجارة
 باب الغصب
 باب الشفعة
 كتاب الوقف
 باب الهبة
 باب عطية المريض
 كتاب الوصايا
 باب الموصَى إليه
 كتاب الفرائض
 باب الحجب وباب العصبات
 باب ذوي الرحام
 باب أصول المسائل وباب الرد
 باب تصحيح المسائل وباب المُنَاسَخَات
 باب موانع الميراث وباب مسائل شتى
 باب الولاء وباب الميراث بالولاء
 كتاب العتق/ باب العتق وباب التدبير
 باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد
 كتاب النكاح
 باب وِلاية النكاح
 باب المُحَرّمات في النكاح
 شروط الرَّضَاع المُحَرّم
 باب نكاح الكفار
 باب الشروط في النكاح
 باب العيوب التي يُفسخ بها في النكاح
 كتاب الصَّدَاق
 أسئلة
شرح عمدة الفقه لابن قدامة - كتاب النكاح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه وللحاضرين

كتاب النكاح

النكاح مِن سُنن المرسلين، وهو أفضل مِن التخلي منه لنقل العبادة، لأنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم رَدّ على عثمان بن مظعون التبتل، فقال: «يا معشر الشباب؛ مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحفظُ للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء»(1).


بسم الله الرحمِن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأشهد أنْ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبد الله ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أمّا بعد

يقول الشيخ رحمه الله تعالى: كتاب النكاح، جرت عادة الفقهاء رحمهم الله تعالى أنهم يوردون النكاح بعد أبواب البيوع، ووجه مناسبة كون النكاح بعد أبواب البيوع قالوا: لأنّ عقد النكاح يسميه الفقهاء مِن عقود المعاوضة غير المَحْضَة، فهو عوض مِن أحد الطرفين وهو الزوج دون الزوجة؛ فإنها لا تبذل عوضًا، بخلاف سائر عقود المعاوضات مِن البيع والسَّلَم ونحوه فإنه مِن عقود المعاوضات المَحْضَة التي يكون فيها بذلٌ للعوض مِن الطرفين، ولذا فإنه يُناسب أنْ تُذكر بعد المعاملات، ولأنّ كثيرًا مِن أحكام الأنكحة ملحقة بالمعاني العامة للبيوع، وهذه المعاني العامة للبيوع هي التي يسميها المعاصرون بنظرية العقد، إذًا نظرية العقد هي المعاني العامة التي تشترك فيها سائر العقود، هذه المعاني العامة والقواعد الكلية يشابه عقدُ النكاح وعقدُ الطلاق في بعض أجزائه يُشابه فيه البيوع، وأنتم تعلمون أنّ أغلب هذه المعاني العامة التي تسمى بالنظرية يُوردها الفقهاء في باب البيوع، مثل قضية اللزوم ومثل قضية الشروط ومثل قضية التراخي والمجلس وهكذا مِن الأمور المتعلقة به، أول جملة أتى بها المصنف ما يتعلق بحكم النكاح فقال: النكاح مِن سنن المرسلين، أي أنّ أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم كان مِن سَننهم وطريقتهم التي فعلوها وأمروا الناس بالامتثال بها أنْ يتزوجوا، ولذلك فإنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم حينما جاءه ثلاثة نَفَر فسألوا عن شأنه؛ فكأنهم تَقَالّوا عملَه عليه الصلاة والسلام فقال أحد هؤلاء الثلاثة: "أمّا أنا فلا أنكح النساء!" فخرج النَّبِيُّ صلى اله عليه وسلم مغضبَّا وقال: «أنا أعلمكم بالله وأتقاكم له، فإني أتزوج النساء؛ فمَن رغب عن سنتي فليس مني»(2)، وهذا الحديث يدلنا على أنّ النكاح إنما هو مِن سنن المرسلين، ثم بدأ المصنف رحمه الله تعالى يبيّن حكمَه التكليفي فقال: وهو أفضل مِن التخلي لنفس العبادة، يعني أنّ مِن أفضل النوافل هو النكاح، وهذا هو ظاهر إطلاق المصنف؛ أنّ أفضل النوافل هو النكاح، والمقصود بالنوافل أي التفرغ لها كأنْ يتفرغ المرء لبعض النوافل كالجهاد أو كطلب العلم ونحوه فالانشغال بالنكاح فإنه يكون أفضل، ولكنّ هذا الإطلاق الذي أورده المصنف المتأخرون قَيَّدُوه، فقد ذَكَرَ بعض المتأخرين - كما تعلمون مِن كلام الشيخ موسى وغيره - أنه يكون أفضل مِن نوافل العبادة مع الشهوة، أي إذا كان المرء يحتاج إلى النكاح، وأمّا إنْ كان لا رغبة له في النكاح فإنّ انشغاله بسائر النوافل لا شك أنه أفضل، بل ربما كان تزوّجه فيه إضرار بزوجه أو المرأة تُضِرّ بزوجها، إذًا المقصود بهذه الحال إنما يكون أفضل - كما قَيّده بعض المتأخرين - في حال وجود الرغبة أو الشهوة كما عَبّر صاحب "الزاد" بالنكاح، وهذا قيد يورده بعضهم، وقد ذكرتُ لكم في الدرس الماضي أو الذي قبله أنّ الفقهاء يعنون بالقيود، ولذلك لو تأملتَ مسيرة كثير مِن العلماء الذين أَلّفوا مختصرات؛ وجدتَ أنهم أَلّفوا مختصراتهم في آخر حياتهم ولربما كان آخر مؤلفاتهم، فالشيخ منصور البهوتي في "عمدة الطالب" كان مِن آخر ما كتبه مختصره "العمدة"، والشيخ موسى الحجاوي كان مِن آخر ما كتبه مختصره الذي هو "الزاد" وكذلك أظن المؤلف - فيما أظن وأحسب - أنّ مِن آخر ما أَلّفه "العمدة"، والدليل على ذلك أنّ تلميذه وابن اخيه - ابن أبي عمر - كان ينقل عن العمدة قال: "ورجع إليه أخيرًا" فدلّ على أنه مِن آخر ما صنفه هو هذا الكتاب الذي هو كتاب "العمدة"، هذا استطراد في قضية الاهتمام بالقيود؛ فإنّ الاهتمام بالقيود مهم لطالب العلم ولا يظن أنّ هذه القيود يعني معرفتها مِن الحشو! بل هو مِن دقة الفهم، كما قال الشافعي: "مَن تعلم علمًا فليُدقق فيه خشية أنْ يضيع"(3)، قال: لأنّ النَّبِيَّ صلى اله عليه وسلم رَدّ على عثمان بن مظعون التبتل لَمّا أراد أنْ يتبتل، وقال: «يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فليصم؛ فإنّ الصوم له وجاء»(4)، يعني كأنه بمثابة الوجاء، والوجاء هو رَضُّ الأنثيين بحيث يكون غير قادر على الوطء.

