موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب الغصب - شرح عمدة الفقه لابن قدامة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الفقه لابن قدامة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح عمدة الفقه لابن قدامة
 باب السَّبْق
 باب الوديعة وباب العارية
 كتاب الإجارة
 باب الغصب
 باب الشفعة
 كتاب الوقف
 باب الهبة
 باب عطية المريض
 كتاب الوصايا
 باب الموصَى إليه
 كتاب الفرائض
 باب الحجب وباب العصبات
 باب ذوي الرحام
 باب أصول المسائل وباب الرد
 باب تصحيح المسائل وباب المُنَاسَخَات
 باب موانع الميراث وباب مسائل شتى
 باب الولاء وباب الميراث بالولاء
 كتاب العتق/ باب العتق وباب التدبير
 باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد
 كتاب النكاح
 باب وِلاية النكاح
 باب المُحَرّمات في النكاح
 شروط الرَّضَاع المُحَرّم
 باب نكاح الكفار
 باب الشروط في النكاح
 باب العيوب التي يُفسخ بها في النكاح
 كتاب الصَّدَاق
 أسئلة
شرح عمدة الفقه لابن قدامة - باب الغصب

باب الغصب


بدأ المصنف رحمه الله تعالى بباب الغصب، وهذا الباب في الحقيقة باب دقيق، وكثير مِن الإخوان يظن أنّ هذا الباب بابٌ سهل، والحقيقة أنّ هذا الباب - وخاصة لمن عمل في القضاء - يجد أنّ هذا الباب مِن أهم الأبواب التي يلزم العناية بها، لأنّ قواعد الضمان أهم باب لها هو هذا الباب وهو باب الضمان، أهم باب تورد فيه، لأنه قد تورد أحيانًا في الضمان أعضاء الآدمي في باب الجنايات، إنْ شاء الله نكمله هذا الأسبوع بإذن الله، لكن المقصود أنّ باب الغصب باب مهم جدًا، ولابُدّ أنْ نعلم أنه ليس المراد بالغصب هو أنّ المرء يأخذ المال على وجه القوة والقهر فقط! بل الغصب له صور كثير، وقد أورد شارح المنتهى عشر صور، وفي الحقيقة أنها أكثر مِن ذلك، فكل مَن كانت يدُه يدَ ضمان فإنّ حكمَه حكمُ الغاصب – ولا نقول: مطلقًا! -.

وهو استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق


بدأ المصنف رحمه الله بتعريف الغصب فقال: هو استيلاء الإنسان، أتى بتعبير استيلاء ليدل على أنه بفعل منه وعمد استولى على هذا المال، وأما إذا كان بغير قصد ظانّ بأنه ماله فليس استيلاء.

قال: على مال غيره، عبارة على مال، يشمل مال المسلم وغيره وكذا فسرها الشيخ تقي الدين كما نُقِلَ عنه، ولكن المصنف في كتابه المقنع أتى بعبارة أخرى فقال: هو استيلاء الإنسان على حق غيره، وإنما أتى بعبارة "على حق غيره" بناءً على أنّ الفقهاء إنما يطلقون المال على المتمَوَّل، أي الذي له قيمة، فما ليس له قيمة فلا يسمونه مالًا، كخمر الذميّ مثلًا فلا يسمونه مالًا، والكلب لا يسمونه مالًا، ومع ذلك فإنّ غاصب خمر الذميّ والكلب مأمور بردهما، بخلاف جلد الميتة فإنه لا يؤمر برده لأنه نجس ولا منفعة فيه - كما تعلمون هذا مِن الروض وغيره -.

إذن التعبير بحق يشمل المتقوَّم وغيره، ولكن نقول: المصنف عندما أتى بلفظ المال شمل المال هذا مال المسلم ومال الذمي، فيكون مال المحترم - كما وجه الشيخ تقي الدين؛ وإنْ كان بعضهم اعترض على هذا التوجيه -، قال: مال غيره، يدل على أنّ هذا المال مملوك لغيره وليس مالًا مباحًا ليس لأحد! وإنما هو مال مملوك، فإنّ المال المباح الاستيلاء عليه يسمى تملكًا للمباح ولا يسمى غصبًا.

