موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَة إلى بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم - شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الإِيمَانِ إلى بَاب أُمُورِ الإِيمَان
 بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إلى بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ إلى بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَل
 بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَة إلى بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم
 بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق إلى بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُه
 بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِه إلى بَاب خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُر
 بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري - بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَة إلى بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم

بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلاَمِ أَوِ الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا(1) فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ(2) [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ].

- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى رَهْطًا - وَسَعْدٌ جَالِسٌ - فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؛ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا» فَمَسَكْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا» ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ» وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.


بسم الله الرحمِن الرحيم

والحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهداه.

هذا الباب معقودٌ للرَّدِّ على المرجئة الذين يرون أنّ الإيمان يكفي فيه القول فقط، ولهذا قال الإمام البخاري: "بابٌ إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة" ويريد بالحقيقة هنا الحقيقة الشرعية، "وكان على الاستسلام أو الخوف مِن القتل" بمعنى أنه كان الإسلامُ مجردَ استسلام وانقياد في الظاهر فقط؛ وليس هو إيمانًا في الباطن! واستشهد بقول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ(3) وهذا على أحد الوجهين في المراد بهؤلاء الأعراب هل هم كانوا مِن المنافقين فأظهروا الإسلام وبواطنهم كافرة؟ أم أنّ هؤلاء كانوا مِن أهل الإيمان ولكنهم كان إيمانُهم ضعيفًا؟ للعلماء فيها مذهبان، والإمام البخاريّ رحمه الله يرى أنهم كانوا منافقين، كما هو رأي طائفة مِن السلف يرى أنهم كانوا منافقين فأظهروا الإسلام، فالله جلّ وعلا قال عنهم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا(4) بمعنى استسلمنا في الظاهر؛ وأما الإيمان فقد نفاه عنهم لأنهم لم يجمعوا إلى القول اعتقادًا صحيحًا بمعنى أنهم قالوا ذلك بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ومَن قال بلسانه ولم يؤمن قلبه؛ فليس بمسلم، والبخاريّ رحمه الله يرى أنّ الإسلام والإيمان شيءٌ واحدٌ، ولهذا لَمّا قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا(5) نفى عنهم الإسلام الحقيقي وأثبت لهم الاستسلام الظاهر، فدَلَّ ذلك على أنّ القول لا ينفع إذا لم يكن ثمة اعتقاد صحيح يجتمع إلى هذا القول.

ثم ذَكَرَ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ(6) وهو يشير بهذا إلى أنّ الإسلام على نوعين:

نوع هو استسلام في الظاهر مع كفر في الباطن، وهذا مجرد استسلام، وهو أنْ يُطلق عليه الإسلام إلّا أنه ليس بالإسلام الحقيقي المراد شرعًا الذي يُنجّي العبدَ يوم القيامة.

النوع الثاني: هو الإسلام الذي هو بمعنى الإيمان، وهو ما جمع فيه العبد مع إسلامه الظاهر جمع إلى ذلك إيمانَه الباطن، فهذا هو الدين ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ يعني أنّ هذا هو الدين المقبول وأما الآخر فهو دين مردود على صاحبه، ثم ذَكَرَ قال: حدثنا أبو اليمان وهو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، وهؤلاء الرواة كلهم مُخَرَّجٌ لهم في الصحيحين والسُّنَن، عن سعد بن أبي وقاص "أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعطى رهطًا - وسعد جالس - فترك رسول الله رجلًا هو أعجبهم إليّ، فقلت: يا رسول الله؛ ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا؟" هنا "لأَراه" رجح أهل العلم أنها بفتح الهمزة بمعنى أعلم لدلالة أنّ سعدًا راجع النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّ هذه اللفظة تضبط بالضم "إني لأراه" لأظنه "وإني لأَراه" أي أعلمُه، فإذا وجدتِ القرينة المرجحة لأحد الطرفين كان النطق على حسب ما ترجحه القرينة، وهنا لَمّا راجع سعدٌ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الرجل دَلَّ ذلك على أنّ سعدًا يعتقد في نفسه اعتقادًا جازمًا أنّ هذا الرجل مؤمن، ولهذا قال: "إني لأَراه مؤمنًا" فقال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: "أو مسلمًا" على رأي البخاريّ رحمه الله في تبويب هذا الحديث "أو مسلمًا" أي أنه مظهرٌ للإسلام ولم يؤمن بقلبه، فقال للنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: "إني لأراه مؤمنًا" قال: "أو مسلمًا" يعني أنه مستسلم في الظاهر ولا تشمله حقيقة الإسلام الذي هو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ(7).