ومَن أراد خطبة امرأة فله النظر منها إلى ما يظهر عادة كوجهها وكفيها وقدميها.


بدأ المصنف يتكلم أولًا فيما يسبق عقد النكاح وهو الخطبة، فقال: مَن أراد خطبة امرأة فله النظر منها، قول المصنف رحمه الله تعالى: فله النظر منها، هذا مشروط لِمَن أراد الخطبة ولو لم يكن يخطب المرأة، إذًا مَن أراد الخطبة - وهو عزم القلب - فإنه يجوز له النظر إليها، لأنّ هذه جواب شرط "مَن أراد فله" إذًا فدلّ على أنها مشروط بالإرادة، وأمّا إطلاق البصر في النظر في النساء! فلا شك أنّ هذا ممنوع شرعًا ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ(5)، الأمر الثاني في قول المصنف: فله النظر منها، أي يجوز له أنْ ينظر منها - سواء كان بإذنها أو بدون إذنها، بإذن وليِّها أو بدون إذنه - فلا يشترط إِذْن المرأة في النظر إليها لِمَن أراد الخطبة، وقد جاء أنّ جابر رضي الله عنه كان يترقب لِمَن أراد أنْ يخطبها؛ فكان ينظر إليها في الطرقات، الأمر الثالث: أنّ المصنف لَمّا قال: فله النظر منها، لم يقل: فله نظرة منها! فدلّ العموم؛ فيجوز للمرء أنْ يكرر النظر، ولذلك يقول الفقهاء: وله النظر مكررًا، لكنْ بشرط ألّا يكون هناك خلوة! لأنّ الشارع أجاز النظر ولم يُجِزِ الخلوة، وأنتم تعلمون أنّ الخلوة منهيّ عنها شرعًا - أظن أنني تكلمتُ عنها في أكثر مِن موضع – هي ما اجتمع فيه شرطان - كما تعلمون - متى تكون الخلوة مُحَرّمة؟ إذا وُجِد شرطان، الشرط الأول: أنْ يكون الرجل والمرأة أو المرأة والماء - لأنّ الخلوة متعلقة بالمرأة والماء - تعرفون في باب الطهارة أنّ الرجل لا يرفع حدثَه الماءُ الذي خلتْ به امرأة في طهارة كاملة، إذًا الخلوة أنْ يكون الرجل والمرأة ونحو ذلك في مكان لا مشاركَ لهما، هذا هو الشرط الأول، والشرط الثاني: ولا ينظر لهما أحد؛ أنْ يكونا في مكان لا مشارك فيه ولا ناظر، فلو كان معهما أحد؛ فإنه حينئذ لا تكون خلوة ولو كانا في مكان واحد، لكنْ يُنظر إليهما بأنْ كان فيه نوافذ يطلع الناس إليهما وهم في هذا المكان؛ فإنه في هذا المكان لا يكون خلوة - سواء كانت مُحَرّمة أو مثبتة للمهر - لأنّ الخلوة تتعلق بإثبات المهر، فالرجل إذا خلا بامرأة فقد وجب مهرها وثبتت عليها العِدّة، كما جاء أنّ الخلفاء الراشدين كانوا يرون أنه إذا أُرخيت الستور وأُغلقت الأبواب، إذا أُرخيت الستور فلا ناظر؛ وأُغلقت الأبواب فلا مشارك.

قال الشيخ: فله النظر منها إلى ما يظهر عادة كوجهها وكفيها وقدميها، هذا هو اختيار المصنف هنا، وهو الذي اعتمده المتأخرون أنه يجوز للرجل أنْ ينظر لِمَن أراد خطبتَها إلى ما يظهر عادة أو غالبًا، فبعضهم يُعَبّر بأنه يظهر عادة، وبعضهم يُعَبّر بأنه يظهر غالبًا، والمعنى فيهما واحد، ودليل ذلك أنّ الزركشي لَمّا حكى كلام المصنف في "العمدة" هنا عَبّر عن العادة بالغالب؛ فدلّ على أنه لا فرْق بين العادة والغالب في هذا المعنى؛ ولأنّ العادة تثبت بالتكرار وهو الذي يسمى غالبًا، إذًا ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها، قوله: كوجهها، الكاف هنا للتشبيه فدلّ على أنه لو جرت العادة بأنْ تُخرج المرأة بعضَ ذراعها لجاز ذلك، وكذلك ما جرت العادة به؛ فإنه يُعفى عنه، وكالرقبة مثلًا لو جرت العادة بكشف الرقبة أو الرأس والشعر فكل ذلك فإنه جائز على المشهور مِن المذهب، وهو اختيار المصنف هنا.

ولا يخطِب الرجل على خطبة أخيه إلّا ألّا يُسْكَن إليه


قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا يخطِب الرجل على خطبة أخيه، لنهي النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، ومعنى خطبة الرجل على خطبة أخيه: أي إذا خطب امرؤ امرأة؛ فعلم الثاني بهذه الخطبة ثم تقدم لهذه المرأة ليخطبها فإنّ هذا ليس بجائز، يَحْرُم، ومشهور المذهب أنّ هذا التحريم تحريم تكليفي يعني أنه يأثم ولا يترتب عليه أثرٌ في العقد، وبناء على ذلك فإنّ الثاني لو خالف فخطب هذه المرأة ونكحها بعد ذلك؛ فإنّ العقد يكون صحيحًا، قالوا: لأنّ النهي منفكّ عن العقد، الخطبة متقدمة على العقد، فهو نهي منفكّ عن العقد فيدلّ على أنه صحيح، هذا مشهور المذهب، لماذا أنا أشرت المشهور - كما قلتُ لكم -؟ لأنه يقابله قول آخر، فإنّ في المذهب قول آخر أنّ الرجل إذا خطب على خطبة أخيه - فهو مِن باب الفائدة وليس على شرطي في شرح الدرس - أنّ المرء إذا خطب على خطبة أخيه يجوز للخاطب الأول أنْ يفسخ عقد الخاطب الثاني الذي نكح، يجوز له أنْ يفسخ العقد، قال: لأنه خالف، وهذا القول مال له الشيخ تقي الدين، إذًا نريد أنْ نعلم أنّ خطبة الرجل على خطبة أخيه لا يجوز شرعًا، ولكنْ لا يترتب عليها أثر في صحة العقد بعد ذلك.

