موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِس إلى بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ - شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب العلم من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
 بَابُ فَضْلِ العِلْم إلى بَاب طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْم
 بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ وبَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ
 بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِس إلى بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ
 بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَة إلى بَاب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
 بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْم إلى بَاب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْس
 بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْس إلى بَاب تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه
 بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ إلى بَاب حِفْظِ العِلْم
 بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاء إلى بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَه
شرح كتاب العلم من صحيح البخاري - بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِس إلى بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ

بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا

- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ؛ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا؛ فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ؛ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ».


"باب مَن قعد حيث ينتهي به المجلس فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها" يعني أنّ مِن أقبل على حلقة علم فجلس حيث ينتهي به المجلس فقد وافق السُّنَّة، ومَن رأى فرجة في الحلقة فتقدم إليها فجلس فيها فقد وافق لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أقرَّ الرجل على ذلك، هؤلاء الثلاثة قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أما أحدهما فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه»، قال بعض العلماء: استحيا مِن التقدم إلى الفرجة كما فعل صاحبه، وقال بعضهم: استحيا مِن الانصراف مِن الحلقة فجلس في آخرها، وعلى كلٍّ: الذي جلس في الفرجة - وهي الخلل الذي يكون بين شخصين - أو الذي جلس في آخر الحلقة فكلاهما حضر مجلس الذكر، فلكل واحد منهما نصيبه، والآخر الذي أعرض فأعرض الله عنه وهو الذي انصرف فلم يحضر مجلس العلم، والظاهر والله أعلم أنه لم يحضر هذا المجلس لغير سبب، يعني ليس عنده سبب مِن حاجة ونحوها يؤدي لتركه لمجلس العلم، وفي هذا تنبيه على أنّ الإنسان إذا كان هناك مجلس علم وهو موجود فلا ينصرف إلّا لحاجة حتى لا يقع فيما قاله النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم "وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه"، لأنّ بعض الناس الآن حتى الإمام إذا صار يتكلم في المسجد يقرأ حديث النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم دقيقة أو دقيقتين أو ثلاث ترى كثيرًا مِن الناس ينصرفون ولا يبقى إلّا النذر اليسير! وهذا مِن تلبيس الشيطان عليهم، وهؤلاء لا يُظنّ أنهم جميعًا لهم حاجة! بعض الناس قد يكون له حاجة، إما حاجة إلى دورة مياه مثلًا، أو كان عنده مثلًا موعد في مستشفى، أو كان عنده عمل ضروري إلى آخره، لكن هل مِن المعقول أنّ أكثر مَن في المسجد أو المصلون كلهم عندهم حاجة ما ينتظرون! فهؤلاء يُخشى عليهم أنْ يصيبهم ما جاء في هذا الحديث.

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ"

- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ».


"باب قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: رُبَّ مبلَّغ أوعى مِن سامع" يعني ربَّ مبلَّغ بالحديث يكون أضبط للحديث وأفهم له ممن سمعه مباشرة، وهذا فيه أوجه مِن الاستدلال:

الوجه الأول: أنّه يجوز للإنسان أنْ يحمل الحديث عمن ليس بفقيه إذا كان هذا الشيخ قد ضبط الحديث، يعني ضبط روايته، ولهذا كثير مِن الرواة لم ينقل عنهم أنهم مِن الفقهاء، لكنهم يأتون بالأحاديث على وجوهها، ولا يُغيّرون المعنى إذا رووا بالمعنى.

الوجه الثاني مما يتعلق بهذه الترجمة: أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "رب مبلَّغ أوعى مِن سامع" دلَّ هذا على تحريض السامع لتبليغ العلم، لكونه يحرض مَن سمع أنْ يبلغ ما سمع لعله يقع لِمَن هو أفقه منه وأضبط؛ فيستنبط منه ما ينفعه الله تعالى به وينفع غيره.

وأيضًا ربما يُستدل به على أنه ليس مِن شرط الراوي أنْ يكون فقيهًا.

قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر وهو المفضل، وهو بشر بن المفضل أبو اسماعيل البصري حديثه في الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا ابن عون، وهو عبد الله بن عون وقد تقدم، وابن سيرين وهو محمد وقد تقدم، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة؛ أبو عمرو الثقفي، ابن صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة.