وهذا الحديث خَرَّجَه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه.

بعض أهل العلم – طبعًا كما هو معلوم - يرى أنّ هذه الآية والحديث في قوم مؤمنين؛ ولكن كان إيمانُهم ضعيفًا؛ فيُستدل بها على أنّ الناس متفاوتون في الإيمان، منهم مَن إيمانه ضعيف ومنهم مَن إيمانه قوي، فهي دليل للبخاري - على رأيه - ودليل لكثير مِن السلف على رأيهم في أنّ الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان، وفي هذه الصورة في الآية ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ وفي الحديث اجتمع الإيمان والإسلام فيُفَسَّرُ كلُّ واحد منهما بتفسيره الذي جاء في الشرع.

قال: ورواه يونس، وهذه الرواية المعلقة وصلها عبد الرحمِن بن عمر الزهري المعروف بـ "رسته" في كتابه الإيمان، وهذا يونس هو يونس بن يزيد الأيلي، وصالح وهو ابن كيسان، وهذا التعليق وصله المؤلف رحمه الله في كتابه الزكاة مِن صحيحه، ومعمر هو معمر بن راشد، وهذه الرواية وصلها أحمد والحميدي كما وصلها أيضًا مسلم في صحيحه، وابن أخي الزهري وهو محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري، وروايته خَرَّجَها مسلم في صحيحه.


بَابٌ: إِفْشَاءُ السَّلاَمِ مِنَ الإِسْلاَمِ

قَالَ عَمَّارٌ: "ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ".

- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».


قال: "بابٌ: إفشاء السلام مِن الإسلام" إفشاء السلام معناه إظهاره وإشاعته، وهنا قال: "باب إفشاء السلام مِن الإسلام" وفي باب سبق "باب إطعام الطعام مِن الإسلام" وفي بعضها ذَكَرَ بعض الأشياء أنها مِن الإيمان، قال العلماء: وهذا فيه أنّ البخاريّ لا يُفَرِّق بين الإسلام والإيمان بل يجعل معناهما معنى واحدًا، وإفشاء السلام هو عمل للمكلف، وهو مِن عمل جوارحه، وعلى هذا "باب إفشاء السلام" إما أنْ يكون إفشاؤه مِن باب الأعمال أو مِن باب الأقوال، إنْ قلنا: إنه لفظ؛ والإيمان قول وعمل؛ فيدخل في القول، وإنْ قلنا: إنَّ الأعمال تَعُمُّ ما سوى نطق الشهادتين أيضًا هو يدخل في باب العمل، والشاهد منه أنَّ هذا الباب يَدُلُّ على أنّ الإيمانَ ليس هو مجردُ اعتقادِ القلب فقط! أو التصديق والمعرفة كما تقوله الجهمية والاشاعرة! بل الأعمال - أعمال الجوارح - مِن الإيمان.

قال عمار: "ثلاث مَن جمعهن فقد جمع الإيمان" هذا الأثر - أثرُ عمار بن ياسر رضي الله عنه - خَرَّجَه عبد الرزاق وأحمد في كتاب "الإيمان" ويعقوب بن شيبة في مسنده وابن حبان في "روضة العقلاء"، وقد جاء مرفوعًا لكن خَطَّأَ أبو زرعة وأبو حاتم الروايةَ المرفوعةَ وإنما هو موقوف على عمار بن ياسر رضي الله عنه، وقوله "ثلاث مَن جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف مِن نفسك" والإنصاف مِن النفس معناه أنْ يأتي الإنسان بالحق الذي عليه قبل أنْ يُطلبَ منه، وهذا يدخل فيه حق الله وحق الناس، "وبذل السلام للعالَم" إلّا مَن حرَّم الله تعالى السلامَ عليهم أو بداءتهم بالسلام مِن اليهود والنصارى وغيرهم مِن الكفار، "والإنفاق مِن الإفقار" يعني الإنفاق مع الفقر، فبَذْلُ السلامِ مِن مكارم الأخلاق، والإنفاق مع الإقلال يَدُلُّ على غاية الكرم، هذا قول عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، وأنتم ترون أنّ هذه الأشياء قال: "جمع الإيمان" هذا لفظ الإيمان، الإنصاف مِن نفسك وبذل السلام والإنفاق مِن الإقتار، وهذه كلها مِن الأعمال، فدلَّ ذلك على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، والشاهد منه في الأثر قوله "بذل السلام للعالم" الذي هم معنى إفشاء السلام الذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى.