قال الشيخ: إلّا ألّا يُسكن إليه، يعني أنّ المرء إذا خطب امرأة وأراد آخر أنْ يخطب هذه المرأة فإنّ له ثلاث حالات - وقد علم بالخطبة الأولى -:

الحالة الأولى: أنْ يكون الخاطب الثاني قد علم أنّ هذه المرأة وأهلَها قد سكنوا وإنْ لم يجيبوه يقولون: نعم قبلنا به! مجرد السكون إليه فإنه يكون حينئذ يمنع مِن خطبة الثاني لها، مجرد السكون، مثله ما قلنا في باب – ما أدري شرحتُه هنا أو في غيرها - لَمّا قال النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «ولا يَسُمْ على سومِ أخيه»(6) معناه يجوز السوم على سوم أخيك في بيوع المزايدات - في الحراج - كل واحد يسوم على سوم أخيه، لكنْ نقول: لا يجوز للمرء أنْ يسوم على سوم أخيه إذا سكن البائع للسائل الأول، سكن له، وإنْ لم يبعه مُنْشِئُ العقد، لأنه بعد إنشاء العقد يكون عقدًا صحيح فلا يجوز له أنْ يؤثر فيه إلّا أن يكون في المجلس، إذًا هنا العبرة بأنْ تسكن المرأة لهذا الخاطب أو أهلها يسكنون إليه وإنْ لم يصرحوا بالقَبول، إذن الحالة الأولى أنْ تكون المرأة أو أولياؤها قد سكنوا لهذا الخاطب فلا يجوز، هذا واضح.

الحالة الثانية: أنْ تكون المرأة أو أهلها - يعني وليّها - لم يسكنوا إليه، بمعنى أنهم ردّوا هذا الخاطب وليسوا براغبين فيه؛ ولكنهم لم يصرحوا بذلك بعد، كأنْ يعلم أنه قد خطب امرأة مثلًا ثرية - والثرية لا تريد إلّا ثريًا مثلها – طيب؟ فأنا أعلم أنها لن يأخذها هذا الرجل الفقير، فحينئذ يتقدم الثاني لغلبة ظنه أنّ هذه الأولى لن تقبل بذاك الرجل مثلًا، أو لأنه مغترب، بعض النساء لا تقبل بالمغترب، لا تريد أنْ تسافر، فغالبًا لا يُسكن للمغترب، فالمرأة وأولياؤها يرغبون أنْ تكون بنتهم عندهم مِن غير سفر وهكذا، فهذا يعلم أنهم لن يسكنوا إليه؛ فيجوز له أنْ يتقدم لها وإنْ لم يَرُدّوا خطبة الأول.

الثالثة: إذا جُهِلَ الحال - ركزوا معي لأنني سأسأل فيها - فلم يعلم هل سُكن له أم لم يُسكن له فهل يجوز له الخطبة أم لا؟ لا تدلي مِن ذهنك ومما تعلمه! وإنما أجبني مِن كلام المصنف فإنّ صاحب "الإنصاف" و "التصحيح" في كتابيه كتاب "الإنصاف" و "التصحيح" قال: إنّ ظاهر كلام المصنف يدلّ على حكم فيما لو خطب رجل امرأة وجُهل الحال - هل سُكن له أم لا -؟ فما الذي في ذهنك؟ هل ظاهر كلام المصنف أنه يجوز خطبة هذه المرأة أم لا؟ ما رأيكم في هذه المسألة؟ المصنف يقول: ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه إلّا ألّا يُسكن له، أنه يجوز له الخطبة؛ لماذا؟ قال: إلّا أنْ يُسكن إليه، طيب؛ لم يُسكن له! لا ندري هل سُكن أو لم يُسكن! الأصل أنه خاطب الأول، أنت فهمُك كذلك، لكنْ الذي مشى عليه صاحب "الإنصاف" و "التصحيح" يعني ذكره في كتابيه معًا أنّ ظاهر كلام الصنف في قوله "إلّا ألّا يُسكن إليه" أنه لا يجوز الخطبة على خطبة المسلم إذا جُهل الحال هل سُكن أم لا، هذا هو ظاهر كلام المصنف، لِمَ؟ لأنه قال: إلّا ألّا يُسكن إليه، لأنه صرح، يعني لا يستثنى إلّا إذا لم يُسكن إليه، إذا سُكن إليه أو لم يُعلم أنه لم يُسكن له؛ فحينئذ يجوز لم؟ لأنّ الاستثناء بعد النهي للحصر، تعلمون صيغة الحصر أربع: الاستثناء بعد النهي، وتقديم المعلوم على العامل، أو "لا إله إلّا الله" و دخول ما الكافّة على إنّ «إنما الأعمال بالنيات»(7) وهكذا، والعَلَمان "محمد الرجلُ"، وهكذا، واضحة المسألة؟ لأنّ الصيغة التي أتى بها المصنف صيغة حصر "لا يخطب الرجل إلّا أَلّا يُسكن إليه" فسواء سُكن أو جهل – هل سُكن أو لم يُسكن - فإنه لا يجوز له أنْ يخطب، هذا ظاهر كلام المصنف، والمعتمد على المذهب بخلافه، فإنّ المعتمد في المذهب أنّ الخاطب الثاني - وإنْ علم بخطبة الأول - يجوز له أنْ يخطب إذا علم عدمَ السكون أو جهلَ السكون وعدمه، واضحة المسألة؟ إذًا مشهور المذهب أنه يجوز، لأنّ العبرة إنما هو بالعلم فقط دون ما عدا ذلك.

ولا يجوز التصريح بخطبة مُعْتَدّة


قال: ولا يجوز التصريح بخطبة المُعْتَدّة، التصريح بالخطبة كأنْ يقول: إني أرغب نكاحك أو إني أخطبك، وهو لفظ التصريح، وألفاظ التصريح كثيرة جدًا والكنايات أكثر كما سيأتي بعد قليل، أو التعريض أكثر، قال: بخطبة مُعْتَدّة، وقوله: بخطبة مُعْتَدّة، أطلقها، نقول: سواء كانت العِدّة عدة وفاة أو كانت العِدّة عدة طلاق؛ وسواء كانت العِدّة عدة بائِن أو كانت العِدّة عدة رجعية مِن باب أولى؛ أو كانت العِدّة عدة فسخ؛ فكل امرأة مُعْتَدّة مِن رجل يَحْرُم التصريح بخطبتها، لا يجوز مطلقًا.

