موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الوقف - شرح عمدة الفقه لابن قدامة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الفقه لابن قدامة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح عمدة الفقه لابن قدامة
 باب السَّبْق
 باب الوديعة وباب العارية
 كتاب الإجارة
 باب الغصب
 باب الشفعة
 كتاب الوقف
 باب الهبة
 باب عطية المريض
 كتاب الوصايا
 باب الموصَى إليه
 كتاب الفرائض
 باب الحجب وباب العصبات
 باب ذوي الرحام
 باب أصول المسائل وباب الرد
 باب تصحيح المسائل وباب المُنَاسَخَات
 باب موانع الميراث وباب مسائل شتى
 باب الولاء وباب الميراث بالولاء
 كتاب العتق/ باب العتق وباب التدبير
 باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد
 كتاب النكاح
 باب وِلاية النكاح
 باب المُحَرّمات في النكاح
 شروط الرَّضَاع المُحَرّم
 باب نكاح الكفار
 باب الشروط في النكاح
 باب العيوب التي يُفسخ بها في النكاح
 كتاب الصَّدَاق
 أسئلة
شرح عمدة الفقه لابن قدامة - كتاب الوقف

كتاب الوقف وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أنْ لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمد عبد الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.

بدأ المصنف رحمه الله بذكر أحكام الوقف، والوقف سُنّة، وقد جاء أنه ما مِن أحد مِن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم كان عنده ما يقفه إلّا وقف شيئًا مِن ماله، وبيّن المصنف معنى الوقف، قال: وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.

قول المصنف: وهو تحبيس الأصل بمعنى أنْ يحبس الأصل عن البيع وعن الإرث وعن انتقال الملك فيه، وانما يكون حكمه في حكم ملك الله جل وعلا، وهذا هو معنى قولنا: إنه تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة أي الغلة، وعُبّر بالثمرة مِن باب ذِكْرِ بعض صورها، فإنّ الثمرة قد تكون للشجرة وقد تكون كراء لعين وقد يكون غير ذلك، إذن المراد بالثمرة هو المنفعة والفائدة المتحققة مِن الأصل.

ويجوز بكل عين يجوز بيعُها، وينتفع بها دائمًا مع بقاء عينها


بدأ يتكلم المصنف رحمه الله عن شروط الوقف وذكر شرطين، فذكر الشرط الأول فقال: ويجوز في كل عين يجوز بيعها، هذا هو الشرط الأول، أنه يجب أنْ تكون العين مما يجوز بيعُه، ومعنى ذلك أنّ كل ما لا يجوز بيعُه إما لحرمة عينه أو لكونه ليس متقومًا أو لكون المنفعة التي فيه لا تجوز إلّا لضرورة؛ فإنه لا يجوز وقفه، قال: وينتفع بها دائمًا مع بقائها.

الشرط الثاني: أنه لابُدّ أنْ تكون العين الموقوفة مما يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وسيورد المصنف بعد قليل أمثلة لِمَا لا يُنتفع به مع بقاء عينه.

ولا يصح في غير ذلك مِن الاثمان والمطعومات كالرياحين


قال: ولا يصح في غير ذلك، أي في غير ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، قال: مثل الأثمان، والمراد بالأثمان هي النقود مِن الذهب والفضة، والأصل في الذهب والفضة عمومًا سواء كانت مسكوكة أو غير مسكوكة عدم جواز وقفها، ولذلك فإنّ المشهور عند فقهائنا أنه لا يجوز وقف النقود، ولا يستثنى مِن الأثمان إلّا صورة واحدة وهو وقف الحلي لأجل اللبس، لأنّ وقف الحلي لأجل اللبس فيه منفعة متحققة مع بقاء عينها، وما عدا ذلك فإنه لا يمكن أنْ يُنتفع بالنقد إلّا ببذل العين بالشراء ونحوه.

قال: والمطعومات، أي فكل المطعومات لا توقف، لأنّ المنفعة فيها بأكلها.

قال: والرياحين، لأنّ الرياحين منفعتها بشمها.

ولا يصح إلّا على بِرّ أو معروف


هذا هو الشرط الثالث مِن شروط الوقف وهو متعلق بالموقوف عليه، الشرطان السابقان متعلقان بالعين الموقوفة، وهذا الشرط الثالث متعلق بالموقوف عليه.

