موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب الشفعة - شرح عمدة الفقه لابن قدامة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الفقه لابن قدامة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح عمدة الفقه لابن قدامة
 باب السَّبْق
 باب الوديعة وباب العارية
 كتاب الإجارة
 باب الغصب
 باب الشفعة
 كتاب الوقف
 باب الهبة
 باب عطية المريض
 كتاب الوصايا
 باب الموصَى إليه
 كتاب الفرائض
 باب الحجب وباب العصبات
 باب ذوي الرحام
 باب أصول المسائل وباب الرد
 باب تصحيح المسائل وباب المُنَاسَخَات
 باب موانع الميراث وباب مسائل شتى
 باب الولاء وباب الميراث بالولاء
 كتاب العتق/ باب العتق وباب التدبير
 باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد
 كتاب النكاح
 باب وِلاية النكاح
 باب المُحَرّمات في النكاح
 شروط الرَّضَاع المُحَرّم
 باب نكاح الكفار
 باب الشروط في النكاح
 باب العيوب التي يُفسخ بها في النكاح
 كتاب الصَّدَاق
 أسئلة
شرح عمدة الفقه لابن قدامة - باب الشفعة

باب الشفعة


بدأ المصنف يتكلم عن الشفعة، وسيُعرّفها بعد قليل.

وهي استحقاق الإنسان انتزاع حصص شريكه مِن يد مشتريها


بدأ يتكلم عن الشفعة، وهي استحقاق، يستحق المرء به هذا الحق إنْ شاء أخذه وإنْ شاء تركه، انتزاع حصة شريكه مِن يد مشتريها، وهو الذي انتقلت إليه بعوض مالي بالثمن الذي استقر عليه العقد كما سيأتي.

ولا تجب إلّا بشروط سبعة:


نعم هذه الشروط السبعة لابُدّ مِن وجودها وإلّا فلا تثبت الشفعة، لأنها على خلاف القياس، وما كان على خلاف القياس فإننا نورده مورد النص ولا نزيد عليه.

أحدها: البيع، فلا تجب في موهوب ولا موقوف ولا عوض خلع ولا صداق


قال: أول شيء لابُدّ أنْ يكون انتقال الملك للمالك الثاني بسبب معاوضة محضة، أي أنّ كل شفعة يكون عوضه مِن غير المال - وهي المعاوضة غير المحضة - فإنه لا شفعة، فيه فلو أنّ شريكًا مَلَّكَ نصيبَه لامرأة مهرًا أو أنّ امرأة مَلَّكَت نصيبها في شقص عوض خلع؛ فإنه حينئذ لا يكون فيه شفعة للشريك، وكذلك في الهبة والموروث والموقوف لا تكون فيه شفعة، فلابُدّ أنْ يكون بذلَه في مقابل مال.

الثاني: أنْ يكون عقارًا أو ما يتصل به مِن البناء والغراس


 لابُدّ أنْ يكون عقارًا أو ما يتصل به – أي معه - مِن الغراس والبناء، وأما الغراس وحده والثمرة وحدها فإنه لا شفعة فيها، بل لابُدّ أنْ يكون عقارًا.

الثالث: أنْ يكون شقصًا مشاعًا، فأما المقسوم المحدود فلا شفعة لقول جابر: "قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل ما لم يقسم؛ فإذا وقعتِ الحدود وصرفت الطرق؛ فلا شفعة"(1).


قال: الشرط الثالث: أنه لابُدّ أنْ يكون الملك مشاعًا، أي غير معروف، ليس مقسومًا ولا محدد.

قال: فأما المقسوم والمحدد فلا شفعة فيه، اثنان شركاء في عقار، أحدهما يملك الجزء الشمال والثاني الجنوبي هذا لا شفعة فيه، فلابُدّ أنْ يكون الملك مشاعًا لأحدهم، الربع والثاني ثلاثة أرباع، هذا مشاع، أما الربع لم يحدد بعد، فحينئذٍ نقول: هو الذي فيه الشفعة وإلّا فلا لأنّ الضرر فيه أكبر، قال لقول جابر قال: "قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعتِ الحدود وصُرِّفَتِ الطرق؛ فلا شفعة"(2) وأما ما جاء أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم "قضى بالشفعة والجوار"(3)؛ فإنّ المراد بالجوار هو مطلق المشاركة كما قال الأعشى: "أجارتني(4) فإنك طالق" والمراد بالجار هي الزوجة لأنه مخالط لها ومشارك لها.

