موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاء إلى بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَه - شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب العلم من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
 بَابُ فَضْلِ العِلْم إلى بَاب طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْم
 بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ وبَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ
 بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِس إلى بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ
 بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَة إلى بَاب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
 بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْم إلى بَاب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْس
 بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْس إلى بَاب تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه
 بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ إلى بَاب حِفْظِ العِلْم
 بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاء إلى بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَه
شرح كتاب العلم من صحيح البخاري - بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاء إلى بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَه

بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ

- حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ" فَقَالَ: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».


هذا الباب "باب الانصات للعلماء" لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ الرجلَ أنْ يدعو الناس إلى الإنصات له صلّى الله عليه وسلّم، قال: "استنصت الناس" يعني أنْ يأمرهم أنْ ينصتوا لِمَا أقول، والعلماء ورثة الأنبياء، وقد ذكر بعض أهل العلم أنّ الانصات لأهل العلم واجب لِمَا فيه مِن توقير العلم وتوقير صاحب العلم، واستشهد بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ(1) ، وهذا الحديث خرَّجَه الإمام مسلم في صحيحه.

وقوله حدثنا ابن حجاج هو ابن المنهال الأنماطي البصري، حديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة، وقوله: علي بن المبارك وهو أبو مدركة الكوفي، حديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة، عن أبي زرعة وهو ابن عمرو بن جرير البجلي وقد تقدم.

بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ العِلْمَ إِلَى اللَّهِ

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ! فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلاَ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ، قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ - أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ -، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ، قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ؛ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا!! قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ - فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا -، فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ - فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا؛ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا».


"باب ما يستحب للعالم إذا سُئِل أيّ الناس أعلم؟ فيكل العلمَ إلى الله" الحديث الذي عندنا الذي ساقه استشهادًا موضع الشاهد منه "سُئِلَ أيّ الناس أعلم؟ قال: أنا أعلم، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه" انتبهوا، هو الآن موسى عليه السلام قال: أنا أعلم، فلو لاحظنا الآن إذا سُئِل أحد أيُّ الناس أعلم؟ إما أنْ يقول: أنا أو يقول: آخر، الذي في الحديث موسى عليه السلام قال: أنا أعلم الناس، فالحديث يدل على أنّ الإنسان أو العالم إذا سُئِل أيّ الناس أعلم؟ ولو كان هو الأعلم ألا يقول: أنا الأعلم، لكن هل يدل على أنه لا يقول: إنَّ فلانًا هو الأعلم؟ هو مِن حيث هذا اللفظ "أنا أعلم" لا يدل، لكن إذا نظرنا إلى الجملة، قال: " فعتب الله تعالى عليه؛ إذ لم يرد العلمَ إليه" لماذا؟ لأنه لا يحيط بأعلم إلّا الله تعالى، والناس - وإنْ كان فيهم مِن العلماء ومِن الأنبياء - إلّا إنه قد يخفى على أحدهم ما يظهر لغيره، ولهذا موسى عليه السلام هو أفضل مِن الخضر بلا شكّ - سواء قلنا: إنَّ الخضر نبي أو قلنا: إنه ليس بنبي وإنما هو ولي مِن أولياء الله -؛ فإنْ لم يكن نبيًا فموسى نبي، وإنْ كان هو نبيًا فموسى عليه السلام مِن أولي العزم مِن الرسل وهم أفضل الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومع ذلك كان الخضر يعلم شيئًا لا يعلمه موسى عليه السلام، إذن فوجهُ الاستدلالِ مِن هذا هو ما ذكرتُه لكم "قال: أنا أعلم؛ إذ لم يرد العلم إليه" والأمر في هذا واضح، وإسناد الحديث تقدم مرارًا، والحديث مُعاد مُقَطَّع في بعض المواضع.