قال: ولا يصح إلّا على بِرّ أو معروف، تعبير المصنف رحمه الله تعالى بكونه على بِرّ أو معروف هو احتمالان، إما أنْ يكون مِن باب المغايرة؛ فيكون البِرُّ بمعنى مخالف للمعروف، وإما أنْ يكون مِن باب التأكيد؛ فيكون معنى المعروف هو معنى البِرّ، فعلى القول بالمغايرة فإنّ البِرّ هو كل ما كان فيه إحسان للغير وإنْ لم يُرْجَ فيه أجر، وأما المعروف فهو ما كان فيه أجر، وبناءً على ذلك فإنّ كل وقف يكون على جهة محرمة لا يصح.

مثل ما روي عن عمر؛ أنه قال: يا رسول الله إني أصبت مالًا بخيبر، لم أُصِبْ مالًا قط هو أنفسُ عندي منه، فما تأمرني فيه قال: «إنْ شئتَ حَبَّسْتَ أصلَها وتصدقت بها غير أنها لا يُباع أصلُها ولا يُوهب ولا يُورث»(1)، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على مَن وَلِيَها أنْ يأكلَ منها بالمعروف ويطعم صديقًا غير متمول فيه


هذا حديث ابن عمر رضي الله عنه - وقد مرّ معنا أنّ المصنف رحمه الله تعالى كان يورد في كل باب أصح الأحاديث التي عليها الاعتماد في هذا الباب -، وحديث ابن عمر رضي الله عنه في هذا الباب هو مِن أصول باب الوقف، وهو العمدة فيه.

ويصح الوقف بالقول والفعل الدّال عليه


بدأ يتكلم المصنف عن ما يصح الوقف به فقال: ويصح الوقف بالقول والفعل، الواو هنا للمغايرة، ليست لمطلق الجمع، وبناءً على ذلك فإنه ينعقد الوقفُ بالقول بأنْ يقول: حبّست ووقفتُ وأبَّدْتُ وغير ذلك مِن صيغ الوقف.

قال: وبالفعل الدال عليه، أي وينعقد الوقف بمجرد الفعل بشرط أنْ يكون دالًا عليه، ومعنى قولنا: إنه دال عليه أي عرفًا، وسيضرب المصنف أمثلةً بعد قليل.

مثل أنْ يبني مسجدًا ويأذن للصلاة فيه أو سقاية ويُشَرِّعَها للناس


قال المصنف: مثل أنْ يبني مسجدًا ويأذن للناس بالصلاة فيه، مِن الوقف بالفعل عند الفقهاء وقفُ المسجد، ومِن شرط الوقف للمسجد بالفعل ما ذكره المصنف مِن قيدين: أنْ يبني بناءً للمسجد، والأمر الثاني: أنْ يأذن للناس بالصلاة فيه، إذن لابُدّ من هذين القيدين، وهذا هو المشهور في المذهب أنّ وقف المسجد لا يتحقق إلّا بهذين الأمرين: البناء والإذن، لأنّ بعض الفقهاء قالوا: إنّ بناء المسجد أو بناء المقرّ أو العقار على هيئة مسجد يكون وقفًا وإنْ لم يأذن، لأنه يعتبر مجرد البناء دالّ على الوقفية، ولكن الذي مشى عليه المصنف وعليه أكثر المتأخرين أنه لابُدّ مِن البناء وأنْ يأذن، فيكون مجموع الأمرين.

قال: أو سقاية ويُشَرِّعَها للناس، يعني يبني سقاية للناس يسقون منها دوابهم ويشربون منها، ويُشَرِّعَها أي يجعلها مفتوحة للناس، كل مَن شاء أنْ يسقي منها سقى.

ولا يجوز بيعه إلّا أنْ تتعطل منافعُه بالكلية


يقول: إنّ الوقف لا يجوز بيعه، وذلك لأنّ الوقف عقد لازم فلا يجوز الرجوع فيه ولو احتاج المرء إلى هذا المال، وعندما قلنا: ولو احتاج إلى هذا المال إشارة للخلاف في هذه المسألة، فإنّ القول الثاني في المذهب أنه إذا افتقر الموقِفُ جاز له الرجوع في وقفه، ولكن الذي عليه الفقهاء – وهم جماهير أهل العلم - أنه لا يجوز الرجوع بالوقف، لأنه يكون محبّسًا فيكون في حكم ملك الله جل وعلا، وإلّا فإنّ الأصل أننا كلنا في ملك الله جل وعلا.

قال: ولا يجوز بيعه، وذلك لأنه عقدٌ لازم.