الرابع: أنْ يكون مما ينقسم، فأما ما لا ينقسم فلا شفعة فيه


ما لا ينقسم لا شفعة فيه لأنّ قسمته تكون قسمة إجبار للبيع، والضرر فيه غير متمحض، وذلك مثل حجر الرحى الكبير فلا تكون فيه الشفعة حينئذ.

الخامس: أنْ يأخذ الشقص كله؛ فإنْ طلب بعضه سقطت شفعتُه، ولو كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدْر سهامهما


يقول: إنّ الشخص إذا كان شريكًا لغيره في عقار، وباع الشريك جزأه؛ فيجب أنْ يطالب الشفيع بكل الجزء الذي باعه كاملًا، فلو طلب نصفه دون النصف الآخر؛ فإنه لا يصح ويسقط حقه.

قال: ولو كان له شفيعان، يعني ثلاثة شركاء في أرض؛ فباع أحدهما، قال: فالشفعة بينها، يعني للشريكين الباقيين على قدْر سهامهما بالنسبة والتناسب.

قال: وإنْ ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر إلّا أخذُ الكل أو الترك، لأنّ عندهم أنّ الشفعة لا تتبعض، هذه قاعدة: هناك أشياء تتبعض وهناك أشياء لا تتبعض، مما لا يتبعض الشفعة.

السادس: إمكان أداء الثمن


قال: مِن شروط الشفعة أنْ يؤدي الثمن ولا يُنظر إلّا الإنظار اليسير ولا ينظر الإنظار الطويل!

فإنْ عجز عنه أو عن بعضه سقطت شفعته


قال: فإنْ عجز عنه، أي الثمن، أو عن بعضه أي عن بعض الثمن، سقطت أو بطلت شفعته، يعني بطلت بالكلية، فلا حق له بالشفعة، وإنما يُنظر قليلًا ثلاثًا، وقيل يومًا وهكذا بما جرت به العادة في سداد الثمن.

وإذا كان الثمن مثليًا فعليه مثله، وإنْ لم يكن مثليًا فعليه قيمته.


هذه مثل ما سبق معنا أنه يدفع مثل المثلي وقيمة القيمي، يعني مثل ماذا؟ رجلان عندهما أرض؛ فباع أحد الشريكين أرضه في مقابل سيارة فلان، أو باع أرضه في مقابل أرض فلان أخرى البعيدة، فحينئذٍ الشفيع يرد القيمة، أي قيمة الأرض أو السيارة التي قُوِّمَ بها هذا الشقص.

وإنْ اختلفا في قدْره ولا بينة لهما؛ فالقول قول المشتري مع يمينه


قوله: وإن اختلفا في قدره، أي في قدر الثمن، كم قدره؟ ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينه، طبعًا قدْر الثمن قد يكون بمقدار العدد وقد يكون في الصفة إذا كان مِن الأمور القيمية.

السابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، فإنّ أخّرها بطلتْ شفعتُه إلّا أنْ يكون عاجزًا عنها لغَيبة أو حبْس أو مرض أو صِغَر؛ فيكون على شفعته متى قَدِر عليها، إلّا أنه إنْ أمكنه الإشهادُ على الطلب بها فلم يشهد؛ بطلت شفعتُه


هذا الكلام الذي ذكره المصنف يتعلق بمسألة - وهو الشرط السابع - وهو أنه يجب أنْ تكون المطالبة بها على الفور، ويروون بذلك حديثًا عند ابن ماجة أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الشفعة كحَلّ عِقَال»(5)، يعني يجب أنْ تكون بسرعة، قالوا: ولأنها على خلاف القياس؛ فيجب أنْ لا ينفى الضرر بالتأخر، ولو جعلنا الشفعة له وقت ما يشاء لكان لكل شريك الحق بإبطال البيع الأول ولو بعد عشر سنين! فلما كان الضرر على الشفيع؛ فيجب أنْ يقدر بقدره، وأما المشتري فلو أطلقنا هذا سيكون الضرر عليه مستمرًا؛ فيجب مراعاة الضرر مِن الطرفين، إذن عرفنا المسألة وعرفنا دليلها مِن النص ومِن حيث المعنى.

