موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ وبَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ - شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب العلم من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
 بَابُ فَضْلِ العِلْم إلى بَاب طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْم
 بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ وبَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ
 بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِس إلى بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ
 بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَة إلى بَاب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
 بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْم إلى بَاب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْس
 بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْس إلى بَاب تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه
 بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ إلى بَاب حِفْظِ العِلْم
 بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاء إلى بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَه
شرح كتاب العلم من صحيح البخاري - بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ وبَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ

بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(1)

القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ، وَرَأَى الحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ القِرَاءَةَ جَائِزَةً، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ "بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: "فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ" وَاحْتَجَّ مَالِكٌ: "بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ فَيَقُولُونَ: أَشْهَدَنَا فُلاَنٌ، وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ، وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلاَنٌ"، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: "لاَ بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ" وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفِرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي، قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْن عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا.


"باب ما جاء في العلم، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(2) " هذا الحقيقة هذا الباب ذكر القسطَلَّاني هذا الباب ثم بعد ذلك ذكر أنه ورد في بعض النسخ هكذا، ثم بعدها باب "القراءة والعرض على المُحَدِّث" يعني النسخ مختلفة، وقد ذكر ذلك القسطَلَّاني بل ذكر بعض الروايات والنسخ ليس فيها الباب، يعني ذُكِرَ هذا الباب وليس فيها الباب الثاني، وبعضها لم يُذكر فيها هذا الباب، وبعضها جُمِعَ، أما الذي عليه شرح الحافظ والعيني ليس فيه هذا، ليس فيه "باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(3) " والحقيقة أنّ هذا "باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(4) " محتمل أنّ البخاريّ أورده لأنه يكرر بعض الأبواب التي تكون بينها فروق يسيرة، ومحتمل أنّ هذا وقع مِن النساخ، لأنّ هذا يُغني عنه ما ذكره في الباب الأول، وعلى كلٍّ الأمر واضح، "باب ما جاء في العلم" يعني الآية في دلالتها: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(5)  كما في سبق معنا، يعني قد يُستدل بها على شرف العلم، وقد يُستدل بها على طلب الاستزادة مِن العلم في باب العلم.

إذن هذا الباب معقودٌ لبيان نوع مِن أنواع التحمل، الباب الأول كان في الأداء "حدثنا وأخبرنا وسمعتُ"، ماذا يقول الراوي حين يؤدي ما سمع، هنا كيفية تحمل الراوي للأحاديث، الكيفية وطرق التحمل عند العلماء ثمانية على تفاصيل في بعضها، لكن هناك القراءة والسماع والمناولة والكتابة، ذكرها الإمام البخاريّ، لأنّ هذه إما بالإجماع وإما عند جمهور أهل العلم مقبولة، وما عداها في محل خلاف بين العلماء وبعضها أقوى مِن بعض وبعضها مردود، عندنا القراءة والعرض، هل العطف هنا تفسيري؛ بمعنى أنّ القراءة هي العرض والعرض هو القراءة كما يقول بعضهم؟ أو أنّ هناك فرقًا بين القراءة والعرض؟ القراءة معناها أنْ يقرأ الطالب على الشيخ، وليس المراد أنْ يقرأ بخصوصه! لكن قد يحضر المجلس للقراءة وأحدهم يقرأ كما كانوا يقرءون مثلًا على مالك يحضر جمع غفير أحدهم يقرأ والآخرون يستمعون، لكنّ الإمام مالك ما يحدث، لو كان الإمام مالك هو الذي يحدث؛ يقرأ عليهم أو يحدثهم كان هذا سماع منهم للفظ الإمام مالك، لكنّ الإمام مالك كان لا يُحَدِّث، يقرأ أحدهم الموطأ والإمام مالك موجود معه أصلُه ويقرأ القارئ والبقية يسمعون، هذا يسمى القراءة، هذه تسمى القراءة بلا إشكال، لكن هذه الطريقة هل لها اسم خاص غير القراءة أو لا؟ بعضهم يقول: القراءة إذا قرءوا عليه وهو ممسك بأصله أو كان مِن الحضور مَن هو ممسك بأصل الشيخ يسمى عرضًا، فإنْ لم يكن هناك أصل فإنها تسمى القراءة، والعرض نظر إليه بعض العلماء مِن وجه آخر وهو أنّ العرض نوعان: عرض قراءة وعرض مناولة، المناولة ما معناها؟ هو أنْ يأتي بأصل أو بفرع أو بمكتوب أُخذ عن أصل شيخه، يعني جاء بأحاديث وعرضها على شيخه بدون قراءة؛ فأخبره شيخُه أنّ هذا حديثه وأجازه به، هذا يكون عرض مناولة، أو أنّ الشيخ يناوله فيقول مثلًا: هذا كتابي فاروه عني، لهذا يسمى عندهم مناولة لكن لا يسمى عرضًا، العرض أنّ الطالب هو الذي يعرض عليه الحديث فيخبره بأنه حديثه ويجيزه فيه، ظاهر الباب أنّ المؤلف رحمه الله ما يريد عرض المناولة وإنما يريد عرض القراءة فقط، يريد القراءة وعرض القراءة، وهذا ظاهر مِن تعريف القراءة والعرض، وعلى كل الاسم العام لها قراءة، لكن هل العرض فيه خصوصية؟ يعني كأنه يقول في هذه الحالة المعينة التي يكون الشيخ ممسك بأصله هذه يسمى عرضًا، الأمر بسير ليس فيها خلاف مؤثر(6).