قال: إلّا أن تتعطل منافعُه بالكلية، هذه عندنا فيها ثلاثة مسائل:

المسألة الأولى: قوله: "إلّا" يدلنا على أنه يجوز بيع الوقف وإبداله وتبديله، وهذه المسألة هي التي تسمى بالمناقلة – مناقلة الأوقاف -، وقد ألّف فيها ابن قاضي الجبل مع جمال الدين المرداوي رسالتين مطبوعتين في مسألة المناقلة؛ ومتى تتحقق المناقلة، وبعض الفقهاء كان يتوسع بالمناقلة حتى أنّ بعض القضاة نُهيَ عن أنْ يُفتيَ بمذهب أحمد في المناقلة، لأنّ أوسع مذهب في قضية بيع الأوقاف هم الحنابلة، لكن لهم قيدان سنذكرهما بعد قليل.

إذن قوله: "إلّا" أي فيجوز بيعُها إذا وجد هذان القيدان، القيد الأول قال: إلّا أن تتعطل منافعُه، هذا القيد الأول، فلابُدّ أنْ تتعطل منافع العين الموقوفة، والمراد بالمنافع أي المنافع المقصودة بالوقف، ليس مطلق المنافع، ربما لم توجد ولا يوجد شيء، متعطلة جميع المنافع، وإنما تتعطل المنافع المقصودة بالوقف، مثال ذلك: عندما يوقف رجل مسجدًا للصلاة - الأصل أنّ المسجد موقوف للصلاة - فإذا بُني بجانب هذا المسجد مسجدٌ آخر وأصبح الناس يصلون في المسجد الثاني أو هجر أهل البلدة هذا المسجد؛ فلم يصلِّ فيه أحدٌ؛ فإنه حينئذٍ تعطلت منافعه المقصودة بالوقف وهو الصلاة، لربما استُفيد منه بجُعْله مكانًا لتحفيظ القرآن مدرسةً، ولربما كان اجتماعًا لأهل الحي، فيه منفعة، لكن المنفعة المقصودة هي التي تعطلت، إذن القيد الأول الذي يُبيح بيعَ الوقف أنه لابُدّ أنْ تتعطل منافعُه المقصودة بالوقف، لابُدّ مِن هذا القيد.

القيد الثاني: قول المصنف: بالكلية، وذلك أنّ المعتمد عند الفقهاء أنه لابُدّ أنْ تتعطل جميعُ المنافع، وأشار المصنف في المغني إلى خلاف فقال: أو يتعطل أكثر منافعه، يعني لا يلزم أنْ يتعطل بالكلية! وإنما الأكثر، ولكن المعتمد - كما ذكره المصنف هنا وهو الذي اعتمده المتأخرون - أنه لابُدّ أنْ يتعطل بالكلية، فلو أنّ مسجدًا مثلًا بقي يصلي به اثنان أو ثلاثة بمعنى أنه تنعقد فيه الجماعة؛ فحينئذٍ نقول: لم تتعطل منفعته؛ فلا يجوز المناقلة فيه لا بإبدال ولا باستبدال، لأنه لم تتعطل كامل منفعته، لكن لو تعطل أكثرها - على القول الثاني - ما بقي إلّا اثنان؛ فيجوز نقله إلى مكان آخر يكون فيه عدد أكبر وهكذا.

الصور في قضية تعطل المنفعة كثيرة جدًا، حتى قال بعض العلماء أنه يجوز إبدال الوقف في المسجد إذا كان المسجد قد ضاق بأهله، انظر معي مسألة "ضاق بأهله" يجب أنْ نعرف كيف يكون ضاق بأهله؟ ليس المقصود بالوقف عندما نقول: "المسجد" المقصود به الأرض فقط! بل إنّ الأرضَ وقفٌ أوقفها ربما زيد مِن الناس، والبناء وقفٌ أوقف البناء عمرٌو مِن الناس، فلا يجوز هدم وقف عمرٍو إلّا إذا تعطلت المنافع، بعض الناس يتساهل في هدم المساجد وبنائها، وهذا لا يجوز، حرام، لا يجوز هدم المساجد وبناؤها! يعني هدمها ثم تبنى مِن غير حاجة! لأنه إبطال لوقف الواقفين إلّا إذا تعطلتِ المنافع - إما بالكلية أو بالأغلب -، هذا يجب أنْ ننتبه له، بعض الناس يكون عنده مال فيأتي لمسجد حاله مستقيمة والناس يصلون فيه ولا ضرر عليهم مِن بنائه ولا ضيق؛ ثم يهدم المسجد ويبنيه مرة أخرى! فنقول: هذا حرام، لأنّ هذا مِن المناقلة في الوقف؛ وهذا لا يجوز.

