موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق إلى بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُه - شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الإِيمَانِ إلى بَاب أُمُورِ الإِيمَان
 بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إلى بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ إلى بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَل
 بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَة إلى بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم
 بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق إلى بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُه
 بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِه إلى بَاب خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُر
 بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري - بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق إلى بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُه

بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِقِ

- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».

- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ.


"باب علامة النفاق" ذَكَرَ بعض العلماء أنّ هذا الباب مثل الباب الذي قَبْلَه، يعني أنّ النفاق منه ما هو مُخْرِج مِن المِلّة وهو النفاق الاعتقادي؛ ومنه ما هو غير مُخْرِج مِن المِلّة وهو ما يتعلق بالنفاق العملي المتعلق بمثل هذه العلامات التي ذكرها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في الحديث، والدليل عليه أنه قال في الحديث الثاني: «ومَن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة مِن النفاق» ولم يقل عليه الصّلاة والسّلام: "كان منافقًا" ثم لَمّا ذَكَرَ مجموعها قال: «أربع مَن كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا» وطبعًا للعلماء في تفسير هذه الجملة كلام ليس هو الشاهد عندنا، لكنّ الشاهد هنا أنّ الإنسان قد تكون فيه علامة مِن علامات النفاق ويَثبتُ له مع ذلك الإيمانُ، لأنّ النفاق منه ما هو مُخْرِج مِن المِلّة ومنه ما هو غير مُخْرِج مِن المِلّة، فالنفاق الاعتقادي وهو الإيمان في الظاهر والكفر في الباطن هذا مُخْرِج مِن المِلّة، لكن مَن وقع بشيء مِن النفاق العملي مِن مثل هذه الآيات التي ذَكَرَها المصنف والعلامات التي ذكرها عن المنافق هذه تجتمع مع الإيمان، وذَكَرَ بعض العلماء أنه يُستدل بهذه الأشياء على أنّ النفاق علامةٌ على عدم الإيمان وليس جزمًا بعدم الإيمان، والله أعلم.

والحديث هذا الذي ذكره المؤلف قال: حدثنا سليمان أبو الربيع وهو الزهراني العتكي خَرَّجَ له البخاري ومسلم، ومسلمٌ أكثرَ عنه في صحيحه، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر وهو ابن أبي كثير الأنصاري، خَرَّجَ له أصحاب الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل، وهذا عمّ الإمام مالك رحمه الله، مُخَرَّج له في الصحيحين والسُّنَن، عن أبيه وهو مالك بن أبي عامر، عن أبي هريرة.

ثم ذَكَرَ الحديث الثاني: حدثنا قيبصة بن عقبة وهو السوائي الكوفي، ويعد مِن كبار شيوخ الإمام البخاريّ رحمه الله، قال: حدثنا سفيان وهو الثوري، عن الأعمش عن عبد الله بن مُرّة الهمداني الكوفي، خَرَّجَ له الشيخان وأصحاب السُّنَن، وكذلك مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن عمرو وذَكَرَ هذه الخلال، الحديث خَرَّجَه مسلم في صحيحه، وقوله: تابعه شعبة عن الأعمش يعني تابع سفيانَ الثوري شعبةُ بن الحجاج، وهذه المتابعة خَرَّجَها المؤلف رحمه الله في كتاب المظالم في صحيحه.


بَابٌ: قِيَامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ

- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».


