موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَة إلى بَاب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟ - شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب العلم من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
 بَابُ فَضْلِ العِلْم إلى بَاب طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْم
 بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ وبَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ
 بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِس إلى بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ
 بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَة إلى بَاب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
 بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْم إلى بَاب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْس
 بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْس إلى بَاب تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه
 بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ إلى بَاب حِفْظِ العِلْم
 بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاء إلى بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَه
شرح كتاب العلم من صحيح البخاري - بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَة إلى بَاب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟

بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً

- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.


هذا الحديث هو سند كوفي خرَّجَه أيضًا مسلم في صحيحه، وهو الحديث الذي سبق في أول الباب السابق، وتلحظون أنّ الإمامَ البخاريّ أعاد الحديث لكن أعاده بأطول مِن الأول لأنّ فيه زيادة على ما الأول مِن الثمرة.

ثانيًا: أنه لم يخرجه مِن نفس الطريق الأولى؛ بل خرَّجَه مِن رواية منصور عن أبي وائل، والرواية التي قبل كانت الأعمش عن أبي وائل، ففيه فائدة متنية وإسنادية ذكرها في هذا الباب "باب مَن جعل لأهل العلم أيامًا معلومة" ووجه الدلالة ظاهر.

وعثمان في الإسناد هو ابن أبي شيبة، هو عثمان بن محمد بن ابراهيم بن أبي شيبة، خَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، وأخوه عبد الله أبو بكر الإمام المشهور، وهو أحفظ وأجلُّ مِن أخيه عثمان، وجرير هو عبد الحميد الضَّبّي أخَرَّجَ له أصحاب الكتب السِّتَّة، ومنصور هو ابن المعتمر، وأبو وائل شقيق بن سلمة وقد تقدم.

بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ

- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ».


قال: "مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" الفقه هو الفهم، فهل المؤلف يريد الفهم فقط أو يريد الفقه يعني الذي هو العلم على جهة العموم؟ عندما قال في الأول: "بابٌ العلم قبل القول والعمل" هذا مرتبط بالقول والعمل، عندنا "باب مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" وهذا أوسع، والفقه في الدين هنا معناه تعلم العلم الشرعي، يعني طلبه وتعلمه، فإذا تحصل الإنسان على فقه فيه؛ فهذا الذي أراد الله به خيرًا، لكن "مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" طيب علماء الضلالة قد يكونوا أعلم! وفي الحديث «إنما أخشى على أمتي الأئمة المضلين»(1)!! فمن هنا ممكن أنّ المراد يعني الشُّرَّاح قالوا: هو الفهم، وهناك كلام لابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة لم يشرح الحديث لكن أشار إلى شيء مِن هذا وهو أنّ المراد بالفقه في "مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" الفقه المعروف عند علماء السلف عندهم الفقه هو أنه الخشية، وقلنا الخشية تجمع بين العلم والخوف، يعني يكون العلم مؤثر فيه حتى خاف الله؛ ففعل المأمور وترك المنهي، هذا هو الذي أراد الله به خيرًا، لأنّ علماء الضلالة فلم يرد الله بهم خيرًا، والباب الذي بعده فهم خاص، أما مَن قال أنه المراد به الفهم؛ فيريدون هنا الفهم العام، يعني معرفة العلوم الشرعية وإنْ لم يكن له استنباط دقيق منها، فالشاهد أنّ الذي يعطيه لفظ الحديث ويدل عليه "مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" إما أحد أمرين: إما أنه يقول كما ذكر ابن القيم وغيره أنّ "مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" يعني مَن جمع بين العلم والعمل، فهذا هو الذي أراده بـ "مَن يرد الله به خيرًا"، أو يقال: "مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" باعتبار أنّ الفقه بالدين يورث الخشية، لكن قد تقع له وقد لا تقع له الخشية، يعني باعتبار أنه وسيلة، فإذا أراد الله به خيرًا جعله يسلك هذا الطريق الذي تكون به خشيةُ الله تعالى، مثله «ومَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة».

بَابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ

- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ؛ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ»، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».