بَابُ مَنْ سَأَلَ، وَهُوَ قَائِمٌ، عَالِمًا جَالِسًا

- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».


"باب مَن سأل وهو قائم عالمًا جالسًا" يعني أنّ السائل يكون قائمًا والعالم يكون جالسًا، وقوله "باب مَن سأل وهو قائم عالمًا جالسًا" يبدو - والله أعلم - أنه يريد به الجواز، لأنه ثبت في حديث جبريل أنه جلس إلى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأسند ركبتيه إلى ركبتيه وسأل النَّبيَّ عليه الصّلاة والسّلام، فدلَّ هذا على جواز سؤال العالم والسائل واقف والعالم جالس، وإنْما تكلم بعض العلماء في هذا المسألة من جهة الحديث الوارد وهو «مَن أحب أنْ يتمثل له الناس قيامًا فلتبوء مقعده مِن النار»(2) فصرف كلام البخاريّ رحمه الله وبَيّن أنّ مقصودَ الإمام البخاريّ بهذا أنّ مَن سأل وهو قائمٌ العالمَ وهو جالس؛ فإنه لا يدخل في هذا الحديث لأنّ العالمَ على هذه الصفة لم يكن محبًا أنْ يتمثل له الناس قيامًا، وعلى كلٍّ هذا الحديث يدل على الجواز، يعني يكون العالمُ جالسًا والسائلُ قائمًا فلا بأس بذلك، وهذا الحديث خرَّجَه مسلم في صحيحه وإسناده كوفي، وقد مرَّ معنا، فعثمان هو ابن أبي شيبة، وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر، وأبو وائل هو شقيق بن سلمة، كلهم سبقوا.

بَابُ السُّؤَالِ وَالفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الجِمَارِ

- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلاَ حَرَجَ»، قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: «انْحَرْ وَلاَ حَرَجَ». فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ».


"باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار" رمي الجمار عبادة مِن العبادات وقربة مِن القربات، فذكر بعض العلماء أنّ مقصود البخاريّ رحمه الله بهذا بيانُ أنه يجوز أنْ يُسأل العالمُ ويُجيبُ وهو مشتغل بطاعة وقربة إذا كان الجواب لا يقتضي إفسادَ الطاعة التي هو فيها، لكن لو كان يصلي لأنَّ الصلاة لا يجوز فيها الكلام، لكن لو كان يطوف بالبيت فيجوز فيه الكلام، فلو سأله وأجاب لا بأس به، إذا سأله عند رمي الجمار لأنه عند رمي الجمار يشمل ما إذا كان السؤال عند شروعه في الجمار أو بعد انتهائه مِن الجمار أو في أثناء رميه للجمار، لأنّه عند الجمرة يشمل هذا.

إسناد الحديث: أبو نعيم تقدم الفضل بن دكين، وعبد العزيز بن أبي سلمة وهو الماجشون مُخَرَّج له في الكتب السِّتَّة، والزهري مرَ، والبقية مرت.

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا

- حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تَسْأَلُوهُ، لاَ يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ يَا أَبَا القَاسِمِ؛ مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا». قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا.


"باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(3) " وهذه الترجمة هي نص الآية الكريمة، هذه الآية ذكرها في سياق نزولها وهو الحديث الذي خرَّجَه البخاريّ ومسلم أيضًا في هذا، وهي ظاهرة في الدلالة ولا تحتاج إلى بيان، لكن المقصود في هذه الترجمة أنّ الإنسان مهما أوتي مِن العلم فعليه أنْ يطلب الزيادة منه لأنّ ما أوتي مِن العلم يعد شيئًا قليلًا، وهذا على قوله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم وهو أعلم الناس: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(4).