"بابٌ: قيام ليلة القدر مِن الإيمان" تقدم ظاهرها في بعض الأعمال لكن هنا لاحظنا الحديث قال: «مَن يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا» لم يقل: ليلة القدر مِن الإيمان! بعض العلماء رحمهم الله ذَكَرَ أنّ المؤلف لَمّا بَيَّنَ علامات النفاق رجع بعد ذلك لذكر علامات الإيمان، المؤلف قال: "بابٌ قيام ليلة القدر مِن الإيمان" هنا قال: "مَن يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا" ولم يقل: قيام ليلة القدر مِن الإيمان! فيبدو أنّه لَمّا قال: "قيام ليلة القدر مِن الإيمان" إذا نظرنا إليها مع قوله "إيمانًا" عُلِمَ منه أنّ المؤلفَ رحمه الله قد يريد أنّ العمل الظاهر لا ينفع صاحبه ما لم يقترن بالإيمان، فإذا اقترن به الإيمان دَلَّ على أنه مِن الإيمان؛ فإذا تجرد مِن الإيمان صار هذا العمل إما كفرًا وإما نفاقًا، العمل إذا تجرد عن الإيمان فإنه لا يكون به الإنسان مؤمنًا، فلعل هذا هو المراد.

وقوله: حدثنا أبو اليمان هو الحكم بن نافع، وبقية الإسناد تقدموا، والشاهد مِن التبويب أنّ المؤلف رحمه الله يريد أنّ الأعمال مِن الإيمان؛ لأنّ قيام ليلة القدر مِن الأعمال، وقد يكون يريد به الجمع بين القيام والإيمان، الإيمان الباطن يريد به أعمال القلوب ويريد به العمل عمل الجوارح، فقد يكون هذا تبويبًا مِن المؤلف لبيان أنّ العمل فيه عمل الجوارح وفيه عمل الباطن.


بَابٌ: الجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ

- حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أَرْجِعهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ».


قوله: "أَرْجِعهُ" هنا تُفتح الهمزة فيها لأنها مأخوذة مِن "رَجَعَ" المتعد، هنا "بابٌ الجهاد مِن الإيمان" وهذا سبيلُه سبيلُ ما تقدم مِن الأبواب.

وقوله: حدثنا حرمي بن حفص وهو ابن عمر العتكي تقدم، قال: حدثنا عبد الواحد وهو ابن زياد البصري وحديثه مُخَرَّج عند الشيخين، قال: حدثنا عُمارة وهو ابن القعقاع الكوفي وحديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا أبو زرعة ابن عمرو بن جرير البجلي وحديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة، وهذا الباب واضح، والحديث خَرَّجَه مسلم في صحيحه أيضًا.


بَابٌ: تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ

- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».


وهذا الحديث خَرَّجَه الإمام مسلم أيضًا في صحيحه وقد تقدم، وهو ظاهر الدلالة.


بَابٌ: صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».


وهذا الباب أيضًا مثل الأبواب السابقة، وابن سَلَام هنا محمد بن سلام البيكندي، ومحمد هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، ويحيى بن سعيد وهو يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو سلمة هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.


بَابٌ: الدِّينُ يُسْرٌ

وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ».

- حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ مُطَهَّر، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».