قال: ورأى الحسن والثوري ومالك القراءةَ جائزة، وهذا سيُسنده المؤلف بعد قليل، لمّا قال: ورأوها جائزة؛ دلَّ على أنّ في المسألة خلافًا، وهذا الخلاف كان خلافًا قديمًا، وقد انقرض الخلاف وانعقد الإجماع على صحة الرواية بالقراءة، لكنّ الخلاف في المفاضلة بين القراءة والسماع أيهما أفضل؟ القراءة أو السماع؟ قد يقول قائل: ما هي الفائدة بالنسبة لنا؟ يقول: لو تعارض عندنا راويان أحدهما أخذه سماعًا والآخر قراءة فمَن نرجح؟ مذهب أهل المدينة ترجيح القراءة، والجمهور على ترجيح السماع، مع الاتفاق على صحة الرواية بهما، لكن هذه مِن القرائن التي يُرَجَّح بها عند الاختلاف، وهي أتوقع أنها نذْر يسير إنْ وجدت.

قال: واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام، ذكر ابن حجر والعيني أنّ المحتج هو الحميدي ثم استدرك الحافظ ابن حجر رحمه الله على نفسه بعد ذلك، لأنه ذكر أنه ظنَّ أنه الحميدي ثم تبيّن له أنه ليس الحميدي الذي يحتج وإنما هو أبو سعيد الحداد وساق الإسناد إلى ذلك، واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة، وحديث ضمام بن ثعلبة هو الذي ذكره المؤلف بعد ذلك وأسنده، وسيأتي وجهه إنْ شاء الله تعالى، وذكر وجه الشاهد لأنّ ضمام بن ثعلبة قال للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: آلله أمرك بهذا؟ آلله أمرك؟ الآن ضمام يعرض على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ما بلغه مِن أمرِ الله لنبيه الذي نقله إلينا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، فعندنا في الحديث: آلله أمرك بالصلاة؟ ومثلها ما بعدها، مِن أين عَلِمْنَا أنّ الله أمرنا بالصلاة؟ الذي نقله نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم، فضمام سمع بهذا وبلغه الأمر وجاء فعرضه على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: آلله أمرك؟ فالنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "اللهم نعم"، فهذا ضمام يعرض المروي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُصَدِّقُ ذلك ويخبره أنّ الله أمره به، فهذا عرض مِن ضمام على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فأنت تأخذ: آلله أمرك؟ كأنه كتاب معروف على الراوي أو يقال: للراوي أهذا حديثك؟ فيقول: نعم، هذا يقول: أنت حدثتَ بها يا رسول الله؟ قال: نعم، إذن هل النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حَدَّثَ ضمامًا ابتداءً؟ لا، ضمام هو الذي عرض على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وقرأه، والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أقرَّ به، هذا يسمى العرض، لكنّ القراءة لا، فما يلزم مِن هذا، القراءة يمكن يقرأ عليهم ابتداءً، آتي بكتاب ويجلس للتحديث ما عرض عليك شيء! هذا يسمى قراءة، وهذا وجه الاستشهاد بالحديث الذي ساقه المؤلف(7)، إذن القراءة أعمُّ مِن العرض، فأجازوه يعني أنهم قبلوا ما نقله عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لذلك صح أنّ العرض أو القراءة صحيحة.