وإسناد الحديث قيس بن حفص هو الدارمي البصري، خَرَّجَ له البخاريّ ولم يُخَرِّجْ له مسلم، وعبد الواحد بن زياد البصري مُخَرَّج له في الكتب السِّتَّة، والأعمش سبق، وابراهيم هو النخعي سبق، وعلقمة هو ابن قيس وقد سبق، قال: الأعمش: هكذا في قراءتنا، يعني "وما أوتوا" والأعمش اختلف عليه في هذه القراءة، فمنهم مَن رواها كما المشهور في قراءة الآية: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(5) وهي رواية وكيع عنه، ومنهم مَن رواها على هذه القراءة ﴿وما أوتوا﴾  كعيسى بن يونس، لكن الرواية الأعمش ليست مِن القراءات المتواترة بل مِن القراءات الشواذ.

بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ

- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ - بِكُفْرٍ، لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ» فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ


هو "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أنْ يقصر فهمُ بعض الناس عنه؛ فيقعوا في أشد منه" معنى هذا الباب أنّ الإنسانَ إذا أراد أنْ يُحدّث لو كان يترتب على هذا التحديث مفسدة أعظم مِن مفسدة ترك التحديث؛ فإنه يترك التحديث خشية مِن وقوع مفسدة أعظم، واستشهد بقصة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لأنّ البيت لم يكن على بناء ابراهيم؛ فقال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لعائشة: "لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة ولجعلت لها بابين" فالنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ترك إعادةَ الكعبة على قواعد ابراهيم خشية أنْ تتغير قريش عليه، فقد يرتد ويكفر بالله العظيم مَن قد كان آمن بالنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لأنهم كانوا يعظمون البيت غايةَ التعظيم؛ فإذا نقضه ظنوا أنًّ ذلك الفعل مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يدل على عدم اكتراثه وتعظيمه للكعبة التي وَرِثوا تعظيمَها مِن الخليل عليه الصّلاة والسّلام، فخشي النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يفهموا ذلك فترك إعادةَ البيت على قواعد ابراهيم.

هناك علم وهناك فتيا، ليس كل عالم يصلح أنْ يكون مفتيًا، المفتي هو الذي يكون عنده علم ويراعي الأحوال والظروف التي يفتي فيها، فشيخ الإسلام بن تيمية ذكر في السياسة الشرعية تعرفون أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، قال في الخوارج: «لأنْ أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»(6) يقول أنه يجوز للإمام أنْ يترك قتلهم بالإجماع إذا خشي مفسدةً، لكن عثمان مِن باب الورع لأنهم كانوا يريدونه هو.

بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا

- وَقَالَ عَلِيٌّ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ.

- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ"، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ – ثَلاَثًا -، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ - إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذن يَتَّكِلُوا» وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.

- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»، قَالَ: أَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لاَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا».


"باب مَن خصّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألّا يفهموا" الباب الذي قبله هو ترك التحديث، أما هنا فهو تخصيص طائفة بالحديث دون طائفة أخرى، والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث معاذ خَصَّه، خصَّ معاذ بهذا الحديث، والقوم الآخرون لم يحدثهم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بهذا الحديث لعلة وهي كراهية ألّا يفهموا، لأنّهم لو سمعوا هذا الحديث ربما اتكلوا عليه؛ فتركوا الأعمال بناء على فهمهم لِمَا يقوله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدل ذلك على أنه عند التحديث فلا بأس مِن أنْ يُحدّث قومًا دون آخرين ويُخَصّوا بالتحديث لِمَا رزقهم الله تعالى مِن الفهم من استعمال الدليل في موضعه، ويترك الحديث فلا يحدث به آخرون، لكن شريطة أنْ لا يكون هذا الحديث ما تتعلق به حاجتُهم في عبادتهم لربهم، هناك فَرْق، يعني الإنسان أحيانًا يترك بعض الأحاديث المتعلقة مثلًا ببعض الفضائل أو ببعض ما يكون في اليوم الآخِر مما هو داخل في جملة الإيمان باليوم الآخر لأنّ بعض الناس قد يفهمونه على غير وجهه، فالشاهد أنّ تخصيصَ بعض الناس بالحديث وترك التحديث لبعض الناس هذا سُنّة عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، قال علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون؛ تريدون أنْ يُكذب اللهُ ورسولُه" ومقالة أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه هذه توافق الحديث، ذكرها المؤلف هنا لأنّ تحديث الناس بكل شيء قد يَؤول إلى تكذيب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لكن يُحدث الإنسانُ الفَهِمُ، ثم ذكر إسناد علي رضي الله عنه، وهذا مثل ما مرّ معنا في حديث سابق قَدَّم المتن ثم ساق الإسناد.