قال المؤلف: حدثنا قتيبة وهو ابن سعيد البغلاني شيخ لأصحاب الكتب السِّتَّة كلها ومِن الحفاظ المتقنين، حدثنا الليث بن سعد المصري إمام أهل مصر في وقته، عن يزيد بن أبي حبيب وهذا قد تقدم، عن أبي الخير وهو مرثد بن أبي مرثد وقد تقدم، عن عبد الله بن عمرو أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِل: "أيُّ الإسلام خير؟" وهذا الحديث خَرَّجَه أيضًا مسلم والمؤلف رحمه الله تعالى قد ذكره فيما سبق لكن اختلف فيه شيخه ههنا، فشيخه هنا قتيبة بن سعيد وفي الحديث الأول عمرو بن خالد الحراني.


بَابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ، وَكُفْرٍ بَعْدَ كُفْرٍ

فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُرِيتُ النَّارَ؛ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ» قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».


الإيمان مقابله الكفر، والكفر في الشرع جاء إطلاقه على ما ينقل مِن الملة وجاء إطلاقه على ما لا ينقل مِن الملة، فدَلَّ ذلك على أنّ الكفر منه ما هو مجامع للإيمان ومنه ما لا يجامع الإيمان، فما كان يناقض أصل الإيمان فهو كفرٌ مُخْرِج مِن المِلّة ناقل عنها، وما لم يكن كذلك فهو مِن شعب الكفر لكنه لا يُخَرِّج مِن الملة.

في هذا الباب قال: "باب كفران العشير "وفيه فرْق بين إطلاق الكفر وتقييد الكفر، فهنا ذَكَرَ "باب كفران العشير وكفر بعد كفر" وهناك نسخ "كفرٌ دون كفرٍ"، قوله "كفرٌ دون كفرٍ" هذا مقتبس مما جاء عن بعض السلف ومنهم عطاء رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(8) "كفرٌ دون كفرٍ"(9) قال ابن عباس في هذه الآية - فيما رواه الحاكم وصححه – "ليس الكفر الذي ينقل مِن الملة" هو كفرٌ دون كفرٍ، ومعنى ذلك أنّ الكفر مراتب كما أنّ الإيمان مراتب، والكفر قد يأتي مقيدًا كما في قوله "كفران العشير"، والعشير يُراد به الزوج المعاشر للزوجة.

وذكر فيه حديثَ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يسق متنه ولا إسناده وهو قد خَرَّجَه في كتاب الحيض وغيره مِن المواضع مِن حديث أبي سعيد لمّا قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للنساء: «تصدقنّ إني رأيتكنَّ أكثر أهل النار! فقلن: لِمَ يا رسول الله؟ قال: تُكثرنَ اللعن وتكفرن العشير» فقوله: "تكفرن العشير" هذا مقيد، كفران العشير وهو كفران نعمة لا ينقل مِن الملة.

