موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب عطية المريض - شرح عمدة الفقه لابن قدامة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الفقه لابن قدامة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح عمدة الفقه لابن قدامة
 باب السَّبْق
 باب الوديعة وباب العارية
 كتاب الإجارة
 باب الغصب
 باب الشفعة
 كتاب الوقف
 باب الهبة
 باب عطية المريض
 كتاب الوصايا
 باب الموصَى إليه
 كتاب الفرائض
 باب الحجب وباب العصبات
 باب ذوي الرحام
 باب أصول المسائل وباب الرد
 باب تصحيح المسائل وباب المُنَاسَخَات
 باب موانع الميراث وباب مسائل شتى
 باب الولاء وباب الميراث بالولاء
 كتاب العتق/ باب العتق وباب التدبير
 باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد
 كتاب النكاح
 باب وِلاية النكاح
 باب المُحَرّمات في النكاح
 شروط الرَّضَاع المُحَرّم
 باب نكاح الكفار
 باب الشروط في النكاح
 باب العيوب التي يُفسخ بها في النكاح
 كتاب الصَّدَاق
 أسئلة
شرح عمدة الفقه لابن قدامة - باب عطية المريض

باب عطية المريض


بدأ المصنف عن تصرفات المريض وتبرعاته، وهذه تسمى عند الفقهاء بالعطية، أوردها المصنف مِن باب التوضيح للطلاب أنّ يقول لك: عندك عطيتان، عطية المريض وعطية الرجل لأبنائه؛ فأوردها المصنف متوالية، وأما المتأخرون – لأنّ ترتيب المتأخرين فهو عن المقنع، فإنه أورد عطية المريض في كتاب الوصايا الذي سيكون بعد هذا -.

تبرعات المريض مرضَ موته المَخُوْف؛ ومَن هو في الخوف كالمريض؛ وكالوقوف بين الصّفين عند التقاء القتال؛ ومَن قُدِّمَ ليقتل؛ وراكب البحر حالَ هيجانه؛ ومَن وقع الطاعون ببلده إذا اتصل بهم الموتُ حكمُها حُكْمُ وصية في ستة أحكام


قال المصنف: إنّ تبرعات المريض، تبرعات المريض تشمل التبرعات بالأعيان، وتشمل التبرعات بالمنافع، وتشمل العتق، وتشمل الصدقات، وتشمل الهبات، وتشمل غير ذلك، فكل ما كان مِن عقود التبرعات فإنه إذا كان مِن المريض في مرضٍ مَخُوْفٍ فإنّ حكمه حكم الوصية في الأحكام وسيوردها المصنف بعد قليل، وتفارق الوصية في حكم أو حكمين سيأتي إنْ شاء الله.

أورد المصنف بعض صور المرض المَخُوْف، والتحقيق أنّ المرض المَخُوْف يختلف مِن زمان لزمان ومِن حال لحال ومِن شخص لآخر، والعبرة في تقديره مطلقًا إلى أهل الخبرة، لكن أوردَ بعض صور المَخُوْف.

قال: ومَن هو في الخوف كالمريض، يعني في الخوف الشديد فيكون كالمريض، قال: كالواقف بين الصّفين عند التحام القتال، هذا واضح، ومَن قُدِّم ليُقتل قصاصًا أو حدًّا، قال: وراكب البحر حالَ هيجانه؛ ومَن وقع الطاعون ببلده إذا اتصل بهم الموت، يعني بدأ الموت فيه، قال: حكمُها حكمُ وصيته في ستة أحكام.

مِن الأشياء التي ذكرها الفقهاء قالوا: مثلًا إنّ الشلل في أوله مَخُوْف وفي آخره ليس مَخُوْف، وهناك أشياء كثيرة مذكورة في محلها.

أحدها: أنه لا تجوز لأجنبي بالزيادة على الثلث، ولا لوارث بشيء إلّا بإجازة الورثة لِمَا روي أنّ "رجلًا اعتقَ ستةَ مملوكين عند موته - لم يكن لهم مال غيرهم - فدعا بهم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فجزّأهم أثلاثًا؛ فأعتق اثنين وأرقّ أربعة"(1)


يقول المصنف: إنّ التبرعات في المرض المَخُوْف والوصية كلاهما لا تجوز لأجنبي، الأجنبي هنا معناه غير الوارث، المراد بالأجنبي غير الوارث، أنها لا تجوز لأجنبي إلّا بالثلث فما دون، ولا تجوز لوارث بشيء مطلقًا إلّا بإجازة الورثة.