قال: حدثنا عبيد الله بن موسى وسبق وهو باذام، عن المعروف بن خرَّبوذ وهو المكي وكان مِن أهل الأخبار، خَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، عن أبي الطفيل وهو عامر بن واثلة صحابي ولد عام أُحد، عن علي رضي الله عنه بذلك، بعض أهل العلم يقول: هذا ملحق بثلاثيات البخاريّ لماذا؟ لأنّ الإسناد هنا رباعي لكن اثنان منه صحابة، لكن يُشكل عليه أنه ليس بمرفوع! فهل الثلاثيات حتى لغير المرفوع؟ قد يكون ذلك، لأنه إذا عندك غير المرفوع إذا نظرنا إليه هو يكون بينه وبين النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أربعة أو ثلاثة.

والحديث الآخر هو واضح في الدلالة وقد خرَّجَه الإمام مسلم حديث معاذ رضي الله تعالى عنه، واسحاق هو بن راهويه، ومعاذ بن هشام وهو الدستوائي.

والإسناد الآخر هو حديث معاذ رضي الله عنه الثابت إسناده قد تقدم كثيرًا لكن فيه قوله: "ذُكِرَ لي" قول أنس رضي الله عنه "ذُكِرَ لي" لماذا؟ لأنّ معاذًا رضي الله عنه مات بالشام؛ وأنس كان بالمدينة، وهذا الحديث حدث به معاذ عند موته رضي الله عنه كما في الرواية السابقة قال: "تأثمًا" أي تجنبًا للوقوع في الإثم لئلا يكون أدى ما أخذه الله تعالى على أهل العلم مِن البيان، ومثل هذا قوله "ذُكِر لي" محمول على أنه سمعه مِن أحد مِن الصحابة لأنه لا يمكن لصحابي أنْ يقول ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو لم ينقله عن عدل! جاء في رواية للبخاريّ أنه نقله عن أحد المخضرمين وهو عمرو بن ميمون الأودي، وجاء في النسائي أيضًا الحديث مِن رواية عمرو بن ميمون عن معاذ، فيمكن أنْه أخذه مِن عمرو بن ميمون ويمكن أنْه أخذه مِن عبد الرحمن بن سمرة، يعني عبد الرحمن بن سمرة لأنه عبد الرحمن بن سمرة قد روى هذا الحديث عن أنس رضي الله عنه في النسائي وهما أقرب الرواة إلى أنْ يأخذ عنهم أنس بن مالك، لأنّ المخضرم عمرو بن ميمون أدرك عهدَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لكن لم يؤمن به، لكن ذكر الحافظُ ابن حجر رحمه الله أنه لم يقف في شيء مِن طرق هذا الحديث على مَن حدَّث أنسًا بهذا الحديث عن معاذ، لكنّ العلماء استشفّوا ونظروا في الطرقً فنظروا أنّ أقرب مَن يحدث عنه أنس لعله – احتمالًا – عبد الرحمن بن سمرة وإما عن عمرو بن ميمون.

بَابُ الحَيَاءِ فِي العِلْمِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "لاَ يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلاَ مُسْتَكْبِرٌ"، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: "نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ".

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَأَتِ المَاءَ» فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَهَا -، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟».

- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ النَّخْلَةُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: "لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا".