الحديث الثاني - عبد الله بن مسلمة وهو القعنبي وقد تقدم - عن مالك عن زيد بن أسلم وأبو أسامة القرشي العدوي مولى آل عمر رضي الله عنه وهو مُخَرَّج له في الكتب السِّتَّة، عن عطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها وهو ثقة مِن الثقات المعروفين ومُخَرَّج له في كتب السُّنَّةِ ومنها الكتب السِّتَّة، عن ابن عباس أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "أُريتُ النارَ؛ فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن" وفي بعض النسخ "بكفرهنَّ" فهنا النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أطلق الكفرَ، في الأول ذَكَرَ كفران "يكفرن العشير" وهنا أطلق الكفر، قال: "بكفرهنَّ" الصحابة رضي الله تعالى عنهم استفسروا مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أيكفرن بالله؟ وهذا دليل على أنّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعلمون أنّ مِن الكفر ما هو ناقل ومِن الكفر ما ليس بناقل، لأنهم لو كان الكفر لا يطلق إلّا على شيء واحد؛ لعَلِمَه الصحابة ولم يستفسروا مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم! لكن لَمّا كان قوله "بكفرهنَّ" أو "يكفرن" والكفر له مراتب استفسر الصحابةُ رضوان الله عليهم أيكفرن بالله؟ فقال النَّبيُّ صلى اله عليه وسلم: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان" فدَلَّ ذلك على أنّ هناك كفرٌ دون كفرٍ؛ وأنّ الشارع إذا أطلق الكفر فإذا كان مناقضًا لأصل الإيمان فهو مُخْرِج مِن المِلّة؛ وإنْ لم يكن كذلك فهو مِن الذنوب والمعاصي لكن لا يُخَرِّج الإنسانَ مِن الملة، وهذا فيه رَدٌّ على الذين يحملون الكفرَ على الخروج مِن الملة مِن الخوارج وغيرهم، كلما رأوا كلمة الكفر في الكتاب والسُّنَّة حملوها على الكفر الناقل مِن الملة! والصحابة رضي الله عنهم هنا سألوا "بكفرهنّ؟" هذا دليل على أنَّ الصحابة كانوا يعرفون أنَّ الكفر على مراتب؛ فاستفصلوا مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم هل هو الكفر بالله الناقل مِن الملة؟ أو هو مِن النوع الآخر الذي لا ينقل مِن الملة؟ فعندئذٍ يجب على الإنسان وهو ينظر في النصوص الشرعية أنَّ يتأمل هل هو مناقضٌ لأصل الإيمان أو لا؟ وما ضَلَّتِ الخوارج إلّا بسبب هذه المسألة؛ فإنَّهم حملوا هذه الألفاظ على أنَّه كفرٌ بالله وأخرجوه مِن الملة، وقالوا: لا يجتمع الكفر مع الإيمان، وهذا كما ترون مخالفٌ لِمَا ثبت عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، إذن هذا الباب واضح في سياق المؤلف رحمه الله تعالى له في كتاب الإيمان.


بَابٌ: المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ

لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ(10).

- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ؛ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».


هذا "بابٌ المعاصي مِن أمر الجاهلية، ولا يكفرُ صاحبُها - أو ولا يُكفَّرُ صاحبُها - بارتكابها إلّا بالشرك" قول المؤلف: "ولا يكفر صاحبها بارتكابها" لبيان أنَّ الارتكاب شيءٌ والاعتقادُ شيء، فمَنِ ارتكب المعصية دون اعتقاد حلِّها فلا يكفر، لكن إذا اعتقد حِلَّها ولو لم يرتكبها فقد كفر، فنصَّ على الارتكاب لأنَّ مجرد الارتكاب لا يعني الكفر، ولهذا يخطأ بعض الناس إذا رأى أحدًا يرتكب معصية ويداوم عليها ويستمر قال: إنَّه لم يفعلها إلّا استحلالًا! فيُكفّره بذلك، وهذا شأنّ الخوارج اليوم، هكذا، يقولون عن مرتكب المعاصي المستمر عليها، الإنسان ممكن يرتكب المعاصي المستمر عليها، ممكن يتعامل بالربا ثلاثين أربعين سَنَة، ما هداه الله إلى التوبة، أو يفجر يكون خمَّارًا أو يكون مِن أهل الزنا والفواحش والمنكرات لا يعني ذلك أنَّه يستحلها! لا، الاستحلال إما أنْ يُحِلَّ ما حرَّم الله بلسانه وإنْ كان في قلبه خلاف ذلك؛ وإلّا يعتقد حِلَّها بقلبه، اعتقاد حلِّها بقلبه ولم يظهره؛ فلا سبيل لأحدٍ عليه - لا إلى تكفيره ولا إلى إقامة الحكم عليه -، لكن إذا أظهرها؛ إذا حرَّم شيئًا معلومًا حِلُّهُ مِن الإسلام بالضرورة أو العكس أَحَلّ شيئًا قد عُلِمَ تحريمُه مِن الإسلام بالضرورة فإنَّه يكفر وإنْ كان يعتقد بباطنه موافقة القرآن - جادًا أو هازلًا -، أما مجرد الارتكاب فلم يقل أحدٌ مِن أهل العلم إنَّه يكفر به ولو استمر عليه سنين طويلة، الرجل الذي كان يشرب خمرًا في عهد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال الصحابي: "لعنه اللهُ ما أكثر ما يؤتى به!" يعني أنَّه مستمر عليها، فقال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تلعنه، أما علمتَ أنَّه يحب الله ورسوله؟»(11) فأثبت له الإيمان مع تكرار المعصية واستمراره عليها، فيجب التَّنَبُّه لهذا.