"بابٌ الدين يسرٌ" وقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: "أحبُّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة" قوله "أحبُّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة" هذا علّقه الإمام البخاريّ هنا ووصله الإمام أحمد في مسنده والبخاريّ في كتابه الأدب المفرد مِن حديث ابن عباس رضي الله عنه وقد ذَكَرَ الحافظ في التغليق شواهده وحسنه في الفتح، وأما قوله "باب الدين يسر" فإنّ الحديث الذي ذكره وساق بإسناده هو حديث أبي هريرة فيه هذا المعنى، وقوله "أحبُّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة" الحنيفية هي ملة إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام، والمقصود بالحنيف هو المائل إلى الإسلام التارك للكفر، والسمحة يعني في تشريعاتها أي أنها سهلة في التشريعات، وقد نظر العلماء في هذا الحديث فمنهم مَن قال: أحبُّ الدين يعني أحبُّ الأديان، الحنيفية السمحة بمعنى أنّ أفضل الأديان وأكملها هي الحنفية السمحة والتي كان عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والتي أثبتها الله عزّ وجلّ لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم، ومنهم مَن ذَكَرَ أنّ المراد بأحبّ الدين إلى الله الحنفية السمحة هذا عائدٌ إلى خصال الدين، فما كان منه سهل ميسور فهو أحبُّ إلى الله مِن غيره، وهذا فيه ترغيب في أخذ النفس بالرفق وعدم الشدة عليها، وعلى كلٍّ - سواء قلنا هذا أو هذا - فإنّ الحديث شاهد على أنّ الإنسان لا ينبغي له أنْ يأخذ نفسه بالشدة حتى ينقطع عن العبادة! ولهذا النكتة التي أورد مِن أجلها المؤلفُ هذه الترجمة بعد أبوابٍ كثيرة لأنَّه لَمّا ذَكَرَ أنواعًا مِن العبادات مِن الصيام والقيام والجهاد وغيرها جاء بهذا الباب لبيان أنَّ المسلم - وإنْ كان يحرص على الأعمال التي فيها إيمانه وحياته - إلّا أنَّه لا ينبغي له أنْ يُشدد على نفسه وأنْ لا يَرفُق بها حتى لا تنقطع عن العبادة! لأنَّه كما ذَكَرَ العلماء رحمهم الله إنَّ الإنسان إذا شدد على نفسه ربما كره العبادةَ واستثقلها بعد ذلك؛ فانقطع عن عبادة ربه عزّ وجلّ، وربما قام بهذه العبادات على وجه كاره فلم يطمئن إليها ولم يستلذ بها؛ فيأخذ الإنسانُ نفسَه بالرفق، ثم ساق الحديث.

قال: حدثنا عبد السلام بن مُطَهَّر - بفتح الهاء - وهو الأزدي البصري، قال: حدثنا عمرو بن علي وهو عمر بن علي بن عطاء المقدمي(1)، قال: عن معن بن محمد وهو معن بن محمد الغِفاري، خَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، عن سعيد بن أبي سعيد وهو المَقْبُري، حديثه في الصحيحين والسُّنَن الأربعة، قال: "إنَّ الدين يسرٌ" وهذا الذي صَدَّرَ به المؤلف ترجمةَ الباب، "ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلّا غلبه" فهذان أمران، وهما خبران مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، الأمر الأول: "إنَّ الدين يسر" هذا خبر، والثاني: "ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلّا غلبه" والمقصود بذلك أنَّ الإنسان لا يتعمق بهذه العبادات ولا يشدد على نفسه فيها بل يأخذ فيها برخص الله تعالى حتى لا ينقطع عن عبادة ربه، لأنَّه إذا شادَّ الدين - والمشادة هنا معناها المغالبة - فلا شكّ أنَّه سينقطع، لأنَّ شرائع الإسلام كثيرة، وحمْل النفس على جميعها دون أنْ يتخلف عن شيءٍ منها! هذا مما يشق على الإنسان، وإذا فعل ذلك فإنَّه يغلبه الدين، على معنى أنَّه ينقطع عن العبادة ويتركها، ثم بَيَّنَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ما ينبغي أنْ يكون عليه حال المؤمن فقال: «فسددوا وقاربوا وأبشروا»، فأمرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بلزوم السداد وهو التوسط من غير إفراطٍ ولا تفريط، وقاربوا: يعني لأنَّ مقاربة العمل أحيانًا التسديد أحيانًا يصيب الإنسان منه الغرض المقصود، والمقاربة أحيانًا بمعنى أنَّه يكون مقاربًا للغرض الذي يقصده وليس بالضرورة أنْ يصيبه، يعني أنّ العمل ليس بالضرورة أنْ تأتي به كاملًا! قد تأتي به كاملًا وقد تأتي به صحيحًا وليس بكامل، والمطلوب مِن المسلم هو التوسط والاعتدال، ثم ذَكَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ما يُستعان به فقال: «واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ مِن الدُّلجة» الغدوة هي الذهاب أول النهار، والروحة هي آخر النهار، وشيء مِن الدلجة وهو الليل، يعني بمعنى أنَّ الإنسان لا تأخذ عليه العبادةُ ليلَه ونهارَه! بل يكون عبادة ويكون شيء مما يروح به عن نفسه ويقضي به متاعَه في الدنيا.