قال: واحتج مالك بالصك يقرأ على القوم فيقولون: أَشْهَدَنا فلان، الصك يراد به المكتوب الذي يُكتب فيه ما يُقِرُّ به المُقِرُّ عند الحاكم، إذا أقرَّ عند الحاكم بما عليه مثلًا وكُتب بهذا الصك ثم قُرِأ على هذا المُقِرُّ هذا الصك والناس يسمعون فأقرَّ بذلك؛ فإنّ إقرارَه هذا يصح أنْ يشهد عليه به غيرُه، والرواية قريبة مِن الشهادة، وهذا واضح، وكونه احتجاجه بالصك يعني معناه احتجاج بعمل قائم لم يُنكر، كأنه يقول: ما دام أنّ الناس أقرّوا هذه الصكوك؛ أقرّوها ولم ينكرها أحد إذن الرواية مثل الشهادة.

قال: ويُقرأ على المقرئ فيقول القارئ: أقرأني فلان، أي يُقرأ على المقرئ القرآن، فالقارئ يَعرض على مقرئ القرآنِ القرآنَ؛ فإذا قيل له: مَن اقرأك؟ قال: أقرأني فلان، والمقرئ لم يقرأ! إنما هو عرض عليه القرآن، فصح أنْ يقول: أقرأني القرآن فلان، إذن هنا يصلح أنْ يقول: حدثني به فلان.

ثم ذكر الآثار، قال: حدثنا محمد بن سلام البيكندي قال: حدثنا محمد بن الحسن الواسطي وهو مِن رواة البخاريّ ولم يُخَرّج له مسلم، عن عوف بن أبي جميلة وقد مرّ، عن الحسن البصري وقد مَرّ، قال: لا بأس بالقراءة على العالم، هذا الأثر خرَّجَه حنبل وابن إسحاق - أي أثرًا - كما عزاه إليهما في شرح علل الترمذي لابن رجب، وأيضًا خرَّجَه الخطيب البغدادي في الكفاية، وقوله هنا: وأخبرنا محمد بن يوسف الفِربري وحدثنا محمد بن اسماعيل البخاريّ، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قوله: وأخبرنا محمد بن يوسف الفِربري، هذه الزيادة وقعتْ في بعض النسخ كما ذكر ذلك القسطَلَّاني، ومحمد بن يوسف الفِربري هو راوي صحيح البخاريّ، الرواية المعتمدة أصلًا والمشهورة هي رواية محمد الفِربري، يقال: روى صحيح البخاريّ عن البخاريّ تسعون ألفًا، والرواية المعروفة والمشهورة هي رواية الفِربري محمد بن يوسف الفِربري المتوفى سَنَة "321".

قال: حدثنا عبيد الله بن موسى وهو العبسي، باذام، وقد تقدم عن سفيان وهو الثوري، قال: إذا قُرِئ على المُحَدِّث فلا بأس أنْ يقول: حدثني، الحسن البصري في الأول قال: لا بأس بالقراءة على العالم يعني أنها صحيحة وجائزة، الثاني: كلام سفيان الثوري قال: إذا قُرِئ على المُحَدِّث فلا بأس أنْ يقول: حدثني، هذا فيه أمران، فيه جواز القراءة، وفيه أنه لا بأس أنْ يقول: حدثني، طبعًا بعضهم يقول: حدثني، وبعضهم يقول: حدثني قراءة عليه، أو حدثنا قراءة عليه، يجيز القراءة، وكل هذه مستعملة عند العلماء، قال: وسمعتُ، أي قال البخاريّ رحمه الله، سمعتُ أبا عاصم وهو الضحاك بن مخلد المعروف بالنبيل، يقول عن مالك وسفيان وهو الثوري: القراءة على العالم وقراءتُه سواء، يعني أنّ القراءة أو السماع سواء، لأنّ القراءة على العالم هي القراءة، وقراءته يعني تحديث العالم وغيره يسمع عند مالك وسفيان الثوري سواء، يعني أنهما سواء في الحكم، والمسألة فيها ثلاثة أقوال مشهورة، الأول: أنّ السماع أفضل، والثاني: أنّ القراءة أفضل، والثالث: التساوي بينهما.

الحديث الذي ساقه، ساقه عن شيخه عبد الله بن يوسف التنيسي وهذا سبق، والليث قد سبق، وسعيد المقبري وقد سبق، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر وهذا ممن خَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، والدلالة مِن الأحاديث تقدمت في كلام البخاريّ رحمه الله.

قبل ذلك قال: رواه موسى، وموسى هو ابن اسماعيل المنقري وهو شيخ للإمام البخاريّ رحمه الله، وعلي بن عبد الحميد وهو أبو حسين المعني - هناك المعني وهناك المعنى - أبو داود كثيرًا في سننه وغيره يقول: حدثنا فلان المعنى، يقصد به معنى الحديث، فلا يُخلط بين المعنى والمعني، المعني اسم، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في تبصير المنتبه.

وعلي بن عبد الحميد أيضًا شيخ للإمام البخاريّ توفي سَنَة "222"، وموسى بن اسماعيل توفي سَنَة "223"، وموسى بن اسماعيلالبخاريّ روى عنه، وروايته معروفة ومشهورة، أما علي بن عبد الحميد هذا ليس له في البخاريّ إلّا هذا الموضع فقط(8)، إذا أخذتَ برأي الحافظ السابق أنه المؤلف يحذف حرف العطف فتصير معلقة لأنهم كلهم شيوخ هؤلاء، الحافظ أظنه قال عن هذا أنه معلق، لكن لم يعلل ويبيّن لماذا معلق؟ يعني إذا أخذنا فيما ذكره أنّ مِن عادة البخاريّ رحمه الله أنه يحذف حرف العطف هذا قد يكون حذف حرف العطف، هذا شيخه وهذا شيخه، ممكن أنْ يقال هذا، على كلٍّ رواية موسى وصلها أبو عوانة في مستخرجه وابن مندة في كتابه الإيمان، ورواية علي بن عبد الحميد وصلها الترمذي والدارمي، وأظنّ أنّ الترمذي وصلها عن شيخه محمد بن اسماعيل البخاريّ.

عن سليمان بن المغيرة؛ أبو سعيد القيسي، وهو مُخَرّج له في الكتب السِّتَّة، وثابتثابت البُناني الإمام المشهور المعروف.

بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ

وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نَسَخَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ذَلِكَ جَائِزًا، وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: «لاَ تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيِّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ".

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ.


"باب ما يُذكرُ في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان" وهاتان طريقتان مِن طرق تحمل الحديث، وهي المناولة والكتابة، المناولة معناها أنْ يناول الشيخُ الطالبَ حديثَه ويقول: هذا حديثي فاروه عني، هذه المناولة عند العلماء، يعني أنه لا يسمعه ولا يقرأ عليه لكن يعطيه الكتاب ويقول هذا حديثي فحدث به عني، والثاني: الكتابة، وهو أنْ يكتب له، يكون هذا في بلد وهذا في بلد فيكتب له، وهذه موجودة حتى مُخَرّج في الصحيح بها "كتب إليّ فلان"، لكن هذه طبعًا لها شروطها عند أهل العلم وهي أنْ يكون الكتاب محفوظًا وأنْ يكون خطُّ العالم معلومًا لِمَن كُتِبَ له به، ويكون محفوظًا بحيث يكون وصل وصولًا صحيحًا، فلا عُدِّلَ عليه ولا غُيِّرَ فيه ولا بُدِّلَ؛ فتكون يد الناقل يدًا أمينة، وهو يعرف خط شيخه أو خط مَن يكتب لشيخه، يعني يعرف هذا.

قال: وقال أنس: نسخ عثمانُ المصاحف وبعث بها إلى الآفاق، وهذا وصله المؤلف في صحيحه "كتاب فضائل القرآن"، وفي أيضًا "مناقب قريش"، عثمان رضي الله عنه نسخ المصاحف وبعث بها إلى الآفاق، هذه كتابة أو مناولة؟ هي الآن هذه صورتُها صورةُ الكتابة لأنه قال: وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، ورأى عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمر هذا اختُلف فيه هل هو الصحابي رضي الله عنه؟ أو هو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب؟ وروايات الصحيح كلها عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمرو - بالواو – عبد الله بن عمرو بن العاص له مثل ما ذكر هنا وهو جواز الكتابة، لكن نُسخ الصحيح ليس فيها الواو، عبد الله بن عمر بن حفص هو وأخوه عبيد الله لهما مثل ما يرى يحيى بن سعيد ومالك، فمحتمل أنْ يكون عبد الله بن عمر الصحابي لأنه قدَّمَه على هؤلاء الكبار، ومحتمل أنْ يكون عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب لأنّ الرواية نقلت، وعلى كلًّ هذا ليس له كبير تأثير في مسألتنا هذه.