انظر هذه المطالبة يقول الشيخ: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، أي مِن شرطها أنْ يطالب بها، أي يطالب بالشفعة، يقول: أنا شفيع، ومعنى المطالبة أي أنْ يطالب بها أمام الخصم، يجب أنْ يطالب بها أمام الخصم - وهو المشتري(6) - ساعة يعلم مِن حين يعلم ولو تأخر علمُه، قال أهل العلم: فلو علم بها نهارًا وأخّرها ليلًا سقط حقُّه إلّا لحاجة الإنسان كقضاء حاجة وصلاة ونحو ذلك؛ فإنه لا يسقط حقُّه إنْ تأخر لأجل هذا.

قبل أنْ نتكلم عن كلام المصنف "فإنْ أخّرها" سأذكر لكم أربع صور، هذه الصور مِن كلام المصنف، ولكني أحب أنْ أقسمها ابتداءً لكي نفهم كلام المصنف بشكل دقيق، نقول: لنا أربع حالات مِن حيث المطالبة بها على الفور:

الحالة الأولى: أنْ يطلب الشفعة بمحضر الخصم، الخصم مَن المراد به؟ المشتري، أنْ يطالب المشتري فيقول: أنا شفيع، إذن الحالة الاولى: إذا طالب بالشفعة بمحضر الخصم - وهو المشتري - صحت الشفعة، وهذا ما فيه شك وهو الأصل.

الحالة الثانية: إذا طالب بالشفعة فورًا مِن حين العلم مجردة عن مواجهة الخصم؛ فظاهر ما في العمدة أنه لا يصح، لماذا؟ لأنه قال: فإنْ أخّرها بطلت شفعتُه إلّا أنْ يكون عاجزًا عنها، أي عن المطالبة في الوجه، فجعل العبرة بالوجه، إذن إذا تركَ المواجهةَ فظاهر العمدة أنه لا يصح، وظاهر المنتهى - ليس صحيح المنتهى - يوافقه كذلك، ونصّ على أنه ظاهر المنتهى صاحب الكشاف وصاحب الإنصاف، ونصّ صاحب الإقناع على أنها تصح، فالمذهب أنها تصح، خلافًا لِمَا في ظاهر العمدة، هذه الحالة الثانية، إذن الحالة الثانية أنْ يطلب الشفعة مِن غير مواجهة مع قدرته - يجب أنْ نقول مع قدرته - على الشفعة.

الحالة الثالثة: أنْ تتعذر المواجهة، بأنْ كان بعيدًا عن المشتري، فإنه يجب عليه أنْ يُشهِد؛ فإنْ أشهد وإلّا سقطت مع القدرة على الإشهاد، إذن الحالة الثالثة أنْ يتعذر عليه المواجهة، فيجب عليه الإشهاد إنْ أمكنه، فإنْ لم يُشهِد مع قدرته سقط حقُّه بالشفعة، وإنْ طالب بها وحده نقول: لا عبرة لكلامه، سقط حقه.

الحالة الرابعة: إذا تعذّرتِ المواجهة وتعذّر الإشهاد نقول: بقي حقُّه بالشفعة، وضحت الصور الأربعة؟ نأخذها مِن كلام المصنف.

يقول الشيخ: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم، أي مطالبة الخصم وهي الحالة الأولى، فإنْ أخّرها – أي المطالبة - بطلت الشفعة، مازلنا في الصورة الأولى، إلّا أنْ يكون عاجزًا عنها لغَيبة أو حبْس أو مرض أو صِغَر؛ فيكون على شفعته متى قَدر عليها، هذه الحالة الربعة، أنْ يكون عاجزًا عن المواجهة وعاجزًا عن الإشهاد، فيكون على شفعته متى قدر عليها، أي قدر على المواجهة والمطالبة حينئذٍ، قال: إلّا إنْ أمكنه الإشهاد، انظر الاستثناء هنا "إلّا إنْ أمكنه الإشهاد" يدل على الحالة الثانية والثالثة معًا، الثانية نصًا والثالثة ظاهرًا، كيف نصًّا؟ أنه إذا أمكنه الإشهاد مع عجزه عن المقابلة، قال: إلّا إنْ أمكنه الإشهاد على الطلب فلم يُشهِد بطلت شفعته، هذه هي الحالة الثالثة، مفهوم هذا الكلام أنه إذا أمكنه الإشهاد مع قدرته على المواجهة لم تصح - كما ذكرتُ لكم قبل قليل -، وقلنا: ظاهر العمدة - كما ذكر صاحب الكشاف - أنه إنْ أمكنه المواجهة وأشهد فقط فإنها لا تصح، إذن هذا الكلام الذي ذكرتُ لكم قبل قليل هو يفيد أمرين مِن حيث النظر الفقهي، الأمر الأول: أنك دائمًا تحرص على التقسيم، هذا التقسيم يوضح لك الحصر في الصور كلها، هذه الصور أربعة لا تخرج عنها في الجملة، الأمر الثاني: انتبه لمفهوم كلام أهل العلم، فانظر كيف أنّ أهل العلم أخذوا المفهوم مِن عبارة "إلّا" فأخذوا منها الصورة الرابعة.