ويجوز التعريض بخطبة البائِن خاصّة


يقول الشيخ: ويجوز التعريض بخطبة البائِن خاصّة، التعريض بيّنه المصنف.

فيقول: لا تفوتيني بنفسك، وأنا بمثلك راغب ونحو ذلك


يقول الشيخ: يجوز التعريض بالخطبة، متى؟ إذا كانت امرأة مُعْتَدّة مِن طلاق بائِن خاصّة - وسأشرح هذا الكلام بعد قليل -، أمّا بعد العِدّة فيجوز التصريح ابتداء، ومِن باب أولى يجوز التعريض، لنبدأ أولًا في التعريض ما معناه؟ التعريض هو أنْ يُعَرّض الرجل بالخطبة والمرأة في عدتها لكن لا يصرح، كأنْ تكون متوفىً عنها زوجها ونحو ذلك، ضرب مثالين فيقول: كأنْ يقول لا تفوتيني بنفسك أو إني في مثلك لراغب، ونحو ذلك صور كثيرة، ومِن الصيغ ما جاء أنّ عمر بن عبد العزيز عندما كان واليًا على المدينة - ذَكَرَ ذلك الزبير بن بكار - مات رجل وله زوجة فمَرّ عمر - بعد الصلاة على ذلك الرجل - فوجد هذه المرأة تلطم وجهها، فقال لها عمر: "لا تلطمي وجهك؛ فإننا لنا فيه رغبة أو نظرة" نسيتُ الكلمة، هذا مِن باب يعني الكناية، فهو كنى لها أنه اصبري وسيتزوجك أميرُ المدينة؛ فصبرت بعد ذلك ثم تزوجها رضي الله عنه(8)، إذًا الصيغ الكنائية كثيرة جدًا، جاءت عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.

يقول الشيخ: ويجوز التعريض بخطبة البائِن خاصّة، مفهوم هذه الجملة - قبل أنْ تنتقل لِمَا يشمله معنى البائِن - أنّ غير المُبَانَة يَحْرُم التعريض بخطبتها، وغير المُبَانَة هي الرجعية، إذًا كل امرأة رجعية - يعني أنها طلقت بعد أنها في عدة بعد الطلقة الأولى أو بعد الطلقة الثانية - فيَحْرُم التعريضُ لها بالنكاح لأنها زوجة أو في حكم الزوجة، الأمر الثاني: قول المصنف: بخطبة البائِن خاصّة، قلنا: خاصّة يُخرج الرجعية فإنه يَحْرُم، قول المصنف: البائِن، انظروا معي البينونة عند أهل العلم نوعان – أشرت لهما بسرعة الدرس الماضي - هناك بينونة تثبت بالطلاق - طبعًا عندنا بينونة بعد العِدّة وبينونة وهي في العِدّة -، انظر معي نحن نتكلم عن البينونة التي تكون في العِدّة فهي مُعْتَدّة وهي بائِن، إذًا البينونة ثلاثة أنواع:

النوع الأول: البينونة الكبرى، وهو أنْ يطلق الرجل امرأة ثلاثًا، يطلق امرأته ثلاثًا، فهذه بينونة كبرى تَحْرُم عليه في أثناء العِدّة وتَحْرُم عليه بعد العِدّة حتى تنكح زوجًا غيره.

الحالة الثانية: البينونة الصغرى، وهو أنْ يطلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين فتَحْرُم عليه بعد انتهاء العِدّة إلّا بعقد جديد؛ فتسمى البينونة الصغرى.

النوع الثالث: ما يسمى بالطلاق البائِن، الطلاق البائِن ما هو؟ هو أنْ تَحْرُمَ المرأة على الرجل في العِدّة وبعدها إلّا بعقد جديد، واضح؟ ما الفرق بين البينونة الصغرى والطلاق البائِن؟ أنّ البينونة الصغرى في أثناء العِدّة يجوز له أنْ يراجعها؛ فإذا انتهت عدتُها لم يَجُزْ له أنْ يراجعها إلّا بعقد جديد، أمّا الطلاق البائِن فيَحْرُم عليه أنْ يراجعها في العِدّة وبعد العِدّة إلّا بعقد جديد، وهذا هو الطلاق بعِوَض - وسنشرحه إنْ شاء الله في نهاية كتاب النكاح – طيب.

قول المصنف رحمه الله تعالى بخطبة البائِن هذا يشمل البينونة الكبرى بالطلاق الثلاث ويشمل البينونة بالطلاق البائِن - أي الطلاق بغير الثلاث -، واضح؟ إذًا يشمل الحالة الأولى والحالة الثالثة، أمّا الثانية - وهو البينونة الصغرى - فإنه يَحْرُم التعريضُ أساسًا لأنها تُعتبر رجعية؛ فانتبهوا للفرق بين صور الطلاق.

ولا ينعقد النكاح إلّا بإيجاب مِن الولي أو نائبه؛ فيقول: أنكحتك أو زوجتك، وقَبول مِن الزوج أو نائبه فيقول: قبلتُ أو تزوجتُ


بدأ يتكلم المصنف عن أهم ركن مِن أركان النكاح - وهو الإيجاب والقَبول -، ولنعلم أنّ النكاح مِن أخطر العقود على الإطلاق، كما قال النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «فإنّ أحقّ الشروط ما أوفيتم به مِن الشروط ما استحللتم به الفروج»(9)، وهذه مِن صيغ "أفعل" التفضيل فيدلنا أنّ أخطر العقود وأوجبها بالوفاء فيها وأوجبها بالوفاء مطلقًا إنما هو عقد النكاح، وبناءً على ذلك فإنّ أهل العلم لَمّا تكلموا عن الإيجاب والقَبول في عقد النكاح جعلوا له شروطًا لا توجد في غيره مِن العقود مطلقًا، لهذا العقد شروط لا توجد في غيره مِن العقود، نأخذ كلام المصنف ونذكر ما أورده مِن الشروط ونزيد عليه بعضه أو نفهمه مِن كلام المصنف، يقول المصنف: ولا ينعقد النكاح إلّا بإيجاب مِن الولي وقَبول الزوج، قوله: ولا ينعقد إلّا، ذكرتُ لكم قبل قليل أنّ هذه مِن صيغ الحصر، وبناءً على ذلك فإنّ النكاح لا ينعقد بالمعاطاة أبدًا، بل لا بُدّ فيه مِن إيجاب ومِن قَبول، الأمر الثاني: أنّ الفقهاء يقولون: إنّ الإيجاب والقَبول لا بُدّ أنْ يكون باللفظ ولا يجوزان ذلك بغير اللفظ كالكتابة إلّا أنْ يكون الشخص عاجزًا عن اللفظ – هذه مسألة أخرى – كالأخرس، فلا يجوز إثبات عقد النكاح إيجابًا وقبولًا بالكتابة! عكس سائر العقود، فإنّ سائر العقود المتحقق - كما أَلَّفَ ابن مفلح فيها رسالة - أنها تُنشأ بالكتابة، بل إنّ الوصية مستثناة، وهذا لا شك أنها تُنشأ بالكتابة الوصية ولو لم يتلفظ، لكنْ النكاح لا يُنشأ بالكتابة مطلقًا لأنه عقد خطير، الأمر الثالث: أنّ المصنف قال: ولا ينعقد إلّا بإيجاب مِن الولي أو نائبه فيقول: أنكحتك، نصَّ المصنف على أنه يقول: انكحتك، ألفاظ معينة، فهذا يدلنا على أنّ عقد النكاح لا ينعقد إلّا بالألفاظ الصريحة فقط وليست له ألفاظ كنائية، إذًا هذا الشيء خطير في جانب النكاح، لا ينعقد بالمعاطاة، لا ينعقد بالكتابة، لا ينعقد إلّا بالألفاظ الصريحة، ولا تُقبل فيه الألفاظ الكنائية، الطلاق له كناية وصريح، أمّا النكاح فلا يُقبل إلّا بالصريح، ولذلك يقول: أنكحتك أو زوجتك، غير هاتين اللفظتين لا يُقبل - على المشهور -، لا بُدّ انْ يأتي بلفظ النكاح، هذا الأمر الثالث، الأمر الرابع: أننا نقول - ونأخذه مِن كلام المصنف - حينما قال: فيقول: أنكحتك أو زوجتك؛ أنّ عقد النكاح لا ينعقد إلّا باللغة العربية لِمَن يتقنها أو يحسنها، فلو أنّ الزوج ووليّ المرأة يحسنان العربية فتلفظا بغيرها - بأي لغة مِن لغات العالم - فالمشهور مِن المذهب أنه لا ينعقد النكاح! إلّا أنْ يكونا عاجزين عن العربية فحينئذٍ يتكلمان بلغتهما، إذًا لا بُدّ مِن اللغة العربية، هذا الأمر الثالث، طبعًا هناك أمر خامس سأذكره وسأرجع له مِن كلام المصنف لكنْ أذكره الآن لأني أنسى كثيرًا، هذا الرابع، هناك أمر خامس مِن خصائص الإيجاب والقَبول في النكاح؛ أنّ الفقهاء يقولون: إنه يجوز أنْ يتقدم الإيجاب على القَبول والقَبول على الإيجاب في سائر العقود إلّا في النكاح، النكاح لا يصحّ إلّا بتقدم الإيجاب على القَبول، فلو تقدم القَبول على الإيجاب لم يصح النكاح، فلو قال الرجل لأبي ابنة: زوّجني ابنتك، فقال: زوّجتك؛ لم ينعقد النكاح! لا بُدّ أنْ يقول: قبلتُ، لِمَ هذه الأمور الخمسة؟ وهناك غيرها أيضًا لكن اختصرتُ لضيق الوقت، لِمَ هذه الأمور الخمسة؟ قالوا: لأنّ عقد النكاح عقد خطير وتُستباح به الفروج، وعقد النكاح يكون فرقًا بين الحلال والحرام، فلا بُدّ أنْ يُحتاط فيه كامل الاحتياط، حتى أنّ هزلَه جِدٌّ - في قول عامة أهل العلم – «ثلاث جِدِّهنّ جِدّ، وهزلهنّ جِدّ، النكاح والطلاق والرجعة»(10)، إذًا هذه المسألة مسألة خطيرة جدًا.

طبعًا مِن آثار الاحتياط في قضية عقد النكاح أنّ المقرر - حسب قرار مجمع الفقه، وهو الذي عليه العمل عندنا في المحاكم في المملكة - أنه لا ينعقد النكاح مع اختلاف المجلس، يعني لو أنّ الزوجة في بلد ووليّ المرأة في بلد أو كلاهما في بلد واحد؛ وأحدهما صدرَ منه الإيجاب - وهو أبو المرأة - بالهاتف والثاني في مكان آخر؛ فقبل بالهاتف لا ينعقد النكاح! لا بُدّ مِن اتحاد المجلس، إذًا الأمر السادس نقول: لا بُدّ مِن اتحاد المجلس بين الموجِب والقابل، الموجِب ولي المرأة والقابل هو الزوج، إذًا هذه ستة قيود مهمة أوردها العلماء، طبعًا القيد السادس - اتحاد المجلس – نقول: لا ينعقد النكاح بالهاتف، مِن باب أولى عن طريق أجهزة التواصل الآن، رأيتُ قبل فترة رجلًا - يعني مأذونًا - عقد النكاح لطالب مبتعث عن طريق الانترنت – أظن أحد البرامج هذه "سكايب" - مباشرة جاءه لفتُ نظر، وهذا العقد يجب أنْ يُجدد ولا يصح هذا العقد، لا بُدّ أنْ يحضر ويتحد المجلس، هذا عقد خطير جدًا، الشرع حَرَّمَ هذا العقد وجعل له مِن الخطورة الشيء الكثير، نرجع لكلام المصنف بعد أنْ عرفنا خصائص الإيجاب والقَبول وذكرنا منها خمسًا، قال: ولا ينعقد النكاح إلّا بإيجاب، الإيجاب هو الذي يكون مِن الولي أو مِن نائبه، وسيتكلم المصنف بعد قليل في بيان مَن هم الأولياء، ونوابه إمّا وصيّ أو وكيل، إذًا نائب الولي هو وصي أو وكيل، قال: فيقول أنكحتك أو زوجتك، ولا ينعقد - على المشهور - بغير هذين اللفظين، على مشهور المذهب لا ينعقد بغير هذين اللفظين، قلتُ لكم: دائمًا يطلق المشهور، ما معنى المشهور؟ معناه أنّ هناك قول آخر له حظّ مِن النظر في المذهب، لكنّ المشهور لا ينعقد إلّا بهذين الجملتين فقط، قال: وقبول الزوج أو نائبه، قوله: وقبول، لو عَبّر المصنف بـ "ثم" قبول لكان أنسب، للدلالة على حكم زائد؛ أنه يجب أنْ يكون القَبول بعد الإيجاب، لأنّ المعتمد أنه لا يصح تقدم القَبول على الإيجاب، طيب، قوله: وقَبول، هل يلزم الموالاة؟ نقول: لا تلزم الموالاة، فيجوز أنْ يتراخى قَبول الزوج عن إيجاب الولي، يتراخى: أنْ يتأخر، لكن بشرط واحد، الشرط هو أنْ يتحد المجلس وألّا يفصل بينهما فاصل مِن غير جلسة، يعني بدأوا يتكلمون في العشاء وهم يتعشون وفي آخر العشاء قال: قبلتُ، نقول: هذا لا يُعتبر قَبولًا! بل لا بُدّ أنْ لا يكون بينهما فاصل يقطع الكلام، فحينئذٍ التراخي لا أثر له، لأنّ بعض العقود يجب على الفورية، ومَرّ معنا أنّ الشفعة فإنها كحلّ عقال، وبعضها لا يلزم فيها الفورية؛ وإنما يشترط فقط اتحاد المجلس، قال: أو قبول الزوج أو نائبه، إمّا ولي أو وكيل، فيقول: قبلتُ أو تزوجتُ.

