موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ فَضْلِ العِلْم إلى بَاب طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْم - شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب العلم من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
 بَابُ فَضْلِ العِلْم إلى بَاب طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْم
 بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ وبَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ
 بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِس إلى بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ
 بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَة إلى بَاب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
 بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْم إلى بَاب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْس
 بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْس إلى بَاب تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه
 بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ إلى بَاب حِفْظِ العِلْم
 بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاء إلى بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَه
شرح كتاب العلم من صحيح البخاري - بَابُ فَضْلِ العِلْم إلى بَاب طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم

اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه وللحاضرين ولجميع المسلمين

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

كِتَابُ العِلْمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

بَابُ فَضْلِ العِلْمِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(1) وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(2).


بسم الله الرحمِن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

هذا كتاب العلم مِن صحيح الإمام البخاريّ رحمه الله ذكر فيه ابتداءً "باب فضل العلم"، مِن المعلوم أنَّ الكلام في العلم كلامٌ عن حُكمه وعن فضْله وعن صفته وعن آدابه، الكلام عن العلم متعلق بحكمه وفضله وصفته وآدابه، والمؤلف رحمه الله لم يذكر شيئًا صريحًا مما يتعلق بحكمه، والعلماء رحمهم الله ذكروا أنَّ الأحكام الخمسة جاريةٌ في باب العلم، تارةً يكون واجبًا، وتارةً مندوبًا، وتارةً محرمًا، وتارةً مكروهًا، وتارةً مباحًا، ولهم تفاصيل في ذلك معروفة، إلّا أنَّ الذي يعنينا هنا هو العلم الشرعي، فما تَعَيَّنَ على العبد فِعْلُه أو احتاج إلى فِعْلِه وجبَ عليه أنْ يعرف حكمَ الله تعالى فيه حتى لا يأتي ما حرَّم الله أو يترك ما أوجب الله تعالى، وهذا مُفصّلٌ عند كل مسألةٍ مِن مسائل العلم تناولها فقهاء هذه الأمة.

أمّا ما يتعلق بفضله وصفته وآدابه فهذه الأشياء بثَّ الإمامُ البخاريّ رحمه الله في هذا الكتاب منها شيئًا كثيرًا، فابتدأ بالباب الأول وهو "باب فضل العلم" وإذا أُطْلِقَ العلمُ إنما يُراد به في الأصل العلمُ الشرعي لأنَّه أفضل العلوم وأجلّها لتعلقه بالله تعالى، ذكر الآية الكريمة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ(3) وهذه الآية فَضَّل اللهُ تعالى فيها مَن جمع الله تعالى له بين العلم والإيمان على مَن كان مؤمنًا ولم يكن عالمًا، وعلى هذا دارت تفاسير كثيرٍ مِن السلف، لأنَّ الله عزّ وجلّ يرفع مَن كان عالمًا مؤمنًا على مَن كان مؤمنًا ولم يكن عالمًا، لأنَّ هذين الرجلين قد استويا في الإيمان أو في تحقيق الإيمان لكن لأحدهما فضُل على الآخر بالعلم، فكان العلم سببًا للتفضيل، وهذه الرفعة في الدنيا والآخرة، ومثله ما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «إنَّ اللهَ يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضعُ به آخرين»(4)، وأصل العلم وأساسه كتاب الله جلّ وعلا، وهذه هي الآية الأولى، قد يُستفاد مِن هذه الآية مما يتعلق بآخرها وإنْ كان العلماء رحمهم الله الذين شرحوا الصحيح ذكروا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ(5) وتناولوا التفضيل مِن جهتها، لكن قد يُقال: إنَّ آخر الآية وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(6) دليلٌ على فضلِ العلم لأنَّ الله تعالى قد اتصف به، ولهذا أبرز ما يُفضل العلم أنَّ الله عزّ وجلّ جعله صفةً مِن صفاته، وهي صفة كمال لا نقص فيها بوجهٍ مِن الوجوه، ووصَف بذلك أنبياءَه وامتنّ عليهم به، كما قال الله جلّ وعلا في قصة ابراهيم: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا(7) ، وفي قول يوسف عليه السلام: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ(8) ، وفي الآية الأخرى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي(9) ، وأيضًا ما ذكره الله في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ(10) ، وما ذكره الله سبحانه وتعالى عن نبيّه صلّى الله عليه وسلّم امتنانًا في قوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(11) ، وفي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ(12) ، فالإنسان إذا قرأ مثل هذه الآيات وارتباط العلم بالأنبياء عرف فضيلةَ هذا العلم، وذكر المؤلف أيضًا قولَه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(13)  وهذا أمرٌ للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالاستزادة مِن العلم أو بدعاء الله عزّ وجلّ أنْ يزيده مِن العلم ولو لم يكن العلم فضيلة لَمَا أمر الله تعالى نبيّه أنْ يستزيده منها! بل هناك فضائل كثيرة لم يَرِدْ أمرُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالاستزادة منها بعينها، فدل ذلك على خصوصية وفضل العلم.

بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ؛ فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ» قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».


هذا الباب وهو "باب مَن سُئل علمًا وهو مشتغلٌ في حديثه؛ فأتم الحديثَ ثم أجاب السائل" ذكر فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث خرّجه البخاريّ عن شيخه محمد بن سنان؛ أبي بكر الباهلي، وهذا ممن خَرَّج له البخاريّ ولم يُخَرَّج له مسلم، عن فليح وهو فليح بن سليمان؛ أبو يحيى الخزاعي، وحديثه مُخَرَّج بالكتب السِّتَّة، ح وحدثني ابراهيم بن المنذر، وهو أبو اسحاق الخزاعي، خَرَّج له البخاريّ ولم يُخرّج له مسلم، قال: حدثنا محمد بن فُليح بن سليمان، هذا خرّج له البخاري، قال: - أي محمد بن فليح -، قال: حدثني أبي، وهو فليح بن سليمان، قال: حدثني هلال بن علي يقال له: ابن أبي ميمونة، وحديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة، عن عطاء بن يسار - مولى أم المؤمنين ميمونة - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة الأعرابي الذي ساق حديثَه، الباب الذي عندنا "باب مَن سُئل علمًا وهو مشتغلٌ في حديثه" هذا السائل سأل النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم متى الساعة؟ وكان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في تلك اللحظة يُحدّث أصحابه، فهذا السائل سأل النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، إذن النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حين سُئل كان مشتغلًا في حديثه؛ فلم يجب السائل مباشرةً وإنَّما أَخَّرَ الجوابَ حتى أتمَّ صلّى الله عليه وسلّم حديثَه ثم قال: "أين السائل عن الساعة؟" فأجابه صلّى الله عليه وسلّم، فلم يُهمل جوابَه لكنه لم يجبه وهو يُحدّث، ومنْ هنا قال العلماء: إنَّ هذا تربية مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لهذا السائل فهو كالزجر له وإنْ لم يكن زجرًا، لكن إعراض النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عن الجواب يدل على أنَّ الإنسان إذا رأى مَن هو مشتغلٌ بالعلم؛ فإنَّه لا يسأله حالَ تحديثه، والعالِمُ إذا سُئل وهو يُحدث فإنَّ له أنْ لا يجيب حتى يقضيَ حديثَه، وهذا الحديث تفرَّد البخاريُّ رحمه الله بإخراجه عن أصحاب الكتب السِّتَّة.

بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ

- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا - وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ - وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا.