والشاهد فيه قوله في آخر الحديث "ليبلغ الشاهد الغائب؛ فإنّ الشاهد عسى أنْ يبلغ مَن هو أوعى له منه"، إذن فإنّ الشاهد "عسى أنْ يبلغ مَن هو أوعى منه له" هذا هو الشاهد، وترجمة الباب "رب مبلغ أوعى مِن سامع" خرَّجَها الإمام البخاريّ في صحيحه مِن وجه آخر عن ابن سيرين، في رواية قرة عن ابن سيرين قال: "رب مبلغ أوعى مِن سامع" بنصها في صحيح البخاريّ من رواية قرة عن ابن سيرين، وأما أصل الحديث الذي ذكره المؤلف هنا فقد خَرَّجَه البخاريّ وأيضًا خَرَّجَه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، إذن هذه الترجمة فيها الحث على تبليغ العلم، وفيها إشارة إلى أنه يجوز للراوي أنْ يروي عمن هو دونه في الضبط والفقه، وفيها إشارة إلى أنه لا يشترط في الراوي أنْ يكون فقيهًا.

بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ(1) فَبَدَأَ بِالعِلْمِ "وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ" وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ(2) ، وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ(3) ، ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(4) ، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ(5) ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ فِي الدِّينِ» وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ "، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: "لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا"، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ(6) " حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ ".


"بابٌ العلم قبل القول والعمل" وهذا بيانٌ لشرف العلم لترتب القول والعمل عليه، وفيه أيضًا بيان مِن وجه آخر أنّ العلم يُبتدأ به لأنه شرط في قبول القول والعمل، لماذا؟ لأنّ هذه الشريعة مبنية على الاتّباع، وهذا الاتّباع متعلق بالعلم الموروث عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، إذن فيُبدأ بالعلم، لأنّ الإنسان إذا بدأ بالعلم وعرف أوقعَ كل شيء موقعه، عرف الحلال وعرف الحرام، عرف الواجب، عرف المندوب، وعرف غيرها مِن الأحكام، أما إذا لم يكن عالمًا فإنه قد يترك السنن ويأتي البدع يظنها خيرًا! إذن البدء بالعلم قبل العمل والقول لأنّ هذه الشريعة مبناها على الاتّباع، والأصل متابعة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيما جاء به، ثم إنَّ أفعال الناس محكومة بالشريعة، جميع تصرفات الناس محكومة بالشريعة، إذن كل تصرف يتصرفه الإنسان إذا لم يكن مبنيًا على علم فاحتمال وقوع الخطأ والضلال فيه وارد، ولهذا ممارسات الإنسان في العبادات والمعاملات وغيرها ينبغي أنْ يتعلمها ويكون قد بناها على علم، دعوة الإنسان إلى الله يجب أنْ تكون على علم، ولهذا السلف رحمهم الله كانوا يمنعون القُصَّاَص مِن التذكير، الذين هم الآن عندنا الوعّاظ وبعضهم يسمى دعاة! ما يقوله الداعي أو الواعظ أو القاصّ هو علم، هذا العلم قد يكون صوابًا وقد يكون خطأ، فإذا لم يكن مِن أهل العلم ربما أضرَّ بالناس مِن حيث هو يريد أنْ ينفعهم، لا تقل هذا واعظ ولا هذا قاص؛ يأتي بالذي يعرفه! لا، هو الآن يتكلم، كل شيء يتكلم فيه هو فلله تعالى فيه حكم، لا يوجد مسألة في هذا الكون تقع إلّا ولله فيها حكم، ليس هناك مسألة تقع إلّا ولله فيها حكم، هذا القاصّ سيتكلم، طيب هذا الكلام الذي يقوله صحيح أو خطأ؟ هل هو حق أو باطل؟ هل هو مشروع أو غير مشروع؟ الذي ليس له علم لا يعرف ذلك، ولهذا السلف كانوا ينهون القصاص عن القصص، ولا يقص إلّا عالم، وأكثر البدع المنتشرة في بلاد المسلمين اليوم بسبب هذا القصص الذي لا يأوي إلى علم.