قال: بغير حقٍ، ليخرج استيلاء الإنسان على مال غيره بحق كتصرفات الحاكم مثلًا، ومثل مسألة الظفر التي يوردها الفقهاء، ومثل أخذِ المرأة مِن بيت زوجها النفقة التي جرت العادة بها؛ فإنه يجوز لإذن الشارع به.

مَن غضب شيئًا فعليه ردُّه


بدأ المصنف رحمه الله تعالى يتكلم أنّ مَن غصب شيئًا مِن غيره؛ فإنه يجب عليه أشياء، ذكر المصنف أربعة أشياء أو خمسة:

أول هذا الأمور: أنه يجب عليه أنْ يردّه، أي أنْ يردّ هذه العين المغصوبة، هذا الأمر الأول، وهذا الرد واجب - وإنْ خسر الغاصب أضعاف قيمة المغصوب -، يعني رجل غصب مِن آخر قلمًا بريال، ثم سافر الغاصب إلى بلاد بعيدة، نقول: يجب عليك أنْ تردّ هذه العين إلى صاحبها ما دمت تعرف عنوانه، ولو كان نقلها عن طريق البريد يكلف ثلاثمئة ريال! يجب عليك الردّ، ولا يجب عليك أنْ تأتي ببدل! يجب عليك أنْ تردّ العين، بعض الناس قد يكون غصب مِن شخص مالًا وسافر المغصوب منه - بالعكس - إلى بلد أخرى، وهو يعرف هذا المغصوب منه، يجب عليك أنْ تردّها له، مؤنة النقل كاملة ومؤنة البحث عنه – يجب عليك أن تبحث عنه، أين فلان؟ هذه المؤنة عليك - إذن الرد واجب ولو كانت كلفة الردّ تكلف أضعاف قيمة العين، يجب الردّ، إذن الرد مقصود، ولذلك نصوا عليه.

إذن الأمر الأول الواجب في الغصب: يجب ردّه، أي ردّ عينه - طبعًا إنْ وجد -.

الأمر الثاني: قال: وأجرة مثله إنْ كان له أجرة، هذه العين المغصوبة إذا غصبها المرء ولم يَرُدّها إلّا بعد سَنَة؛ فيجب عليه أنْ يرد العين وأنْ يرد مع العين أجرة هذه العين، أجرتها سَنَة كاملة، مَن سرق مِن شخص أو غصب - السارق أيضًا يعتبر غاصبًا في الجملة - يعني يده يد ضمانة(1)، نقول: مَن غصب مِن آخر عينًا كسيارة مثلًا ثم ردَّها بعد سَنَة، وعلى الصحيح أيضًا أنّ الأرض في المذهب تُغصب خلافًا للحنفية، الحنفية لا يرون أنّ العقار يغصب، مَن غصب مِن آخر عقارًا بأنْ منعه مِن دخوله، بعد سَنَة تاب وأناب إلى الله فردها إليه، أو أخذها منه بقوة القضاء، فنقول - مع رد العين -: هذا الغاصب مأمور بأنْ يرد أجرة السَّنَة الماضية، كم أجرة المثل لهذه العين؟ فيرد معها الأجرة، إذن وأجرة مثله إنْ كان له أجرة، لأنّ هناك أشياء لا تؤجر، ذكرتُ بعضها في باب الإجارة، مثال ذلك: ما ليس فيه منفعة مباحة لغير ضرورة، كالكلب مثلًا، فإنّ مَن غصب كلبًا فإنه يرده مِن غير أجرة، لأنّ الكلب لا يؤجر، وقد أشرتُ إلى هذا الشرط في باب الإجارة عن قصد وقلتُ: إنه يُراجع في كتب المطولات لأننا سنشير إليه هنا، واضح؟ الشرط ما هو؟ مِن شرط صحة الإجارة لابُدّ أنْ تكون هذه العين المؤجرة فيها منفعة مباحة لغير ضرورة لكي يخرجوا الكلب، لأنّ الكلب عندهم لا يؤجر، فمَن غصب كلبًا مأذونًا باقتنائه - وهو كلب الحرث والماشية - يجب عليه ردّه لكن لا يجب عليه أنْ يرد أجرة المثل لأنّه ليس له أجرة مثل، هذا واحد.