مِن صور تعطل أكثرِ المنفعة قالوا: إذا ضاق بأهله جاز هدمه وتوسعته، إذن هذه مسألة تتعلق بالمنفعة، لمّا كان الناس لا ينتفعون بالمسجد وإنما أصبحوا يصلون خارجه! جازت توسعتُه حينذاك، وهذه مسألة يجب أنْ ننتبه لها ونبيّن لغيرنا خطورة هذ المسألة وقضية عدم التساهل في المناقلة في الأوقاف، لا بإبدال ولا بتبديل ولا بإبطال وإقامة وقف آخر مكانه، حتى قلت لكم أنهم كانوا يشددون على الحنابلة بالذات كما كان قاضي القضاة ابن السبكي؛ فكان ابن السبكي يوصي القاضي الحنبلي أنْ لا يتوسع بالمناقلة، بل بعضهم يبطل عمل القاضي الحنبلي في المناقلة.

فيُباع ويشترى به ما يقوم مقامَه


فيُباع ويشترى به ما يقوم مقامَه، طيب إذا نُقِلَ هذا الوقف - إما بقعة أو عينًا - فإنه يُباع؛ ويشترى ما يقوم مقامَه بما فيه المنفعة المتحققة، فإنْ كانت المبادلة بين الوقف الأول والثاني فيسمى إبدالًا، وإنْ كان بيع بنقد ثم يشترى بالنقد وقفًا ثاني فيسمى استبدالًا، هذه المناقلة للوقف إبدالًا أو استبدالًا لابُدّ أنْ تكون فيما اشترطه المُوقِف الأول، فلو جعلها في مسجد لا تنقل إلى أمر آخر بل يجب أنْ تبقى فيه، وإنْ جعلها للمرضى فيجب أنْ تبقى لشرطه، ولا يُتَعدى شرطُه الذي اشترطه، وهذه مسألة مهمة يجب أنْ نقف عندها.

المسألة الثالثة عندنا: أنّ المُوقِفَ إذا اشترط شرطًا وقال: لا يُباع هذا الوقف ولا يهدم هذا البناء ولو تعطلت المنفعة أو أكثرها؛ فهل يُعمل بشرطه بعدم المناقلة أم لا؟ المذهب يقول: لا، لا يُعمل بشرطه، لأنّ هذا الشرط يخالف مقتضى العقد فإنّ عقد الوقف يجوز المناقلة فيه إذا تعطلت المنفعة بالكلية أو أغلبها على القول الثاني، والصحيح أنه لابُدّ أنْ تتعطل بالكلية.

والفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بِيع واشتُري به ما يصلح للجهاد


قبل أنْ ننتقل إلى هذه المسألة عندنا مسائل الأوقاف، القاعدة التي ذكرتُ لكم قبل قليل قضية الواقف الأول والثاني هذه مسألة مهمة جدًا، ولذلك يقول العلماء: إنّ المسجد إذا بُني وانتهى بعد البناء – وإنْ كانت البقعة المخصصة أكبر منه - فلا يجوز أنْ يُهدم ويُبنى في جزء منه ما ليس بمسجد يُصلى فيه، ما يجوز، بعض الناس قد يهدم المسجد ويجعل له مرافقًا بعد ذلك كمرافق لمدارس أو يجعل فيه أجزاء، بعد البناء الأول لا يجوز، لكن لو كانت المدارس موجودة قبل البناء الأول أو مع البناء الأول فحينئذٍ يجوز، مسألة الأوقاف مسألة دقيقة ويجب على المرء أنْ يتقيَ الله عزّ وجلّ فيها، ولْيعلم أنّ قضية الاحتياط فيها مِن الواجب، ليست مِن باب المندوب، وإنما مِن الواجب.

قال الشيخ: والفرس الحبيس، أي المحبوس، إذا لم يصلح للغزو بِيع واشتُري به ما يصلح للغزو والجهاد، لأنه تعطلت منفعته المقصودة، وهو الغزو بالكرّ والفرّ، وإنْ كان قد ينتفع به بالحمل، قد ينتفع به بالولادة، بحمل المتاع، لكنّ المقصود به في أصل إنما هو للغزو، وهذا تمثيل مِن المصنف إذا تعطلت منفعتُه المقصودة بالوقف.