"باب الحياء في العلم" ومرادُه بذلك أنّ السؤال عن العلم ليس فيه حياء، مع أنَّ الحياء مِن الإيمان، تقدم "باب الحياء مِن الإيمان" لكن هذا شيء وهذا شيء آخر، الحياء مِن الإيمان لكنّ الحياء في العلم لا يدخل في الحياء مِن الإيمان، لأنّ المطلوب مِن المسلم أنْ يتعلم، ولهذا يقول العلماء: إذا استحيا في العلم فهو في حقيقته ليس بمستح!

وقال مجاهد: "لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر" يعني أنّ العلم لا يناله مستح لأنه يفوت عليه خير كثير، والمستكبر هو الذي يتعاظم في نفسه ويرى غيرَه دونه، فإذا رأى غيره دونه لم ينتفع به، ولهذا أهل العلم ذكروا أنه لا يكون الإنسان عالمًا حتى يأخذ ممن فوقه وممن دونه، ولهذا عند العلماء رواية الأكابر عن الأصاغر، وروى الصحابة عن التابعين وهي موجودة في صحيح البخاريّ، رواية الصحابي عن التابعي عن الصحابي؛ فلم يستنكر الصحابي عن أنْ يروي عن التابعين مع جلالة الصحابي وقدْرِه، وقالت عائشة: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أنْ يتفقهن في الدين" هذا وصله الإمام مسلم في صحيحه في سؤال المرأةِ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عن الحيض والتطهر له، فهي امرأة والأصل في المرأة أنَّها تستحي ولكن لمّا كان الحياء في باب السؤال عن الدين غير مشروع؛ صارت هذا منقبة وليس بمذمّة، وأثر مجاهد السابق خرَّجَه الدارمي والبيهقي في مدخله وأبو نُعيم في الحلية وخرَّجَه أيضًا غيرُهم.

وإسناد الحديث الأول محمد بن سلام هو البيكندي، وأبو معاوية؛ محمد بن خازم، وهشام هو ابن عروة، عن أبيه عروة، عن زينب ابنة أم سلمة، هي بنت عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أبي سلمة زوج أم سلمة رضي الله عنها التي تزوجها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بعده، وإنما يُنسب بعض الناس إلى أمه لوجود معنىً أو شرف، لأنَّ أم سلمة كانت زوجة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فإذا كانت زينب ابنتُها ربيبةَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا مِن الشرف لها، وهذا الحديث خرَّجَه الإمام مسلمٌ في صحيحه.

والحديث الآخر إسناده تقدم مرارًا، لكنّ الشاهد فيه قوله "فاستحييت" لأنَّ ابن عمر استحيا، طيب كيف يكون هذا "باب الحياء في العلم"؟ لأنّ ابن عمر لَمّا استحيا فاتته فضيلةٌ وهي الجواب عن سؤال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فربما لو أنَّه أجاب لدعا له النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بدعوة كما دعا لغيره، أو أنه أذهب عن نفسه أيضًا فضيلة فلو صدقه النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ذلك فإنها تُعَدُّ مِن مناقبه، فقد قال في الحديث: "فاستحييت" فدلَّ ذلك على أنَّ الحياء قد يُذهب الفضيلة للإنسان، ولهذا عمر رضي الله عنه لمّا حدثه ابنُه بهذا، قال عمر رضي الله عنه: "لأنْ تكون قلتَها أحبُّ إليَّ مِن أنْ يكون لي كذا وكذا" فأبهم ولكنه يريد شيئًا كثيرًا.

بَابُ مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ

- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِيهِ الوُضُوءُ".