الأمر الثاني مما ليس له أجرة: نقول: ما لا يمكن الانتفاع به إلّا بتلف أجزائه، وأشرتُ إلى هذا الشرط هناك أيضًا وإنْ لم يذكره المصنف، مثاله: مَن غصب مِن آخر نقدًا، واحد غصب مِن آخر ألف ريال، النقد لا يؤجر؛ فيرد له الألف مِن غير أجرة، إذن ما الذي يرد معه أجرة؟ ما كان يمكن تأجيره، ذكرتُ مثالين وهناك أيضًا أمثلة كثيرة غيرها.

قال: وأجرة مثله إذا كان له أجر - أي يمكن أنْ يؤجر -، وعرفنا أنّ ما ليس له أجرٌ هو ما ليس فيه منفعةٌ مباحةٌ لغير ضرورة كالكلب، أو كانت منفعته لا يمكن استيفاؤها إلّا بتلف العين أو أجزائها، كالتفاح، مَن غصب تفاحًا يرد تفاحًا ولا يرد أجرة، ما دام ما تلفت التفاحة.

قال: مدة مقامه في يديه، يعني مدة بقائها في يده فإنه يجب عليه أنْ يردها حينذاك.

وإنْ نقص فعليه أرش نقصه


قال: وإنْ نقصت العين فعليه أرش نقصه، هنا ذكرها المصنف مجملة، وسيأتي تفصيلها في كلام المصنف بعد قليل.

وإنْ جنى المغصوب فأرش جنايته عليه


قال: وإنْ جنى المغصوب، يعني شخص غصب فحلًا – إبلًا -، وهذا الفحل – وهو غاصبه يعني أخذه مِن باب الغصب أو السرقة – وهذا الفحل لمّا أخذه هذا الغاصب إِذْ به يعتدي على شخص؛ فيتلف هذا الشخص أو يتلف هذا المال، فالجناية عليه: أي على الغاصب، هو الذي يجب عليه أنْ يدفع قيمة هذه الجناية، قال: فالجناية عليه سواء أجنى على سيده أو على أجنبي، حتى لو كان الفحل جنى على السيد، لأنّ وقت الجناية كان في يد الغاصب، فإنه حينئذٍ يضمن ما ترتب على يده.

وإنْ جنى عليه أجنبي فلسيده تضمين ما شاء منهما


يعني واحد سرق فحل أبل؛ فجاء شخص فصدم هذا الفحل فمات، مالك الفحل مُخَيَّر، إنْ شئت ضمنت هذا الغاصب قيمة الفحل خمسين ألفًا أو أربعين ألفًا أو ثلاثين ألفًا، وإنْ شئت ضمّنت المعتدي على هذا الفحل بصدم وبنحوه، تضمنه قيمة هذا الفحل الذي غصب منك.

وإنْ زاد المغصوب رده بزيادته


بدأ يتكلم المصنف رحمه الله تعالى عن زيادة المغصوب، فقال: وإنْ زاد المغصوب رده بزيادته، هذا هو الصواب في النسخة، لأنه جاء في بعض النسخ: "وإنْ زاد المغصوب أو نقص" والنقص تكلمنا قبل قليل أنّ له الأرش، والأصل في المختصرات الفقهية أنْ لا يُكرر الكلام، ولذلك أنّ الصواب أنّ هذه الجملة لا معنى لها، ولذلك نقول - كما قرأ القارئ وهو الأصوب في النسخ - أنْ نقول: وإنْ زاد المغصوب رده بزيادته، وسيأتي كلام المصنف أنه سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة فترد كاملاً.

وإنْ زاد المغصوب رده بزيادته سواءً كانت متصلة أو منفصلة


قال: سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة، الزيادة المتصلة مثل ماذا؟ رجل أخذ مِن شخصٍ ألف ريال فاتّجر بهذه الألف، أخذها غصبًا فاتجر بها، أدخلها مثلًا سوق الأسهم أسهل لمعرفة الربح، فإذا بهذه الألف تربح فتصبح خمسة آلاف، نقول: يجب عليك أنْ ترد الألف وربحها المتصل كاملًا، هذا المتصل الذي هو ربح المال، والمتصل أيضًا كالسمن ونماء الشجرة، أو المنفصل كالولد إذا ولدت أيضًا فإنه يعتبر أيضًا منفصل.

