موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الإجارة - شرح عمدة الفقه لابن قدامة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الفقه لابن قدامة لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح عمدة الفقه لابن قدامة
 باب السَّبْق
 باب الوديعة وباب العارية
 كتاب الإجارة
 باب الغصب
 باب الشفعة
 كتاب الوقف
 باب الهبة
 باب عطية المريض
 كتاب الوصايا
 باب الموصَى إليه
 كتاب الفرائض
 باب الحجب وباب العصبات
 باب ذوي الرحام
 باب أصول المسائل وباب الرد
 باب تصحيح المسائل وباب المُنَاسَخَات
 باب موانع الميراث وباب مسائل شتى
 باب الولاء وباب الميراث بالولاء
 كتاب العتق/ باب العتق وباب التدبير
 باب المكاتَب وباب أحكام أمهات الأولاد
 كتاب النكاح
 باب وِلاية النكاح
 باب المُحَرّمات في النكاح
 شروط الرَّضَاع المُحَرّم
 باب نكاح الكفار
 باب الشروط في النكاح
 باب العيوب التي يُفسخ بها في النكاح
 كتاب الصَّدَاق
 أسئلة
شرح عمدة الفقه لابن قدامة - كتاب الإجارة

كتاب الإجارة


بدأ المصنف رحمه الله بذكر أحكام الإجارة، وبعض النسخ مِن العمدة فيها كتاب الإجارة وبعضها كتاب الإجارات، وفائدة تسمية الإجارة بالإجارات أنّ الإجارة ليست نوعًا واحدًا وإنما هي أنواع متعددة، فانتبهوا معي فإني سأذكر ابتداء أنواع الإجارات، طبعًا يمكن أنْ تقسم لأكثر مِن تقسيم لكن سأذكر التقسيم الأشهر عند الفقهاء.

الإجارة أحيانًا قد تكون لعينٍ أو تكون على منفعة، انتبه للتقسيم، إما أنْ تكون على عين أو على منفعة، إذن الإجارة تنقسم إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: أنْ تكون الإجارة لعينٍ لمدةٍ معلومة، يعني لا يُحدد ما هو المنفعة وإنما لمدة معلومة، يعني استأجرتُ البيت سَنَة، قد أسكن فيه، قد أجعله مستودعًا، استأجرتُ العين، ولكن إنما يُنتفع بها بما جرت العادة بالانتفاع به، إذن إجارة العين مدة معلومة.

النوع الثاني مِن أنواع الإجارات: إجارة العين لعمل معلوم، كأن يستأجر دابة لنقل متاع أو لأجل الركوب فيُبيّن ما هو العمل؟ ليس مطلق استئجار الدابة! وإنما استأجرها لعمل معين؛ فحينئذٍ يسمى عقد إجارة.

الصورة الثالثة: أنْ يُعقد على المنفعة في الذمة ولم يُنصّ على العين، أنْ يكون العقد على المنفعة، نصّ على منفعة معينة - وهو العمل - ولكنها تكون في الذمة، يعني في المستقبل ولا يكون الآن، لأنه لا يكون هناك عين، وهذا الذي يسمى في الغالب بالأجير المشترك كما سيأتي تقسيم المصنف إلى أجير خاص وأجير مشترك.

إذن الإجار ثلاثة أنواع، إما أنْ تكون إجارة لعين مدة معلومة، أو لعمل ومنفعة معلومة، أو إجارة وعقد لمنفعة في الذمة؛ فتكون مؤجلة وليست حالّة الآن، وهذا ما يسمى بالأجير المشترك، ليس مخصصًا العمل به، وليس أيضًا بعين معينة، وليس أيضًا مخصصًا بزمن معين، وإنما في الذمة، حُدد له أمدٌ؛ فإنه حينئذٍ يؤدى في ذلك الموضع، وسيأتي تفصيل هذه الأنواع الثلاثة في كلام المصنف.

وهي عقدٌ على المنافع لازم مِن الطرفين


بدأ يتكلم المصنف عن عقود الإجارة، فقال: هي عقد على المنافع، تذكرون أني ذكرتُ لكم ابتداءً في أول كتاب البيع أنّ العقودَ التي تُعقد عليها في البيوع إما أنْ يكون عقدًا على العين، وإما أنْ يكون عقدًا على المنفعة، وإما أنْ يكون عقدًا على الاختصاص، وذكرتُ لكم أنّ الاختصاص لا يجوز على المشهور على سبيل الانفراد؛ وإنما يجوز على سبيل التَّبع أي مع العين أو المنفعة.

العقد على العين هو عقود البيع وعقود السَّلَم كلها عقد على العين، وأما المنفعة فإنها عقود إجارة، هذه عقد منفعةٍ، والوديعة(1) أيضًا عقد منفعة لكن بالمجان، ليس بمقابل مال، لذلك الفرق بين الوديعة والإجارة - ولذلك ناسب أنْ تكونا متصلتين – الأجرة، هذه بأجرة وهذه بدون أجرة، هذا بتبرع وهذه بدون تبرع، ولذلك اختلف في الضمان بعد ذلك، إذن هذه تسمى عقود المنافع مع بقاء العين.