بَابٌ: الصَّلاَةُ مِنَ الإِيمَانِ

وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ(2) يَعْنِي صَلاَتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ.

- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ «صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلَّاهَا صَلاَةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ» فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ(3).


"بابٌ: الصلاة مِن الإيمان" أو بابُ الصلاة مِن الإيمان وقولُ الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ(4) " يعني صلاتكم عند البيت، هذه اللفظة "عند البيت" بعضهم يرى أنَّها محرفة وأنَّها: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ﴾ يعني صلاتكم لغير البيت، لماذا؟ لأنهَّم أولًا كانوا يصلون إلى بيت المقدس ثم نسخ اللهُ تعالى القبلة فصاروا يصلون إلى الكعبة: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ(5)، وبعضهم قال: إنَّ المراد "عند البيت" أي بيت المقدس، هذا طبعًا ليس بصواب لأنَّه إذا أُطلق البيت فالمراد به الكعبة، والصحيح أنَّ هذه اللفظة ليس فيها تحريف وأنَّ المراد عند البيت الكعبة كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّهم كانوا إذا أرادوا أنْ يصلوا جاءوا إلى البيت - الكعبة - وجعلوا الكعبة بينهم وبين بيت المقدس وصلوا عند الكعبة وجعلوها بينهم وبين بيت المقدس الذي يستقبلونه؛ فتكون الكعبة كالسترة لهم، فهذا هو مراد الإمام البخاريّ رحمه الله، والشاهد منه "باب الصلاة مِن الإيمان الله جلّ وعلا قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ(6) " أي ما كان ليُضيع صلاتكم التي صليتموها قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فسمى اللهُ تعالى الصلاةَ إيمانًا؛ فدَلَّ ذلك على أنَّ الأعمال مِن الإيمان لأنَّ الصلاة عملٌ.

وقوله في الحديث: حدثنا عمرو بن خالد وهو أبو الحسن الحرّاني خَرَّجَ له البخاريّ دون مسلم، قال: حدثنا زهير وهو ابن معاوية، وحديثه مُخَرَّج في السُّنَن والصحيحين، قال: حدثنا أبو إسحاق وهو عمر بن عبد الله السَّبيعي وحديثه مُخَرَّج في الكتب السِّتَّة، عن البراء بن عازب، وذكر هذا الحديث، وهذا الحديث أيضًا خَرَّجَه الإمام مسلم في صحيحه.

وهذا الحديث ذكره المؤلف رحمه الله لأنَّه كالمُبَيِّن للآية، يُبيّن أنَّ الصلاة أطلق اللهُ تعالى عليها الإيمانَ يستظهر بهذه القصة في بيان هذه الآية على مراده مِن تفسيرها.

قال: زهير، زهير عندنا في الإسناد شيخُ شيخِ البخاري، البخاريّ روى عنه عن عمرو بن خالد، فبعض أهل العلم قال: هذا مِن معلقات البخاريّ إلّا أنَّ الحافظ ابن حجر أنكر هذا وذكر أنَّ مَن قال بهذا فقد وهم، وذكر أنَّ عادة البخاريّ رحمه الله أنَّه يحذف أداة العطف، وهنا حذف أداة العطف، فقال زهير: حدثنا أبو اسحاق عن البراء إلى آخره هو موصولٌ مِن رواية عمرو بن خالد، ومع ذلك فالبخاريّ رحمه الله قد خَرَّجَ هذا الحديث موصولًا مِن وجهٍ آخر مِن روايته عن أبي نُعيم الفضل بن دكين عن زهير، وذلك في كتاب التفسير مِن صحيحه.


بَابُ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ

- قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ؛ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ؛ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا».

- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا».


قوله: "بابُ حسن إسلام المرء" حُسنُ إسلام المرء فُسر بأنَّ المراد به كمال المراقبة والإخلاص لله تعالى على ما في حديث جبريل في بيانه لمعنى الإحسان "أنْ تعبد الله كأنك تراه؛ فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك" ومنهم مَن ذَكَرَ أنَّ المراد بحسن الإسلام تحقيقُه على معنى الإتيان به بالظاهر والباطن، لا يكون إسلامًا ظاهرًا! بل يكون مسلمًا في الظاهر والباطن، ومنهم مَن رأى أنَّ المراد به كمال الامتثال بفعل المأمورات وترك المنهيات، هذه تفسيراتهم لحسن الإسلام، وقول المؤلف "باب حُسنُ إسلام المرء" لم يذَكَرِ البخاريّ إلّا هذه الجملة؛ فما مراده بذلك مع الأحاديث التي ذكرها؟ قال بعض أهل العلم: إنَّه أراد بذلك الردَّ على الخوارج والمعتزلة وأيضًا الردَّ على المرجئة، الرَّدُّ على الخوارج مِن جهة أنَّ الإيمان يزيد وينقص، لأنَّه فيه لَمّا ذَكَرَ "إذا أسلم العبد فحسن إسلامه" دَلَّ ذلك على أنَّه كان قبل ذلك أقلَّ حُسنًا؛ فدَلَّ ذلك على تفاوت الإسلام في قلوب الناس، إذن فالإيمان يزيد وينقص، وأيضًا لَمّا ذَكَرَ فيه الحسنات والسيئات وذَكَرَ القِصاص على أنَّ المكلف إذا عمل يُعطى أجرَ عمله مِن الحسنات والسيئات وذَكَرَ أنَّه يفعل السيئات ويفعل الحسنات ولو كانت السيئات تُحْبِطُ الحسناتِ مطلقًا وتكون منافيةً لأصل الإيمان؛ فإنَّه إذا فعل السيئةَ لم تنفعه حسنةٌ، ومِن المعلوم أنَّه لا يحبط الحسنات كلها إلّا الكفر: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ(7) و﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ(8) إذن إذا كان المؤمن يجمع بين الحسنات والسيئات دَلَّ ذلك على بقاء إيمانِه، دَلَّ ذلك على تفاوت الناس بالنسبة إلى الأعمال، لأنّ السيئات هي حصائدُ المعاصي، والحسنات حصائدُ الطاعات، فدلَّ ذلك على أنّ الناس مختلفون، إذن الإيمان يزيد وينقص، وأيضًا المؤمن - وإنْ عمل السيئات - فإنه لا يزال باقيًا على إيمانه، فأثبتَ له الإسلامَ بل أثبتَ له حسنَ الإسلامِ وأثبت مع ذلك انَّه يفعل السيئات، فلا مانع مِن اجتماع الإيمان مع عمل السيئات، إذن هذا فيه رَدٌّ على الخوارج والمعتزلة والمرجئة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه وفي مسألة ثبوت الإسلام مع فعلِ الذنب، وأيضًا رَدٌّ على المرجئة مِن جهة أخرى وهي أنّ الذنوب مؤثرة، ليس كما يقولون: إنه لا يضرّ مع الإيمان معصية! والعجب في المرجئة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ المرجئة يقولون: إنَّ الذي يقرّ بالإيمان - وإنْ لم يعمل - هو مؤمن كامل الإيمان ويدخل النار! يقول: بعض الناس يُنسب إليهم أنهم لا يدخلون النار يقول: لا؛ يدخل النار، يقول: ليس في أحد مِن الفِرَق يقول: إنَّ صاحب المعصية لا يدخل النار! يقولون: يدخل النار، لكن بَيّنا فيما سبق أنّ دخول النار عند أهل السُّنَّة غير دخول النار عند أهل الإرجاء، هذا تقدم الكلام عليه، لكن هنا جمع اللهُ للمؤمن بين الحسنات والسيئات؛ فلم يُكَفّره كما تقول الخوارج! ولو كانت السيئات تُكَفِّر لحبط عمله وكان مِن الكافرين ولم يصح أنْ يقول حَسُنَ إسلامه! وأيضًا لَمّا ذَكَرَ أنّ إسلامه حَسُنَ دَلَّ ذلك على أنّ إسلامه كان قبل ذلك ناقصًا وهو باقٍ على إسلامه؛ فدَلَّ ذلك على أنّ الإيمان يزيد وينقص.