"باب مَن استحيا فأمر غيرَه بالسؤال" يعني أنَّ مَن استحيا مِن السؤال عمّا يحتاج إليه مِن العلم فأمرَ غيره أنْ يسأل فلا بأس بذلك، لكنه لا يدع السؤال! انتبهوا، في الأول إذا استحيا، ابن عمر ترك الجواب، لو أخبر أباه أو أخبر غيره ممن هو بجانبه يمكن يتحصل على الفضيلة، الإنسان إذا لم يستطع أنْ يسأل بنفسه؛ فإنَّ هذا الحياء لا يمنعه أنْ يسأل لغيره، وهذا سُنّة وهذا سُنّة لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَقَرّه على ذلك، وهذا الحديث رواه مسدد وقد تقدم، قال: حدثنا عبد الله بن داود وهو ابن عامر الخريبي البصري خَرَّج عنه البخاريّ ولم يخَرَّجَ له مسلم، عن الأعمش عن منذرٍ الثوري وهو منذر بن يعلى؛ أبو يعلى الثوري الكوفي، وقد خَرَّجَ حديثَه أصحابُ الكتب السِّتَّة، ومحمد وهو ابن الحنفية؛ محمد بن علي بن أبي طالب يُنسب إلى أمه، والحديث خرَّجَه مسلم في صحيحه.

بَابُ ذِكْرِ العِلْمِ وَالفُتْيَا فِي المَسْجِدِ

- حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


"باب ذِكْرِ العلم والفُتيا في المسجد" يعني بأنَّها جائزة ولا بأس بها، فقد سُئِل النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في المسجد وهو مسجده عليه الصّلاة والسّلام في المدينة، وهذا داخلٌ في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ(7) لأنَّ العلم والفُتيا كلَّها مِن ذِكْرِ الله جلّ وعلا، ودلالة الحديث مطابقة للترجمة، وهذا الحديث خرَّجَه مسلمٌ في صحيحه ورجاله كلهم سبقوا مرارًا.

بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ

- حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لاَ يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلاَ العِمَامَةَ، وَلاَ السَّرَاوِيلَ، وَلاَ البُرْنُسَ، وَلاَ ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ».


"باب مَن أجاب السائل بأكثر مما سأله" يعني أنَّ المسئول إذا سُئِل فالمتعين عليه لزامًا أنْ يكون جوابه مطابقًا للسؤال لأنَّ هذا البيان الذي أوجبه الله؛ فإنْ زاد في جوابه ما يرى أنَّ السائل يحتاج إليه فلا بأس بذلك، والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث الرجلُ سأله عما يلبس المحرمُ، والذي يلبسه المحرم كثير، فأجابه عليه الصّلاة والسّلام بما لا يلبس، لأنَّ الأصل حلّ اللباس، الأصل في اللباس الحلّ، فأجابه بما هو محظورٌ عليه في الإحرام، لكن لو رأينا إلى جواب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم هو لم يقل له: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرانس ولا الخفاف فقط سكت! لا، ذكر حالة أخرى لم يسألها السائل وهي حالة الاضطرار، عندنا حالة اختيار وعندنا حالة اضطرار، فالنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أعطاه شيئًا لم يكن هو سأل عنه فقال: "إذا لم يجدِ النعلين فليلبس الخفين ولْيقطعهما أسفلَ مِن الكعبين" فدل ذلك على أنَّ المسئول قد يجيب أحيانًا بأكثر مما سأله السائلُ، ولا سيما إذا ظهرت على السائل أمارات عدم المعرفة أو الاحتياج إلى حكمٍ لم يكن هو سأل عنه.

وبهذا يتمُّ كتابُ صحيح البخاريّ بهذا الحديث - حديث ابن عمر رضي الله عنه المُخَرّج في الصحيحين.

ونسأل الله جل وعلا أنْ يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، وأنْ يوفقنا لِمَا يحب ويرضى؛ وأنْ يغفر للإمام البخاريّ رحمه الله وأنْ يجزيه عن الإسلام خيرَ الجزاء وصلّى الله على نبيّنا محمد.


(1) الحجرات: 2.
(2) صحيح. الترمذي (2755) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (5957).
(3) الإسراء: 85.
(4) طه: 114.
(5) الإسراء: 85.
(6) صحيح البخاري (3344) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(7) النور: 36.