قال: لِمَا رُوي أنّ رجلًا اعتق ستةَ مماليك عند موته ولم يكن له مال غيرهم فدعاهم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فجزأهم ثلاثًا فأعتق اثنين وأرق أربعة، هذه واضحة.

الثاني: أنّ الحرية تُجمع في بعض العبيد بالقرعة إذا لم يَفِ الثلثُ بالجميع للخبر


قال: الحرية تجمع في بعض العبيد بالقرعة، يعني مثل هؤلاء الستة يقرع بينهم كما جاء الحديث المتقدم.

الثالث: أنه إذا أعتق عبدًا غير معين أو معينًا فأشكَل؛ أُخرِج بالقرعة


نعم هذه القاعدة عندهم أنّ القرعة تُثبتُ أحدَ أمرين، إما تُثبت الاستحقاق؛ هل هو مستحق أم لا؟ أو عند الاشتباه في الاستحقاق، اثنان كلاهما مستحق للعين ومشتبه أيّهما صاحبُ الاستحقاق؛ فيُقرع بينهما، طبعًا الاقتراع في الاستحقاق عندما لا يكون بيّنة لهما في عين، تنازع اثنان في عين ولا بيّنة لهما، ليس لواحد منهما حق - وكانت العين مما لا يقسم - فيُقرع بينهما.

الرابع: أنه يُعتبر خروجُها مِن الثلث حال الموت، فلو أعتق عبدًا لا مال له سواه أو تبرع به ثم ملك عند الموت ضعفَ قيمتَه تبيّنا أنه عَتَقَ كلُّه حين اعتاقه وكان ما كسبه بعد ذلك له


هذا يقول: إن العبرة بتقدير الثلث إنما هو بحال الوفاة.

وإنْ صار عليه دين يستغرقه ولم يَعْتِق منه شيءٌ لم يَعْتُقْ منه شيءٌ، ولا يصح تبرعه به


كيف يكون صار عليه دين؟ يعني رجل ليس عنده إلّا هذا القِن ثم أعتقه، فلو مات فإنما يُعتق ثلثُه فقط، ويستسعي في الباقي، لو مات الموصي أو مات المتبرِّع في مرض الموت، طيب، لو مات وقد مَلَكَ مالًا ويمكن أنْ يخرج هذا العبدُ مِن الثلث فنقول: يعتق كله، لو استقرض ثم مات وكان قيمة القرض أكثر مِن العبد فيُباع العبدُ ويُسدد به الدين ولا يعتق منه شيء، هذا معنى كلام الشيخ: وإنْ صار عليه دين يستغرقه لم يعتق منه شيء؛ ولم يصح تبرعه به.

ولو وصى له بشيء فلم يأخذه الموصَى له زمنًا؛ قُوِّمَ عليه وقت الموت لا وقت الأخذ


هذا المصنف بناه على أنّ المِلْكَ يثبتُ مِن حين الموت ولو تأخر القبول، هذه المسألة مهمة جدًا، هذه المسألة مِن القواعد المهمة فأريد أنْ تنتبه لها، عندنا قاعدة، الموصَى له والوارث؛ متى يثبت ملكه؟ الآن هذا الميت إذا مات انتقل مِلْكُ مالِه منه إلى مورِّثِه وإلى الموصَى له، بالنسبة للمورث يملك هذا المال مِن حين الموت، ولكنه لا يستقرُّ المِلْكُ إلّا بعد القسمة، بعد قسمة المال، لماذا فرّقنا بين الملك واستقرار الملك؟ مَن يتذكر؟ ما الذي يترتب على التفريق بين الملك واستقرار الملك؟ وجوب الزكاة، وبناءً على ذلك فلو أنّ المالَ للميت لم يقسم عشر سنين؛ الزكاة واجبة على الميت أم واجبة على الورثة؟ ما رأيكم؟ على الميت! هل الميت يملك المال؟ لا، المال ملك للورثة، هل الورثة استقرَّ ملكُهم؟ نحن اشترطنا الملك واستقرار الملك، فلا زكاة فيه إلّا أنْ يكونوا متعمدين مع قدرتهم على القسمة تهربًا مِن الزكاة؛ فيجب عليهم لأنّ هذا مِن باب الحيلة، طيب بالنسبة للموصَى له؛ متى يملك الوصية؟ هل يملكها مِن حين الوفاة أم يملكها مِن حين القبول؟ هذا الكلام الذي أورده المصنف ذكر الشيخ علاء الدين المرداوي أنّ هذا مبنيٌّ على أصل وهو أنّ المِلْك يثبتُ مِن حين الموت ولو تأخر القبول، شهر و شهرين وسَنَة، فالعبرة بالملك مِن حين الموت، هذا مبنيٌّ على هذه القاعدة، قال: ولكنّ المذهب أنّ المِلْك إنما يثبت مِن حين القبول، لأنه بمثابة الهبة والهبة لا يثبت فيها المِلْك إلّا بالقبول، لأنها إيجاب وقبول، وتلزم بالقبض، والقبض ليس شرطًا لاستقرار الملك؛ وإنما تجب الزكاة وإنْ لم تقبض.