قال: "باب الفهم في العلم" والذي قبْلَه "باب مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" إذا قلنا: إنَّ الباب السابق المراد به هو المأثور عن السلف مِن أنّ الفقه هو الخشية فأمره يسير يعني جمع بين العلم والعمل، وعلى هذا يكون باب العلم هنا قد يكون عامًا، لكن إيراد هذا الحديث يدل على أنّه أراد فهمًا خاصًا يؤتيه الله تعالى مَن يشاء مِن عباده، ولهذا ترون أنّ هناك علماء لكن بعضهم يعطيه الله عزّ وجلّ مِن الفهم والدقة فيه ما ليس لغيره - وإنْ كان الجميع مِن أهل العلم -، ولهذا الصحابة فيهم علماء لكن مثل ابن عباس رضي الله عنه كان له فهم خاص، ابن مسعود أيضًا كان له فهم، إذن فصفوة أهل العلم عندهم مِن الفهم والاستنباط والدقة ما يغوصون به على المعاني المرادة مِن الأحاديث ولو بطريق خفي، فإذن الفهم هنا يراد به الفطنة، وذلك لأنّ الناظر في الأدلة والنصوص الشرعية ينظر القرائن المحتفة بها والقرائن الموصلة إلى فهمها؛ فإذا فعل ذلك صار له حظ مِن الفهم بدلالة أنّ الحديث الذي ساقه المؤلف: ابن عمر رضي الله عنه لمّا أُتي النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بجمَّار - الجمار هو شحم النخلة - أتي بجمَّار؛ وسؤالُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عن الشجرة وقع بعد أنْ أُتي بالجمار، ابن عمر رضي الله عنه ربط الجمار بالسؤال، النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ مِن الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم» وقد أُتي بجمار، ابن عمر ربط بين الجمار والسؤال؛ فوقع في نفسه أنها النخلة، هذا فهم خاص، الصحابة لم يفهموا هذا، إذن فيمكن أنْ يراد بهذا الباب "باب الفهم في العلم" الفطنة في فهم العلم ومعرفته، وليس مجرد الفهم العام.

بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ

وَقَالَ عُمَرُ: "تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا"

- حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».


"باب الاغتباط في العلم والحكمة" والحكمة كما فسرها ابن حجر والعيني أنّ المراد بها القرآن هنا، قوله "باب الاغتباط" مِن الغبطة، قال: غبط يغْبِط، والغبطة هنا مرتبطة بقوله في الحديث: «لا حسد إلّا في اثنتين» ولهذا فسر العلماء الاغتباط هنا أو الغبطة بأنّها تمني الإنسان أنْ يكون له مثل ما لغيره؛ ولكن دون أنْ يتمنى زوالَها عن غيره، بمعنى أنّ الإنسان قد يرى طالبًا في العلم مُجِدًّا فهو يتمنى أنْ يكون مثله؛ لكن لا يتمنى أنْ يزول هذا الخير وهذا الفضل عن أخيه! هذا هو الغبطة، ذكر العلماء هذا التفسير لأنه قال في الحديث «لا حسد إلّا في اثنتين» وقال عمر: "تفقهوا قبل أنْ تُسودوا" هذا الأثر خرَّجَه ابن أبي شيبة في مصنفه وابن عبد البرّ في الجامع والحافظ البيهقي في المدخل، وصححه الحافظ ابن حجر، لكن ما معنى هذا الكلام؟ قال عمر: "تفقهوا قبل أنْ تُسوَّدوا" تُسودوا يعني تُصيَّروا سادة، والسيد هو المقدَّم في قومه العظيم فيهم الذي له الوجاهة، طيب عمر قال: "تفقهوا قبل أنْ تُسوَّدوا" ما علاقته بباب "الاغتباط بالعلم والحكمة"؟ تفقهوا ما فيها غبطة! "تفقهوا قبل أنْ تسودوا" نقول: السيادة ما معناها؟ هي التقدم، يكون مقدمًا في قومه، قد يكون مقدمًا في العلم، ما يكون وجيهًا ولا له سلطانًا ولا له مال؛ لكن قد يكون سيدًا في قومه بعلمه، مقدمًا فيهم، إذن "تفقهوا قبل أنْ تُسوَّدوا" طيب إذا قلنا هذا الكلام ماذا يكون المعنى؟ أنت اربطها بـ "باب الاغتباط في العلم والحكمة" أولًا ما علاقتها بالاغتباط(2)؟ طيب إذن عندنا "تفقهوا قبل أنْ تُسوَّدوا" ذكر بعضُ العلماء أنَّ السيادة الحقة هي التي جمعت بين الشيئين، تجمع بين الجود والعلم، فالجود يُنال بالسيادة والتقديم، بتسويد قومه له، والعلم يُنال بالتفقه، فكأنَّه يقول عمر: إنَّ الغبطة في مَن جمع بين الأمرين، بين العلم والجود، الذي بسببه قدمه قومُه عليهم، هكذا ذكره بعض العلماء، والحقيقة أنَّ الأثر المنقول عن عمر رضي الله عنه وإدخاله في هذا الباب فيه وجهٌ مِن الاشكال، وما ذكره العلماء والشُّرَّاح غيرُ بيّن وغير ظاهر، ذكروا أكثر مِن تأويل لكنها غير ظاهرة لارتباط كلام عمر رضي الله عنه مع الباب، إلّا إذا قلنا: إنَّ الاغتباط هنا يعني ليس معناه ما ذكروا؛ وإنما معنى الاغتباط هنا – وهي مِن الغبطة وهي السرور والفرح بالشيء - معناه أنَّكم قبل أنْ تُسوَّدوا اغتبطوا بهذا العلم واستبشروا وافرحوا بتلقيه؛ لأنَّ الإنسان إذا سُوِّد صار سيدًا في قومه وصار نوالُه للعلم أقل، يعني كأنَّه يعني يرى الاغتباط هنا بمعنى الاغتنام، والله أعلم.

