موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْم إلى بَاب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْس - شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب العلم من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
 بَابُ فَضْلِ العِلْم إلى بَاب طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْم
 بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ وبَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ
 بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِس إلى بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ
 بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَة إلى بَاب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
 بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْم إلى بَاب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْس
 بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْس إلى بَاب تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه
 بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ إلى بَاب حِفْظِ العِلْم
 بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاء إلى بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَه
شرح كتاب العلم من صحيح البخاري - بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْم إلى بَاب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْس

بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ

وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.

- حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ؛ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لاَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ».


بسم الله الرحمِن الرحيم

والحمد لله وصلّى الله وسلّم وبارك على رسول الله وعلى آله ومِن أهتدى بهداه.

قال البخاريّ رحمه الله: "باب الخروج في طلب العلم" والمراد بذلك الرحلة في طلب العلم، والرحلة في طلب العلم سُنّةٌ متبعةٌ في سلف هذه الأمة مِن لدن الصحابة، وقد ذكر البخاريّ رحمه الله في صدر هذا الباب "ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهرٍ إلى عبد الله بن أُنيس في حديثٍ واحد" وقد ذكر البخاريّ رحمه الله أثرًا معلقًا في باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ(1)  وهذا الحديث ذكر البخاريّ جزءًا منه وهو صدره "يحشر الله العباد؛ فيناديهم بصوتٍ يسمعه مَن بَعُدَ كمَن يسمعه مَن قَرُبَ؛ فيناديهم: أنا الملك"(2) وهو حديثٌ طويل خرَّجَه غيرُ واحدٍ مِن العلماء، البخاريُّ وصله في كتابه "خلق أفعال العباد" وأيضًا في كتابه "الأدب المفرد" ووصله الإمام أحمد وأبو يعلى، وأورده بتمامه الخطيب في كتابه الرحلة في طلب الحديث، فجابر رضي الله عنه رحل في مسيرة شهر، قالوا: إلى الشام في طلب حديثٍ واحد، فدل ذلك على أنَّه تُشرع الرحلة في طلب الحديث وفي طلب العلم وهذه سُنّةٌ متبعة، واستشهد المؤلف بقصة الخضر - قصة موسى مع الخضر -؛ فإنَّ موسى قد خرج في طلب الخضر لَمّا أخبره الله تعالى مِن شأنه، قال في الحديث: "فسأل السبيل إلى لُقيه؛ فجعل الله له الحوت آية" لمّا أخبرنا الله بقصة موسى مع الخضر في القرآن وبيّنها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم واجتمع إلى ذلك قولُ الله تعالى لَمّا ذكر أنبياءه في سورة الأنعام ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ(3)  استنبط العلماء مِن ذلك أنَّ الخروج في طلب الحديث والعلم سُنّةٌ مِن سنن الأنبياء لأنَّ موسى خرج وقد ذكر الله قصته وأمرنا بالاهتداء به؛ فضلًا عن ما تواتر عن الصحابة والتابعين مِن رحلتهم في طلب الحديث، وقد ذكر الإمام ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره جملةً في مَن رحل في طلب معنى آية - ومثلها الحديث -.

بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى؛ إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالصَّفْصَفُ هُوَ المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ.