والمسجد إذا لم يُنتفع به في مكانه بِيْعَ ونُقِل إلى مكان ينتفع به


قال: والمسجد إذا لم يُنتفع به في مكانه بأنْ تعطل بالكلية ولم يصل به أحد أو - على المشهور بالمذهب - إذا ضاق بالناس فلم يُنتفع به انتفاعًا كليًا؛ بأنْ يكون جامعًا لجميع الناس لكي يصدق عليهم أنهم صلوا بالمسجد وأنهم حضروا الجماعة بِيْعَ ونُقِلَ إلى مكان ينتفع به، هذا يسمى المناقلة، إذن قوله: ونُقِلَ أي نُقِلَ إلى مكان آخر - إبدالًا أو استبدالًا -.

ويُرجع في الوقف ومصرفه وشروطه وترتيبه وإدخال مَن شاء بصفة وإخراجه بها وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه إلى شرط الواقف


هذه المسألة التي يقول الفقهاء عنها: إنّ شرْطَ الواقفِ كلفظ الشارع، أي مِن حيث لزوم العمل به، فقال: فيُرجع في الوقف؛ في الموقوف ما هو؟ ومصرفه؛ ما الذي يُصرف إليه مِن جهة البِرّ والمعروف؛ وشروطه أي وشروط الواقف؛ وترتيبه أي ترتيب الموقوف عليه؛ شروط الموقوف عليه، وترتيبه أي بأنْ يكون مستحقًا مثلًا بطنًا بعد بطن، يرجع إلى لفظ الواقف، ولذلك مسألة الأوقاف كان أهل العلم لمّا كثرت الأوقاف وخاصة بعد القرن الخامس الهجري كان بعض أهل العلم قبل أنْ يليَ وقفًا - إما أنْ يكون ناظرًا وإما أنْ يكون مستحِقًا - لابُدّ أنْ يقرأ شرط الواقف، وكان بعض أهل العلم لمّا دخل في مدرسةٍ وكان فيها غلة للمدرس فيها؛ نظر في شرط الواقف فوجد أنه لابُدّ أنْ المدرس متقيًا؛ فأبى أنْ يأخذ مِن مال الوقف شيئًا، قال: لأني لا أرى نفسي قد وافقتُ الواقف في هذا الشرط، وقد قيل: إن دار الحديث في دمشق اشترط موقِفُها أنْ لا يُدَّرسَ فيها إلّا أعلمُ أهل الشام بالحديث، قال الشيخ تقي الدين: ولم يَصْدُق هذا الشرط إلّا على اثنين مِن مدرسيها وهما أبو عمرو ابن الصلاح وأبو الحجاج المزّي صاحب تهذيب الكمال؛ فإنهما كانا أعلم أهل دمشق بعلم الحديث.

إذن مسألة شرط الواقف هذه مسألة مهمة جدًا، ولذلك مَن وَلِيَ وقفًا ناظرًا أو استحقَّ شيئًا مِن الأوقاف لابُدّ أنْ يتأكد وينظر في شرط الوقف وهل هو مِن أهله أم لا.

قال: وترتيبه، أي ترتيب مصرفه، كأن يُرتب بـ "ثم" ونحو ذلك،  ونحوها.

قال: وإدخال مَن شاء بصفةٍ، كأن يقول مثلًا: يدخل بوصف أو يخرج بوصف معين، كأن يقول: إنْ كان كذا - كما ذكرتُ لكم قبل قليل: إنْ يكون متقيًا، إنْ كان فقيهًا؛ إنْ كان مُحَدِّثًا -، والفقهاء رحمة الله عليهم الكلام على الشروط والترتيب والإدخال بالصفة تكلموا عن ألوف المسائل، لا أقول عن عدد قليل مِن المسائل، وإنما تكلموا عن ألوف المسائل، ومازالت الألفاظ تتولد، ومِن النُّكَتِ - ولن أذكر كثيرًا إلّا مسألة واحدة - ذكر القاضي حسين المروزي مِن كبار فقهاء الشافعية في فتاويه وقد طبعت مؤخرًا أنه سُئِلَ عن رجل أوقف وقفًا، واشترط أنْ يكون الوقف على الفقهاء؛ فهل يدخل مِن هؤلاء الفقهاء الظاهريةُ أم لا؟ بناءً على هل الظاهرية مِن الفقهاء أم ليسوا بفقهاء؟ لأنهم يعتمدون على ظواهر النصوص! فذكر كلامًا طويلًا يراجع في كتاب الفتاوى.