قال: لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ(7)  قال: فبدأ بالعلم لأنه قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ(8)  فهذا هو العمل: الاستغفار القول، إذن بدأ بالعلم قبل القول والعمل، قال: "وأنّ العلماء هم ورثة الأنبياء؛ ورَّثوا العلم، مَن أخذه بحظ وافر، ومَن سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سهّل الله طريقًا للجنة" هذا في الحقيقة هو حديث لكنّ المؤلف لم يسنده ولم يقل: قال رسول الله، وإنما هو حديث مشهور معروف حديث أبي الدرداء عند أبي داود والترمذي وصححه ابن حبان، وهو ليس مِن معلقات البخاري لأنه لم يضفه إلى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولا إلى صاحب، وجزؤه الأخير "ومَن سلك طريقًا يطلب به علمًا" جزؤه الأخير هذا في صحيح الإمام مسلم مِن حديث ابي هريرة رضي الله عنه «ومَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة»، وقال جلَّ ذكره: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(9)  الخشية علم وخوف إذا اجتمعا في الإنسان يقال: تسمى خشية، الخوف أحيانًا يكون على غير علم، لكن إذا اجتمع في الإنسان علم وخوف يقال: هذه خشية، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ جاء بهم بلفظ "العلماء" عندنا العلماء، والعلماء هذا اللفظ وهذا الاسم يعود إلى العلم، وجعل الخشية لأهل العلم، والخشية هي ثمرة مِن ثمرات العلم، إذن هذا العلم يترتب عليه ثمرة، ما هي؟ هي خشية الله جل وعلا، إذن كيف تقول؟ كيف تعمل؟ لابُدّ أنْ تبنيه على العلم حتى يقع العلم موقعه فتكون خشية الإنسان مِن ربه، وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(10) ، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(11)  قال: "إلّا العالمون" إذن غير العالمين لا يعقلونها، قال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ إذن الأمثال التي يضربها الله عزّ وجلّ للناس فيها حكم وآيات وبيّنات، فالذي لا يعلم لا يتحصل على هذه الأحكام والمواعظ التي تضمنتها هذه الأمثال، إذن فيبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وقال عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(12)  والمراد بالسمع هنا السمع الخاص، وهو السمع الذي يحصل به انتفاع؛ وإلّا الكفار يسمعون كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(13)  إذن هم يسمعون، ولكن سماعهم مثل سماع البهائم، البهائم تسمع أصوات ولا تعقل، إذن أهل النار يقولون: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(14)  ومِن هنا قال العلماء: إنَّ هذا السمع والعقل إنما هو لأهل العلم، والناس فيه متفاوتون، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ(15)  جاءت هذه بعد قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ(16)  والطائفة الأخرى لم يذكرها الله وهي التي على خلاف هذه الطائفة، ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(17)  إذن ما هو الذي جعلهم يقنتون ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا(18)  هذا بسبب العلم، إذن العلم هو الذي أورثهم هذا العمل، ثم نفى الله عزّ وجلّ التساوي بين الطائفتين؛ بين الذي يعلم وبين الذي لا يعلم، فدلَّ ذلك على أنّ العلم يُبتدأ به حتى تحصل الموافقة لمراد الله تعالى مِن عباده، وقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يفهمه» وهذا جاء في بعض الروايات خارج الصحيح، والذي في الصحيحين - وسيأتي ذكره إنْ شاء الله بعد بابين أو ثلاثة -: «مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» ويفقهه في الدين: هل المراد مجرد التفهيم أو العمل؟ قد يكون المؤلف هنا أراد الفهم، والفقه في الدين وهو المعرفة لأنه عقد باب «مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» وسيأتي الكلام عليه إنْ شاء الله تعالى، قال: "وإنما العلم بالتعلم" هذا جزء مِن حديث معاوية رضي الله عنه، حديث معاوية في خارج الصحيحين «مَن يرد الله به خيرًا يفقه، وإنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم» هذه الرواية خرّجها أبي عاصم في العلم والطبراني والخطيب في الفقيه والمتفقه، وحسن الحديث العيني، وفي التحسين نظر "وإنما العلم بالتعلم"، هذا الصواب أنه لا يصح مرفوعًا إلى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وإنما هذا مِن الآثار المنقولة عن السلف.

وقال أبو ذر رضي الله عنه: "لو وضعتم الصمصامة" الصمصامة هو السيف الصارم الذي لا ينثني "لو وضعتم الصمصامة على هذا وأشار إلى قفاه، ثم ظننت أني ألفظ كلمة قبل أنْ تجيزوا عليّ" يعني قبل أنْ تقتلوني "لأنفذتها" هذا الأثر أخرجه الدارمي وأحمد بن منيع في مسنده وأبو نعيم في الحلية.

مقالة أبي ذر رضي الله تعالى عنه هذه وجه الاستدلال فيها بأنّ أبا ذر رضي الله عنه قال هذه المقولة؛ وهو أنه يريد أنْ ينفذ ما سمعه مِن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولو كان السيف على رقبته لماذا؟ لأنّ هذا العلم الذي سمعه مِن رسول الله هو الحق الذي يجب أنْ تُبنى عليه الشريعة، ومعنى ذلك أنّ أبا ذر رضي الله عنه لو لم يعلم أنّ الأعمال مبناها على العلم لَمَا قال هذه الكلمة!

وقال ابن عباس: "كونوا ربانيين حلماء فقهاء" أو "حكماء علماء" وهذا الأثر خرَّجَه ابن أبي عاصم في العلم وخرجه أيضًا البيهقي في الشعب والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، قوله: وقال ابن عباس: "كونوا ربانيين أي حكماء علماء أو حلماء فقهاء" ويقال: "الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره" ويقال: الرباني الذي ربى: هذه كلمة مشهورة عند السلف وليست مرفوعة عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، قوله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ(19)  إذا قلنا: حلماء فقهاء، ما وجه ارتباطها هنا؟ الباب الذي عندنا "باب العلم قبل القول والعمل" هو لبيان أنّ العلم ليس هو مجرد لفظ! لكنّ العلم مشتمل على النقل وعقل ما ينقل، ولهذا هو أورده في حديث "مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" وأورد فيه "إنَّما العلم بالتعلم" لبيان أنّ العلم هذا مكتسب ويُسعى في اكتسابه، هذا العلم مكتسب وليس مِن العلوم الغريزية! لا هذا مِن العلوم التي تُكتسب، إذن هو علم مكتسب فيسعى الإنسان في اكتساب العلم، وثانيًا: ليس هو مجرد نقل وإنما فقه، فيجمع الإنسان بين النقل باعتبار أنّنا متعبدون بما جاء به النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ثم يفقه ما جاء به النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، هذا هو العلم الذي تبدأ به قبل القول والعمل، إذن العلم الذي يُبدأ به قبل القول والعمل أساسًا فيها أمران: النقل بمعنى أنه يكون مأثورًا عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حتى نخرج الرأي، الثاني: أنْ يكون هذا العلم معقولًا للمكلف، بمعنى أنّ المكلف يسعى إلى فهمه وعقله، وهذا هو "إنما العلم بالتعلم" يعني يسعى الإنسان لكسبه، لا يقف! لا، يسعى ويتعلم ويفهم ويطلبه أساسًا، ففيه طلب وهو الرواية، وفيه طلب الفهم بعد حصوله على الرواية، وقوله: ويقال: "الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره" هذا فيه إشارة مِن البخاريّ رحمه الله إلى أمر مهم وهو أنّ هذا العلم لابُدّ أنْ يكون بالتدرج، لا يصلح للإنسان أنْ يهجم على العلم، الله قال لنبيّه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ(20)  وقال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(21)  لكن هذه لها موضع وهذه لها موضع، إذن العلم لا يُهجم عليه وإنما يؤخذ العلم بالتدرج، لأنّ الإنسان إذا أخذ العلم بالتدرج كان أيسر عليه في الأخذ له، وثانيًا: إنَّ الإنسان إذا تعلم كبار العلم قبل صغاره احتقر تعلم الصغار! ولهذا العلماء رحمهم الله إذا رأيتم في كل الفنون: فنون مرتبة، لم يكتبوا هذه المؤلفات اعتباطًا! فيه مختصرات وفيه مطولات وفيه أنواع مِن التصانيف، لو أخذت مثلًا الحديث أو الفقه أو التفسير أو علومها وجدت فيها تصانيف، ولهذه التصانيف مقاصد، ومِن الخطأ أنّ بعض الناس مثلًا لو جئنا مثلًا لكتاب "شرح زاد المستقنع" مثلًا صاحب الزاد له هدف مِن الكتاب، ليس هو فقه مقارن ولا خلاف، هو على الراجح في المذهب عنده مذهب أحمد بن حنبل، فهذا مقصد، فلمّا تأتي إلى إنسان يشرح الكتاب حسب مقصد مؤلفه نقول: هذا هو الصحيح، لأنّ الكتاب أصلًا أُلف لطائفة مبتدئة، لمّا تجد في شروح الأحاديث في بعض الكتب لم تشرح مِن أجل يطال فيها! هي شُرحت لطائفة معلومة يريد أنْ يُفهم كلام النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بأوجز عبارة وأيضًا بالقول المختار والراجح الذي تدل عليه الأدلة ويكتفي بذلك؛ فلا غضاضة، هذا غرضه، وبعضهم غرضه الاستفاضة، ففيه تربية هنا، لا يصلح مثلًا أنّ طالبًا مبتدئ يقرأ فتح الباري! غلط، هذا يسبب لك عوص في العلم، لا تعد تتعلم، لمّا تأتي مثلًا في هدي النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لا يصلح أنْ تقرأ زاد المعاد لأنه فيه مسائل خلافية كثيرة محققة ومدققة كيف تدخل في الخلاف أنت! لا يصلح، ولهذا العلماء مثلًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب اختصر زاد المعاد؛ تأخذ مختصر زاد المعاد، فالعلم هنا بالتدرج، إذا تدرجت سَهُلَ العلم عليك؛ وأخذتَ صغار العلم قبل كباره ولم يسبب ذلك لك ردًا للعلم بعد ذلك، لأنّ الإنسان إذا أخذ الكبار دون الصغار؛ يمكن أنْ يرد الصغار ولم يعد يلتفت إليها! الآن بعض الناس مثلًا يبتدئ مثلًا في حفظ كتب كبار؛ وإذا قيل: له احفظ كتب المتون المعروفة عند العلماء يستصغرها ولا يقبلها! وهذا غلط.

بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لاَ يَنْفِرُوا

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا».

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلاَ تُنَفِّرُوا».


"باب ما كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يتخولهم بالموعظة والعبرة كي لا ينفروا" وهذا فيه مراعاة حال المتعلم في العلم، فينبغي للمعلم أنْ يتخولهم بالموعظة، يعني لا يكون في موعظة دائمة أو في تعليم دائم! بل إنه ينظر إلى حالهم؛ فإذا كانت السآمة تصيبهم؛ فإنه يقف عن التحديث والتعليم حتى ينشط المتعلم، وهذه ليس لها ضابط معين، لأنّ فعل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه "كان يتخولهم كل خميس بالموعظة" هذا تقدير، والمعلم يقدر، قد يكون عنده بعض الطلاب الذين لهم نَهَمٌ في العلم وشغف شديد، وأحيانًا يكون في التعليم يأتي مثلًا إلى قومه أو جماعة في المسجد أو نحو ذلك فإذا صار يحدثهم يوميًا ملُّوا فيتخولهم كل ثلاثة أيام أربعة خمسة على حسب ما يرى احتياجَهم إليه وما يرى إقبالَهم عليه، وإلّا فالشرع لم يرد فيه تحديد بزمن ولا وقت معين، لكن هذا يراعى بحسب الناس.

وقوله: حدثنا محمد بن يوسف هو الفِريابي وشيخه سفيان الثوري والبقية تقدموا، والحديث خرَّجَه أيضًا مسلم في صحيحه.

والحديث الثاني: قال: حدثنا محمد بن بشار وهو العبدي البصري المشهور ببندار، خَرَّجَ له أصحاب الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وهو القطان، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا أبو التيّاح وهو يزيد بن حميد الضُّبَعِي وقد خرج له أصحاب الكتب السِّتَّة، والشاهد فيه قوله: "ولا تنفروا" ومِن ذلك التنفيرُ عن العلم بوصل الموعظة وعدم الانقطاع فيها، وهذا الحديث خرَّجَه أيضًا الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه.


(1) محمد: 19.
(2) فاطر: 28.
(3) العنكبوت: 43.
(4) الملك: 10.
(5) الزمر: 9.
(6) آل عمران: 79.
(7) محمد: 19.
(8) محمد: 19.
(9) فاطر: 28.
(10) العنكبوت: 43.
(11) العنكبوت: 43.
(12) الملك: 10.
(13) البقرة: 171.
(14) الملك: 10.
(15) الزمر: 9.
(16) الزمر: 9.
(17) الزمر: 9.
(18) الزمر: 9.
(19) آل عمران: 79.
(20) القيامة: 16.
(21) طه: 114.