الحديث الذي ساقه المؤلف هذا ظاهر وواضح "لا حسد إلّا في اثنتين" أي لا غبطة، وذكر منه "ورجلٌ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها بين الناس" يعني آتاه الله القرآن والعلم، "فهو يقضي بها ويُعلّمها".

بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا)

- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى بمَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ " قَالَ مُوسَى: لاَ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، قَالَ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ».


"باب ما ذكر في ذهاب موسى صلّى الله عليه وسلّم في البحر إلى الخضر" والخضر: قال: الخَضِر والخِضْر والخَضْر، وأشهرها الأولان الخَضِر والخِضْر، والخَضْر قليل، وقد اختلف أهل العلم بنبوته، هل هو نبي أو رجل صالح؟ واختار ابن كثير في تاريخه ورجحه مِن أوجه أنه نبي، هذه الترجمة معقودة لأمور:

الأمر الأول: أنّ طالب العلم مُرَغّبٌ لاحتمال المشاق مِن أجل العلم، هذا نبي الله موسى عليه السلام رحل إلى الخضر طلبًا للعلم، فطالب العلم يحتمل المشاق في سبيل العلم.

وثانيها معقود لبيان أنّ طالب العلم يتتبع العلماء لتحصيل ما عندهم مِن العلم، لأنّ موسى عليه السلام خرج إلى الخضر - والخضر كان عنده علم - ولهذا قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا(3).

وفيه أيضًا شرف العلم لأنّ موسى عليه السلام جاز المخاطر في سبيل تحصيل العلم.

وفيه أيضًا الرحلة في طلب العلم وسيأتي إنْ شاء الله باب معقودٌ لها.

وقوله: حدثنا محمد بن غرير الزهري، وهو محمد بن غرير بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، خَرَّجَ له البخاريّ ولم يخَرَّجَ له مسلم، ويعقوب بن ابراهيم وهو ابن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، مُخَرَّج عند أصحاب الكتب السِّتَّة، قال: حدثني أبي، وهو ابراهيم بن سعد عن صالح وهو ابن كيسان عن ابن شهاب وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، حدثه أنّ عبيد الله بن عبد الله، وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقد تقدم، والحديث خرَّجَه مسلم في صحيحه.

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ"

- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ».


هذا الباب معقود لأحد أمرين أو لهما معًا:

الأول: معقود لبيان شرف علم الكتاب، لأنه هو أشرف العلوم وأجلّها، ولهذا ولشرفِه دعا النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لابن عباس بأنْ يعلمه اللهُ الكتابَ.

والثاني: أنه معقود أيضًا لبيان أنه ينبغي للمعلم أنْ يدعو للمتعلم، وليس ذلك خاصًا بابن عباس رضي الله تعالى عنه.

وقوله: قال: حدثنا أبو معمر، هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، وقد خَرَّجَ له البخاريّ ولم يخَرَّجَ له مسلم، قال: حدثنا عبد الوارث وهو ابن سعيد بن ذكوان وحديثه في الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا خالد وهو خالد بن مهران الحذاء، حديثه في الكتب السِّتَّة، عن عكرمة مولى ابن عباس.