قال: أو إدخال مَن شاء بصفةٍ، إي ادخاله باعتبار وصف يدخله في المستحقين، أو إخراجه بها، أو بإخراجه مِن كذا، كأن يقول: إنْ كان كذا؛ فاستحق، وإنْ لم يكن كذا؛ فليس بمستحق، هذا يُرجع فيه إلى لفظ الواقف.

وكذا الناظر فيه والنفقة عليه، أي يرجع للناظر تحديده إلى لفظ الواقف والنفقة عليه باعتبار شرط الواقف.

فلو وقف على ولد فلان ثم على المساكين كان الذكر والأنثى بالسوية


هذه المسألة تتعلق بالوقف، فلو قال: وقفتُ على ولدي فلان ثم على المساكين، يعني وقفتُ على أبناء أبي أو على أبنائي أو على أبناء زوجتي وهكذا، فقوله: على ولد فيشمل الذكر والأنثى، لأنّ الولد يشمل الذكر والأنثى سواء، ويكون نصيب الذكر والأنثى سواء، لأنهم مشتركون شراكة وليس كقسمة الميراث! ولو كان قد أوقف على أبنائه؛ فإنهم يشتركون في الاستحقاق، ولهذا قال: كان الذكر والأنثى بالسوية أي في الاستحقاق.

إلّا أنْ يُفَضِّلَ بعضهم على بعض


قال: إلّا أنْ يُفَضِّلَ بعضهم على بعض، مثال تفضيل بعضهم على بعض كأنْ يقول: هذا الوقف ريعه لأبنائي ثم لأبناء الأبناء دون أبناء البنات، لأبناء الصلب دون أبناء البطن، فهذا مِن باب تفضيل بعض ولد الولد على بعض، ومِن صور تفضيل بعض الولد على بعض كأن يقول: وقفتُ هذا الوقف على أبنائي الذكور دون الإناث أو العكس، يوجد في المحاكم مَن يوقف على بناته – وهو كثير عندنا – مَن يوقف على البنات دون الأولاد، وبعضُهم يوقف على الأولاد دون البنات، وجماهير أهل الهلم على جواز الإيقاف على الأولاد دون البنات أو العكس، وأفتى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبعضُ أبنائه بأنه لا يجوز ويسمونه بوقف الجَنَف، ولكنّ العمل على قول فقهاء المذهب الأربعة أنه يجوز الوقف الأهلي، أي على بعض الأبناء دون بعضهم.

فإذا لم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين


فإذا لم يبق مِن الطبقة الأولى مَن يصدق عليه أنه مِن ولد فلان أو مِن ولد ولده أو مِن ولد بنته، كلمة ولد يشمل الولد والبنت سواء إلّا أنْ ينصَّ على أنه لا يدخل فيه أبناء البطون؛ فإنه يُرجع إلى المساكين، لأنه نصّ عليه؛ فلا يكون لا منقطع الابتداء ولا الانتهاء.

وإنْ كان الوقف على مَن يمكن حصرُهم لزم استيعابهم به والتسوية بينهم


قال: إذا كان الوقف على مَن يمكن حصرُهم، كأن يقول: على أهل سكان هذا الحي أو على المنتسبين لهذه المدرسة أو الجامعة؛ فإنه يجب استيعابهم به، أي يُعطوا جميعًا، وأنْ يُسوى بينهم، يعطوا بالسوية، لا فرْق بين ذكر وأنثى ولا صغير ولا كبير.

قال: إذا لم يُفضل بعضهم هو بشرطه، وهذه واضحة.

وإنْ لم يمكن حصرُهم جاز تفضيلُ بعضهم على بعض وتخصيص واحد منهم


قال: وإنْ لم يمكن حصرُهم، كأنْ يقول: وقفتُ هذا على أهل هذه القرية - وهي قرية كبيرة جدًا - أو يقول: وقفتُه على قبيلة معينة، كأنْ يقول وقفتُه على بني تغلب، فحينئذٍ نقول: هؤلاء لا يمكن حصرُهم فيجوز تفضيلُ بعضهم على بعض، لأنّ الأمر إذا ضاق اتسع، فلا يمكن اعطاءُ كل شخص ينتسب لهم! فيجوز تفضيل بعضهم على بعض وتخصيص واحد منهم به، لأنه يصْدُق عليه أنه أعطى هؤلاء الموقوف عليهم.


(1) صحيح البخاري (2737) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا.