موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِه إلى بَاب خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُر - شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الإِيمَانِ إلى بَاب أُمُورِ الإِيمَان
 بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إلى بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ إلى بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَل
 بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَة إلى بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم
 بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق إلى بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُه
 بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِه إلى بَاب خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُر
 بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري - بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِه إلى بَاب خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُر

بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(1)، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا(2)، وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ(3) فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.

- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ إِيمَانٍ» مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ».

- حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا(4) قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالمَكَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ».


قال: "بابُ زيادة الإيمان ونقصانه" وزيادة الإيمان ونقصانه كما تكون في القلب كذلك تكون في الأعمال، وهذا هو الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة، قال: "وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(5) " وهذا جاء في قصة أهل الكهف، فهم ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(6) ، فأثبت جلّ وعلا الزيادة، والهدى عادة ما يكون ابتداؤه في القلب، قال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ هذا أيضًا زيادة ولم تُقيّد بعمل فدَلَّ ذلك على أنّ الإيمان يزيد – سواء كان في القلب أو في العمل -، ثم ذَكَرَ قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ(7) وهذه الآية - وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ - استدل بها على زيادة الإيمان ونقصانه سفيانُ بن عيينة وأبو عُبيد القاسم بن سَلّام ومحمد بن نصر المروزي والإمام النسائي رحمه الله بوّب في سننه " باب زيادة الإيمان" وذكر في حديث عمر رضي الله عنه المشتمل على هذه الآية، وكذلك ابن حبّان ترجم في صحيحه قال: "ذِكْرُ الخبر المدحض قولَ مَن زعم أنّ الإيمان لم يزل على حالة واحدة مِن غير أنْ يدخله نقصٌ أو كمالٌ"، الآن لو نظرنا إلى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هذا الكمال هل هو متعلق بفعل المُكلّف أم هو متعلق بوضع الشارع؟ هو متعلق بوضع الشارع ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ المُكَمَّل هو الدين؛ فكيف يُستدَلّ به على زيادة الإيمان ونقصانه؟ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا(8) الإمام البخاريّ قال: "فإذا ترك شيئًا مِن الكمال فهو ناقص" وهذا وجه الاستدلال بالآية، وذلك أنّ الدين لَمّا بعث الله به النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم تكن شرائعُه أول الإسلام كشرائعه آخر الإسلام، فلم يزل الله عزّ وجلّ يشرع لنبيّه مِن الشرائع ما كَمّل به الدين الذي ارتضاه للناس، إذن لو نظرنا إليها نظرة نسبية فنقول مثلًا: الذين كانوا في مكة قبل الهجرة لم يكن عندهم مِن الشرائع ما كان بعد الهجرة، فإذا نظرت إلى التشريع الذي قبل الهجرة وبعده وجدت أنّ ما قبل الهجرة ناقص عن ما بعدها، وهذا مثل ما قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في المرأة «ناقصات عقل ودين»(9)، الحيض هل هو باختيار المرأة؟ هو أمر جِبِلّيّ كتبه الله تعالى عليها، لكن قال العلماء: ناقصات دين بالنسبة إلى غيرها مِن النساء التي تصوم هذه الأيام، مع أنّ المرأة لا تُؤاخذ على تركها، بل تركها لله يُعدّ طاعة.

بسم الله الرحمِن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله

كنّا توقفنا عند قول الإمام البخاريّ "باب زيادة الإيمان ونقصانه" وتوقفنا عند قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي(10) قال البخاري: "فإذا ترك شيئًا مِن الكمال فهو ناقص" وجه ذلك - والله أعلم - أنّ البخاريّ رحمه الله نظر إلى الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا(11) فالذي رضيه الله تعالى لعباده هو هذا الدين الكامل، إذن ترْكُ شيء مِن هذا الكمال يُعَدُّ نقصانًا، فالتكاليف الشرعية استقرت بعد كمال الدين في آخر حياته عليه الصّلاة والسّلام، فمَن ترك شيئًا منها فقد ترك شيئًا رضيه الله تعالى وهذا نقصان، وقد ذَكَرَ بعضُ أهل العلم أنّ الآية تدلُّ على أنّ الدين ذو أجزاء لأنّ كمال هذه الشريعة لم يأت في وقت واحد وإنّما كانت هذه الشرائع بكل زمان شرعة شرعها الله عزّ وجلّ فيه حتى اكتملت في آخر حياته صلّى الله عليه وسلّم، إذن هذا الكمال هو عبارة عن أجزاء تكاملت حتى وصلت إلى الحدّ أو الغاية التي أرادها الله عزّ وجلّ، إذن باستكمال هذه الأجزاء يكمل الإيمان، بعدم استكمالها لا يكمل الإيمان بل يفوت على المسلم بعضُ الإيمان، والله أعلم.

الحديث قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم وهو الفراهيدي البصري، مُخَرَّجٌ له في الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا هشام وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي مُخَرَّجٌ له في الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا قتادة عن أنس عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "يُخَرِّج مِن النار مَن قال: "لا إله إلّا الله" وفي قلبه وزن شعيرة مِن خير" ثم ذَكَرَ وزن برّة ثم ذَكَرَ وزن ذرّة، وهذه عبارة عن مقاييس ومكاييل، إذن هؤلاء الذين يَخرجون مِن النار - وهم مِن أهل لا إله إلّا الله - هم متفاوتون في الإيمان، بعضهم فوق بعض في الإيمان، وبعضهم دون بعض في الإيمان، إذن الإيمان فيه زيادة ونقصان حتى ما يكون منه في القلب، وهذا الحديث خَرَّجَه الإمامُ مسلمٌ في صحيحه.

قال أبو عبد الله: قال: أبان، وأبان هو ابن يزيد العطار، ومنهم مَن يصرفه ومنهم مَن لا يصرفه، وأكثر النحاة على صرفه، وأمّا ابن مالك فلا يرى صرفَ ذلك، إذن قال أبان: حدثنا قتادة، والبخاريّ لم يدرك أبان فهو مِن معلقات الإمام البخاريّ رحمه الله لكن لم يصلها في موضع آخر وإنّما وصلها البيهقي في "الاعتقاد" والحاكم وصلها في "الأربعين"، قال البخاري: حدثنا الحسن بن الصَّبَّاح وهو أبو علي البزار الواسطي خَرَّجَ له البخاريّ ولم يُخَرِّج له مسلم، قال: سمع جعفر بن عون، وجعفر هو جعفر بن عون بن جعفر بن عمر بن حريث، مُخَرَّجٌ له أيضًا في الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا أبو العميس وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، مُخَرَّجٌ له أيضًا في الكتب السِّتَّة، قال: أخبرنا قيس بن مسلم وهو قيس بن مسلم أبو عمر الجدلي الكوفي مُخَرَّجٌ له أيضًا في الكتب السِّتَّة، عن طارق بن شهاب، وطارق له رؤية للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم واختلف الناسُ في صحبته، طارق بن شهاب البجلي خَرّجَ له البخاريّ ومسلم، وهذا الحديث الذي ساقه أيضًا خرّجه الإمام مسلم في صحيحه، وهذا الحديث جاء به الإمام البخاريّ مِن جهة ارتباطه بالآية التي ساقها وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.


بَابٌ: الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلاَمِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ(12).

- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».


هذا الحديث خرّجه أيضًا الإمام مسلم في صحيحه، وإسناده مدني، وإسماعيل هو ابن أبي أويس وقد تقدّم، وقوله فيه عن عمه أبي سهل ابن مالك هو نافع بن مالك عن مالك أبيه، الباب هذا "باب الزكاة مِن الإسلام" وهو مثل الأبواب التي تقدمت، والآية التي ذكرها قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(13) هذه الآية استدل بها الإمام الشافعي وأحمد وغيرهم على أنّ الأعمال مِن الإيمان لأنّ الله تعالى قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾، أي وذلك دين الملّة القيّمة، وهذه الملة أو الدين هذا الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ(14)، ولو نظرنا إلى هذه الآية ذَكَرَ الله فيها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هذا التوحيد - شهادة أن لا إله إلّا الله - ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ الإخلاص عمل قلبي، ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ فدلّ ذلك على أنّ الأعمال - سواء كانت أعمال القلوب أو كانت أعمال الجوارح - أنّها مِن الإيمان لأنّ الله تعالى جعلها دينًا؛ وقلنا: والإسلام والإيمان دين، إذن فهذه الأعمال مِن الإيمان، والحديث الذي ذكره المؤلف لَمّا ذَكَرَ فيه الأعمال ذَكَرَ فيه الصلاة؛ ذَكَرَ فيه الصيام؛ ذَكَرَ فيه الزكاة، وهو قال قبل ذلك: "وهو يسأله عن الإسلام" فهذه الأعمال جعلها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِن الإسلام، والبخاريّ لا يُفرّقُ بين الإسلام والإيمان، إذن هذه الأعمال مِن الإيمان؛ فصَحَّ أنّ الزّكاةَ مِن الإسلام وصَحَّ أنّ الزّكاة مِن الإيمان.


بَابٌ: اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ

- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ - إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا - وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ.


"بابٌ: اتّباعُ الجنائز مِن الإيمان" أو "بابُ اتّباعِ الجنائزِ مِن الإيمان" على القطع والإضافة، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي المنجوفي وهو أبو بكر السدوسي خَرّجَ له البخاريّ ولم يُخرّج له مسلم، قال: حدثنا روح وهو روح بن عبادة البصري خَرَّجَ له أصحاب الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا عوف وهو عوف بن أبي جميلة الأعرابي مُخَرَّجٌ له بالكتب السِّتَّة، عن الحسن وهو الحسن البصري، ومحمد وهو ابن سيرين، وهذه تسمى عند العلماء رواية المقرون إِذْ قَرَنَ روايةَ الحسن برواية محمد بن سيرين، والحسن ثقة وابن سيرين ثقة، لكنّ الحسن تكلم الجمهور في سماعه مِن أبي هريرة رضي الله عنه، الجمهور على أنّه لم يسمع منه؛ فلهذا الإمام البخاريّ قَرَنَه بمحمد بن سيرين فانتفت مسألة الانقطاع لأنّ هذا عاضدٌ له، ولو اكتفى بمحمد بن سيرين وحده لكان أيضًا صحيحًا لأنّ محمد بن سيرين إمام لا يُسأل عن مثله.

وهذا الحديث كما ترون قال: :باب اتّباعُ الجنائزِ مِن الإيمان" "مَن اتّبع أو تَبِع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا" وهذا مثلُه مثلُ ما تقدّم في "باب مَن قام ليلة القَدْر إيمانًا واحتسابًا" التوجيه المذكور هناك والتوجيه المذكور هاهنا، وقوله: تابعه أي تابع رَوْحًا على هذه الرواية، تابعه عثمان المؤذن وهو عثمان بن الهيثم العبدي أبو عمرو البصري المؤذن، وهو مِن شيوخ الإمام البخاريّ رحمه الله توفي قديمًا - توفي سَنَة مئتين وعشرين - وفاته كانت قديمة، وروى عنه الإمام البخاريّ بواسطة وبدون واسطة، ولعل الإمام رحمه الله البخاريّ روى عنه بواسطةٍ الأحاديثَ التي سمعها منه قبل أنْ يتغير، وأمّا بعد تغيّره فقد رواها عنه بواسطة أي بواسطة رواية مَن سمع منه قبل أنْ يتغير فيتلقن، لأنّه في آخر حياته تَغيّر فصار يتلقن بعد ذلك ويقبل التلقين، وهذه المتابعة المذكورة هنا وصلها أبو نُعيم في مُستخرجه على البخاريّ كما في التغليق، وقوله هنا: تابعه عثمان المؤذن قال: حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: نحوه، لأنّ هناك نوع خلاف بين اللفظ في صدر الحديث.


بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: "مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا"، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: "أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ"، وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: "مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلاَ أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ" وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(15).

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».

- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ».


"باب خوفِ المؤمن مِن أنْ يحبط عملُه وهو لا يشعر" هذا الباب معقودٌ للردّ على المرجئة الذين يقولون: إنّ مَن آمِن أو صدّق أو أقرّ بلسانه؛ فإنّه لا يَخشى على نفسه الكفرَ بعد ذلك! بل هو مؤمن كامل الإيمان!! وأهل السُّنَّة والجماعة على خلاف ذلك يقولون: المؤمن قد يحبط عملُه وقد يكون من الكافرين! وقد يكون حبوط العمل على جهةِ غير الكفر بمعنى حبوط بعض السيئات دون بعض، وهذه وهذه واردة، يعني أنْ تحبط أعماله كلها بكفره أو أن يُحبط عمل له بعضَ حسناته، هذا وارد وهذا وارد، والمؤمن في باب الإيمان - وإنْ كان مؤمنًا مصدّقًا وعاملًا بما أمره الله تعالى به - إلّا أنّه يخاف أنْ يحبط عمله ولا يركن إلى إيمانه؛ فهو خائف أنْ يحبط اللهُ جلّ وعلا عملَه، وذَكَرَ على ذلك شواهد، وأوَّلُها ما جاء عن إبراهيم التيمي وهو ابن يزيد بن شريك التيمي رحمه الله قال: "ما عرضتُ قولي على عملي إلّا خشيت أنْ أكون مُكَذِّبًا أو مُكَذَّبا" يعني أنّه كان يقول قولًا عظيمًا فلو عرض أعمالَه التي يعملها لخشي أنْ يكون كاذبًا فيما يقول، لأنّ عملَه دون قوله، أو خشي أنْ يُكذِّبه غيرُه لأنّهم يرون عملَه دون قولِه، وهذا الأثر خرّجه الإمام أحمد في الزهد والبخاريّ في التاريخ وغيرهما، وهو كما ترون شاهدٌ على أنّ إبراهيم التيمي رحمه الله - مع جلالته - إلّا أنّه كان يخاف على نفسه أنْ لا يوافق عملُه قولَه، وقال ابن أبي مُليكة وهو عبد الله بن عبيد الله القرشي التيمي أدرك عائشة أم المؤمنين وأم سلمة وأسماء وأبا هريرة العبادلة وغيرهم مِن الصحابة قال: "أدركتُ ثلاثين مِن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلهم يخاف النفاق على نفسهم، ما منهم أحدٌ يقول: إنّه على إيمان جبريل وميكائيل!" أخرجه ابن نصر، وقوله: "لا أحد يقول: إنّه على إيمان جبريل وميكائيل" يعني أنّه لا يطرأ على إيمانه النفاقُ! فهم مع إيمانهم كانوا يخشون النفاق على أنفسهم، وهذا خلاف المرجئة الذين يقولون: مَن آمن؛ فإنّه لا يخاف الكفر ولا يخاف النفاق! ولهذا هم يمنعون الاستثناء في الإيمان، يعني لا يقولون(16): أنا مؤمن إنْ شاء الله، وهذا الأثر خرّجه ابن نصر وابن أبي خيثمة في تاريخه، ثم قال: "ويُذكر عن الحسن" وهو الحسن البصري رحمه الله، وهذا الأثر عن الحسن البصري أخرجه الفِريابي في صفة المنافق، وخَرَّجَه الفِريابي مِن وجوه كثيرة وألفاظ متعددة، ولذا عبّر البخاريُّ رحمه الله بصفة التمريض قال: ويُذكر، لأنّ البخاريّ إذا لم يسق اللفظ وإنّما أورده بمعناه فإنّه يقول أحيانًا: ويُذكر.

قال: "ما خافه إلّا مؤمن وما أمنه إلّا منافق" يعني ما خاف النفاق إلّا مؤمن وما أمِن النفاق إلّا منافق، لماذا؟ لأنّ القلوب بين أصبعين مِن أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

قال: "وما يُحذرُ مِن الإصرار على النفاق وما يُحذَّر مِن الإصرار على النفاق" كلاهما جائز "وما يُحذَرُ مِن الإصرار على النفاق والعصيان مِن غير توبة لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(17)، يعني أنّ المؤمن يَحذر مِن الإصرار على النفاق إذا طرأ عليه أو على التوبة، لأنّ الله تعالى لَمّا ذَكَرَ أهلَ الجنة ذَكَرَ مِن صفتهم: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فدلَّ ذلك على أنّ إصرارهم على ما يفعلون لا يدخلهم الجنة، فدلّ هذا على أنّ خوف الإنسان على نفسه ومبادرته إلى التوبة مما يقع فيه مِن العصيان والنفاق - وإنْ كان نفاقًا عمليًا - أنّ هذا مِن كمال إيمانه، ولعل المؤلف رحمه الله لَمّا قال: "باب خوف المؤمن مِن أنْ يحبط عمله وهو لا يشعر" يشير إلى أنّه مِن كمال إيمان المؤمِن أنْ يحفظ عملَه وأنْ يخاف عليه مِن أنْ يُحبطه الله جل وعلا.