ويستحب أنْ يخطب قبل العقد بخطبة ابن مسعود رضي الله عنه قال: عَلّمنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم التشهدَ في الحاجة: «إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، ويقرأ ثلاث آيات: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ(11)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ(12)، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(13)»(14).


بدأ يتكلم المصنف عن صفة الخطبة؛ وأنه يستحب أنْ يخطب - أي الخاطب - قبل العقد بخطبة ابن مسعود، بعد الخطبة وقبل العقد يستحب أنْ يخطب الخاطب؛ فيأتي بخطبة ابن مسعود المشهورة هذه وهي: «إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره» جاء في بعض الألفاظ وهي موجودة في بعض نسخ العمدة "ونستهديه" هذه ليست موجودة في جميع الألفاظ للحديث، بل إنّ بعض أهل العلم ضَعّفها، وهي ليست موجودة في جميع نسخ الكتاب، نعطيكم فائدة وهي أنّ المصنف رحمه الله تعالى وهو الموفق ابن قدامة كان رجلًا سمحًا، ومَن سماحته رحمه الله تعالى أنه كان قد أَذِنَ لطلابه إذا وجدوا خطأً في كتابه أنْ يُصلحوه، ولذا فإنه يوجد في كتابه "المقنع" وفي كتابه "العمدة" اختلاف كبير بين النسخ، فقد يكون سبب اختلاف هذه النسخ إمّا خطأ صححه هو أو صححه مَن بعده، أو يكون سبب اختلاف النسخ كثرة إخراجات هذا الكتاب، ما معنى إخراجات؟ لأنّ المصنف ابن قدامة - كما ذَكَرَ عنه الضياء المقدسي تلميذه صاحب "الأحاديث المختارة" أنه لَمّا أَلّف كُتُبَه أصبح يقرئها، كان يُقرئ قديمًا المختصرات كـ "الخِرَقِي" و"الهداية" ثم بعد ذلك أصبح يُقرئ كتبَه هو، والشخص إذا أقرأ كتابه ودرّسه أكثر مِن مرة فإنه يصحح فيه ويزيد وينقص، فربما كانت الإخراجات مختلفة، ولذلك الجزم بأنّ نسخة واحدة هي الأصح دون ما عدا ذلك! يحتاج إلى تأمل ونظر ممن ينظر في هذه النسخ، إذًا نظرًا إلى أنّ هذه الزيادة اختُلف في صحتها اختُلف في وجودها في بعض النسخ - سواء أضافها هو أو حذفها هو - العلم عند الله عزّ وجلّ.

هذا الحديث فيه الحمدلة لأنّ «كل أمرٍ لا يُبدأ فيه بحمد الله هو أبتر»(15) وقد جاء في ببعض الألفاظ «كل أمر ٍلا شهادة فيه؛ فهو ناقص»(16)، ولذلك فإنّ فيه الشهادة وفيه ثلاث آيات فيها الأمر بتقوى الله، اقتصر المصنفُ على اللفظ الذي يُفَرّقها عن غيرها، وإلّا فإنّ أول اللفظ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ(17)، والآية الثانية ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ(18) وهكذا الآيات الباقية، هذه الخطبة يستحب أنْ تكون قبل العقد، يعني عند الإيجاب والقَبول، فيأتي الزوج فيتكلم ويأتي بها، ثم بعد ذلك يُوجِب أبو الزوجة فيقول: زوّجتك ابنتي فلانة - يعني يأتي بهذه الجملة -، فإنْ شاء قال: فإني أرغب بزواج فلانة مثلًا، أو يسكت؛ فيأتي أبو الزوجة فيقول: زوّجتك ابنتي فلانة - ويذكر اسمَها -، ثم يقول بعد ذلك الزوج مرة أخرى يرجع فيقول: قبلتُ هذا النكاح، إذًا بهذا الترتيب يكون عقد النكاح استحبابًا، الإتيان بخطبة الحاجة ابتداءً – أو تسمى خطبة النكاح - ثم يأتي بالإيجاب والقَبول الواجبان في النكاح.

هذه الخطبة يقول الفقهاء: يجوز أنْ يجعل غيرَه يقولها عنه، بل إنه يستحب أنْ يقولها أهل الفضل، كأنْ يكون مِن أهل العلم أو أهل الصلاح الذين تُرجى إجابةُ دعوتهم، فيكون شاهدًا لعقد النكاح ويأتي هذه الخطبة، فيستحب أنْ يقولها الشخص أو يجعل شخصًا آخر يقولها عنه، والعادة عندنا والعرف أنّ الذي يقول هذه الخطبة - خطبة النكاح - إنما يقولها مأذون النكاح، وغالبًا ما يكون مأذون النكاح مِن أهل الصلاح بإذن الله عزّ وجلّ لأنه لا يُعين مأذون النكاح إلّا أنْ يكون مشهودًا له بالصلاح والتقى في الجملة - أو في الظاهر -، إذًا هذه المسألة الثانية فيما يتعلق مَن الذي يقولها.

الأمر الثالث: أنّ قول هذه الجملة أو هذه الخطبة مستحبة جدًا، حتى إنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى حَضَرَ عقدَ نكاح لم تُقَلْ فيه هذه الخطبة فخرج منها؛ فدل على استحباب قولِ هذه الخطبة؛ أنها مستحبة جدًا متأكدة، طيب.

