موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ إلى بَاب حِفْظِ العِلْم - شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب العلم من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
 بَابُ فَضْلِ العِلْم إلى بَاب طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْم
 بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ وبَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ
 بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِس إلى بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ
 بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَة إلى بَاب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
 بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْم إلى بَاب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْس
 بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْس إلى بَاب تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه
 بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ إلى بَاب حِفْظِ العِلْم
 بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاء إلى بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَه
شرح كتاب العلم من صحيح البخاري - بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ إلى بَاب حِفْظِ العِلْم

بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ

- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "خَرَجَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ؛ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ، وَبِلاَلٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ" وقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


بسم الله الرحمِن الرحيم

قوله: "باب عظة الإمامِ النساءَ وتعليمهن" ثم ساق حديث ابن عباس رضي الله عنه وهو واضح الدلالة على مقصود المؤلف، وسيأتي إنْ شاء الله باب المعقود يدل على ما دلَّ عليه هذا الحديث، وعطاء الذي في الإسناد هو عطاء بن أبي رباح، والرواية المعلقة التي ذكرها المؤلف هو قال: اسماعيل وهو اسماعيل بن عُليّة قد وصلها في كتاب الزكاة من صحيحه، لكن هو أراد بهذا التعليق بيان أنّ الشهادة كانت مِن ابن عباس عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّه في الرواية التي معنا سمعت عطاء، قال: سمعت ابن عباس، قال: أشهد على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس، فهنا حصل شك مِن الراوي؛ فجاء المؤلف رحمه الله بهذه الرواية المرجحة لأحد الجانبين؛ وأنّ ابن عباس شهد على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، شهادتُه على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إنما جاء بها لتأكيد وقوعِ ذلك منه عليه الصّلاة والسّلام.

بَابُ الحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ

- حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ».


هذا الحديث خرَّجَه البخاريّ وحده ولم يُخَرّجْه مسلم، وإسناده مدني وقد تقدم، عبد العزيز بن عبد الله هو الأويسي، وسليمان هو ابن بلال، وأما عمرو بن أبي عمرو فهو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب وحديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة، وسعيد بن أبي سعيد المقبري مَرّ.

و"باب الحرص على الحديث" والاستدلال به أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم شهد لأبي هريرة رضي الله عنه بحرصه على الحديث ولم ينكر النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على أبي هريرة هذا الحرص؛ بل إنَّ الحديث مشتملٌ على بيان فضيلة الحرص على الحديث، لأنَّه عليه الصّلاة والسّلام، قال: «لقد ظننت يا أبا هريرة أنْ لن يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أوّل منك» فالنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمّا رأى حرص أبي هريرة ظنَّ أنَّه لا يسأله أحدٌ عن ذلك قبل أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا السياق ظاهره سياق المدح لحرص أبي هريرة رضي الله عنه؛ فدلَّ ذلك على أنَّ الحرص على الحديث والعلم مُرَغّبٌ.

بَابٌ: كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ

وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلاَ تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم، وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا، حَدَّثَنَا العَلاَءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ.

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.


"باب كيف يُقبض العلم" ذكر فيه كتابَ عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر وهو محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وقد ولّاه عمر رضي الله تعالى عنه في خلافته إمرة المدينة، قال: انظر ما كان مِن حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاكتبه، وهذا فيه جمع أحاديث النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حتى قيل: إنَّ أول جمْع لها كان في عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله، "فإني خِفتُ دروسَ العلم" ودروسُ العلم معناه ذهاب العلم وذهاب العلماء، يعني المراد به موت العلماء، "ولا تَقبل إلّا حديثَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولتُفشوا العلمَ، ولتجلسوا حتى يُعلَّم مَن لا يعلم؛ فإنَّ العلم لا يهلك حتى يكون سِرَّا" هذا الأثر أثر عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فيه بيان أسباب ضياع العلم، وهو معنى قبض العلم، لأنّ قبض العلم معناه ذهابه وعدم انتشاره في الناس، فأول ذلك إذا عرفنا أسباب بقائه عُلِمَ أنَّ ما يضادها هو أسباب ذهاب العلم، فقال: "ولتفشوا العلم" معناه تذيعوه وتنشروه، والثاني: الجلوس لمن يريد التعلم أو الجلوس للناس حتى يُعلَّم أو حتى يَعلَمَ - كلاهما وارد - مَن لا يعلم "فإنَّ العلم لا يهلك حتى يكون سِرًّا" إذن العلم يحتاج إلى إشهاره وإظهاره بين الناس ولا يكون سِرًّا بين الناس، والثانية: أنْ يُجلس حتى يتعلم الناس، يعني أنَّ العلماء يجلسون حتى يتعلم الناس منهم، فإذا لم يجلس العلماء ولم يُنشر العلم؛ فإنَّ العلم حينئذٍ لا يكون في الناس ثم بعد ذلك يكون سببًا مِن أسباب رفع العلم الذي بمعنى قبضه، وهذا الأثر خرَّجَه البخاريّ بعد ذلك بإسناده، وهذا قليل في صنع البخاريّ أنه يأتي بالمتن ثم يسوق الإسناد.

قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار وهو العطار، وخَرَّجَ عنه البخاريّ ولم يُخَرّج عنه مسلم، وعبد العزيز بن مسلم هو القسملي، وخَرَّجَ عنه الشيخان، عن عبد الله بن دينار بذلك، يعني الحديث.

الحديث الآخر إسناده قد تقدم كثيرًا، والشاهد منه «إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه مِن العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء» فقبضُ العلم يكون بقبض أهله، هذا معنى قول عمر بن عبد العزيز "وذهاب العلماء".

وهذا الحديث خرَّجَه أيضًا الإمام مسلم في صحيحه، قال الفِربري حدثنا عباس، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جرير، الفِربري هو محمد بن يوسف الفِربري متوفى سَنَة "321" وهو راوي صحيح البخاريّ وهو أشهر الروايات عن البخاريّ، قال: حدثنا عباس، عباسٌ هذا أهمله الحافظ ابن حجر ولم يتكلم عليه، وذكر العينيُّ أنَّه العباس بن الفضل الهروي، وهذا وهمٌ مِن العينيّ، لأنَّه هو ذكر في نفس الشرح ذكر أنَّه وُلِدَ بعد ابن ماجة، ابن ماجة توفي سَنَة "273" وقتيبة بن سعيد توفي سَنَة "240" فلا يمكن أنْ يكون قد روى عنه؛ لأنَّه يكون قد وُلِدَ بعده بأكثر مِن ثلاثين عامًا، والفِربري ولد سَنَة "231" وقتيبة "240" وبينهما عباس هذا، عباس هذا الأقرب - والله أعلم – أنه الدوري، عباس الدوري، لأنَّ العباس الدوري مِن هذه الطبقة، يعني ابن معين مِن طبقة أحمد، وقتيبة مِن طبقة أحمد بن حنبل، فالظاهر - والله أعلم - أنَّه العباس بن محمد الدوري راوية ابن معين، وهذا يُعدُّ عند العلماء من زيادات الفِربري على كتاب البخاريّ، يعني هذا لا يُسند إلى البخاريّ لأنَّه لا يذكر البخاريّ، هذا مِن زيادات الفِربري، كما أنَّ مسلم فيه زيادات ابراهيم بن سفيان، وهذا الرواية رواية قتيبة لهذا الحديث خرَّجَها أيضًا مسلمٌ في صحيحه.

بَابٌ: هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِي العِلْمِ؟

- حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ».

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "ثَلاَثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ".