هذا "بابٌ المعاصي مِن أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها" يعني أنَّ المعاصي مِن أمرِ الجاهلية، وذلك أنَّ الجاهلية إما لعدم العلم بالحكم أو مخالفة الحكم بعد العلم به، فهذا كله جاهلية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ(12) فسمى مخالفتهم للشرع - مع علمهم بالحكم – جهالةً، ولهذا قالوا: تطلق الجهالة على شيئين: على عدم العلم بالحكم أصلًا؛ وعلى مخالفة الحكم بعد العلم به، وقوله هنا "مِن أمر الجاهلية" يعني مِن شأنّ الجاهلية الأولى، المعاصي مِن أفعال الجاهلية، وما نُسب إلى الجاهلية فهو مذموم شرعًا، لأنَّه يكون مِن صفات الكفار، إذن أمرُ المعاصي يعني مِن الكفر، فدلَّ ذلك على أنَّ الإنسان - وإنْ وجدتْ فيه شعب الكفر - إلّا أنَّه لا يكفر، قد توجد فيه شعبة أو شُعبتان أو أكثر مِن شُعب الكفر ولا يكفر بذلك، وهذا تأكيدٌ للباب السابق "بابٌ: كفران العشير" لأنَّ هذا الباب الذي معنا كأنَّه بيان للباب السابق لأنَّه أطلق هناك لفظ الكفر ثم أطلق هنا قال: "باب المعاصي" فدلَّ ذلك على أنَّ المعصية - وإنْ أطلق عليها اسم الكفر أو أضيفت إلى الجاهلية - فإنَّ صاحبها لا يكفر إذا ارتكبها، لكن بضميمة أنْ لا يكون مستحلًا لها، وفي هذا رَدٌّ على الخوارج الذين يُكَفَّرون بالذنوب ويرَون أنَّ الإيمان شيءٌ واحدٌ لا يتبعض!

ذَكَرَ حديث سليمان بن حرب وهو أبو أيوب الأزدي البصري، قال: حدثنا شعبة عن واصل الأحدب وهو واصل بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي، قال: عن المعرور وهو معرور بن سويد الكوفي، كلهم مُخَرَّج لهم مِن الكتب السِّتَّة، قال: لقيتُ أبا ذر رضي الله عنه بالربذة – وهو مكان قريب مِن المدينة - وعليه حُلّة، وذَكَرَ الحديث، والشاهد منه قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية" لأنّ أبا ذر عَيَّره بأمه، إما قال له: "ابن الأعجمية أو ابن السوداء" أو غير ذلك مِن الألفاظ، وهذا تعيير ذمٌّ؛ فالنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "إنك امرؤ فيك جاهلية" أي فيك خصلة مِن خصال الجاهلية، ولم يحكم النَّبيُّ بكفره، ما حكم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بكفره! كما لم يحكم بكفر مَن ارتكب المعاصي، الذي شرب الخمر لم يحكم بكفره، الذي زنى أقام عليه الحد ولم يكفره! الذي سرق قطع يده ولم يكفره! وهكذا، دَلَّ ذلك على أنّ المعصية قد تجتمع مع الإيمان؛ وأنّ شعب الكفر ليست هي بكفر؛ وإنما قد تكون بعض شعبها مكفرة وقد لا تكون مكفرة، وإنْ كانت تنقص الإيمانَ.