"باب فضل من عَلِمَ وعَلَّم" التعليم مرتب على العلم، هو ذكر فضل العلم في الأول؛ لكن ذكر هنا فضل منْ عَلم ورتّب على هذا التعلمِ التعليمَ، فالإنسان قد يتعلم ولا يُعلّم، فالباب معقود لبيان فضل مَن عَلِمَ وعلَّم، عندنا هناك فضل مَن تعلم وهناك فضل العلم وهناك فضل مَن علم ولم يجعل علمَه قاصرًا عليه بل عَدّاه إلى غيره فنفع به الناس فعلَّمَهم، وهذا الحديث الذي ذكره في هذا الباب هو حديثٌ عظيم تناوله العلماء بالشرح، وهو مثلٌ ضربه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: "مثل ما بعثني الله به مِن العلم والهدى كمثل الغيث الكثير" النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بُعث في الجاهلية وقد أظلمت الأرض بالشرك، وهذا مثل بعثة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم كمثل الأرض الممحلة التي أرسل الله عليها الغيث، غيث القلوب حياتها في الوحي كما أنَّ حياة الأبدان بالأمطار، وهذا مثل ضربه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، هذا المطر إذا نزل على الأرض؛ أجناس الأرض مختلفة في قَبول هذا الماء، فذكر قال: "فكان منها نقيةٌ قبلت الماء" النقية يُراد بها الطيبة كما في رواية مسلم، "فكان منها" يعني مِن هذه الأرض "نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير" وهذه إحدى هذه الأراضي، هي قبلت الماء، أمسكت الماء، وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، إذا أنبتت الأرض العشب الكثير توارد الناسُ على هذا العشب والكلأ؛ فاستفادوا منه، إذن هذا الماء لَمّا نزل على الأرض استفادت منه الأرض واستفاد منه الناس بما يَرِدُون عليه مِن هذه الأعشاب، وقال: "وكان منها أجادب" مِن هذه الأرض "وكانت منها أجادب" والأجادب جمع جَدَب وهي الأرض الصلبة، "وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها" يعني هي أرض صلبة أمسكت الماء؛ لكن هذه الأرض الصلبة لا تُنبت؛ فصار الناس شربوا منه وسقوا وزرعوا، يعني أخذوا منها، لكن هي في ذاتها لم تُنبت، والأرض الأخرى "إنما هي قيعان" هذه القيعان فسرها المؤلف لأنَّه قال: قاعٌ يعلوه الماء، يعني أنَّ القيعان هنا جمع قاع، ومعنى يعلوه الماء أنَّ الأرض إذا كانت قاعًا فإنَّ الماء يعلوها ولا تمسكه ولا يستقر فيها، قال: "لا تمسك ماءً ولا تُنبت كلأً"، هذه الأقسام الثلاثة في باب الغيث والمطر هي الأقسام الثلاثة في باب الوحي، يعني الذين إما انتفعوا بالوحي أو لم ينتفعوا به، ذكر النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: "ذلك مثل مَن فَقُه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به مِن العلم؛ فعَلِم وعلَّم؛ ومثل مَن لم يرفع بذلك رأسًا" القسمان الأولان داخلان في قوله "فذلك مَثَلُ مَن فقُه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به؛ فعلِم وعلَّم" القسمان الأولان يدخلان في هذا، القسم الثالث "مَن لم يرفع بذلك رأسًا" يعني بأنَّه لم يستفد بما جاء عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يُفِدْ غيره، لكن بعض الناس يتعلم ويَعْلَم ويُعلّم، وبعض الناس يكون يتعلم ويُمسك هذا العلم مثل رواة الأحاديث ما عندهم فقه لكنهم حفظوا هذا العلم، هذه الأرض الثانية هي حفظت الماء وأمسكت الماء، هي ما أنبتت الكلأ لكن أمسكت الماء؛ فانتفع الناس بما أمسكت، كذلك رواة الأحاديث هم الذين ينقلون العلم ويحفظونه ولكن ليسوا بفقهاء فيه هم أمسكوه للناس وحَدَّثوا به الناس؛ فانتفع به غيرهم، يعني أمسكوه لغيرهم، فالأُولى فيها ثلاث صفات، والثانية فيها صفتان وكلاهما ممدوحتان لكن الأُولى أكملُ مِن الثانية، والثالثة مذمومة وهي التي أعرضت عن ما جاء به النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: قال: أبو عبد الله قال: اسحاق، ذكر ابن السكن أنَّ البخاري إذا ذكر قال اسحاق فيريد به اسحاق بن راهويه، وهذا إذا أهمله فلم يميزه وقال: اسحاق فإنما يريد به اسحاق بن راهويه، لأنَّ البخاريّ رحمه الله يروي عن اسحاق بن راهويه ويروي عن اسحاق بن ابراهيم السعدي ويروي عن اسحاق بن منصور الكوسج، إذن هو يروي عن اسحاق بن منصور الكوسج وعن اسحاق بن ابراهيم السعدي وعن اسحاق بن ابراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وكل هؤلاء الثلاثة يروون عن أبي أسامة، فإذا حصل مثل هذا ولم يتميز الراوي؛ فإنّ ابن السكن يحمله على أنه اسحاق بن راهويه، يبدو لأنّ البخاريّ أَكْثَرَ عنه وهو أشهر، وهؤلاء الثلاثة كلهم ثقات، وقوله "وكان منها طائفة" في رواية اسحاق "وكان منها طائفة قيَّلت" بدل "قبلت" وقيَّلت معناها معنى قبلت، معناها أنها جمعت الماء وحبسته، وقوله "والصفصف" المستوي مِن الأرض، ليس في الحديث ذكر للصفصف! لكن ذكروا أنّ مِن طريقة البخاريّ رحمه الله أنه إذا أورد تفسيرًا للفظة للحديث وكانت هذه اللفظة في القرآن؛ فإنه يفسرها وما اقترن معها مما ورد في كتاب الله تعالى.

بَابُ رَفْعِ العِلْمِ وَظُهُورِ الجَهْلِ

وقَالَ رَبِيعَةُ: "لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ".

- حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا».

- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لاَ يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ».