قال: إذن هي عقود على المنافع، أنا أريد أنْ أذكر فائدة – نخرج بها عن الدرس - الفقهاء يُفرقون بين المنفعة والانتفاع، وهذا المصطلح لماذا ذكرتُه هنا مع عدم أهميته لنا هنا؟ أنّ المعاصرين يطلقون المنفعة والانتفاع على أمر آخر تمامًا غير الاستخدام الذي يستخدمه الفقهاء، فالفقهاء لهم في الانتفاع أكثر مِن مصطلح، ولكن مِن مصطلحاتهم أنّ الانتفاع إنما هو في حقوق الارتفاق، فيقولون: الشخص في الطرقات له حق الانتفاع لأنه مِن باب الاختصاص، وأما المنفعة فإنه لمَا يملكه هو أو بما أُذِنَ له بالانتفاع به كعقود الإجارات وعقود العارية ونحوها، إذن المنفعة والانتفاع - على أحد تفسيرات الفقهاء - إنّ الانتفاع هو الشيء المشترك بين الناس فيكون مِن باب الاختصاص، وأما المنفعة فإنها تُملك، وأما الانتفاع فإنه اختصاص؛ فلا يجوز بيع الانتفاع ويجوز بيع المنفعة، أضرب مثالًا: سُكنى دارك هذه منفعة، فيجوز لك أنْ تبيعها، تؤجرها، بيع المنفعة تأجير، لكن الطريق الذي أمام دارك؛ مرورك فيه انتفاع؛ فلا يجوز لك أنْ تؤجر حقك فيه أو أنْ تبيعه، إذن هذا المشهور في استخدام الفقهاء كما طبقه ابن رجب في تقرير القواعد، المعاصرون ماذا يقولون؟ لماذا أتيتُ بهذه الفائدة هنا؟ لأنّ في بعض الأنظمة العربية - لا يوجد هذا عندنا في المملكة - يفرقون في باب الاجارة بين المنفعة والانتفاع - فقط مِن باب الفائدة - فيقولون في عقود الإجارة: يجوز للمرء أنْ ينتفع منفعة ولا ينتفع الانتفاع بها، يعني له حق المنفعة دون الانتفاع، وعندهم - أي المعاصرين من القانونيين - أنّ المنفعةَ هي استيفاؤها بنفسه؛ والانتفاع هي استيفاؤها عن طريق غيره بأنْ يؤجرها لغيره، إذن عند المعاصرين - وهذه من المصطلحات القانونية في بعض الدول العربية - عندما يقولون: الانتفاع والمنفعة، المنفعة أنْ تستفيد المنفعة بنفسك - تسكن الدار -، والانتفاع هو أنْ تجعل غيرك يسكن في هذه الدار مقابل عوض تأخذه منه، وعندهم أنّ عقد الإجارة يُبيح لك المنفعة دون الانتفاع بتفسيرهم هم للمنفعة والانتفاع، أما الفقهاء يقولون: إنّ مَن سكن دارًا جاز له أنْ يستوفي منفعتها بنفسه ويجوز أنْ يعطيها غيره إما مجانًا أو بأجرة - كما سيأتي في كلام المصنف -، فقط أنا أتيت بهذه المقدمة - ستأتي بعد قليل - لكي نعرف مسألة مهمة جدًا وهي أنّ معرفة المصطلحات مهم جدًا جدًا، وخاصة في هذا الوقت لمّا تغيرت بعض المصطلحات مِن معنى كان يتكلم به الفقهاء إلى معنى آخر، وكثير مِن الفتاوى الغريبة في زماننا سببها أنّ بعض الناس يقرأ مِن كتاب؛ فيُنزّلُ كلامَ الفقهاء على شيء يفهمه هو في ذهنه وفهمه ليس تامًا بالمعنى المراد عند الفقهاء قديمًا.

قال: لازم مِن الطرفين، أي أنه إذا تعاقدا؛ فإنه يكون العقد لازمًا، لا يجوز لأحدهما فسخُه، لذلك قال: لا يملك أحدُهما فسخَه بدون رضى الآخر.

قال: ولا تنفسخ بموته ولا جنونه، لأنه عقد لازم، العقود الجائزة هي التي تنفسخ بالموت وبفقد الأهلية كالجنون، وأما العقود اللازمة فلا تنفسخ بذلك، بل تبقى لحين استيفاء كامل المنفعة أو بوجود ما يوجِب فسخَها، الفقهاء يفرقون بين الفسخ والانفساخ، وسأذكره بعد قليل.

وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعِها.


قال: وتنفسخ أي تنفسخ - هذا ليس فسخًا وإنما انفساخًا - وينفسخ عقد الإجارة بتلف العين المعقود عليها، المقصود بالعين المعقود عليها أي العين المعينة دون العين الموصوفة، وإنما المراد بها العين المعينة، فإذا عُقد على عين معينة بعينها كسيارة إجارة ثم تلفت هذه السيارة؛ فإنه حينئذٍ نقول: انفسخ عقد الإجارة، مَن استأجر امرأة لإرضاع ولده، ما هي العين المعقود عليها؟ العين المعقود عليها هو الولد، فإذا مات الولد؛ فإنه حينئذٍ تنفسخ الإجارة، ويكون بموت الولد – على المذهب لا يجوز تأجير الحيوان لأجل لبنه – تعرفون خلاف شيخ الإسلام، له رسالة طبعها الشيخ أظن أحمد رشاد أو رشيد سالم في مجموعة رسائلهما - إذن المقصود أنه لا يجوز أنْ يكون محل العقد اللبن، وإنما محل العقد عندهم الولد، وإنما تقوم الظئر بحفظه ورعايته ومِن باب التبع اللبن، فأُجيز مِن باب التبع، أو استثناءً عندهم، إذن عندهم المحل المعقود عليه إنما هو الولد، إذن فقضية الانتباه إلى ما هو محل المعقود عليه مهم جدًا، وذكر الفقهاء عشرات المسائل في هذا المحل.

قول المصنف: بتلف العين المعقود عليها، قال: وانقطاع نفعها، إذن هي صورتان في الحقيقة وليست صورة واحدة، إما أنْ تتلف العين بكاملها، فإذا تلفت العين قطعًا قد انقطع نفعها، أو قد ينقطع النفع بدون تلف العين، والمقصود بالنفع هنا - انتبهوا معي - قالوا: هو زوال المنفعة بالكلية، ليس زوال بعض المنفعة! وإنما زوال المنفعة بالكلية بحيث أنه لا يمكنه أنْ يسكن في هذه الدار، ولا يمكنه أنْ يركب هذه الدابة، زالت المنفعة بالكلية، فإذا زالت بالكلية حينئذٍ نقول: إنه قد انفسخ، لأنّ زوال المنفعة كزوال العين ولا إشكال بينهما.

المسألة الأخيرة قبل أنْ ننتقل لِمَا بعدها أنّ قوله: تنفسخ بتلف العين أو زوال المنفعة – هو قال: أو انقطاع النفع، وأنا أعبر بزوال المنفعة – محله؛ يعني متى تكون فاسخة حينئذٍ؟ نقول: إذا تلفت العين أو زالت المنفعة قبل استيفاء المنفعة، وأما إذا تلفت العين أو زالت بعد انتهاء المنفعة؛ فإنه نقول: صح عقد الإجارة ويجب بذل المال كاملًا.

طيب فإنْ تلفت العين أثناء المنفعة؛ فإنّ فقهاءنا يتوسعون في مسألة وهي قاعدة مهمة جدًا يقولون: مسألة تبعيض العقود، ويترتب على تبعيضه تفريق الصفقة وغيرها، فنقول: يصح بجزئه دون الجزء الأخير الذي تلفت العين به، السِّتُّ شهور الأولى كانت العين موجودة فحينئذٍ تصح، وأما الأشهر الأخرى فإنها لا تصح، طبعًا سواءً استوفى المنفعة أو لم يستوفها العبرة بوقت زوال أو انقطاع المنفعة.

وللمستأجر فسخُها بالعيب قديمًا كان أو حادثًا.


بدأ يتكلم المصنف عن خيار العيب للمستأجر، إذا وُجِدَ عيب في العين المؤجرة وكان هذا العيب يمنع استيفاء كامل المنفعة، انتبه لو استوفيت كل المنفعة كاملةً؛ فإنه حينئذ يبطل عقد الإجارة وينفسخ، لكن لو كان عيب يمنع استيفاء كمال المنفعة وإنما يستوفي بعض المنفعة دون بعضها؛ فحينئذٍ يجوز للمستأجر - جوازًا - أنْ يفسخ العقد.

قال: قديمًا كان العيب أو كان حادثًا، أي حادثًا بعد العقد، مثال ذلك: رجل استأجر أرضًا ليزرع هذه الأرض، يجوز هذا الشيء، طيب لمّا أتى الأرض ليزرعها فإذا بهذه الأرض سبخة! والأرض السبخة لا تنبت، وقال: أنا لم أكن أعلم أنها بهذا العيب! فنقول: إنه يجوز له أنْ يفسخ هذا العقد، رجل استأجر أرضًا إجارةً طويلة – تعلمون أنّ الحنابلة مِن أوسع المذاهب في الإجارة الطويلة، يجيزون الإجارة الطويلة - فاستأجر أرضًا لمدة عشر سنوات، واستأجرها ليزرعها، في السَّنَة الثالثة أو الرابعة غار ماءُ هذه الأرض - معنى كونه غار يعني قد انقطع - فلم يخرج مِن البئر ماء يمكن الزراعة به؛ فحينئذٍ نقول: يجوز له أنْ يفسخ العقد في الجزء الباقي، لأنّ فيها عيب، نعم هناك منفعة، يستطيع أنْ يجعل هذه الأرض سكنى، يجعلها للبهائم، يجعلها لغير ذلك مِن المنافع، لكن يجوز له أنْ يفسخ العقد حينذاك، وهذا معنى قوله: قديمًا، يعني قبل انتهاء العقد أو بعده.

عندنا صورة أخيرة – من باب تمام القسمة – نقول: لو أنّ هذا المستأجر استأجر عينًا ولم يعلم بالعيب الذي في العين إلّا بعد انتهاء مدة الإجارة، رجل استأجر أرضًا للزراعة مثلًا ولكنه لم يزرعها، ولمّا انتهت الإجارة بعد سَنَة أو سنتين عَلِم أنّ فيها العيب الفاني – أنّ النصف الأكبر منها مثلًا - أرضٌ سبخة أو أنّ الماء الذي فيها كان قبل عقد الإجارة قويًا ولكنه ضَعُفَ بعد ذلك؛ فنقول: إنه إذا لم يعلم بالعيب إلّا بعد انتهاء مدة الإجارة فليس له حق الفسخ، لأنه انقضت المدة كاملة وهو لم يطالب بحقه؛ فليس له الفسخ، وتكون حينئذٍ الإجارة لازمةً له، ويلزمه دفعُ الأجرة كاملةً.

إذن تكلم المصنف عن أمرين، وهو فسخ العقد وانفساخه، والفقهاء - كما ذكر ابنُ رجب - يفرقون بين الفسخ والانفساخ، فإنّ الفسخ يكون بإرادة أحد المتعاقدين، فبيّن أنّ عقد الإجارة لا ينفسخ لأنه عقد لازم، العقود التي تنفسخ بإرادة أحد المتعاقدين هي العقود الجائزة كالإجارة والعاريّة والوديعة ونحو ذلك، وأما العقود اللازمة فلا تنفسخ إلّا باتفاق الطرفين، إذن الفسخ لا يكون إلّا باتفاق الطرفين وهو الذي يسمى بالإقالة، وأما الانفساخ فله أسباب أورد المصنف رحمه الله تعالى ثلاثة أسباب:

السبب الأول: تلف العين لانفساخ عقد الإجارة، وهو سبب طارئ.

السبب الثاني: زوال النفع بالكلية.

والسبب الثالث: وجود العيب، فحينئذٍ يكون لصاحب الحق الخيار في فسخ العقد مِن باب الانفساخ لا الفسخ.

ولا تصح إلّا على نفع معلوم، إما بالعرف كسكنى دار أو بالوصف كخياطة ثوب معين أو بناء حائط أو حمل شيء إلى موضع معين وضبط ذلك بصفاته.


نعم، بدأ يتكلم المصنف رحمه الله بذكر شروط الإجارة، أول شرط ذكره المصنف قال: ولا تصح إلّا على نفع معلوم، أي لابُدّ مِن معرفة مقدار المنفعة، وبدأ يُبيّن ما الذي يتحقق به معرفةُ مقدار المنفعة، فقال: إما بالعرف أو بالوصف وهو التبيين للمنفعة.

قال: إما بالعرف كسكنى دار، يعني جرت العادة أنّ مَن استأجر دارًا؛ فإنه يستأجرها للسكنى، وكذلك مَن استأجر دكانًا؛ فإنما يستأجره ليجعله حانوتًا ومحلًّا، ومَن استأجر مستودعًا فالعادة أنه يجعل هذا المستودع مخزنًا ونحو ذلك مِن الأمور، قال: كسكنى دار، أو بالوصف، فتكون معرفة المنفعة بالوصف، قال: كخياطة ثوب معين، وهذا في الأجير الخاص أو المشترك كما سيأتي في الصورتين بعد قليل، فلابُدّ أنْ يُعيّن له ثوبًا فيعطيه القماش، طبعًا لمّا نقول: ثوبًا معينًا، دائمًا الفقهاء إذا أطلقوا الثوب لا يقصدون هذا الذي نلبسه! هذا يسمى قميصًا، وإنما المقصود بالثوب قطعة قماش، فيعطيه قطعة قماش فيقول له: خِطْ هذا الثوب، خِطْ هذا القماش، هذا معنى خياطة ثوب معين، فيعطيه الثوب، فيعطيه القماش، يعطيه "رولة" القماش الخام ويقول له: خِطْ هذا الثوب بالوصف المعين، اجعله قميصًا، اجعله سراويل، اجعله على أي هيئة مِن الخياطة، لكن هذا الذي نفعله الآن حينما نذهب إلى الخياط ونقول له: خِطْ لي الثوب ومنك القماش ومنك الأزرة ومنك الخيوط وغير ذلك، هذا العقد نسميه عقد ماذا؟ عقد استصناع، وتكلمتُ عنه قَبْلُ في كتاب السَّلَم، وذكرتُ لكم المذهب - ولعله شروط قاسية عند مَن يجيزه منه - والأصل عندهم المنع في هذا الباب كما ذكرنا في باب السلم ولا نرجع إليه.

إذن كخياطة ثوب معين أنه يعطيه الثوب المعين ويقول: هذا خِطْه لي على هذه الهيئة.

قال: وبناء حائط بأنْ يُبيّن له وصف الحائط – طبعًا ويأتي هو بمواد البناء -.

قال: وحمل شيء إلى موضع معين، قوله: وحمل شيء، لابُدّ له مِن تبيين هذا الشيء، إما بمقدار وزنه - إنْ كان غائبًا - أو وصفه – إنْ كان يمكن تقدير ذلك - أو بأنْ يُرى أمامه ويعلم مقدارَه، لأنه الثقيل مؤنته أكثر بكثير مِن الخفيف، فلابُدّ مِن تبيين الوزن.

قال: إلى موضع معين، إذن فلابُدّ أنْ يُحدد المكان الذي تحمل إليه، إذن عقد الإجارة على حمل شيء إلى مكان معين تكون معرفة المنفعة فيه بأمرين: معرفة الشيء المحمول ووزنه، إما بالنظر، ومعرفة الوزن بأنْ يقيسه بيديه، أو بالوصف فيقال: وزنه كذا ونحو ذلك، الشرط الثاني: أنْ يُعرف الموضع المعين ما هو محله؟ أبعيد هو أو قريب؟

قال: وضبط ذلك بصفاته، أي السابقة.

ومعرفة أجرته


قال: الشرط الثاني: ومعرفة أجرته، أي يشترط أنه لابُدّ مِن معرفة الأجرة، فلابُدّ أنْ تُحدد، ويجوز أنْ تكون الأجرة معجلة ويجوز أنْ تكون مؤخرة.

وإنْ وقعت على عين فلابُدّ مِن معرفتها.


قال: وإنْ وقعت على عين فلابُدّ مِن معرفتها، نحن تكلمنا في أول الدرس في باب الإجارة قلنا: الإجارة إما أنْ تكون على عين أو على منفعة، والإجارة التي على عين نوعان: إما إجارة على عين لمدة معلومة أو إجارة على عين لعمل معلوم، أليس كذلك؟ فأصبح المجموع كم؟ ثلاث أنواع مِن أنواع الإجارات، ذكرتُه قبل قليل، لمّا ذكر المصنف معرفة المنفعة، محل معرفة المنفعة فيما إذا كانت المنفعة في الذمة أو كان العقد لعين لعمل معين، واضح؟ هنا لمّا تكلم: وإنْ وقعت على عين فلابُدّ مِن معرفتها، أي لابُدّ مِن معرفة هذه العين، إذن انظر معي، بدأت حديثي فقلت لكم: عقود الإجارة كم؟ ثلاثة.

نبدأ بالأول: وهو أنْ تقع الإجارة على عينٍ لمدة معينة، فهنا لابُدّ مِن تحقق شرْط معرفة العين؛ وإنْ وقعت على عين فلابُدّ مِن معرفتها، واضح؟

النوع الثاني مِن عقود الإجارة ما هو؟ أنْ تقع الإجارة على عين لعمل معين، فلابُدّ مِن وجود شرطين، وهو معرفة العين - كما قال: إذا وقعت على عين فلابُدّ مِن معرفتها - ومِن معرفة المنفعة إما بالعرف أو بالوصف.

النوع الثالث مِن عقود الإجارة: أنْ تكون الإجارة في الذمة على منفعة معلومة في الذمة، فلابُدّ هنا أنْ يتحقق شرط واحد وهو ماذا؟ معرفة المنفعة، واضح؟

إذن الفقهاء لمّا قسّموا أنّ الإجارة ثلاثة أنواع لينبني عليها معرفة الشروط، متى يلزم معرفةُ المنفعة فقط؟ ومتى يلزم معرفةُ العين فقط؟ ومتى يلزم معرفةُ المنفعة والعين معًا؟

هناك صورة لم يوردها المصنف وأوردها غيره كإمكان أنْ تكون العين فيها منفعة، لأنّ هناك بعض الأعيان لا منافع فيها؛ وإنما تكون المنفعة في استباحتها وإتلافها دون بقاء العين، ومِن ذلك أنْ تكون العين مباحة أو المنفعة مباحة وغير ذلك مِن الشروط التي لم يوردها المصنف؛ فيُرجع إلى غيره مِن الكتب.

ومَن استأجر شيئًا فله أنْ يقيم مقامَه مَن يستوفيه بإجارة أو غيرها إذا كان مثله أو دونه.


بدأ يتكلم المصنف رحمه الله تعالى عن قضية - ذكرناها أول الدرس - وهي قضية ما يسميه المعاصرون بقضية المنفعة والانتفاع، ونحن نسميها استيفاء المنفعة بنفسه أو يستوفيها بغيره.

قال المصنف: ومَن استأجر شيئًا - سواء كان هذا الشيء دارًا أو دابة أو نحو ذلك - فله أنْ يُقيم مقامه مَن يستوفيه - أي يستوفي هذه المنفعة - بإجارةٍ أو غيرها، يعني إما مجانًا أو مِن باب العاريّة أو مِن باب الإجارة أو نحو ذلك مِن سائر العقود التي تباح، كسلم المنافع - والصحيح مِن المذهب أنه يجوز سلم المنافع -، إذن يجوز له أنْ يقيم غيرَه مقامَه، أيضًا نقول: كلام المصنف: فله أنْ يقيم مَن يستوفيه مطلق؛ فيشمل ذلك ما كان قبل القبض وما كان بعد القبض، فيجوز قبل أنْ يقبض المنفعة أنْ يجعل غيرَه ينوب عنه في استيفائها، يجوز ذلك، إذن يجوز قبل القبض ويجوز بعده، ويجوز بأجرة ويجوز مِن غير أجرة، ويجوز بمثل الأجرة، ويجوز بأكثر مِن الأجرة، يجوز أنْ يستأجر دارًا بألف ويؤجرها بألفين، يجوز ذلك، كل هذا جائز، متى يكون ممنوعًا؟ هناك صورتان، سيورد المصنف صورة وسأورد صورة أخرى، الصورة الثانية عند بعض أهل العلم - وإنْ كان المذهب لا يصححونها - قالوا: إذا اشترط المؤجِّرُ أنْ لا تؤجرها، واضح؟ وهذه دائمًا تكون في مكة - شرّفها اللهُ -، البيوت في مكة إذا استأجرتَ منهم يكتب لك في عقد الإجارة يشترط عليك أنْ لا تؤجرها في موسم الحج، هم يعلمون أنّ الذي يستأجر في موسم الحاج قد يتلف المتاع، هذا الشرط بعض أهل العلم يصححه - وهو القول الثاني في المذهب -، أما مشهور المذهب فإنهم لا يصححون هذا الشرط، ويصححون العقد، لماذا؟ قلتُه قبل نصف ساعة، مَن يقول لي؟ مِن باب تصرف الفضولي الإخوان يعطونكم جائزة(2)، ما هو الشرط الفاسد الذي لا يُفسد العقد؟ الشرط الذي يخالف مقتضى العقد، لأنّ مِن مقتضى العقد - عقد الإجارة – مقتضى العقد أنه يجوز لك أنْ تنتفع بنفسك وأنْ تجعل غيرَك يستوفي المنفعة، هذا مقتضى العقد، فعندما تشترط شرطًا يخالف مقتضى العقد - فعلى المشهور - أنّ هذا الشرط غير صحيح، القول الثاني أنه يصح لأنّ هذا قد يكون لصاحب العقد فيه مصلحة، أنا لا أريد أيّ شخص أنْ يأخذ بيتي! أنا خصصت زيدًا بعينه لأني أعلم أنّ استخدام زيد للبيت استخدام نظيف، وهكذا، أتيت بهذه المسألة فقط لنعرف تطبيق المذهب في قضية الشروط وما يتعلق به.

إذن الصورة الوحيدة على المشهور التي لا يجوز فيها التأجير هي التي ذكرها المصنف قال: إذا كان مثله أو دونه، أي إذا كان المستأجر الثاني أو المنتفِع الثاني سيستخدم هذه العين مثل استخدام الأول أو دونه أي أقل، مثله أو دونه في ماذا؟ دونه في الطول، دونه في القِصَر، دونه في المدة، لا؛ ليس في المنفعة! المنفعة واحدة، السكنى كل الناس يسكنون، الاستخدام كل الناس يستخدمون، الفقهاء يقولون: إذا كان مثله أو دونه في الضرر، انظر هذا القيد مهم جدًا، فلابُدّ هنا أنْ نأتي بعبارة في الضرر، لكي نفهم ما الذي يكون مثله أو دونه، واحد استأجر بيتًا وهو شخص واحد بل هو عائلة فأجرّها لعزّابي – العزّابي واحد - هو دونه، فجاء صاحب البيت قال: أنا أريد أنْ أفسخ العقد لأنك أجرّته لشخص آخر، فيقول لصاحب الدار: هذا دوني، هذا واحد وأنا عائلة خمسة أو ستة! فيأتي صاحب العين فيقول: لا، العزّابي يفسد الدار – ما عنده أحد ينظف البيت، ودائمًا العزّابي يتلف البيت، معروف، بل العزّابي إذا سكن في البيت هرب الجيران من البيت -، فالضرر على صاحب الدار أكبر، إذن مَن كان مثله أو دونه في الضرر، لابُدّ مِن التقييد بالضرر، هذا القيد مهم جدًا، كيف عرفنا هذا القيد؟ نأخذه مِن كتب الفقهاء الأخرى، إذن عرفنا أنها ثلاث حالات.

وإن استأجر أرضًا لزرع؛ فله زرعُ ما هو أقل منه ضررًا؛ فإنْ زرعَ ما هو أكثر منه ضررًا أو يخالف ضررُه ضررَه؛ فعليه أجرة المثل.


هذه المسألة متعلقة بمن استأجر أرضًا للزرع قال: فإنّ له زرعُ ما هو أقل منه ضررًا، لأنّ بعض الثمار مضرة بالأرض، فيذكرون على سبيل المثال - الزّراع - يذكرون مثلًا أنّ زراعة البطاطس هذه مضرة بالتربة، ولذلك كثرة زراعة البطاطس بالتربة مضرة، فإنّه لو أنّ امرئ استأجر أرضًا لزراعة معينة فوضع النوع الذي يضر التربة؛ فإنه يكون مخالفًا في الضرر كما ذكر المصنف فقال: فله زرعُ ما هو أقل منه ضررًا، فإنْ زرعَ ما هو أكبر منه ضررًا أو يخالف ضررُه ضررَه فعليه أجرة المثل، هذه المسألة ذكر الفقهاء - ومنهم صاحب الإنصاف - أنّ قولَ المصنف: فعليه أجرة المثل أنّ المعتمد مِن المذهب على خلافها، يعني في قضية الزراعة إذا زرع ما هو أكبر ضررًا منه أو يخالف ضررُه ضررَه – يعني ضررًا مِن جهة أخرى مِن حيث الملوحة وغيرها - فإنّ له أجرُ المثل، هذا الذي مشى عليه في العمدة، وذكر صاحب الإنصاف أنّ الصحيح مِن المذهب أنّ المستأجر يلزمه المسمى مع تفاوتهما في أجرة المثل، يعني يلزمه أنْ يعطيه المسمى ولا يعطيه أجر المثل في هذه الزراعة، هذه مِن المسائل التي مشى المتأخرون على خلاف ما ذكره المصنف.

وإن اكترى إلى موضع فجاوزه أو لحمل شيء فزاد عليه؛ فعليه أجرة المثل للزائد وضمان العين إنْ تلفت.


نعم، هذه واضحة، قال: إنِ اكترى إلى موضع معين دابةً فجاوزه، يعني المستأجر تجاوز بالدابة ذاك الموضع، قال: أو لحمل شيءٍ فزاد عليه، زاد فيه في الحمولة، قال: فعليه أجرة المثل للزائد، يعني يعطيه ما زاد عن هذه المقابلة في المثل، فإنْ تلفت العين بسبب هذه الحمولة الزائدة أو المسافة؛ فإنه يضمن العين، سواء أكان تلفها بسببه أو بسبب غيره لأنه متعدٍ بزيادة في العين المستخدمة.

وإنْ تلفت مِن غير تعدٍ فلا ضمان عليه، ولا ضمان على الأجير الذي يؤجر نفسه مدة بعينها فيما يتلف في يده مِن غير تفريط.


بدأ يتكلم المصنف عن الأجير الخاص والأجير العام، الأُجراء ينقسمون إلى قسمين:

تكلمنا قبلُ أنّ الإجارة تنقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبار المنفعة والعين، هنا بدأ يتكلم المصنف عن الأُجَرَاء، وبيّن المصنف أنّ الأُجَرَاء ينقسمون إلى قسمين: إما أجير خاص وإما أجير عام، فالأجير الخاص هو الذي يُقَدَّرُ نفعُه بالزمن.

طيب، في أنواع الإجارة الثلاثة التي ذكرناها أول نوع: إجارة عين لمدة معلومة، هذه إجارة العين لمدة معلومة، إذا كانت العين آدميًا فإنه حينئذٍ يكون أجيرًا خاصًا، هذا الأجير الخاص له أحكام تخصه، منها أنه لا يضمن إلّا بالتفريط، ولذلك قال: ولا ضمان على الأجير الذي يُؤجِّر نفسَه مدة بعينها، أي قُدّر نفعه بالزمن - وهو الأجير الخاص - فيما يتلف في يده مِن غير تفريط ولا تعدي، سواء كان يتعدى في الحفظ أو يتعدى في العمل، مثال ذلك: عندما يكون الشخص عنده خادم في بيته أو خادمة في بيته أو عنده أجير في مكتبه - يأتيه بالقهوة والشاي - هذا الأجير الذي استؤجر عنده عندما يقع مِن يده إناء، أو يكون يقود السيارة مِن غير خطأ منه؛ جاء شخص فصدم هذه السيارة! نقول: لا ضمان عليه لأنه أجير خاص، وأما إنْ أخطأ فلا شك أنه يضمن لأنه متعدٍ، هذا يسمى الأجير الخاص، الأجير العام نوعان: أحدهما يضمن مطلقًا، والآخر لا يضمن مطلقًا، وسيأتي في كلام المصنف.

ولا على حجّامٍ أو ختّانٍ أو طبيب إذا عُرِفَ منه حِذْق في الصنعة ولم تَجْنِ أيديهم، ولا على الراعي إذا لم يتعدَّ.


طبعًا الراعي إذا لم يتعدَّ مِن باب الأجير الخاص، وكان الأنسب أنْ يقدمه المصنف ابتداءً لأنه صورة مشابهة بالأجير، لأنّ الراعي في الحقيقة كذلك، إذا كان الراعي لمال الشخص وحده، وأما إذا كان الراعي لأكثر مِن شخص؛ فإنه يكون مِن الأجير المشترك فناسب حينئذٍ أنْ يكون متأخرًا، إذن كلمة الراعي تحتمل احتمالين، والظاهر أنّ المصنف إنما أتى به باعتبار الراعي الذي يكون يرعى لأكثر مِن شخص فيكون حينئذٍ أجيرًا مشتركًا.

الأجير المشترك نوعان، طبعًا والأجر المشترك هو كل مَن قُدِّرَ نفعُه بالعمل، وهو نوعان:

النوع الأول: أنْ يكون الأجير على عمل في مدة لا يستحق نفعه في جميعها، كالطبيب ونحوه، يعني لابُدّ أنْ يكون في مدة، وهو النوع الثاني، إجارة عينٍ لعمل معلوم، وإما أنْ يكون على منفعة مطلقة كالقصّار والخياط.

إذن عندنا نوعان، إما أنْ يكون محددًا الشخص الذي يقوم بهذا العمل، كالطبيب والبيطار، هو الذي يقوم بهذا العمل، وإما أنْ تكون على المنفعة كالخياطة، خِطْ لي هذا الثوب، قد تخيطه بنفسك وقد يخيطه غيرُك، فكلا الحالتين مستويتان.