وهذا الحديث خَرَّجَه أيضًا الإمام مسلم رحمه الله تعالى وفيه رَدٌّ على الخوارج، وقبل ذلك الآية التي ذكرها وهي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ(13) وما دون الشرك هي الذنوب والمعاصي، فكانت تحت مغفرة الله تعالى - إنْ شاء غفرها وإنْ شاء لم يغفرها لعبدها إذا وافاه الأجل وهو مقيم عليها ليس بتائب إلى ربه جلّ وعلا -، وهذا أصل عند أهل السُّنَّة والجماعة وهو أنّ ما دون الشرك لا يكفر به صاحبُه لأنّ الله تعالى يغفره، والذي لا يُغفر هو الشرك، فإذا كان الشيء قد يغفره الله تعالى إذا وافى العبد ربَّه به مِن هذه الذنوب؛ فإنه لا يكون كفرًا؛ والذي لا يغفر هو الشرك، دَلَّ ذلك على أنّ الذنوب والمعاصي لا تُخَلِّدُ صاحبَها في النار - كما تقوله المعتزلة والخوارج - ولا تسلب عن صاحبها اسمَ الإيمان؛ ولكنها في الوقت نفسه تنقص الإيمان بما رتب الله عزّ وجلّ عليها مِن الوعيد.


بَابُ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا(14) فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ

- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ؛ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».


"باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾" قال البخاري: فسماهم المؤمنين، الباب السابق كان فيه حكم مرتكب المعصية وأنّه لا يكفر، وهنا فيه تحقيق اسم الإيمان له مع ارتكابه المعصية، لكن هنا ليس المراد به أنه يُعطى الاسمَ المطلقَ للإيمان! لكنه يدخل في مطلق المؤمنين.

قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ قال البخاري: "فسماهم المؤمنين" يعني مع اقتتال الطائفتين، والاقتتال مِن الكبائر؛ ومع ذلك سمى الله تعالى الطائفتين سماهما مؤمنين ولم يسلب عنهم هذا الاسم؛ فدَلَّ ذلك على أنّ الإنسان يطلق عليه هذا الاسم - وهو الإيمان - وإنْ كان مرتكبًا لشيء مِن كبائر الذنوب، وفي هذا رَدٌّ على الخوارج الذين يسلبونه اسمَ الإيمان؛ وأيضًا رَدٌّ على المعتزلة الذين يقولون: ليس بمؤمن ولا كافر؛ بل هو منزلة بين المنزلتين!

قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك وهو العيشي؛ أبو بكر البصري، خَرَّجَ له البخاريّ ولم يُخَرِّج له مسلم، قال: حدثنا حماد بن زيد بن درهم البصري، حدثنا أيوب بن أبي تميمة السختياني، ويونس وهو بن عبيد البصري، عن الحسن البصري رضي الله عنه، عن الأحنف بن قيس، الأحنف لقب له واسمه الضحاك وإنما لقب بالأحنف لاعوجاج في رجله، والذي فيه اعوجاج في رجله يقال له: الأحنف، وهو مخضرم أدرك النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لكن لم يره.

قال: "ذهبتُ لأنصر هذا الرجل" يريد به رجلًا مِن قومه؛ فلقيني أبو بكرة، وهو الصحابي الجليل نفيع بن الحارث الثقفي، "قال: أين تريد؟ قلتُ: أنصرُ هذا الرجل" والرجل هذا قد يكون مِن قومه وقد يحتمل أنْ يكن يريد به عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في القتال، وهذا هو الأَوْلى لأنّ عند الإمام البخاريّ رحمه الله رواية في الفتن جاء فيها أنه ذَكَرَ أنه يريد نصرة ابن عم رسول الله يعني به عليّ بن أبي طالب - وإنْ لم يقع التصريح بالاسم -، "قال: ارجع؛ فإني سمعت رسول الله يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار» وجه الدلالة منه ظاهر لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سمى المتقاتلين مسلمين؛ فلم يسلب عنهم هذا الاسم، بل بقيا مسلمين مع تقاتلهما، وهذا مثله مثل الآية الكريمة التي مَرّت وترجم بها المؤلف للباب، وهذا ظاهر، وهذا الحديث خَرَّجَه مسلم في صحيحه وإسناده إسناد بصري.