وإنْ زاد أو نقص رده بزيادته وضمن نقصه


بدأ يتكلم المصنف رحمه الله تعالى عن قضية الزيادة في المغصوب التي تؤثر فيه من وجه دون وجه، وهي التي يسمونها تغير صفة المغصوب، ما الحكم فيه؟ قد يتغير المغصوب مِن وجه دون وجه، هذا تغير الصفة، نحن قلنا: النقص أولًا: أنّ مَن غصب مالًا ثم نقص فله الأرش - سواء النقص عددًا أو عينًا – فله أرش، وإنْ زاد فإنّ الزيادة كلها لمالك المال، هنا يتكلم عن الزيادة والنقص باعتبار تغير الصفة، نقله مِن هيئة إلى هيئة أخرى بصنعةٍ ونحوها.

قال: رده بزيادته وضَمِن نقصه إنْ وجد فيه نقص.

سواء زاد بفعله أو بفعل غيره.


قال: سواء زاد بفعله أو بفعل غيره، بسبب التغير فيه مِن وجه دون وجه

فلو نَجَرَ الخشبة بابًا، أو عمل الحديد إبرًا ردّهما بزيادتهما وضَمِن نقصهما إنْ نقصا


يعني لو أنّ شخصًا عنده خشب خام، فجاء شخص ونحت هذا الخشب وجعله بابًا، الحقيقة أنّ هذا فيه زيادة، وإنْ كان فيه نقص في القيمة أو ضرر على الشخص فيجوز له أنْ يأخذ الباب ويأخذ النقص إذا كانت الحالة الأولى أنفع له أو أربح له.

قال: وإنْ عمل الحديد إبْرًا أو إبَرًا – بفتح الباء -، الإبر يعني جعلها على شكل حدائد صغيرة جدًا، ليس الإبرة التي نعرفها الصغيرة جدًا! وإنما أكبر بقليل، عادة تستخدم آلات في القتل، قال: ردهما بزيادتهما وضَمِن نقصهما إنْ نقصا، هذا تكلمنا عنه قبل قليل.

ولو غصب قطنًا فغزله أو غزلًا فنسجه أو ثوبًا فقصره أو فصّله أو خاطه، أو حبًا فصار زرعًا، أو نوى فصارت شجرًا أو بيضًا فصار فرخًا فكذلك


بدأ يتكلم أيضًا عن بعض صفة تغير المغصوب، قال: القطن إذا غزله فصار غزلًا، أو الغزل جعله منسوجًا على هيئة ثوب، أو الثوب قصّره، وقصّره، المشهور في معنى قصره أي قصه، هذا هو المشهور، وبعضهم فسر قصره - التقصير قد يكون له في باب الغصب معنى آخر، لكن المقصود به التقصير الذي يفيد الثوب -، قال: أو فصله أو خاطه، أو حبًا فصار زرعًا، أو نوى فصار شجرًا، أو بيضًا فصارت فراخًا فكذلك، أي أنه يرد هذا المال المغصوب وعلى الهيئة التي تغير عليه، فإنْ كان فيه نقص رد أرش نقصه، إنْ نقص عينه أو نقصت قيمته، وأما إنْ زاد؛ فإنه يرده بزيادته وليس للغاصب أي أجرة، لا أجرة للمثل ولا لغير ذلك، حتى لو صنعه ليس له أجرة.

وإنْ غصب عبدًا فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة ردّه وقيمة الزيادة.


قال: وإنْ غصب عبدًا فزاد في بدنه أو بتعليمه، يعني علمه صنعة، ثم ذهبت الزيادة إما بأنْ أصابه الهزال في جسده أو جاءه النسيان لهذه الصنعة التي تعلمها، قال: رده، أي رد العبد وقيمة الزيادة، ولكن لا يضمن ما تغير بفعل السوق، وإنما يضمن هذه الزيادة التي وجدت فثبتت في الأصل ثم صارت عيبًا بعد ذلك، لأنّ كل وصف يثبت ولو كان في يد الغاصب فإنها تثبت للأصل.