"باب رفع العلم وظهور الجهل" ورفع العلم إنما يكون بقبض العلماء كما سيأتي إنْ شاء الله في باب "كيف يقبض العلم"، وإذا عُلِمَ هذا عُلِمَ أنّ المؤلف يريد بهذا التبويب الحثّ على تعلم العلم، لأنّ هذا العلم لا يرفع إلّا إذا قُبض أهلُه؛ فكأنه يحث على تعلم العلم، والثاني: أنّ المؤلف يمكن أنْ يكون أورده لبيان أنّ الجهلَ مقترنٌ بالشخص؛ لأنّ الساعة لا تقوم إلّا على شرار الناس، وكل زمان الذي بعده شَرٌّ منه، وهذا يدلك على فضل العلم، لأنه متى ما وجد العلم قَلَّ الشَّرُّ؛ ومتى ما فُقِدَ العلم كَثُرَ الشَّرُّ، وقال ربيعة: "لا ينبغي لأحد عنده شيء مِن العلم أنْ يُضيع نفسه" وربيعة هو ابن عبد الرحمِن المدني والمعروف بربيعة الرأي وهو شيخ للإمام مالك رحمه الله، قال: "لا ينبغي لأحد عنده شيء مِن العلم أنْ يضيع نفسه" يعني إذا كان عنده شيء مِن العلم لا ينبغي أنْ يضيع نفسه؛ كيف يضيع نفسه؟ إما بعدم العلم أو بترك العلم، ومِن ترك العلم عدمُ تعليمه، لأنّ مِن أسباب حفظِ العلم أنْ يُعلِّم الإنسانُ الناسَ العلمَ، ولهذا الباب الذي قبله "باب فضل مَن عَلِمَ وعَلَّمَ" دلَّ هذا على أنّ ترك تعليم العلم أحدُ أسباب تضييع العلم في خاصة الإنسان، وهذا الأثر خرَّجَه الخطيب البغدادي في الجامع وخرَّجَه البيهقي في المدخل.

قال: وحدثنا عمران بن ميسرة هو أبو الحسن المنقري، خَرَّجَ له البخاريّ ولم يخَرَّجَ له مسلم، وعبد الوارث هو ابن سعيد، عن أبي التيّاح وهو يزيد بن زياد الضُّبَعِي، وقال: عن أنس رضي الله عنه وذكر الحديث، وهذا سند بصري قد خَرَّجَه مسلم في صحيحه.

يزيد بن زياد بن حميد الضُّبَعِي يمكن أحيانًا أنْ يُنسب إلى جده.

والدلالة مِن هذا الحديث واضحة، قال: "إنَّ مِن أشراط الساعة" فهذا الحديث أولًا قَرَنَه بشرب الخمر وظهور الزنا في آخر الزمان، وهذا يدل على أنّ ترك العلم قد يُورث مثل هذه الأشياء وأنه شرط، والثانية: أنه قال: "إنَّ مِن أشراط الساعة" وهذا دليلٌ على أنّ رفع العلم بالكلية إنما يتحقق في آخر الزمان، لأنه ثبت أنه يُرفع مِن الصدور ومِن الصحف، ثم ما قبل ذلك يُرفع العلمُ بحسب الدنو مِن الآخرة أو مِن قيام الساعة، والحديث الآخر مقارب لهذا الحديث وهو في معناه في وجه الدلالة، وهو قد خَرَّجَه أيضًا مسلم في صحيحه.

بَابُ فَضْلِ العِلْمِ

- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «العِلْمَ».


"باب فضل العلم" والفضل هنا ليس هو فضل العلم السابق، لأنّ الباب الأول كان فيه "باب فضل العلم" سبق، وهنا "باب فضل العلم" وهما بابان مختلفان، لأنّ الباب الأول مِن الفضيلة وهذا مِن الفضل الذي هو بمعنى الزيادة، الأول يرجع إلى فضيلة العلم وهذا يرجع إلى الزيادة في العلم، ويدل على هذا الحديث الذي ذكره المؤلفُ لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمّا أُتي بقدح - وهو في المنام - فشرب منه، قال: "حتى إني الريّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي" يعني أعطيت الزيادة أعطاها مَن؟ أعطاها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأوَّلَه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأنه العلم، وقال العلماء: إنما أوَّلَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم اللبن بالعلم لكثرة ما يشتركان فيه مِن المنافع للناس.

وهذا الحديث أيضًا خرَّجَه مسلم في صحيحه، وإسناد الحديث السابق تقدم لكن فيه عُقَيل وهو ابن خالد الأيلي، خَرَّجَ له الجماعة، وفيه حمزة بن عبد الله بن عمر الخطاب رضي الله عنه خَرَّجَ له جماعة أيضًا.

بَابُ الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا

- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ؛ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ؛ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلاَ حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ».


هذا الحديث واضح في الدلالة على مراد المؤلف رحمه الله، والحديث خرَّجَه مسلم أيضًا في صحيحه، لكن عندنا في الحديث "وقف في حجة الوداع بمنى والناس يسألونه" ولم يذكر أنه واقف على الدابة، والتبويب واقف على الدابة، لكن روايات الحديث الأخرى تُبيّن أنه كان واقفًا على الدابة، هذا واحد، والثانية: أنّ هذه العبارة أنهم غالبًا إذا أرادوا أنّ الرجل واقفًا على ظهر الدابة يقول: كان قائمًا، أما هنا واقف وهي يعني على الدابة، فكأنه أمرٌ عرفيّ معروف، أو الروايات الأخرى أنه عليه الصّلاة والسّلام كان على دابته.

بَابُ مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ

- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ، قَالَ: «وَلاَ حَرَجَ»، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: «وَلاَ حَرَجَ».

- حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ»، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ: «هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ».

- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ - مِثْلَ أَوْ - قَرِيبَ - لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لاَ أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلاَثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ - لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ».


هذا "باب مَن أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس" ولكن هذا مقيد بما إذا كان يُعرف أو يُعلم منه الحكم، أما إذا كان الذي يشير به لا يفهم ولا يعرف؛ فإنّ مقتضى ما أمر الله به مِن البيان أنْ يعلمه، لكن إذا كان يفهم الإشارة باليد أو بالرأس؛ فإنه لو فعل ذلك وأجاب لصح.

إسناد الأول: حدثنا موسى بن اسماعيل وهو المنقري، حدثنا وهيب بن خالد الباهلي وهو مِن رواة الكتب السِّتَّة، الحديث الشاهد فيه قوله "فأومأ بيده وقال: لا حرج" يعني أشار بيده عليه الصّلاة والسّلام وهذا موضع الشاهد منه، وقد خَرَّجَ هذا الحديث مسلم أيضًا وإسناده إسناد بصري.

والحديث الآخر قال: حدثنا المكي بن ابراهيم وهو ابن السكن الخراساني وهو مِن شيوخ الإمام البخاريّ الكبار، وله عنه ثلاثيات، سيمرّ أحدها إنْ شاء الله، قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان وقد تقدم وهو الجمحي عن سالم وهو ابن عمر رضي الله تعالى عنه، الشاهد مِن الحديث قوله: فقال: "هكذا بيده" قيل: يا رسول الله؛ وما الهرج؟ قال: "هكذا بيده فحرَّكَها"، وقوله "كأنه يريد القتل" هذا يعني مِن الرواة وليس مِن الصحابي إنما هو مِن بعض رواة الحديث، وتحريكه بيده كأنه يريد القتل يعني حرك يده هكذا كأنه يريد القتل، والهرج جاء تفسيره في حديث آخر عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم الهرج، قال: "القتل القتل"(4).

الحديث الثالث، قال: عن فاطمة وهي بنت المنذر بن الزبير بن العوام؛ امرأة هشام بن عروة، وحديثها مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة، والبقية موسى بن اسماعيل المنقري ووهيب بن خالد وهشام كلهم تقدموا، والشاهد منه فقالت: سبحان الله! قلتُ: آية؟ فأشارت برأسها، يعني أنّ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لمّا لها قالت لها أسماء وهي في الصلاة آية؟ لأنهم كانوا يصلون صلاة الكسوف أشارت برأسها؛ فهذه إجابة لها، فدلَّ على أنه إذا عُرف الجواب بالإشارة فإنه لا بأس بذلك، وفي قوله "لا أدري أيَّ ذلك" أو "أيُّ ذلك" يجوز فيها ضبطان، لأنك إذا جعلتَها موصولة نصبتَها وإذا جعلتها استفهامية علَّقتها عن العمل، لأنّ "درى" يدخلها الإلغاء والتعليق لأنها مِن أفعال القلوب، فإذا كان ما بعدها استفهام فإنها تعلق عن العمل؛ فتُقرأ "لا أدري أيُّ" إذا كانت استفهامية، وإذا كانت موصولة فتقرأ على النصب لأنه "درى" تنصب مفعولين.


(1) سبأ: 23.
(2) صحيح البخاري (9/ 141) معلَّقًا من حديث جابر بن عبد الله بن أُنيس.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة (7/ 757): (وهو حديث صحيح، علقه البخاري في صحيحه، ووصله في أفعال العباد (ص: 89)، وفي الأدب المفرد (970) وغيره، وقوّاه الحافظ ابن حجر، وقد خرجته في ظلال الجنة في تخريج السُّنَّة (رقم 514)).

(3) الأنعام: 90.
(4) صحيح البخاري (6037) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.