نبدأ بالصورة الأولى مِن الأجير المشترك، وهو الأجير المشترك الذي حُدد العمل بمدة فقال: ولا على حجّام أو ختّان أو طبيب إذا عُرِفَ عنه حِذْقُ الصنعة ولم تجنِ أيديهم، الحجّام في الحقيقة ليس أجيرًا خاصًا وإنما على سبيل الإطلاق، وإنما هو أجير مشترك ولكن هذا العمل خصّ بزمن، فحينئذٍ يكون ملحقًا بالأجير الخاص في عدم الضمان، فلا يضمن الحجّام ولا الختّان ولا الطبيب، دليل ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَن تطبَّب ولم يُعلم منه الطبُّ؛ فهو ضامن»(3)، مفهومه أنّ مَن عُلِمَ منه الطبُّ فلا ضمان عليه.

طبعًا مِن شرط الطبيب ونحوه؛ ذكر المصنف شرطين قال: حِذْق الصنعة، والأمر الثاني: أنْ لا تجني أيديهم، يعني لم يخطئ في عمله، وبعض أهل العلم يزيد شرطًا ثالثًا وهو الإذن، وهذا الشرط موجود مِن مفهوم كلام المصنف وهو أنه استأجره، فلم يستأجر شخصًا آخر إلّا وقد أَذِنَ له بذلك.

ويضمن القصّار والخياط ونحوهما ممن يتقبل العمل ما تلف بعمله دونما ما تلف مِن حرْزه.


بدأ يتكلم المصنف عن النوع الثاني مِن الأجير المشترك قال: وهو القصار، الذي يقص الثياب، والخياط الذي يخيط الثياب.

قال: ونحوهما ممن يتقبل العمل - دون تحديد مدة أو وقت معين للعمل فيه -؛ فإنه يضمن ما تلف بعمله دونما ما تلف مِن حرْزه، هذا الخياط أو الأجير كلُّ خطأ يقع منه بسبب عمله؛ فإنه يضمنه، سواء كان خطأ منه أو بدون خطأ منه، والدليل على ذلك قالوا: استصلاحًا - كما جاء عن علي رضي الله عنه(4) -، لأننا لو لم نضمن الأجير المشترك خطأه؛ فإنّ كثيرًا مِن الأجراء المشتركين الذين يقومون بالصناعة للناس قد يدعي أنّ هذا خطأ منه غير مقصود؛ فحينئذٍ تضيع حقوق الناس، ولذلك جاء عن علي رضي الله عنه وغيره أنه ضمّن الصُّنَّاع - وهم الأجراء المشتركون -، ولذلك قال: ما تلف بعمله، طبعًا مِن صور التلف بالعمل لنضرب مثالًا الخياط، مَن أعطى خياطًا ثوبًا ثم أخذ الخياط المقاس؛ فلما سَلّم لك الثوبَ إذا بالمقاس غير صحيح، إما أنه كبير أو صغير أو ضيق أو واسع، فنقول حينئذٍ: يضمن، وكيف يكون الضمان؟ يعطيك قيمة القماش الذي خسرتَه أو يأتيك بمثل هذا القماش ويأخذ هو الثوب، وإنْ أخذتَ أنت الثوب ورضيتَ فتأخذ الأرش إنْ كان هناك أرشًا.

مثال آخر لِمَا تلف بسببه أثناء العمل، لو إنك جئت للخياط وقلتَ له: أعطني الثوب، قال لك: ثوبك الفلاني أخطأتُ وأعطيتُه واحدًا! خذ ثوب الثاني، وهذا دائمًا يكون عند غسّال الثياب، نقول: يضمن هذه الغترة التي أتلفها، فلو أنّ غسّال الثياب غسل ثوبَك الأبيض مع ثوب ملون؛ فإذا بثوبك الأبيض أصبح ملونًا؛ يضمن ثوبًا مثل هذا الثوب كقيمته، قيمة هذا الثوب يعطيك إياها، هذا لأنه وإنْ كان قال: أنا والله ليس بإرادتي ولا بتعمد! نقول: يضمن مطلقًا، هذا ما يتعلق بعمله.

قال: دون ما تلف مِن حرزه، قالوا: كما لو سُرِقَ المحلُ مثلًا أو أصابه الحريق ما دام قد وضع الثوب في الحرْز المعتاد عرفًا، طبعًا مفهوم كلام المصنف ما تلف بعمله؛ أنّ ما تلف بغير فعله مثل السارق ونحوه أيضًا فإنه لا يضمنه، لأنه أمين، والأمين في هذا الأمر لا يكون عليه ضمان.

فائدة هنا: إذا ضمّناه؛ فإنه لا يستحق الأجرة، بخلاف الأجير الخاص، فما أتلفه مِن غير تفريط فيستحق الأجرة ولا ضمان.


(1) لعله سبق لسان من الشيخ – حفظه الله -! والظاهر أن صوابه: "العارية"، وكما ستجده بعد أسطر في قوله " وأما المنفعة فإنه لمَا يملكه هو أو بما أُذِنَ له بالانتفاع به كعقود الإجارات وعقود العارية ونحوها". والله أعلم بالصواب.
(2) هنا كلام الشيخ مع بعض الطلبة غير واضح.
(3) حسن. أبو داود (4586) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (635).
(4) "قال الشافعي: وقد روي مِن وجه لا يُثبتُ أهلُ الحديث مثلَه أنّ عليَّ بن أبي طالب ضمَّن الغسال والصباغ، وقال: لا يُصلح الناسَ إلّا ذلك". السنن الكبرى للبيهقي (6/ 202).