فإنْ لم يعلم حتى تبايع ثلاثة فأكثر؛ فله مطالبة مَن شاء منهم؛ فإنْ أخذ مِن الأول رجع عليه الثاني بما أخذ منه؛ والثالث على الثاني


يقول: إذا لم يعلم بالشفعة حتى باعها الأول على الثاني والثاني على الثالث؛ فهو مخيّر إما أنْ يأخذ العين إما مِن الأول أو مِن الثاني، فإنْ أخذها مِن الأول رجع الأول على الثاني والثاني على الثالث، وإنْ أخذها مِن الثالث رجع الثالث على الثاني والثاني على الأول وهكذا.

ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء للمشتري أعطاه الشفيعُ قيمتَه إلّا أنْ يشاء المشتري قلْعَه مِن غير ضرر فيه، وإنْ كان فيه زرع أو ثمر بادٍ فهو للمشتري يبقى إلى الحصاد أو الجذاذ


بدأ يتكلم المصنف عن قضية النماء الذي يكون في هذه الأرض، النماء الذي يكون في هذه الأرض ليس كحال الغاصب، وإنما حاله كحال مَن يده يد أمانة، لأنّ تملك المشتري تملك صحيح، وبناءً على ذلك فإنّ الزرع يكون ملكًا له، وكذلك الغرس يكون له، لذلك قال: ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء للمشتري أعطاه الشفيع قيمته وجوبًا، يجب أن يعطيه قيمته لأنه بناه بطريق شرعي، قال: إلّا أنْ يشاء المشتري قلْعَه، يريد أنْ يزيل الغرس مِن غير ضرر فيه؛ فيجوز له ذلك.

قال: وإنْ كان فيه زرع أو ثمر بادٍ؛ فهو للمشتري مبقًا إلى الحصاد والجذاذ، وهذا كذلك.

وإنِ اشترى شقصًا وسيفًا في عقد واحد؛ فللشفيع أخذُ الشقص بحصته


هذه مبنية على قاعدة يتوسع بها فقهاؤنا، وهي قاعدة مِن أهم القواعد في مسألة المعاملات المالية وهي مسألة تفريق الصفقة، فإنّ فقهاءنا يقولون بتفريق الصفقة، وهم مِن أوسع المذاهب الفقهية في هذا المبدأ، وهذا المبدأ يتفرع عليه الكثير مِن الأحكام، كاجتماع عقدين أحدهما مستحَق والآخر مملوك، أو أحدهما محرم والآخر مباح فيصححوا المباح دون المحرم ونحو ذلك، فهذه مبنية على قاعدة تفريق الصفقة، فكما أنه يجوز الشفعة في العقار إذا بِيْعَ معه السيف؛ فالسيف لا شفعة فيه لأنه ليس عقارًا، فحينئذٍ نقول: يُنظر بقيمته كم قيمة السيف؟ نقول: قيمته ألف وقيمة العقار خمسون ألفًا؛ إذن له واحد مِن واحد وخمسين جزءًا، كم بِيْعَ كل المجموع؟ بيع المجموع مثلًا نقول بمئة ألف، فواحد مِن واحد وخمسين هو قيمة السيف وخمسون مِن واحد وخمسين هو قيمة العقار؛ فيصحح تملكه للسيف بجزئه.

فنكون بذلك بحمد الله عزّ وجلّ أنهينا كتاب الشفعة، نبدأ بإذن الله بعد الصلاة بذكر باب الهبة والعطية، وهي عقود التبرعات، وهي عقود سهلة بإذن الله عزّ وجلاّ، ننهيها اليوم إنْ شاء الله، وصلى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين(7).


(1) صحيح البخاري (2213) من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) سبق تخريجه.
(3) صحيح. النسائي (4705) من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح وضعيف سنن النسائي (4705).
(4) كلمة غير واضحة
(5) ضعيف جدًّا. ابن ماجه (2500) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا. الإرواء (1542).
(6) هنا استدراك للشيخ على نفسه كما سيأتي بعد قليل.
(7) هنا كلام الشيخ للطلبة بأن يستعدوا  لدروس الفرائض المقبلة.