قال: ورأى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس ذلك جائزًا، وهذا واضح، ولمّا ذَكَرَ الجواز هنا وذكر الجواز في المرة السابقة هذا ماذا يدل عليه؟ يدل أنه إذا ذكر الجواز يدل على أنّ فيه مخالف يرى عدم الجواز، والمناولة وقع فيها خلاف، لكنّ المعمول به والمشهور عند العلماء - وهو الذي عليه جمهور أهل العلم في الكتابة والمناولة - أنها جائزة؛ وأنّ الرواية بها صحيحة، واحتج بعض أهل الحجاز وهو الحميدي عبد الله بن الزبير شيخ البخاريّ واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حيث كتب لأمير السرية كتابًا وقال: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا" فلمّا بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، إذن سلمه وناوله الكتاب وفيه أمرُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذهب به إلى أولئك القوم فقرأه عليهم، إذن النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ناوله الكتاب فقرأه عليهم وتلقوا عنه أمرَ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، إذن هم أجازوا هذه المناولة، ولو لم تكن المناولة صحيحة لَمَا ناوله النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الكتاب! لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أراد أنْ يوجههم بأمره عليه الصّلاة والسّلام، ولو كانت غير سائغة لم يحصل ما أراده عليه الصّلاة والسّلام مِن توجيههم لأنَّهم حينئذٍ لا يثقون في كتابه، وهذا الحديث هو مما علَّقَه المؤلف ولم يُخَرِّجْه في موضعٍ آخر ورواه ابن اسحاق في السيرة عن عروة مرسلًا، وذكر الحافظ في التعليق أنَّه مرسلٌ جيدٌ قوي الإسناد، وذكر له شاهدًا مِن حديث جندب عند الطبراني والضياء، وذكر له شاهدًا آخر مِن حديث ابن عباس عند الطبراني، وأنتم تعرفون أحاديث السير لا سيما مثل عروة، عروة إمام في السير يعني يتجوز فيها، لا سيما إذا انضم إليها غيرها ولم تكن منافيةً للأحاديث الأخرى أو الأصول(9).

هي مناولة، البخاريّ ذكرها في الاحتجاج على المناولة، هي مناولة وكتابة، فيها حديث هرقل وفيها قصة لمّا بعث النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عليًا.

ثم ذكر حديث قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الله وهو الأويسي وقد تقدم، حدثني إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح وهو ابن كيسان، وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف في كتابة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إلى عظيم البحرين هو شاهد على ما تقدم مِن المناولة، وهذا الحديث تفرَّد به البخاريّ عن مسلم كما تفرد البخاريّ في الحديث السابق حديث ضمام بن ثعلبة.

ثم ذكر قال: حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن وهو المروزي، انفرد الإمام البخاريّ بالتخريج به عن أصحاب الكتب الخمسة، قال: أخبرنا عبد الله وهو ابن المبارك، أخبرنا شعبة إلى آخر الإسناد، لكن عندنا لو رأينا هنا الحديث الأول، الحديث الأول أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعث بكتابه وأمره أنْ يدفعه إلى عظيم البحرين، ما أمره أنْ يقرأه وإنما يدفعه، إذن هي صارت كتابة وليست مناولة، الأول إذا كان اقرأه عليهم صارت مناولة لأنه هو الذي سيحدثهم، الآن الكتاب لا، هذا الكتاب هو عبارة عن بريد نقله عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إلى البحرين، إذن هو كتابة، الحديث الذي يليه جاء به ليبيّن أنّ هذا الكتاب لابُدّ أنْ يكون موثوقًا به ولهذا جاء بقصة الخاتم، لأنّ الختم إذا ختم عليه صار هذا توثيقًا له، فاتخذ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم خاتمًا ليختم به الكتب التي يبعث بها الرسل لأنهم لا يقبلونها إلّا بهذا الختم وقد وافقهم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على ذلك، فعُلِمَ به شرطُ الكتابة وهي - بعضهم شرط الختم – ولكن هي العلم بأنه كتابه، شرطه العلم بأنه كتابه.


(1) طه: 114.
(2) طه: 114.
(3) طه: 114.
(4) طه: 114.
(5) طه: 114.
(6) هنا كلام مع أحد الطلاب وفيه كلام غير واضح.
(7) هنا كلام مع أحد الطلبة وفيه كلام غير واضح.
(8) هنا كلام أحد وهو غير واضح.
(9) هنا كلام مع أحد الطلبة وفيه كلام غير واضح.