موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ - شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الإِيمَانِ إلى بَاب أُمُورِ الإِيمَان
 بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إلى بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ إلى بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَل
 بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَة إلى بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم
 بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق إلى بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُه
 بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِه إلى بَاب خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُر
 بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري - بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ

بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلاَمِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ، وَبَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ(1).

- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَبرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ». قَالَ: مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: " الإِسْلاَمُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ". قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ " ثُمَّ تَلاَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ(2) الآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: «رُدُّوهُ» فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ.


هذا الباب ذَكَرَ العلماءُ أنّ البخاريّ عقده لبيان أنّ الإيمان والإسلام شيءٌ واحد، ذَكَرَ فيه حديثَ جبريل في الأول وهو الحديث الطويل المشهور وقد ساقه المؤلف مِن رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وجاء أيضًا في صحيح مسلم مِن حديث عمر، قال: "وما بَيّنَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لوفد عبد القيس" حديث وفد عبد القيس سيذكره المؤلف في باب أداء الخُمس مِن الإيمان، وحديث وفد عبد القيس "أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لهم: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أنْ لا إله إلّا الله؛ وأنّ محمدًا رسول الله، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأنْ تُعطوا الخُمس مِن المغنم" إذن ففسره النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فسّر الإيمان لوفد عبد القيس بالأعمال الظاهرة، وفسّره في حديث جبريل عليه السلام بأنّ الإيمان "أنْ تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالبعث" وهذا مِن إيمان الباطن، قال البخاريّ بعد ذلك: "جعل ذلك كلَّه مِن الإيمان" يعني جعل الأعمال الظاهرة مِن الإيمان وجعل الأعمال الباطنة مِن الإيمان، فدلّ ذلك على أنّ الإيمان والإسلام شيء واحد، وكان قد استدل بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ(3) ومِن المعلوم أنّه ليس المراد به هنا مجردُ الإسلام! وإنّما يراد به الإسلام المجتمع إلى الإيمان، وهذا رأي الإمام البخاريّ رحمه الله في ذلك، وقد تقدّم الكلام على هذه المسألة.

قوله في الحديث حدثنا مسدد هو ابن مسرهد بن مسربل وقد تقدّم الخبر عنه، روى له البخاريّ دون مسلم، وإسماعيل هو إبراهيم بن عُليّا وحديثه في الكتب السِّتَّة، وقوله: أخبرنا أبو حيان التيمي وهو يحيى بن حيان الكوفي حديثه مُخَرَّجٌ في الكتب السِّتَّة، عن أبي زرعة وهو ابن عمرو البجلي وقد تقدم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.


بَابٌ

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، "أَنَّ هِرَقْلَ، قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ لاَ يَسْخَطُهُ أَحَدٌ".


هذا الباب متعلق بالباب السابق، وثبت في بعض روايات البخاريّ ولم يثبت فيها وهو مكمّل له - سواء ثبت لفظ الباب أم لم يثبت -.

قوله: حدثنا إبراهيم بن حمزة وهو إبراهيم بن حمزة بن محمد بن مصعب بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد وإبراهيم بن سعد هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح وهو ابن كيسان عن ابن شهاب محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله هو ابن عتبة بن مسعود، وهؤلاء تقدّموا، أنّ عبد الله بن عباس أخبره قال: أخبرني أبو سفيان وهو أبو سفيان بن حرب؛ أنّ هرقل قال له: "سألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمتَ أنّهم يزيدون" يعني أهل الإيمان "وكذلك الإيمان حتى يتمّ" فهنا أثبتَ أنّ الإيمان يزيد بعد نقصانه، وقد أقرّه ابن عباس رضي الله تعالى عنه ونقل ذلك ولم يُنقض، وأيضًا سمى قال: "وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أنْ يدخل فيه؟" ففيه إيمان ودين، فسمى الدينَ إيمانًا؛ فدَلَّ هذا على أنّ الإيمانَ يطلق عليه دين وأنّ الإسلام يطلق عليه دين؛ إذن الإسلام والإيمان شيء واحد، هذا وجهُ تقريرِه.


بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ

- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ».


قال: "بابٌ: فضلُ مَن استبرأ لدينه" والاستبراء للدين هو طلب البراءة للدين، وقد بَيّنَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك، وطلبُ البراءة يكون باتّقاء الشبهات التي قد تورث الوقوعَ في المحرمات، وذَكَرَ قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام» هذه الجملة مفهومها أنّ مَن لم يتّق الشبهات فقد عَرّض دينَه للدنس والشَّين وهذا هو معنى نقصان الدين، ومَن استبرأ للدين بمعنى أنّه حفظه فإنّه يكون قد حفظه مِن الدنس والشَّين إذن هذا هو زيادة الإيمان، فذَكَرَ بعضُ العلماء أنّ هذا الباب لبيان زيادة الإيمان ونقصانه، وبعضهم أيضًا ذَكَرَ أنّ هذا متعلق بمكملات الإيمان لأننا قلنا: الإيمان فيه شيء يتعلق بأصله، وفيه شيء يتعلق بكماله الواجب، وفيه شيء يتعلق بكماله المستحب، وهذا على خلاف هل هو كمال واجب أو كمال مستحب؟ على الخلاف بين العلماء في مسألة اتقاء الشبهات هل هو مستحب أو واجب؟ فإذا قلنا: إنّه مستحب كان هذا مِن مكملات الإيمان المستحبة، وإن قلنا: إن اتّقاء الشبهات واجب - كما هو قول طائفة مِن العلماء -؛ فإنّ كمال الإيمان الواجب لابُدّ أنْ يكون معه الاستبراء للدين وهو الورع وترك ما يشبته على الإنسان.

أما الإسناد فأبو نُعيم هو الفضل بن دكين، قد خرّج له الشيخان، وزكريا هو ابن أبي زائدة وقد خرّج له أصحاب الكتب السِّتَّة، وعامر هو الشعبي.


بَابٌ: أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ

- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي؟ فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟ - أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟ -» قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ» وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ "، وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ» وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ».


هذا الحديث تفرّد به البخاريّ دون مسلم، وقوله: حدثنا علي بن الجعد هو علي بن عبيد الجوهري خَرَّجَ له البخاريّ ولم يُخَرِّج له مسلم، قال: أخبرنا شعبة عن أبي جمرة هو نصر بن عمران الضبعي، قال: كنت أقعد مع ابن عباس، وهذا في زمن وِلاية ابن عباس رضي الله عنه للبصرة، كان نصر بن عمران الذي هو أبو جمرة مترجم ابن عباس رضي الله عنه يبلغ عنه.

قوله "بابٌ: أداء الخُمُس مِن الإيمان" والمراد به أداء الخُمُس مِن الغنيمة لأنّ الغنيمة تُخَمّس، فأداء الخُمُس منها مِن الإيمان، والشاهد منه أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لَمّا قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ ذَكَرَ جملة مِن الأشياء ومِن ضمنها "وأنْ تُعطوا مِن المغنم الخُمُس" إذن إعطاء الخُمُس مِن المغنم مِن الإيمان - وهذا عمل -؛ فدَلَّ ذلك على أنّ الأعمال مِن الإيمان.


بَابٌ

مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، وَالوُضُوءُ، وَالصَّلاَةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ(4) عَلَى نِيَّتِهِ. «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ».

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».

- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ».

- حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ».


قال: "باب ما جاء أنّ الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى" النية معروفة، والحسبة ذَكَرَ بعضُ أهل العلم أنّها معطوفة على النية مِن باب عطف المترادفَين، وبعض أهل العلم يقول: إنّ النية هي الإخلاص، والحسبة هي طلب الأجر والثواب مِن الله تعالى على الفعل، قال البخاري: "فدخل فيه الإيمان والوضوء" إلى آخر ما ذكر، أي فدخل في ما تقدّم وهو "قوله الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى" دخل فيه الإيمان، ولعل البخاريّ رحمه الله يشير إلى ما قدمنا ذِكْرَه عن السلف أنّهم يذكرون أنّ الإيمان قول وعمل ونية، وما ذكره المؤلف "الإيمان والوضوء والصلاة" وغيرها مِن الأحكام هذه أعمال والأعمال مِن الإيمان، فلا يكفي العمل بدون نية، لأنّ النية يراد هنا معناها الإخلاص لله تعالى في العمل، وقد ذكرنا فيما سبق وجهَ ارتباطها بالإيمان.

ابن بطّال يقول: إنّ هذا الباب أراد به المؤلف الرَّدّ على المرجئة بأنّ الإيمان قول باللسان دون القلب! فبيّن أنّ الإيمان ليس هو فقط مجرد القول! وإنّما أيضًا هو متعلق بالقلب وهو إخلاص الدين لله تعالى، وهذا أيضًا قول يرجع إلى ما تقدّم عن السلف مِن قولهم: إنّ الإيمان قول وعمل ونية.

وقوله قال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ(5) قال البخاري: "على نيته" هذا أحد التأويلين في الآية، وقد فسر الآية بما فسَّر به البخاريّ جماعةٌ مِن السلف كقتادة والحسن وغيرهما، ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ يعني أنّ العمل مرتبط بالنية، وقال: "نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة" وهذه الجملة هي جزء مِن حديث ابن مسعود الذي ساقه المؤلف بإسناده كما سيأتي إنْ شاء الله، وقوله: "ولكن جهاد ونية" أي وقال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد ثبت ذلك في بعض النسخ، وهذا جزء مِن حديث أسنده المؤلف في كتاب الحج وفي كتاب الجهاد وفي كتاب الجزية وأسنده أيضًا الإمام مسلم في صحيحه مِن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية».

ثم قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة وهو القعنبي، قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد وهو الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم وهو التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، وذَكَرَ الحديثَ المشهور وقال: «الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى» وقوله: «الأعمال بالنيات» يدخل فيها الإيمان لأنّ الإيمان - كما تقدّم - باب "قول مَن قال: إنّ الإيمان هو العمل" وذكرنا أنّ السلف يقولون: إنّ الإيمان هو العمل والعمل هو الإيمان، فهو داخل الأعمال، وأيضًا وفي قوله «ولكل امرئ ما نوى» يدخل فيها الإيمان.

ثم ذَكَرَ قال: حدثنا حجاج بن منهال وهو الأنماطي السُّلَمي، خَرَّجَ له أصحاب الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا شعبة قال: أخبرنا عدي بن ثابت وهو الأنصاري مُخَرَّجٌ له في الكتب السِّتَّة، قال: سمعت عبد الله بن يزيد وهو الخطمي الأنصاري وهو صحابي، عن أبي مسعود وهو عقبة بن عمرو البدري وأيضًا صحابي، وهو مِن رواية الصحابي عن الصحابي قال: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهي له صدقة» وهذا الحديث أيضًا خَرَّجَه مسلم في صحيحه، والحديث الذي قَبْلَه كذلك خَرَّجَه مسلم في صحيحه، هذه اللفظة «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهي صدقة» هي التي ذكرها المؤلف في صدر الباب، فهنا رتب الثواب - وهو الأجر - على الاحتساب يطلب أجرَها، والأجر إنما هو مرتب على الإيمان، فدَلَّ ذلك على أنّ العمل لا ينال الإنسانَ أجرُه وثوابُه إلّا إذا كان بنية.

ثم قال: حدثنا الحكم بن نافع وهو أبو اليمان الذي روى عنه كثيرًا، قال: أخبرنا شعيب وهو ابن أبي حمزة عن الزهري، قال: حدثني عامر بن سعد وهو ابن سعد بن أبي وقاص عن سعد، أنه أخبره أنّ رسول الله قال: «إنَّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجهَ الله إلّا أُجِرْتَ عليها؛ حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك» وهذا الحديث أيضًا خَرَّجَه مسلم، والإسناد تقدم كثيرًا، ووجه الشاهد منه ظاهر لأنه قال: "تنفق نفقة تبتغي بها وجهَ الله" فدَلَّ ذلك على ارتباط الأعمال بالنية، والأعمال - كما قلنا - مِن الإيمان؛ فدَلَّ على ارتباط الإيمان بالنية؛ وأنّ الإيمان قول وعمل ونية.


بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ(6).

- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».

- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: «وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.


هذا هو آخر باب في كتاب الإيمان مِن صحيح الإمام البخاريّ وفيه "باب قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: الدين النصيحة لله ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم" وهذا لفظ حديث تميم الداري رضي الله عنه الذي خَرَّجَه الإمام مسلم ولم يورده الإمام البخاريّ رحمه الله لكونه قد يكون ليس على شرطه وإلّا فالإمام البخاريّ قد صحح هذا الحديث في غير الصحيح؛ لكنه لم يُخَرِّجه لأنه ليس على شرطه، قال: "وقول الله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ(7) " لأنّ الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ما مراد البخاريّ مِن هذا التبويب؟ الذي ذكره ابن بطال والعيني وابن حجر أنه أراد بيانَ أنّ الدين يطلق على العمل لكونه سمى النصيحةَ دينًا؛ فدَلَّ ذلك على أنّ الدين هو الإيمان والعمل مِن الإيمان، لكن إذا نظرنا إلى النصيحة وما ذكره العلماء رحمهم الله في بيانها وتعريفها وتفصيلها وشرحها وجدنا أنها ليست قاصرة على العمل! فمثلًا ذكروا أنّ النصيحة لله محبتُه وتعظيمُه وإجلالُه والجهادُ في سبيله ونشرُ دينه إلى آخره، وهذه فيها أعمال جوارح وفيها أعمال قلوب وفيها اعتقادات وذكروا أيضًا اعتقادَ وحدانيته وعدم مماثلة غيره له في أسمائه وصفاته واعتقاد كماله بذاته وأسمائه وصفاته(8)، هذه كلها شيء يرجع إلى الاعتقاد، وشيء يرجع إلى أعمال الجوارح، وشيء يرجع إلى أعمال القلوب، فيمكن انْ يكون المؤلف رحمه الله ختم بهذا لبيان انَّ الدين هو الإيمان؛ وأنّ هذا الإيمان يأتي على الأعمال كلها - على الاعتقادات وعلى الأقوال وعلى أعمال الجوارح وأعمال القلوب -، ويمكن أنْ يكون هذا مراد المؤلف، ويمكن أنْ يكون المراد بملاحقة هذا الباب "الدين النصيحة" المراد بها شيء خاص مِن النصيحة والاتِّبَاع لأنه ذَكَرَ الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ(9) والنصيحة لله ورسوله تكون بطاعة الله ورسوله لأنّ هؤلاء تخلفوا عن الجهاد! لكن تخلفوا لعذر فعَذَرَهم اللهُ بشرط أنْ يطيعوا الله ورسوله، فيمكن أنْ يكون هذا دليل على ما ذكره بعض العلماء مِن أنّ الإيمان قول وعمل ونية وسُنَّة يعني اتباع، قد يكون هذا، وقد يكون ما ذكره أهل العلم فيما تقدم ذِكْرُه أنّ المراد أنّ الإيمان دين والدين يطلق على العمل وهو النصيحة، لكن قَصْر النصيحة على العمل فقط في نظري أنه محل نظر! ولكنّ النصيحة عامة تشمل أعمال القلوب وأعمال الجوارح والأقوال والإرادات.

ثم ذَكَرَ قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى وهو ابن سعيد القطان، عن إسماعيل وهو ابن أبي خالد البجلي وقد تقدم، قال: حدثنا قيس بن أبي حازم وهو البجلي الكوفي وهو مخضرم أدرك النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يره وكان مؤمنًا به، وحديثه في الكتب التسعة.

قال: "بايعتُ رسول الله على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم" هذا يَدُلُّ على القول وعلى العمل، ويمكن أنْ يدخل في النصح لكل مسلم ما يتعلق بأعمال القلوب وإراداتها.

ثم قال: حدثنا أبو النعمان وهو محمد الفضل السدوسي المعروف بعارم، وحديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة قال: حدثنا أبو عوانة وهو الوضاح اليشكري، وحديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة، عن زياد بن عِلاقة وهو ابن مالك الثعلبي وحديثه مُخَرَّج أيضًا في الكتب السِّتَّة، ثم ذَكَرَ حديثَ جرير سمعتُ جرير بن عبد الله يقول يوم مات المغيرة بن شعبة قام فحمد الله وأثنى عليه إلى آخر الحديث وفيه الشاهد "قلتُ: أبايعك على الإسلام؟ فشرط عليَّ والنصح لكل مسلم" النصح هنا تكون قد معطوفة على "أبايعك على الإسلام" ويصح أنْ تكون في الفتح أيضًا والتقدير يعني "وأشرط عليك الإسلام والنصيحة"، هذا الحديث خَرَّجَه الإمام مسلم أيضًا في صحيحه.

وقوله "والنصح لكل مسلم" هذا هو موضع الشاهد، وقد تقدَّم بيانُه في الحديث الذي قبله.

وبهذا يتم كتاب الإيمان لصحيح الإمام البخاريّ رحمه الله.

نسأل الله عزّ وجلّ أنْ ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأنْ يغفر للمؤلف جزاء ما قدَّمه على الإسلام، لكن ما ينبغي التنبيهُ عليه هو أنّ الإنسانَ يحرص على معرفة عقيدة أهل السُّنَّة في هذا الباب، وهي عقيدة قد حكى أهلُ العلم قديمًا الإجماعَ عليها، يعني ليست هي وليدة وليست أمرًا طارئًا! هي مسألة قديمة، جاءت حكاية الإجماع على مذهب أهل السُّنَّة بها قديمًا، وقد حكى مذهب أهل السُّنَّة والجماعة وإجماعَهم عليها الإمام الشافعي رحمة الله عليه والإمام أحمد وأبو ثور وأبو عمر الطلمنكي وابن عبد البرّ والبغوي وجماعات، ذكروا إجماعَ أهل السُّنَّة على هذه العقيدة.

إذا عُرِفَ ذلك فإنّ الإمام البخاريّ رحمه الله قد أوضح هذه العقيدة وبَيّنَها بهذه التبويبات التي ذَكَرَها.

وفق اللهُ الجميعَ لِمَا يُحب ويرضى، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


(1) آل عمران: 85.
(2) لقمان: 34.
(3) آل عمران: 85.
(4) الإسراء: 84.
(5) الإسراء: 84.
(6) التوبة: 91.
(7) التوبة: 91.
(8) جملة غير واضحة.
(9) التوبة: 91.