قال: حدثنا محمد بن عرعرة وهو القرشي السامي خرّج له البخاريّ ومسلم، قال: حدثنا شعبة، عن زبيد وهو ابن الحارث أبو عبد الرحمن خَرَّجَ له أصحاب الكتب السِّتَّة، قال: سألت أبا وائل وهو شقيق بن سلمة، وشقيق بن سلمة هذا توفي سَنَة تسعة وتسعين أو قَبْلَها، سألتُ أبا وائل عن المرجئة، وهذا يَدُلُّ على أنّ بدعة الإرجاء كانت قديمة لأنّ زبيدًا سأل أبا وائل وأبو وائل متقدّم الوفاة توفي سَنَة تسعة وتسعين ومنهم مَن قال: أنّه توفي تقريبًا في منتصف الثمانين أو نحوها، وهذا السؤال يكون قبل ذلك، إذن فهذه البدعة - بدعة المرجئة - كانت قديمة، فقال: حدثني عبد الله - يعني ابن مسعود - أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ» وهذا رَدٌّ على المرجئة الذين يقولون: إنّ المؤمن إذا فعل الكبيرة فإنّه لا يفسق! وهنا ذَكَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ» فدَلَّ ذلك على أنّ المعصية تضرّ بالإيمان خلافًا لِمَا تقوله المرجئة مِن أنّ الإيمان لا تضرّ معه معصيةٌ!

وسفيان الثوري رحمة الله عليه ذَكَرَ الفروقات بين المرجئة وأهلَ السُّنَّة ذَكَرَ أنّ أهلَ السُّنَّة يقولون: الإيمان قول وعمل وهم يقولون: قول! وأهل السُّنَّة يقولون: يزيد وينقص وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص! قال: وأهل السُّنَّة يقولون: النفاق وهم لا يقولون النفاق! يعني يقولون: ما يجتمع معه نفاق! إذن فهذه فروقات بين أهل السُّنَّة والجماعة مع المرجئة توضّح لك الباب الذي ذكره الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى هنا.

وقوله: "سأله عن المرجئة" إنما سُموا مرجئة لأنّهم أخّروا الأعمال عن مسمى الإيمان فقالوا: إنّ الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان - سواء كانت الأعمال أعمالًا قلبية وسواء كانت الأعمال أعمالَ جوارح -، وهذا عامة المرجئة، وإنْ كان بعض المرجئة قد أدخل عملَ القلب دون عمل الجوارح كما هو طريقة مرجئة الفقهاء، وأبو وائل رَدَّ على هذه الفِرية - فِرية المرجئة - بهذا الحديث الذي ذكره عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فأبطل مقولتَهم بكلام النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا فيه أنّ الإنسان ينبغي له إذا عُرضت عليه مثل هذه الأشياء أنْ يَرُدّها بهدي النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّ كل ما خالف هديَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فهو باطل، فمَن لم يقبل الهدى الذي جاء به النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فلا عليك أنْ يموت مؤمنًا أو كافرًا، وهذا الحديث خرّجه الإمام مسلم في صحيحه.

الحديث الآخر: قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد وقد تقدّم، قال: حدثني إسماعيل بن جعفر وهو الأنصاري وسبق، عن حُميد وهو ابن أبي حميد المعروف بحميد الطويل لطول يديه لا لطوله! كان هو قصيرًا ولكن كانت يداه طويلتين، عن أنس رضي الله عنه، ذَكَرَ في هذا الحديث أنّه صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ يُخبِر بليلة القَدْر فتلاحى رجلان، يعني أنّ الرجلين اختصما وتسابّا، "فتلاحى رجلان مِن المسلمين" ذَكَرَ بعضُ العلماء أنّ التلاحيَ بينهما بحضرته عليه الصّلاة والسّلام يستلزم رفعَ الصوت في الخصومة وهذا مما يُحبط العملَ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ(18)، هذا ذكره بعضُ العلماء على هذا الحديث، وبعضُ العلماء ذَكَرَ وجهًا آخر مِن إيراد المؤلف له وهو أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سماهما مسلمَين مع وقوعهما في السِّباب والخصومة؛ فدَلَّ ذلك على أنّ اسمَ الإسلام باقٍ وإنْ تسابّا وتخاصما وفعلا ما نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.


(1) الكهف: 13.
(2) المدثر: 31.
(3) المائدة: 3.
(4) المائدة: 3.
(5) الكهف: 13.
(6) الكهف: 13.
(7) المائدة: 3.
(8) المائدة: 3.
(9) صحيح البخاري (304) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(10) المائدة: 3.
(11) المائدة: 3.
(12) البينة: 5.
(13) البينة: 5.
(14) الشورى: 13.
(15) آل عمران: 135.
(16) أو كلمة نحوها.
(17) آل عمران: 135.
(18) الحجرات: 2.