قوله: "ضمني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم" أي ضمّه الرسول على صدره كما جاء في رواية أخرى، وهذا الحديث خرَّجَه أيضًا الإمام مسلم في صحيحه.

بَابٌ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟

- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ".

- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: "عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ".


"باب متى يصح سماع الصغير" ذكره البخاريّ رحمه الله على جهة الاستفهام إشارةً إلى الاختلاف الواقع بين المُحَدِّثين، يعني الإنسان إذا تحمل الحديث؛ ما هو وقت تحمّل الحديث؟ اختلف أهل العلم في ذلك، بعضهم مَن رأى أنه إذا بلغ، لا يتحمل الحديث إلّا إذا بلغ، ولو تحمله قبل البلوغ ثم أداه بعد البلوغ لا يصح عنده، لكن هذا خلاف ما عليه جمهور المُحَدِّثين؛ وهو أنّ السماع يصح دون البلوغ، الحديثان المذكوران في هذا الباب: الأول: قصة ابن عباس رضي الله عنه وفيه قوله "قد نهازت الاحتلام" لم يبلغ لكنه قريب مِن الاحتلام، هنا ابن عباس رضي الله عنه - والذي يظهر - أنّ المصنف استدل بكلام ابن عباس على أنه لا يشترط البلوغ في تحمل الحديث، لأنّ ابن عباس رضي الله عنه حدث به؛ فلم يُنكر عليه، ولو كان سماع مَن دون الاحتلام غير صحيح لَمَا تلقاه الناس عنه، وكان في وقت الصحابة والتابعين، إذن فكأنه الناس تلقونه عن ابن عباس ورووه ونقلوه ولم ينكروه، وهو قد سمعه قبل البلوغ، إذن فاشتراط البلوغ بدلالة حديث ابن عباس لا تصح.

نأتي إلى رواية محمود بن الربيع، قال: عقلت مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مجّة مجّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين مِن دلو، محمود بن الربيع عقل مجّة والمجّة عبارة عن الماء الذي يُخرج ويكون مِن بعيد وفيه معه هواء أو نفخ، هو عَقَلَ مجّة، البخاريّ يريد انْ يستدل به على أنّ مَن له خمس سنين يَعْقِلُ، فهل يريد البخاريّ أنّ البلوغَ غير مشترَط وأنّ العقل هو المشترط؟ هذا هو الذي عليه كثير مِن العلماء، يقولون: العقل هو المشترط، ما العقل؟ هو التمييز، يريدون به يعني عقل ما يقال له، محمود بن الربيع عقل المجَّة، إذن البخاريّ كأنَّه يقول: البلوغ، لَمّا أشار إلى الخلاف قال: هل يصح سماع الصغير؟ منهم مَن قال: يشترط البلوغ، قال: إنَّه لا يُشترط البلوغ بدلالة حديث ابن عباس، طيب لماذا أورد حديث المجة عن محمود بن الربيع؟ كأنَّه يقول: إذا عقل صحَّ سماعُه، وهذا الذي هو عليه كثير مِن أهل الحديث، يقولون: الاعتبار بالعقل، بمعنى أنَّه قد يكون له خمس سنين لكنه لا يعقل، يعني لا يُميز ما يُقال له، وقد يكون له خمس سنين وهو مميز، نقبل هذا ونرد هذا.

الحديث الأول إسناده مرَّ كثيرًا معنا وقد خرَّجه الإمام مسلمٌ في صحيحه.

والحديث الثاني محمد بن يوسف هو البيكندي وقد مرَّ أيضًا.

قال: حدثنا أبو مسلم، وهو عبد الأعلى بن مسلم الغساني، وهو مِن علماء الشام، وقد أخَرَّجَ له أصحاب الكتب السِّتَّة، قال: حدثني محمد بن حرب، هذا محمد بن حرب المعروف بالأبرش، خَرَّجَ له أصحاب الكتب السِّتَّة، عن الزبيدي وهو محمد بن الوليد، خَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، وهو مِن أئمة الشام، عن الزهري، عن محمود بن الربيع وهو صحابي وهو مِن أواخر مَن توفي مِن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، توفي سَنَة "99".


(1) صحيح. أبو داود (4252) من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (785).
(2) هنا كلام مع أحد الطلبة وفيه كلام غير واضح.
(3) الكهف: 66.