وإنْ تلف المغصوب أو تعثر رده؛ فعليه مثله إنْ كان مكيلًا أو موزونًا


نعم بدأ يتكلم عن الصورة السادسة وهي إذا تلف المغصوب، فقال: إنْ تلف المغصوب بكليته أو بعضه أو تعذر ردّه بأنْ صارت له هيئة معينة أو بيد ظالم، قال: فعليه مثله، إنْ كان مِن المثليات، لذلك قال: إنْ كان مكيلًا أو موزونًا، هذا مبني على مشهور المذهب؛ أنّ المراد بالمثليات المكيلات والموزونات، وهذه قاعدة يجب أنْ تنتبهوا لها، عندنا قاعدة تمرّ معنا في كثير مِن الأبواب، وهي قاعدة المثلي والقيمي، يجب أنْ تعرف هذه القاعدة، المثلي والقيمي، هذه قاعدة تتكرر معنا كثيرًا، المثلي – على مشهور المذهب - خاص بالمكيلات والموزونات فقط، وأما غيرها فليس مثليًا وإنما هو قيمي، فكل المصنوعات عندهم قيمية، هذا هو المشهور في المذهب، فعندهم هذا الكأس قيمي وليس مثلي، فمن غصب كأسًا ثم تلف هذا الكأس فيجب عليه أنْ يعطيَه قيمتَه ولا يجزئه أنْ يعطيه مثله إلّا إذا رضي – من باب الصلح -، إنما يجزئ في المثليات، ما هي المثليات على المذهب؟ قلنا: المكيلات والموزونات، البرّ الشعير الذهب الفضة الحديد كل مكيل وموزون؛ فإنه يكون مثليًا، واضح هذه المسألة؟ طبعًا يجب أنْ نفهم شيئًا ثانيًا، هذا مشهور المذهب، هناك القول الثاني في المذهب أنّ المثلي يختلف باختلاف الزمن، وبناءً عليه فإنه وإنْ وجدت صنعة - وهذا في زمننا هذا كذلك - لو وجدت صنعة دقيقة؛ فإنه يسمى مثليًا، بعض الكاسات وبعض المناديل أنا أخذتُ مِن كرتون منديلًا فأتلفته، على المذهب لا يجوز أنْ تأتيني بمنديل آخر! بل يجب أنْ تعطيني قيمة المنديل وهو ريالات، على القول الثاني مِن المذهب يجوز أنْ تعطيني بدله، لأنّ هذا مثلي، فالمصنوعات تدخلها المثلية إذا كانت دقيقة جدًا وخاصة في زماننا، واضح ضابط المثلي وغير المثلي؟ لأنّ كلمة مثلي يترتب عليها أحكامًا كبيرة جدًا في باب الربا، حتى في باب البيوع، في باب الموصوفات، السَّلَم، وهكذا، لأنّ السَّلَم لا يأتي إلّا في المثليات دون القيميات وهكذا.

قال: إذا كان مثليًا أو موزونًا كالحبوب والزيوت والأسمان وغيرها، وهذا حكاه إجماعًا ابن عبد البر أنه يجب رد مثله إذا كان مطعومًا، ومادام مطعوم نحن ننظر في المطعوم نقول: لأنه مثلي - والمثلي عندنا على المشهور هو المكيل أو الموزون -.

قال: وقيمته إنْ لم يكن كذلك، كالمصنوعات، والمشهور أنّ كل المصنوعات ليست مثلية، فلو أنّ شخصًا مثلًا أخذ سيارة آخر وأتلفها مِن غير إذنه - أخ أو صديق - أخذ المفتاح مِن جيب صديقه وشغّل السيارة مِن غير إذن، تكون يده يد غاصب، أخذتَ السيارة مِن غير؛ أنت غاصب، فتلفت السيارة تمامًا أو سرقتِ السيارةُ، هو ملزم برد العين إنْ وجدت، فلم توجد؟ فيرد بدلها، فيكون عالبدل، وهو ملزم أيضًا بأجرة استخدام هذه يومين أو ثلاثة هذه التي أخذتها، ملزم بالأجرة، لا تنسوا الأجرة.

نقول: إذا كانت العين قد تلفت، ملزم بمثلها أو بقيمتها، السيارة على مشهور المذهب أهي مثلية أم قيمية؟ قيمية لا شك، ليست مكيلة ولا موزونة، وعلى القول الثاني: مثلي إذا كانت هناك سيارة مثلها، نفس الموديل، نفس خط الإنتاج، يعني كلاهما نفس الشيء وهكذا، فحينئذٍ تكون مثلية.

قال: ثم إنْ قدر على ردِّه؛ ردَّه وأخذ القيمة، يعني إذا كان معجوزًا عن رده للتعذر ثم استطاع الرد بعد ذلك؛ فإنه يرد ويأخذ القيمة التي بذلها.

وإنْ خلط المغصوب بما لا يتميز به مِن جنسه فعليه مثله منه، وإنْ خلطه مِن غير جنسه فعليه مثله مِن حيث شاء.


بدأ يتكلم المصنف على قضية خلط المغصوب، ونحن قلنا قاعدة عندنا: أنّ الخلط يسمى ماذا؟ إتلافًا، هذا الخلط إذا خلط المغصوب قال: هذا له حالتان، إما أنْ يخلطه بما لا يتميز منه مِن جنسه، كأنْ يكون عنده برّ، قد غصب صاع برّ فيخلطه بخمسة آصع له، فحينئذ لا يمكن التمييز بينها، ويكون قد خلطه بشيء مِن جنسه، وفي نفس الوقت يملكه هو، يجب أنْ يكون مالكًا له هو، فحينئذٍ يكونان شركاء شركة أملاك بقدر ملكه، فنقول: هذا الصبرة التي اختلطت بينهم تكون لهم شركة، هذا له السدس وهذا له خمسة الأسداس، لماذا قلنا: السدس وخمسة أسداس؟ لأنّ هذا له صاع وهذا له خمسة أصع هذه هي الحالة الأولى.

قال: وإنْ خلطه بغير جنسه فعليه مثله مِن حيث شاء، يعني يكونون شركاء في القيمة حينئذٍ، إلّا إذا تراضيا على شيء، ولذلك قال: فعليه مثله، يجعل عليه البدل، أو يكونان شركاء في القيمة، لأنه أحيانًا إذا خلطه بغير جنسه تزيد قيمته، فأحيانًا بعض البرّ إذا خلط بالشعير تزيد قيمة الشعير، والمغصوب هو الشعير، فيكون شريكًا بالقيمة وليس شريكًا شركة أملاك بالأجزاء.

وإنْ غصب أرضًا فغرسها أُخِذَ بقلع غرسه وردها وأرش نقصها وأجرتها


بدأ يتكلم الشيخ رحمه الله عن مِن أخذ أرضًا فغرسها، يعني زرع فيها شجرًا، ما الذي يترتب عليه؟ قال: أولًا أُخِذَ بقلع غرسها، يعني ألزم بقلع الغرس، هذا هو الأمر الأول، ومما يتعلق بقلع الغرس ما ذكره المصنف، تسوية الأرض أيضًا، يلزمه أنْ يسوي الأرض كما كانت.

قال: وردها، أي وأُخِذَ بردها، يلزمه رد هذه الأرض، هذا لا شك فيه.

قال: وأرش نقصها، إن نقصت بسبب هذا الزرع الذي وضع عليها أو البناء الذي وضع عليها، هذا هو الأمر الثالث.

الأمر الرابع: وأجرتها، أي ويلزم بالأجرة، لو أنّ رجلًا غصب مِن آخر عقارًا - هنا بخلاف الحنفية، نقول: يمكن تصور غصب العقار - لو أنّ امرئ غصب عقارًا مِن آخر، يعلم أنّ هذه الأرض لزيد، وزيد يظنه غريب أو مات أو أي سبب، أو أنه بقوته وجبروته أخذ الأرض أو لأي سبب مِن الأسباب؛ فبنى فيها بيتًا ثم رد الحق لصاحبه، نقول: يجب عليك خمسة أشياء: هدم هذا البيت – البناء - كاملًا، ومع هدمه يسوي الأرض، ويرد الأرض بعد تسويتها، والأمر الرابع أنه يرد الأرش، لأنّ الأرض إذا بُنيت ثم دفنت غير الأرض التي لم تُبْنَ الأرض، كم الأرش؟ وفوق ذلك يدفع قيمة الأجرة، فإنْ رضي صاحب الأرض بأنْ يشتري البنيان منه له ذلك، له الحق أنْ يقول: لا؛ أبق بيتك ولك هذا المال، يجوز له ذلك، لأنّ الغاصب يملك البناء ويملك الغرس، فلك الحق أنْ تشتري منه البناء، ولكم الحق أنْ تصطلحوا، كيف يصطلحون؟ يأتي الغاصب فيقول: قيمة العمال الذين سيهدمون البناء أو يقلعون الغرس سيكلفني الكثير، خذ الغرس لك مجانًا، فإنِ اتفقوا جاز، إذن ثلاثة أشياء تجوز، الأصل: وهو أنْ يزيلوا الغرس و البناء ويسوي الأرض، هذا هو الأصل، ويجوز للمغصوب منه - وهو الذي يختار؛ المغصوب منه - أنْ يشتري هذا البناء ويشتري هذا الغرش شراءً، ويجوز أنْ يصطلحوا، إذا قال: إني لن أهدمه وهو لك جاز، فالصلح يجوز.

وإنْ زرعها؛ أخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها


قال: وإنْ زرعها، أي زرعها زرعًا ليس غرسًا بشجر، وأخذ الغاصب الزرع، ردها وأجرتها، يعني رد الأرض ورد الأجرة دون الزرع، لأنه قد حُصِدَ.

وإنْ أدرك مالكها الزرع قبل حصاده خُيّر بين ذلك وبين أخذ الزرع بقيمته.


قال: وإنْ أدرك الزرع قبل حصاده خُيّرَ بين تركه إلى الحصاد بالأجرة – يعني يعطيه أجرة - أنْ يكون له الأجرة فيما بقي وبين أخذ الزرع بقيمته، أي بقيمته الآن، وهذا الذي ذهب إليه المصنف، وأما المذهب فإنّ المذهب أنّ مَن أدرك الزرع قبل حصاده خُيّرَ بين تركه إلى الحصاد بالأجرة وبين أخذه بنفقة ما أنفقه مِن بذر وزرع ونحوه ومؤنة الزرع، هذا هو المذهب، وأما المصنف فقد خالف، وقد وافق المرداويُّ المصنفَ في العمدة مِن باب الاختيار لا مِن باب المذهب، ولذلك قال: والنفس تميل له، أنا قلتُ لكم في أول الدرس انتبهوا: هناك فرق بين الاختيار وبين المذهب، ولذلك في مقدمة الإنصاف ذكر المرداوي أنّ هناك عبارات خاصة بالمؤلف - وهو صاحب المقنع - تدل على اختياره هو، الذي يرجحه هو، وأنّ المذهب على خلافه، بيّنها في أول مقدمة الإنصاف، مِن الاختيارات التي مشى عليها المرداوي إذا قال: والنفس تميل له - أي عنده هو - وإنْ قال: المذهب على خلافه، نحن نعلم المذهب بناءً على أربعة أشياء ذكرتُها لكم قبل قليل، فيكون أغلب فقهاء المذهب على شيء ولكن المرداوي يميل اختيارًا لشيء، ولذلك يُفرقون بين الاختيار وبين المذهب.

وإنْ غصب جاريةً فوطئها وأَوْلَدَها؛ لزمه الحد


نعم، مَن غصب جاريةً مملوكة فوطئها، فهذا الوطء محرم لأنه زنا؛ فيلزمه حدّ الزنا عليه هو.