هذا الحديث أيضًا خرّجه مسلم في صحيحه، وأبو النعمان هنا عامر بن الفضل، وقد تقدم، وأبو عوانة أيضًا تقدم، عن أبي بشر وهو جعفر بن إياس اليشكري، عن يوسف بن ماهَك، الأشهر فيه أنه بفتح الهاء، ويوسف بن ماهك بن بهزاد الفارسي، حديثه مُخرّج في الكتب السِّتَّة، هذا الحديث ذكره المؤلف في "باب مَن رفع صوته بالعلم" والشاهد منه قوله: "فنادى بأعلى صوته"، لكن لم ينقل أنّ رفع الصوت بالعلم كان ديدنه عليه الصّلاة والسّلام، لأنه هنا ليس هو مجرد رفع الصوت بالعلم! لكن قال: فنادى بأعلى صوته، فلمّا نادى صلّى الله عليه وسلّم بأعلى صوته دلَّ على أنه عليه الصّلاة والسّلام لم يكن في جميع أحواله يرفع صوته، وإلّا لو كان يرفع صوته في جميع الأحوال حين يحدث أصحابَه لم يقل الراوي: إنه نادى بأعلى صوته، ومِن هنا قال العلماء: إنَّ رفع الصوت بالعلم مقترن بالحاجة إلى ذلك؛ إما لكثرة الناس أو لبعد الناس أو لغير ذلك، ولهذا كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إذا خطب يوم الجمعة علا صوتُه، بعض العلماء ذَكَرَ في ذلك لأنّ الجمع الذي يحضر صلاة الجمعة يفوق مَن كان يصلي معه في العموم، لأنهم كانوا يأتونه مِن خارج المدينة عليه الصّلاة والسّلام، وهذا أحد التعليلات، وإنْ كان ثمة تعليلات أخرى لرفع الصوت، لكن هذا أحدها، قالوا: وإنما كان ذلك لأنّ الجمع كثير؛ فكان صلّى الله عليه وسلّم يرفع صوته حتى يبلغ صوتُه جميعَ أصحابه.

بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا

وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، وَقَالَ شَقِيقٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً، وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ، وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ -، وَقَالَ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ -، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ.

- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».


"باب قول المُحَدِّث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا" ثم ذكر مقالةَ شيخه عبدِ الله بن الزبير الحميدي، وقال لنا الحميدي: كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعتُ واحدًا، والكلام هنا "باب قول المُحَدِّث" والمراد - والله أعلم - بالمُحَدِّث هنا الراوي وليس هو المُحَدِّث على جهة العموم المأخوذ مِن التحديث في اللغة، وإنْ كان بعض الشراح قاله لكن يظهر أنه ليس بالصواب، بدلالة هذا، وبدلالة أنّ المؤلف رحمه الله بعد ذلك بأبواب تعرّض للقراءة والعرض والمناولة؛ إذن هو يتحدث عن اصطلاح لأهل الحديث يريد أنْ يستدل على هذا الاصطلاح، عندنا "حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا أو سمعتُ" هذه ألفاظ عند العلماء تسمى ألفاظ الأداء، يعني أنّ المُحَدِّث إذا تحمّل الحديث ثم أراد أنْ يحدث غيره فهو في نقله ماذا يقول عن شيخه؟ هل يقول: أنبأنا؟ أو يقول: سمعتُ؟ أو يقول: حدثنا؟ أو أخبرنا؟ للعلماء عبارات كثيرة، بعض العلماء جعل لكل تحمّلٍ ألفاظًا معدودة، لكن هذا يخالف صنيع الحفاظ مِن قديم والمُحَدِّثين، البخاريّ رحمه الله ذكر ما نقله الحميدي عن ابن عيينة في هذا وأنّ هذه الألفاظ سواء، ابن عيينة مُحَدِّث متقدم، وهذا النقل جعل بعضَ الشُّرَّاح - ومِن أبرزهم الحافظ ابن حجر والعيني - يرون أنّ البخاريّ يختار ما نقله شيخُه الحميدي عن ابن عيينة؛ وأنّ هذه الألفاظ إذا قال: حدثنا أو اخبرنا أو سمعت أو أنبأنا هي كلها واحد، يعني واحد مِن جهة كونها دالة على الاتصال وسماع الراوي مِن شيخه، هذا هو المراد، ثم ذكر - يعني بعض المعلّقات مِن الآثار - وذكر حديثًا يستشهد به على ذلك، ذكر مقالة ابن مسعود قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الصادق المصدوق، وهذا وصله البخاريّ في كتابه القَدَر، فعندنا ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أحضر له التحديث، وقال شقيق عن عبد الله سمعتُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كلمة، وهذا وصله البخاريّ في الجنائز، إذن عندنا في الأول حدثنا، وعندنا في الثاني سمعتُ، وقال حذيفة: حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حديثين، وهذا وصله أيضًا البخاريّ في كتابه الرقاق، وقال أبو العالية، وقد اختلف فيه مَن هو؟ هل هو نفيع بن مهران الرِّيَاحي كما رجحه الحافظ ابن حجر أو هو البرّاء زياد بن فيروز البصري، وكلاهما على كل ثقة، لكن ابن حجر اختار أنه أبو العالية ووهَّم مَن قال سوى ذلك، وكلاهما مُخَرَّج له في الصحيحين، قال أبو العالية: عن ابن عباس عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيما يرويه عن ربه، الآن عندنا لفظ العنعنة، وقال أنس عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يرويه عن ربه، وفيه عنعنة، وقال أبو هريرة عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يرويه عن ربكم تعالى، هذه التعاليق الثلاثة وصلها المؤلف رحمه الله في كتاب التوحيد، ذكر بعض العلماء أنّ مراد البخاريّ مِن هذا أنْ يُبيّن أنَّ العنعنة محمولة على الاتصال إذا ثبت اللقاء بين الراوي وبين مَن روى عنه، فابن عباس ثبت لقاؤه للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأنس ثبت لقاؤه للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأبو هريرة ثبت لقاؤه للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، إذن فإذا قال أحد منهم: عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم - ولو لم يقل سمعتُ - فإنها بمنزلة سمعتُ وحدثنا وأخبرنا، وبهذا يستفاد أنّ البخاريّ رحمه الله زاد على ما ذكره الحميدي، وهو أنّ سمعتُ وحدثنا وأخبرنا وأنبأنا بمعنى واحد وعن: إذا ثبت اللقاء بين الراوي ومَن روى عنه.

ثم قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا اسماعيل بن جعفر، قتيبة وهو ابن سعيد وقد مَرّ، واسماعيل ابن جعفر وهو ابن أبي كثير الزُّرَقِيّ، وحديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة، وبقية الإسناد قد سبقوا، هنا الآن الشاهد فيه قوله "فحدثوني ما هي؟" قوله عليه الصّلاة والسّلام "فحدثوني ما هي؟" المراد بـ "حدثوني" أخبروني لا شك، والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إذا حدّثوه سمعهم لأنهم كانوا حوله، وإذا رُجِعَ إلى روايات الحديث الأخرى وجدنا أنّ في بعضها "أخبروني" بدل "حدثوني"، هذه مِن رواية نافع عند البخاريّ في صحيحه في كتاب التفسير بدل "فحدثوني" "فأخبروني" ما هي؟ وفي رواية عند الإسماعيلي من حديث نافع قال: "أنبئوني" فذكر بعض العلماء أنّ البخاريّ رحمه الله لَحَظَ الروايات الأخرى، فهي إما أنْ تكون مأخوذة مِن ما عُلِمَ مِن حاله عليه الصّلاة والسّلام مِن أنه كان يعيد الكلام ثلاثًا ليُفهم عنه، قد يكون مرة قال: "حدثوني" ومرة "أخبروني" ومرة قال: "أنبئوني" وقد يكون هذا بنقل الرواة عنه على المعنى، فإذا كان على المعنى فمعناه أنّ هذه اللفظة كانت دارجة ومعروفة أو كانت دارجة عند السلف وأرباب الحديث أنّ لفظ الحديث "حدثوني وأخبروني وأنبئوني" كلها بمعنى واحد؛ بل و"سمعتُ" ولهذا لم يجعل العلماء رحمهم الله في باب رواية الحديث قول الراوي "حدثنا" يُعِلُّ قولَه إذا نُقِلَ عنه مِن وجه آخر "أخبرنا"، ولا يُعِلُّ النقلَ عنه إذا قال: "سمعتُ" لم يجعلوا هذا مُعِلاًّ لهذا ولا هذا مُعِلاًّ لهذا، فدل ذلك على استواء الجميع في الدلالة على اتصاله واتصال الحديث بمَن رواه عنه، وفي قوله: ثم قالوا: حَدِّثْنَا ما هي يا رسول الله؟ وهي مثل "حدثوني" لكن وقع في صحيح البخاريّ مِن رواية مالك عن عبد الله بن دينار لهذا الحديث قال: "أخبِرْنا بها" انظر قال الصحابة: "أخبِرْنا بها"، قوله في الرواية الأولى "أخبِرْنا" بها مع قولهم هنا "حَدِّثْنا" يدل على "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" بمعنى واحد، فيحصل المطلوب بما ذكره المؤلف.

بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ

- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».


"باب طرْح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم" قوله "باب طرح الإمام المسألة" أي إلقاء المسألة، "ليختبر ما عندهم مِن العلم" هذه تعليلية، وعلى هذا نهي النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عن الأغلوطات لا يتعارض مع هذا؛ لأنه هنا له مقصود صحيح، وهي أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أراد أنْ يختبر ما عندهم مِن العلم حتى يُعَلِّمَهم ما لم يعلموا، وهذا مقصد صحيح، فإذا طرح المسألةَ ليختبر ما عندهم مِن علم ويرى هل عرفوا أو لم يعرفوا؟ هل فهموا أم لم يفهموا؟ أو طرحها لينظر هل عندهم علمٌ وإلّا عَلّمهم ما لم يعلموا، أو مثلًا طرح المسألة يريد منهم أنْ يُعْمِلوا أذهانهم في استخراج العلم واستنباطه، فهذا كله لا بأس به، أما إذا أوقع المسألة على قصْد أنه يريد إعجازَهم! فهذا هو المنهي عنه، لأنّ العلم هذا ما أُنزل ليكون تعجيزًا للناس، أُنزل ليتعلم الناس العلم.

قوله: حدثنا خالد بن مخلد وهو القَطَواني الكوفي، خَرّج له البخاريّ ومسلم، وسليمان هو سليمان بن بلال المدني القرشي سبق ذكره، وعبد الله بن دينار سبق أيضًا ذكره، هذا الحديث لو لاحظتم كرره مع الحديث الذي قبله، وهذه عادة الإمام البخاريّ أنه يعيد الأحاديث أو يُقَطِّع الأحاديث ويكررها في مواضع بحسب الحاجة إلى التبويب، انظر البخاريّ عنده تبويب، الأبواب هذه التي يذكرها هي تراجم يدخل تحتها الحديث، أحيانًا يعيد الحديث بسنده ومتنه، وهذه قليلة جدًا جدًا في البخاريّ، أحيانًا يعيد الحديث لكن يحصل بمغايرة في المتن أو الإسناد، وهذا مرَّ معنا، وهذا طبعًا بخلاف مسلم، لأنّ مسلم جمع الأسانيد، يعني يمرُّ على الحديث ويجمع أسانيده ومتونه في مكان واحد، والإمام مسلم ليس عنده أبواب! الإمام ليس عنده إلّا الكتب، كتاب كذا، كتاب الإيمان، كتاب الزكاة، كتاب الصلاة، كتاب الطلاق، وهكذا، أما التبويبات الموجودة في صحيح مسلم فهي مِن الشُّرَّاح، وليست مِن الإمام مسلم، ولهذا الإمام مسلم لم يستطع العلماء أنْ يستنطقوا فقهَه مِن كتابه إلّا على قلة، وهي مسألة ترتيب مسلم رحمه الله للأحاديث الواردة، وإيراد الحديث وما يُبيّنه، أو إيراد الحديث وما يعارضه، ومنه بعض العلماء حاول إظهار فقه الإمام مسلم رحمه الله، أما البخاريّ فهو واضح في فقهه لأنه جعل في كتابه أبوابًا ذكر فيها تراجم، والشاهد مِن هذا الحديث هو ظاهر في إلقاء النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عليهم هذه المسألة، وهذا بيِّن.


(1) المجادلة: 11.
(2) طه: 114.
(3) المجادلة: 11.
(4) صحيح مسلم (817) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(5) المجادلة: 11.
(6) المجادلة: 11.
(7) مريم: 43.
(8) يوسف: 101.
(9) يوسف: 37.
(10) النمل: 15.
(11) النساء: 113.
(12) الشورى: 52.
(13) طه: 114.