"باب هل يُجعل للنساء يومٌ على حدةٍ في العلم" يعني هل تُخصّ النساء بيوم يُعلمنّ فيه أو لا؟ ذَكَرَ فيه النساء اللاتي - حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه - حين وعد النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم النساءَ بيومٍ لقيهنَّ فيه وحدثهنَّ ووعظهنَّ وأمرهنَّ، لكن هل كان ذلك على سبيل الدوام؟ لم يُنقل أنَّه على سبيل الدوام، لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُحدث الناس في المسجد، كان يصلي معه عليه الصّلاة والسّلام الرجال والنساء، فظاهر تبويبِ البخاريّ يعني كأنَّه يقول: إنَّ هذه حادثة معينة وقعت؛ فتردد البخاريّ في كون هذه هل تكون طريقة متبعة بمعنى تخصيص النساء أو أنَّ هذه القصة مِن العوارض التي لو حدّثهنَّ أو وعدهن يومًا لكن بدون استمرار فلا بأس بذلك؟ أما وضع يوم مختص بهنَّ هل وردت فيه السُّنَّة أو لا؟ كأنَّ البخاريّ رحمه الله يتردد في هذا، وإسناد هذا الحديث قال: حدثنا آدم وهو ابن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال حدثنا ابن الأصبهاني وهو عبد الرحمن بن عبد الله الأصبهاني الكوفي مُخَرَّج له في الصحيحين، وبقية الإسناد سبق الكلام عليهم، والحديث مُخَرَّج في الصحيحين، ثم أسند البخاريّ هذا الحديث مِن وجهٍ آخر وهو إسنادٌ أنزل مِن الإسناد الذي تقدم، لأنَّ الإسناد الذي تقدم: آدم عن شعبة عن ابن الأصبهاني عن أبي صالح عن أبي سعيد فهو خماسي، أما الإسناد الثاني فهو سداسي لكن أتى به لنكتة وهي أنّ المبهم وهي ابن الأصبهاني هنا قد بينتْه الروايةُ الأخرى وهو أنَّه عبد الرحمن بن الأصبهاني، وأيضًا في رواية بن الأصبهاني جاء التقييد في اللفظ "ثلاثة لم يبلغوا الحنث" الحديث الأول ليس فيه لم يبلغوا الحنث وإنما أطلق الولد، فدلَّ هذا على أنّ الذي تُحجب به المرأة مِن النار الأولاد الصغار الذين لم يبلغوا الحنث، وهذه الرواية رواية الأصبهاني جاءت بهذا المعنيين: لوجود لفظ الحنث وهو ظاهر، وأيضًا لبيان ابن الأصبهاني، وإنْ كان في الثاني أقوى، وهذا الحديث خَرَّجَها الإمام مسلم في صحيحه مِن رواية معاذ عن شعبة.

الرواية الأولى كانت عن أبي سعيد الخدري أوردها مِن أجل رواية المبهم عبد الرحمِن، الثاني رواية أبي هريرة أوردها للزيادة التي فيها، والرواية خَرَّجها مسلم.

بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَاجَعَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ

- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ شَيْئًا لاَ تَعْرِفُهُ، إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا(1) قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ».


هذا الحديث أيضًا خرَّجَه مسلم في صحيحه وأورده البخاريّ في "باب مَن سمع شيئًا فراجع حتى عرفه" بمعنى أنّ مَن سمع شيئًا مِن الحديث أو العلم فإنه إذا لم يكن عالمًا به أو عارفًا أو فاهمًا له فراجع فيه؛ فلا بأس بذلك، لأنّ عائشة راجعت النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم حتى تعرف المرادَ مِن قوله عليه الصّلاة والسّلام.

وسعيد بن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي المصري، مِن رواة الكتب السِّتَّة، قال: أخبرنا نافع بن عمر وهو نافع بن عمر القرشي الجمحي المكي، وهو مِن أصحاب الكتب السُّتَّة، وابن أبي مليكة مرّ.

بَابٌ لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ

قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا، قَامَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ ...(2)



ابن شهاب هو الزهري، وعبيد الله بن عبد الله هو ابن عتبة بن مسعود، وكل هؤلاء تقدموا، والشاهد فيه قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «إيتوني بكتاب؛ أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده» فالنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أراد أنْ يكتب، وهذا دليل على جواز كتابة الحديث، لكنّ الذي منعَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم منه شيء آخر؛ ليس هو عدم جواز الكتابة! ولكن أمرٌ آخر، وهذا الحديث خرَّجَه مسلم في صحيحه، لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لا يمكن أنْ يَهُمّ إلّا بأمر أباحه الله.

بَابُ العِلْمِ وَالعِظَةِ بِاللَّيْلِ

- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ».