الأمر الخير في هذه الخطبة: ذَكَرَ بعض أهل العلم أنّ ظاهر كلام المصنف - طبعًا هذا كلام صاحب "الإنصاف" - أنّ ظاهر كلام المصنف - صاحب "العمدة" - أنه لا يستحب الزيادة عليها بشيء، وإنما يأتي بالآيات الثلاث ثم يقول: أخطب ابنتك فلانة، أو أرغب بابنتك فلانة، أو يأتي بالألفاظ الثلاثة – المأذون -، ثم يقول أبو الزوجة: زوّجتك ابنتي فلانة، مباشرة مِن غير زيادة عليها، واستحب بعض الفقهاء - ونقل ذلك في "الإنصاف" عن بعضهم ومشى عليه صاحب "الكشاف" - أنْ يُزاد فيها فيقال: "أمّا بعد، فقد أَمَرَ اللهُ بالنكاح ونهى عن السِّفَاح؛ فقال - مُخبرًا وآمرًا –: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(19)"، وهذه الزيادة يعني بَحثتُ عن أصلها قديمًا فوجدتُها في خطب ابن نباتة، ووجدت لها أثرًا عند بعض التابعين أنه كان يقول هذه الزيادة، ولذلك هنا أعطيكم نكتة، إذا رأيتَ الفقهاء - وخاصّة فقهاؤنا؛ لأنّ فقهاءنا معنيون بالأثر - إذا رأيتهم قالوا شيئًا ولم تقف على مستنده فقل: لم أقف على مستنده؛ ولا تقل: لا مستند له! فكثير مِن المسائل كنا نظن أنّ لا مستند لها حتى طُبعتْ بعضُ الكتب التي أسندت بعض أخبار الصحابة والتابعين أو تابعيهم فوُجِدَ مستندُها، وهذا كثير، وسبق أنْ تكلمت عن هذا في محاضرة كاملة فيما يتعلق في مستند الأحكام الشرعية، فلا تتعجل في النفي؛ فإنّ عدمَ العلم ليس علمًا بالعدم، والرجل إذا رأيتَه يستعجل في النفي فهذا غالبًا يكون مستعجلًا في نظره وفي بحثه وفي أحكامه.

إذًا عندنا أمران، وعرضتُ لكم أنّ المتأخرين استحبوا الزيادة لِمَا جاء عن بعض السلف رحمهم الله تعالى.

ويستحب إعلان النكاح والضرب عليه بالدفّ للنكاح


قال: ويستحب إعلان النكاح، إعلان النكاح يكون بإظهاره، وإظهارُه يكون بأمور، إمّا بالوليمة، وإمّا بالضرب عليه بالدفّ، وإمّا بغير ذلك مِن الأمور كوضع العلامات والزينات التي تدلّ على النكاح، وإعلان النكاح عند جماهير أهل العلم إنما هو مستحب، وإنما يوجبون الشهادة على النكاح؛ لأنّ الشهادة على النكاح واجبة عند الجماهير، ومَن لم يوجبها أوجب ما هو أشدّ منها وهو الإعلان، فدلنا ذلك على أنهم يرون أنّ الإعلان نوعان: إعلان واجب - وهو الشهادة -، وإعلان ليس بواجب - وهو ما زاد عن ذلك -، إذًا قولنا: ويستحب إعلان النكاح، نستفيد منها حكمين:

الحكم الأول: ما ذكرتُه قبل قليل أنّ ما يتحقق به الإعلان الزائد عن الشاهدين فإنه مستحب، كإخبار عدد كبير، والأمر الثاني: الضرب عليه بالدف والوليمة، وسيأتي تفصيل هذه الأمور.

الحكم الثاني الذي نستفيده مِن قول المصنف وهو: يستحب إعلان النكاح - وهو  مشهور المذهب -: أنه يجوز نكاح السِّرّ، لكنه مع الكراهة، وهو أنْ يتزوج الرجل امرأة بإيجاب مِن وليّها وبمهر وبشاهدين ولكنهم يتفقون على كتمانه، فالمذهب - المشهور - أنه يصح، وأمّا الرواية الثانية فإنه لا يصح زواج السِّرّ لأنّ فرْق ما بين النكاح والسِّفاح هو إعلانه، وليس هذا محل ذكرِ خلاف.

قال: ويُسَنّ الضرب عليه بالدفّ للنساء، لقول النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم – كما عند ابن ماجة -: «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفّ»(20)، فالضرب بالدفّ مستحب، والفقهاء يقولون: عندنا قاعدة: أنّ كل ما كان على خلاف القياس؛ معنى على خلاف القياس ليس المراد بالقياس قياس العلة إلحاقُ فرع بأصل لاتحادهما في علة! لا، قصدهم بالقياس الحكم العام - سواء كان مناطًا أو حكمًا كليًا -، كل حكم كلي استُثني منه شيء فإنه يسمى على خلاف القياس، إذًا كل حكم كليّ استُثني منه شيء فإنه يسمى على خلاف القياس، أين أصبح الضرب بالدف على خلاف القياس؟ أنّ الحكم الكلي عندنا أنّ المعازف تَحْرُم، هذا الحكم الكلي، جاءنا النص «واضربوا عليه بالدفّ»(21)، فاستثنى الزواج، إذًا هذا على خلاف القياس، وضحتْ كيف جاءت على خلاف القياس، طيب، عندنا قاعدة "أنّ كل ما كان على خلاف القياس؛ فإننا نُضَيِّقُه ونقفُ به مورد النص، ولا نزيد عليه" كل شيء، في العرايا لَمّا كانت العرايا على خلاف القياس قلنا: إنما يجوز في التمر دون العنب، ويجوز في ما دون خمسة أوسق - على المشهور - ليس في خمسة أوسق! بل فيما دون خمسة أوسق لا فيما زاد عن ذلك، ونقول: إنما يجوز بخرصها تمرًا، وغير ذلك مِن التي جعلناها في العرايا، فكل ما جاء مِن باب الاستثناء – أي على خلاف القياس - فإننا نقف عنده ولا نتجاوزه، ولنعلم أنّ كل ما جاء على خلاف القياس - بهذا المعنى الذي ذكرتُه قبل قليل - فإنه لا يمكن أنْ يُصار إليه إلّا بدليل، إذًا كل ما كان على خلاف القياس لا بُدّ أنْ يكون فيه دليل ولا يُتجاوز به الدليل.