الحديث الأول: قال: مالك وهذا مِن معلقات البخاريّ التي لم يصلها بموضع آخر مِن كتابه، ولعله علّقه عن مالك لأنّ الإمام البخاريّ رحمه الله روى الموطأ عن عبد الله بن يوسف التنيسي وروى أيضًا عن جملة ممن روى عن الإمام البخاريّ مثل عبد الله بن مَسْلَمة ومثل قتيبة بن سعيد وغيره روى عنهم البخاريّ في صحيحه، وهذا الحديث قد وصله النسائي والإسماعيلي وغيره عن الإمام مالك رحمه الله.

وقوله في الحديث الثاني الآخر: حدثنا إسحاق بن منصور وهو أبو يعقوب المعروف بالكوسج، خَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، وعبد الرزاق هو ابن همام الصنعاني صاحب المصنف، ومعمر هو ابن راشد، وهمام هو ابن مُنَبِّه الصنعاني الأبناوي.


بَابٌ: أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُهُ

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» قَالَتْ: فُلاَنَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا، قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاومَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.


"باب أحبُّ الدين إلى الله أدومه" وهذا قد يكون كما مرّ معنا في الباب السابق "باب الدين يسر" يعني أنّ العبد - وإنْ كان مطلوب منه أنْ يعمل الطاعات والقربات - إلّا أنه ينبغي له أنْ يداوم على العمل - وإنْ قلَّ هذا العمل - فلا ينقطع عن العمل بعد فعله، وإذا ربطتَ بين هذين البابين عرفتَ أنّ العبادة إذا تقرب بها العبد إلى ربه وحمل نفسَه عليها بما يشق عليها فإنه قد ينقطع عنها؛ فلا يتحقق فيه هذا الحديث "أحبُّ العمل إلى الله أدومه" لأنه ينقطع عن العبادة، لكن إذا عمل العبادة بسداد واقتصاد فإنه يكون ذلك أدعى للمداومة عليها وهذا هو أحبُّ الدين إلى الله جلّ وعلا، فأحبُّ الدين إلى الله عزّ وجلّ مِن جهة صفته اليسر، وأحبُّ الدين إلى الله عزّ وجلّ مِن جهة فعله ما داوم عليه صاحبه وإنْ كان هذا العمل قليلًا، لماذا؟ لأنّ العلماء يقولون: إنَّ الإنسان إذا عمل عملًا قليلًا فإنه يكون دائم الاتصال بربه، أما إذا حمل نفسه على ما يشقّ عليها فقد يعمل ثم ينقطع؛ فينقطع الاتصال بربه جل وعلا!

وذَكَرَ بعض العلماء على هذا الباب أنّ الحديث الذي ذكره المؤلف فيه أطلق فيه الدين - وهو الإيمان - على الأعمال، لأنّ الإسلام والإيمان يُقال لهما: الدين، ولَمّا قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث «أحبُّ الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه» أي واظب عليه وهو العمل، وأطلق العمل على أنّه دين، كأنّه قال: الإيمان العمل، كما مَرّ في باب "مَن قال: إنّ الايمان هو العمل".

وقوله: حدثنا محمد بن المثنى هو أبو موسى المعروف بالزَّمن، حدثنا يحيى بن سعيد هو ابن سعيد القطان، وهشام بن عروة وأبوه عروة، والحديث خَرَّجَه مسلم وفي الصحيح.


(1) هنا يرن جوال أحد الطلاب وفي النغمة أنشودة "إلا صلاتي" فيقول الشيخ للطالب: هذه أغاني يا شيخ! أقفلها.
(2) البقرة: 143.
(3) البقرة: 143.
(4) البقرة: 143.
(5) البقرة: 144.
(6) البقرة: 143.
(7) الزمر: 65.
(8) المائدة: 5.