هذا "باب العلم والعظة بالليل" وذُكِرَ في بعض النسخ أنه "باب العلم واليقظة في الليل" اختار هذا العيني ورأى أنه الأنسب، قوله حدثنا صدقة وهو ابن الفضل المروزي شيخ البخاريّ ولم يخَرَّجَ له مسلم، وابن عيينة هو سفيان، ومعمر هو ابن راشد، والزهري هو ابن شهاب، عن هند وهي بنت الحارث الفراسية خَرَّجَ لها البخاريّ دون مسلم، عن أم سلمة وهي أم المؤمنين رضي الله عنها، قال: وعمرو وهو ابن دينار، ويحيى بن سعيد عن الزهري، وهذا معطوف، قال: عن ابن عيينة عن معمر عن الزهري، وهذا معطوف على قوله: عن ابن عيينة أي ابن عيينة عن معمر ويحيى بن سعيد عن الزهري، قال: استيقظ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة فقال: «سبحان الله! ماذا أنزل الليلة مِن الفتن، وماذا فُتِحَ مِن الخزائن»، «ماذا أنزل الليلة مِن الفتن» هذا هو العلم الذي نزل على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيما يتعلق بالفتن تلك الليلة، ثم ذكر «أيقظوا صواحبات الحجر» يعني أزواجه، الشاهد منه أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ذكر لأمهات المؤمنين ما أُنزل عليه تلك الليلة مِن العلم ووعظهن لأنه قال: «أيقظوا صواحبات الحجر؛ فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» فجمع بين العلم والعظة، والشاهد منه عند المؤلف رحمه الله أنّ العلم كما يكون بالليل أيضًا يكون بالنهار، وهذا الحديث تفرَّد به البخاريّ عن مسلم.

بَابُ السَّمَرِ فِي العِلْمِ

- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ».

- حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الغُلَيِّمُ» أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ.


"باب السَّمَر بالعلم" والمراد بالسَّمَر هو الحديث في الليل، والمقصود بذلك هو الحديث بالعلم في الليل، والباب الذي قبله "باب الموعظة بالليل" هذا جاء لأمر عارض، والثاني كأنه يقول: إنَّ السَّمَر بالعلم في الليل حتى ولو لم يكن ثمة عارض أنه لا بأس به، لماذا لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في صلاة العشاء يكره النوم قبلها والحديثَ بعدها، وثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه تحدث بعد العشاء، فحَدَّثَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه كما في حديث عبد الله بن عمر "أرأيتكم ليلتكم هذه" كان حديثه بعد العشاء، فلمّا كان هذا العلم لم يكن داخلًا في كراهية النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الحديث بعد العشاء.

والحديث الثاني اختلف أنظار العلماء في بيان دلالته على الترجمة، فمنهم مَن رأى أنّ الدلالة عليه جاءت مِن رواية أخرى لأنه ثبت في صحيح البخاريّ مِن وجه آخر أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم تحدث ساعة قبل أنْ ينام، والحديث بالليل السَّمَر، وبعض العلماء قال: لا، إنَّ السَّمَر في العلم هنا قال: السَّمَر في العلم، ابن عباس رضي الله عنه لمّا بات عند خالته ميمونة رضي الله عنها كان ينظر إلى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ماذا كان يفعل، فكان يتعلم منه، فهذا قائم مقام الحديث، قائم مقام القول، لأنه كان ينظر إلى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ويرى فعلَه ليتأسى به عليه الصّلاة والسّلام ويعلم سنته، وهذا مثله مثل الذي يستمع إلى حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومنهم مَن قال: إنَّ العادة جرت أنَّ الإنسان إذا دخل بيته بعد العشاء لا يكون صامتًا؛ بل يتحدث إلى أهل بيته ومَن هو في بيته حديثًا ولو كان يسيرًا، وعلى كلٍّ هو لم يأت النهي عن طلب العلم في الليل، وقد ثبت الحديث في الليل، وثبت عن أبي هريرة وأبي الدرداء رضي الله عنهما كتابة الحديث والعلم في الليل فلا بأس بذلك.

والحديث الأول خرَّجَه مسلم في صحيحه وفيه مِن الرواة قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد وهو ابن مسافر أبو خالد الفهمي خَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، وقوله: عن سالم وأبي بكر، سالم هو ابن عمر، وأبو بكر هو ابن سليمان بن أبي حثمة القرشي العدوي أخَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، وليس له عند البخاريّ سوى هذا الحديث.

وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه فيه آدم وشعبة وتقدم كثيرًا، والحكم هو الحكم بن عُتيبة، وحديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة.