إذن وضحت المسألة؟ فرّق بين الوارث وبين الموصَى له، الوارث يملك مِن حين الوفاة - على المشهور -، وأما الموصَى له لا يملك - على المشهور - إلّا مِن حين القبول، وأما على حسب القول الذي بنى عليه المصنف هنا - كما قال المرداوي - فيملكه كالوارث مِن حين الوفاة.

الخامس: أنّ كونه وارث يعتبر حالة الموت فيهما، فلو أعطى أخاه أو وصّى له ولا ولد له فوُلِدَ له ابنٌ صحتِ العطيةُ والوصية، ولو كان له ابنٌ فمات بطلتْ


نعم هذه مبنية على الكلام الذي ذكرناه قبل قليل أنّ العبرة بوقت الوفاة، لأننا قلنا: إنّ حكمَه حكمُ الوصية، هذه واضحة، وقد ضرب عليها مثالًا الشيخ وهي واضحة لا تحتاج لشرح.

السادس: أنه لا يُعتبر رَدُّ الورثة وإجازتهم إلّا بعد الموت فيهما


نعم نفس الشيء مبني على المثال الذي قبله قليل

السادس: أنه لا يُعتبر ردُّ الورثة وإجازتهم إلّا بعد الموت لأنّ حكمَه حكمُ الوصية، فحينئذ لا عبرة لكلامهم قبل ذلك.

وتفارق العطيةُ الوصيةَ في أحكام أربعة:


هذه هي الفروقات التي ذكرتها لك في أول الدرس.

أحدها: أنّ العطيةَ تنفذ مِن حينها، فلو أعتق عبدًا أو أعطاه إنسانًا؛ صار المُعْتَقُ حرًا، وملكه المُعْطَى، وكسْبُه له، ولو وصى به أو دبّره لم يعتق ولم يملكه الموصى له إلّا بعد الموت، وما كسب أو حدث فيه مِن نماء منفصل فهو للورثة.


نعم هذه واضحة جدًا؛ أنّ العطية تنفذ مِن حينها ولكنها تكون معلقة في قضية النفوذ كما مرّ قبل قليل.

الثاني: أنّ العطية يُعتبرُ قبولُها وردُّها حين وجودها كعطية الصحيح، والوصية لا يُعتبرُ قبولُها ولا ردُّها إلّا بعد موت الموصي.

الثالث: أنها تقع لازمةً لا يملك المعطي الرجوعَ فيها، والوصية له الرجوعُ فيها متى شاء.


طبعًا بعد القبض

الرابع: أنْ يُبدأ بالأول فالأول منها إذا ضاق الثلث عن جميعها، والوصية يُسَوَّى بين الأول منها والآخر، ويدخل النقصُ على كل واحد بقدر وصيته - سواء كان فيها عتق أو لم يكن -، وكذلك الحكم في العطايا إذا وقعت دفعةً واحدة.


هذا يتكلم في قضية العطايا، الأخيرة هي التي تحتاج لشرح أما الباقي كله سهل.

يقول: إنّ العطية يُبدأ بالأول فالأول لأنّ الأول متقدمٌ، فلو أعطى شخصًا ثلث ماله ثم أعطى الثاني ثلثًا؛ يقدم الأولُ على الثاني، لأنّ المال هذا انشغل بتمليكه للأول دون الثاني، بخلاف الوصايا، فلو أوصى لشخص بعد موته بثلث ماله ولشخص آخر بثلث ماله؛ أصبح لكل واحد منهما السدس فيشتركان في الثلث بينهما، لأنّ الوصايا إنما تنفذ عند الوفاة، والمتقدم بالتلفظ والمتأخر يكون حكمه فيها سواء.

قال: وكذلك الحكم في العطايا إذا وقعت دفعةً واحدة؛ فإنها تقسم، إذا ثبت أنها تكلم بهما في وقت واحد، كأنْ يقول: ثلث مالي لزيد وثلث مالي لعمرو.


(1) صحيح مسلم (1668) من حديث عمران رضي الله عنه مرفوعًا.