قال: وأولدها، أي ولدت منه، فإنه يرد الجارية ويرد ولدها، لأنّ الولد تبعٌ لأمه، ويجب عليه مهر مثلها، وأرش نقصها، وأجرة مثلها، ثلاثة أشياء، لأنّ هذه مِن باب الأجرة، فأرش النقص بالوطء، وأجرة المثل للخدمة - لأنها مملوكة -، فأجر النقص للوطء، وأجر المثل لأنها الخدمة، ومهر المثل لأنه بمثابة الذي عقد عليها، لأنّ الأمة قد تُزوج بمهر وقد تُؤجر، فيجب عليه الثنتين، أجرة الاحتباس وأجرة المهر، وكلاهما يكون للسيد، وأما أرش النقص؛ فإنْ وُجِدَ منها نقص كبكارة ونحوها ذكرها أهل العلم في محلها.

وإنْ باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم؛ فيلزم عليه مهرها وقيمة ولدها


وإنْ باعها - أي الغاصب - فوطئها المشتري وهو لا يعلم أنها مغصوبة فعليه مهرها وقيمة ولده إنْ أولدها، يعني على المشتري أنْ يبذل مهرها وأنْ يبذل قيمة ولدها إنْ أولدها، لأن ولدها يكون ملكًا لسيدها الأصيل، ولكن لوجود الشبهة في الوطء نقول: يصبح حرًا لكن عليه القيمة، فكأنه تملكه وعَتَقَ عليه، قال: وأجرة مثلها كذلك، ويرجع بذلك على الغاصب، يعني يدفعها لأنه هو المباشر، ويرجع على المتسبب وهو الغاصب.

هذا الباب - وهو باب الغصب - الحقيقة العلماء - قبل أنْ ننتقل إلى الباب الذي بعده - مِن الأبواب الدقيقة جدًا، وقد كان بعض مشايخنا عليه رحمة الله إذا أراد أنْ يشرح باب الغصب يقول لنا: إنّ باب الغصب هو أصعب باب في الفقه، يقول: إنّ أصعب باب في أبواب العبادات هو باب الحيض، وأصعب باب في أبواب المعاملات هو باب الغصب، لأنّ باب الغصب بابٌ دقيق جدًا وينبني عليه الكثير مِن التفريعات، ولذلك هذه المسائل التي يوردها الفقهاء على هيئة أمثلة هي في الحقيقة مبنية على أصول دقيقة جدًا، ولذلك مَن ابتُلي بالقضاء فلابُدّ أنْ يُعنى بهذا الباب عناية كاملة، والحقيقة أنّ أحسن مَن تكلم عن باب الغصب وأجاد في مسائله مِن فقهائنا هو الشيخ مسعود الحارثي في كتابه شرح المقنع وهو مطبوع – أبواب الغصب مطبوع منه -، وهو أحسن مَن تكلم عن أبواب الغصب، ولذلك المرداوي ينقل عنه كثيرًا في هذا الباب، والشيخ مسعود الحارثي كان قاضي قضاة، يعني أنه رئيس القضاة ويكن تحته القضاة، قاضي قضاة مصر الحنابلة في القرن السابع، توفي أظن سَنَة سبعمئة وأربعين ونحوها، وهو مِن علماء الحديث كذلك، فميزة هذا الكتاب أنه ألّفه وهو قاضٍ، وألّفه ابتداءً، دائمًا الذي يبدأ بالفقه يبدأ بالعبادات فيأخذ راحته؛ فإنْ وصل إلى المعاملات ملَّ، لا، الحارثي رحمه الله نسبة إلى قرية اسمها "حارثة" في مصر، اسمها مركب - قرية بني حارث أو الحرث نسيتُ ما هي القرية -، الشيخ مسعود رحمه الله ابتدأ بالمعاملات ابتداءً، وما أتم الجنايات، وما رجع إلى العبادات، فألّف في الغصب أكثر مِن مجلد كامل في شرح باب الغصب، وهو أحسن مَن كتب فيما أعلم - وعلمه عند الله - فمَن أراد أنْ يعتني بهذا الباب فمِن المهم جدًا أنْ يكون عنده كتاب الحارثي.


(1) هنا قال الشيخ – حفظه الله -: "يعني يده يد أمانة" ويظهر أنه سبق لسان! وصوابه ما أثبتناه. والله أعلم.