بَابُ حِفْظِ العِلْمِ

- حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلاَ آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى(3) إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ(4) إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لاَ يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لاَ يَحْفَظُونَ".

- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ؟ قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ضُمَّهُ" فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ.

- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ ".


"باب حفظ العلم" تقدم "باب الفهم في العلم" وهنا "باب حفظ العلم" فدلَّ ذلك على أنّ العلم يُنال بالفهم والحفظ، ولا يقال: يكفي الفهم! ولا يقال: يكفي الحفظ! وأبو هريرة رضي الله عنه كان يحفظ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكان يلزم رسولَ الله بشبع بطنه، أي أنه يكتفي بما يُشبع بطنَه ثم يجلس إلى رسول الله يسمع منه الحديث، وهذا مِن أسباب حفظ أبي هريرة، ثم إنَّ الحديث الآخر أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمّا اشتكى إليه أبو هريرة رضي الله عنه أنه ينسى الحديثَ أَمَرَه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يبسط رداءه وأمره بضمه، وفي بعض الأحاديث أنه عليه الصّلاة والسّلام دعا له، ثم كانت الثمرة ما في الحديث الثالث وهو أنّ أبا هريرة رضي الله عنه حفظ مِن رسول الله وعاءين، هو كان ينسى فكانت معجزة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه أمره فبسط رداءه ثم قال: "ضمه" فما نسي شيئًا بعد ذلك، يعني لم ينس شيئًا مِن الحديث بعد ذلك كما صرحت به الروايات الأخرى، ثم ذكر الحديث الآخر، قال: حفظت مِن رسول الله، فدلَّ ذلك على الحفظ، ودلَّ أيضًا على أنّ هذا الحفظ الذي حفظه أبو هريرة هو ثمرة ما صنعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أحد هذين الوعاءين بثَّه والوعاء الآخر لم يبثه لأنه يتعلق بالفتن ونحوها، ولا يتعلق بشيء مما يتعلق بالأحكام الشرعية، فخشي أبو هريرة أنْ يُحدث به فتقع به الفتنة أعظم مما كان، وهذا يدل على أنّ الإنسان إذا حدَّث في أماكن لا يُحَدّث بشيء لا يترتب عليه ما هو اسوأ منه، وسيأتي إنْ شاء الله بعد قليل بابٌ متعلق بهذا، والشاهد مِن هذا أنْ حفظَ العلم مطلوب كما أنّ فهمه مطلوب؛ فلا يستغني هذا عن هذا ولا هذا عن هذا.

قوله في الحديث الأول: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله وهو الأويسي، وقد تقدم، وتقدم إسناده كله، والحديث خرَّجَه مسلم في صحيحه.

الحديث الثاني، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر أبو مصعب وهو الزهري الذي يروي عن الإمام مالك رحمه الله موطأه، قال: حدثنا محمد بن ابراهيم بن دينار وهو المدني الذي يُلقب صندل، وحديثه مُخَرَّج بالكتب السِّتَّة، عن ابن أبي ذئب وهو محمد بن عبد الرحمن وقد تقدم، عن المقبري وتقدم، وهذا الحديث سنده مدني ولم يخرجه الإمام مسلم.

ثم ذكر البخاريّ قال: حدثنا ابراهيم وهو بن المنذر الحزامي وقد تقدم، حدثنا ابن أبي فُديك وهو محمد بن اسماعيل بن أبي فديك، قال: حدثنا بهذا، أو قال: "غرس بيده فيه" هذه الرواية التي ذكرها المؤلف هاهنا خَرَّجَها المؤلف رحمه الله في علامات النبوة عن ابراهيم بن المنذر عن ابن أبي فُديك، وإنما ذكرها المؤلف رحمه الله لزيادة قوله فيه.

والحديث الأخير في هذا الباب وهو حديث اسماعيل وهو ابن أبي أويس وقد تقدم، قال: حدثني أخي وهو عبد الحميد بن أبي أويس أيضًا وخَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، وبقية الإسناد تقدموا.


(1) الانشقاق: 8.
(2) هنا يظهر حصول انقطاع في الشريط، ثم يتابع الشيخ حفظه الله في شرح الباب التالي وهو "باب كتابة العلم". فليتنبه.
(3) البقرة: 159.
(4) البقرة: 160.