نرجع لمسألتنا، جئنا للضرب بالدفّ، نقول: قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «واضربوا عليه بالدف»(22) إذًا نقف عند النص؛ فلا نجيز مِن الملاهي في النكاح إلّا الدفّ دون ما عداه، ما هو الدفّ؟ قالوا: الدُفُ هو الطبل إذا كان مفتوحًا مِن إحدى الجهتين دون الأخرى، وأمّا إنْ كان مغلقًا مِن الجهتين معًا فإنَّه حينئذٍ لا يُسمى في لسان العرب "دُفًّا" وإنما يسمى طبلًا أو كَبْرًا أو غير ذلك مِن التسميات المعروفة في محلها.

الأمر الثاني: قالوا: إنّ هذا الدفّ يلزم أنْ لا تكون فيه صنجًا - الذي هو النحاس هذا - الذي يصدر صوت معه، النحاس الذي يكون في أطرافه، نحاس أو حديد يصدر صوت إذا ضرب بعضه بعضًا، قالوا: لأنَّ هذا الصُنّج الذي يكون فيه يجعل له اسمًا آخر وذكروا اسمَه - فيُراجع في محله في كتب الفقه وكتب اللغة -، لأنَّه لا يُسمى دُفًّا حينئذٍ، بل له اسم آخر، وهكذا، إذًا قالوا: نقف عند مورد النص ولا نتعداه.

قال: قوله «واضربوا عليه بالدف»(23)، إنما كان للنساء خاصّة، ولم يُعرف أنَّ الرجال كانوا يضربون بالدفّ في النكاح! وإنما هو خاصّ للنساء، فنقف عنده ولا نتعداه لغيره.

هناك أمر انتشر الآن في الزواجات وهو قضية هذه الإيقاعات التي تُسمى؛ فهل الإيقاعات تجوز أم لا تجوز؟ أقول: صعبٌ الحكم فيها، فقد ذَكَرَ الشيخ تقي الدين في كتاب "الاستقامة" أنَ عددًا مِن علماء بغداد - نحوًا مِن خمسين عالم؛ نسيت العدد، لكن ارجع للكتاب ستجد الخبر - اجتمعوا لبيان الذي يحلُّ والذي لا يحلُّ مِن السماع - هذه الأصوات الندية - ما الذي يحلُّ منه وما الذي لا يحلُّ؟ وما هو الضابط في السماع المُحَرّم وفي السماع المباح؟ وكانت بغداد في ذلك الزمان هي قبلة العلم - كما قال بعضهم: مِن سكن بغداد؛ فإنما ينتقل مِن جنة إلى جنة؛ لأنّ العلم جِنَان -، لأنّ بغداد كانت في صدر وقت العباسيين إلى دخول المغول كان جِنَان علم يَفِدُ إليها العلماء مِن شتى البقاع، قال: اجتمع نحوًا مِن خمسين عالمًا ليبحثوا مناطًا وضابطًا للسماع المُحَرّم مِن المباح؛ فاتفقوا بعد ذلك أنهم لم يجدوا لذلك ضابطًا، لا يوجد ضابط، ضابط قياسي يدلّ عليه، ولذلك فإن العلماء كالباجي وغيره مما ذكروا لماذا حُرِّمَ الجرس؟ أهو لهيئته؟ أم لأنّ فيه صدًى يرتد؟ أم لغير ذلك؟ كلها علل نُتلمس تلمسًا، ثم قال الشيخ - أو معنى كلامه - أنه لَمّا كان العلماء لا يستطيعون أنْ يجدوا ضابطًا واضحًا للسماع المُحَرّم مِن غيره؛ فالأصل هو إغلاق هذا الباب بالكلية، احتياطًا إغلاق هذا الباب، لكي لا يقال: هذا جائز وهذا ليس بجائز وهكذا! إذًا فالجزم بضابط معين مِن الصعوبة بمكان، وما زال أهل العلم قديمًا وحديثًا مختلفون في هذا الضابط، حتى إنّ عبد الغني النابلسي الحنفي له كتاب "إيضاح الدلالات" حاول أنْ يأتي بضابط أتى بنحو مِن خمس أو سبع ضوابط ما استطاع أنْ يأتي بضابط! ثم أتانا بضابط غريب، غير منضبط، الذي أتى به بعد التعب، الذي أتى به بعد السبر والتقسيم أتى هو بضابط غير منضبط! فبعض المسائل قد يخفيها الله عزّ وجلّ على بعض الناس - ابتلاءً وامتحانًا - يُبتلى المؤمن وخاصّة في الأشياء المحبوبة، وليكون لبعض الناس - ربما - رخصة إذا كان إذا ابتُلي بشيء معين بسبب عمل ونحوه فيُفَرّج الله عزّ وجلّ عنه أنه هذا مِن باب أنه تتسع فيه المناطان - وهذه حكمة - أرادها الله عزّ وجلّ.


(1) صحيح البخاري (1905) مِن حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) صحيح البخاري (5063) مِن حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا.
(3) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص: 285).
(4) صحيح البخاري (1905) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا.
(5) النور: 30.
(6) صحيح البخاري (2727) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(7) صحيح البخاري (1) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(8) لم أعثر عليه! ولكن روى الزبير بن بكّار نحو هذه القصة – وباللفظ الشاهد – عن المطرفعبد الله بن عمرو بن عثمان -، كما في "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" لابن الجوزي (7/ 183).
(9) صحيح البخاري (2721) مِن حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعًا.
(10) حسن. أبو داود (2194) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (3025).
(11) آل عمران: 102.
(12) النساء: 1.
(13) الأحزاب: 70-71.
(14) صحيح. أبو داود (2118). صحيح أبي داود - الأم (6/ 344).
(15) حديث (كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ) ضعيف، رواه أبو داود (4840) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. الإرواء (607).
(16) حديثُ (كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ؛ فَهِيَ كَالْيَدِ الجَذْمَاءِ) صحيح، رواه أبو داود (4841) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (169).
(17) آل عمران: 102.
(18) النساء: 1.
(19) النور: 32.
(20) ضعيف. ابن ماجه (1895) مِن حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا، وقال الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء (7/ 50): "وأمّا الجملة الأولى مِن الحديث فقد وردت مِن حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا بسند حسن".
قلت: لكن عند النسائي (3369) قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فَصْلُ ما بين الحلالِ والحرامِ الدُّفُّ والصوتُ في النكاح»، وحسَّنه الشيخ الألباني رحمه الله في آداب الزفاف (ص 183).

(21) سبق تخريجه.
(22) سبق تخريجه.
(23) سبق تخريجه.