بَابٌ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ

- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ(15) قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(16).


"بابٌ: ظلم دون ظلم" وهذا - كما تقدم - كفرٌ دون كفرٍ، الظلم في الشرع منه ما هو مُخْرِج مِن المِلّة ومنه ما هو دون ذلك لا يُخَرِّج مِن الملة، فالمؤلف رحمه الله يؤكد هذا يعني أنّ الظلم يجتمع مع الإيمان وهناك ظلم لا يجتمع مع الإيمان إذا كان يناقض أصل الإيمان مثل الشرك وهو ظلم؛ فلا يجتمع مع الإيمان.

قال: حدثنا أبو الوليد وهو هشام بن عبد الملك الطيالسي، قال: حدثنا شعبة وهو ابن الحجاج، ح قلنا: هذه الحا للتحويل، قال البخاري: حدثني بشر هو ابن خالد العسكري خَرَّجَ له الشيخان، قال: حدثنا محمد وهو محمد بن جعفر غندر، عن شعبة عن سليمان وهو ابن مهران الأعمش، عن إبراهيم وهو يزيد بن قيس النخعي، حديثه مُخَرَّج عند الشيخين وأصحاب السُّنَن، عن علقمة وهو ابن قيس أيضًا وحديثه مُخَرَّج في السُّنَن أيضًا وفي الصحيحين، عن عبد الله قال: لَمّا نزلتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ(17) قال أصحاب رسول الله: وأينا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(18) الصحابة رضي الله عنهم فهموا العموم مِن الظلم؛ فبَيّن لهم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ الظلمَ الذي أراده الله عزّ وجلّ بهذا هو الظلم المُخْرِج مِن المِلّة وهو الإشراك بالله؛ فدَلَّ ذلك على أنّ الظلم مراتب، لأنّ الصحابة رضي الله عنهم ما فهموا منه أنه فقط الظلم المُخْرِج مِن المِلّة! قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ المعاصي ظلم، الكبائر ظلم، الصغائر ظلم، ترك الفرائض ظلم، الشرك بالله ظلم، هذه كلها ظلم، فالصحابة رضي الله عنهم عمَّمُوا، والظلم في الشرع تارة يطلق على ما يَجتمع مع الإيمان مثلما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ(19) ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم أهل هذه الملة، ثم بَيَّن الله عزّ وجلّ أقسامهم الثلاثة، فمنهم ظالم لنفسه؛ فدَلَّ هذا على أنّ الظلم يجتمع مع الإيمان، وفيه ظلم لا يجتمع مع الإيمان مثل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(20)، ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ(21)، وفي الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ(22) الصحابة ذكروا أنه ظلموا أنفسهم؛ بَيَّنَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّ الظلم الذي أراده الله تعالى هنا هو الشرك الذي يناقض الإيمانَ؛ فدَلَّ هذا على أنّ مِن تمام الإيمان أنْ يجتنب الإنسان الظلم؛ وأنّ المعاصي تنقص الإيمان؛ وأنّ هناك ظلم مُخْرِج مِن المِلّة وهناك ظلم لا يُخَرِّج مِن الملة.


(1) الحجرات: 14.
(2) آل عمران: 19.
(3) الحجرات: 14.
(4) الحجرات: 14.
(5) الحجرات: 14.
(6) آل عمران: 19.
(7) آل عمران: 19.
(8) المائدة: 44.
(9) صحيح. تفسير الطبري (12047). يُنظر الصحيحة (6/ 114).
(10) النساء: 48.
(11) صحيح البخاري (6780) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(12) النساء: 17.
(13) النساء: 48.
(14) الحجرات: 9.
(15) الأنعام: 82.
(16) لقمان: 13.
(17) الأنعام: 82.
(18) لقمان: 13.
(19) فاطر: 32.
(20) لقمان: 13.
(21) الشورى: 44.
(22) الأنعام: 82.