موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ إلى بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَل - شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الإِيمَانِ إلى بَاب أُمُورِ الإِيمَان
 بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إلى بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ إلى بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَل
 بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَة إلى بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم
 بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق إلى بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُه
 بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِه إلى بَاب خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُر
 بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ إلى بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَل

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ»

وَأَنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ(1).

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَهُمْ؛ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا».


"بابُ قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: أنا أعلمكم بالله؛ وأنَّ المعرفة فعل القلب لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ(2) " قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: "أنا أعلمكم بالله" وهذه صيغة تفضيل، وهذا يَدُلُّ على أنَّ ما في قلوب المؤمنين متفاضل؛ فليس ما في قلب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن العلم بالله كما في قلوب غيره مِن الناس! وأصل الإيمان هو العلم بالله تعالى؛ فدَلَّ ذلك على أنَّ الإيمان الذي في القلب يتفاضل لأنَّه تابعٌ للعلم والمعرفة، وفيه أيضًا قال: "وأنَّ المعرفةَ فعلُ القلب" ويريد بذلك أنَّ المعرفةَ التي في قلب الإنسان هي كسبٌ بدلالة الآية لأنَّه قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ(3) وهذه الآية - وإنْ كانت في الأَيمان - ولكن يستدل بها على مسألة الإيمان، لأنَّه لَمّا ذَكَرَ في مسألة الأيمان ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ(4) الشاهد منه أنَّه أثبت أنَّ للقلب كسبًا؛ فدَلَّ ذلك على أنَّ المعرفة التي تكون في قلب المؤمن هي كسبٌ له؛ وإذا كانت المعرفةُ كسبًا فالناس متفاوتون في الكسب؛ فيتفاضل ما في قلوب الناس مِن الإيمان بحسب كسبهم، وهذا رَدٌّ على الذين يقولون: إنَّ الإيمان الذي في القلب هو شيءٌ واحد لا يتفاوت الناس فيه! ويدلُّ - كما قلنا - على زيادة الإيمان في قوله: "أنا أعلمكم بالله".

قوله: حدثنا محمد بن سَلَام هو البيكندي، خَرَّجَ له البخاريّ ولم يُخَرِّج له مسلم، قال: أخبرنا عبدة، وهو ابن سليمان الكِلابي، مُخَرَّج له في الصحيحين وفي السُّنَن، عن هشام بن عروة عن أبي عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، وهذا الإسناد قد خُرِّجَ له في الصحيحين والكتب السِّتَّة سوى محمد بن سَلَام؛ فإنَّ مسلمًا لم يُخَرِّجْ له.

قالت: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أمرهم مِن الأعمال أمرهم بما يطيقون؛ قالوا: إنَّا لسنا كهيئتك يا رسول الله! قالوا: إنَّ الله قد غفر لك مِن ذنبك ما تقدم وما تأخر! فيغضب حتى يُعرف الغضب في وجهه ثم يقول: إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا"، الشاهد منه قوله: "إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" وهذا طبعًا عند النحويين إذا تأتّى أنْ يكون الضمير متصلًا فلا يفصل، وهنا فُصِلَ، وبه استشهد بعض أهل العلم على أنّه يجوز فصل الضمير وإنْ كان يمكن وصله، لأنه لو قال: "إني أتقاكم وأعلمكم بالله" - على قول النحاة - هذا هو المتعين هنا لأنه أمكن اتصال الضمير، وطبعًا هذه المسألة مبنية على مسألة الاستشهاد بالحديث النبوي، وللعلماء فيها كلام كثير - يعني في الاستشهاد - والأحاديث المستشهد بها تختلف، بعض الأحاديث روي نصًا، وبعضها مِن الجوامع أو مِن الكلام الذي لا يمكن درايته إلّا نصًا لأنه مقصودٌ لذاته بالتعبد، وفي بعض الأحاديث لا سيما بعض الطِّوال منها فيها بعض الاختلاف، وعلى كلٍّ بعض العلماء يرى التفصيل، وبعض العلماء لا يرى الاستشهاد، وبعض العلماء يقول: إنْ كان بعض رواة الأحاديث مِن العرب فقولهم في هذا حجة - سواء أثبتناه للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وقلنا إنه روي بالمعنى - والله أعلم، لكن هنا قال: «إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» الشاهد "إنَّ أتقاكم" التقوى والعلم، وطبعًا قلنا: إنّ التقوى في القرآن التقوى هي مِن الإيمان وأحيانًا تطلق التقوى ويراد بها الإيمان، وذلك بالنظر إلى الأعمال المذكورة بها أو المُفَسّر بها التقوى أو المُفَسّر بها الإيمان، لكن هنا أثبت التفاضل، والتفاضل كما أنه حاصل في الأعمال الظاهرة أيضًا هو حاصلٌ في القلب، لأنّ التقوى أصلُها في القلب والعلم أصلُه في القلب، والتفاوت حاصل؛ إذن الإيمان يتفاوت في قلوب الناس ويزيد وينقص كما أنّ التقوى والعلم تزيد في قلوب الناس؛ لأنّ التقوى مِن الإيمان؛ والعلم أصل الإيمان.


بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ

- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ».


في هذا الحديث بَوَّبَ عليه الإمام البخاريّ رحمه الله مرة أخرى لأنه ذَكَرَه في "باب حلاوة الإيمان" مِن حديث أنس رضي الله عنه مِن رواية أبي قتادة ثم رواه هنا مِن طريق آخر، البخاريّ رحمه الله إذا أعاد حديثًا فالغالب والعادة الغالبة عنده أنه لا يعيده بسنده ومتنه تمامًا؛ ولكن يغاير في الإسناد بمعنى يأتي بإسناد آخر أو مِن وجه آخر أو يغاير في متنه إما باختصار أو بإطالة وإما براوية أخرى إلى آخره، وهنا في الأول ذكره عن أبي قِلابة عبد الله بن زيد الجرمي؛ وهنا ذكره مِن رواية قتادة عن أنس رضي الله عنه.

وقوله "باب مَن كره أنْ يعود في الكفر كما يكره أنْ يلقى في النار مِن الإيمان" يعني أنّ ذلك علامة مِن علامات الإيمان، والكراهية - كما قلنا - هي في القلب؛ فدَلَّ ذلك على أنّ أعمال القلوب مِن الإيمان وقد تقدم ذَكَرَ الكلام عليه.


بَابٌ: تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ

- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ»، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ - شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً» قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ.

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ».


هذا "باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال" أو "بابٌ: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال" فيجوز فيه القطع والتنوين، ذَكَرَ المؤلف رحمه الله فيه حديثين، الحديث الأول ذَكَرَ ما يتعلق بمن يُخَرِّج مِن النار بأنْ يكون في قلبه مثقال حبة مِن خردل مِن إيمان، وذَكَرَ في الحديث الثاني الرؤيا، وفيه اختلاف الناس في القُمُص، بعض أهل العلم قَصَرَ قولَ البخاريّ "باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال" على أعمال القلوب؛ وأنّ الناس فيها متفاضلون، وهذا وإنْ سُلِّم في الحديث الأول إلّا أنّ الحديثَ الآخر ليس فيه ما يَدُلُّ عليه، دلَّ ذلك على أنّ قوله هنا "باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال" يشمل أعمالَ القلوب وأعمالَ الجوارح، بل قد يكون التمثيل بالقُمُص أظهرُ في أعمال الجوارح، وفي تمثيله بِمَن كال في قلبه مثقال حبة مِن خردل مِن إيمان أدخلُ في مسألة اعمال القلوب، فدَلَّ هذا أنّ أهل الإيمان يتفاضلون فيه، كما كانوا يتفاضلون في الاعتقادات كذلك يتفاضلون فيه في أعمال القلوب وفي أعمال الجوارح.

وقوله: حدثنا إسماعيل هو ابن عبد بن أويس المدني، وهو ابن أخت الإمام مالك، قد خَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، حدثني مالك وهو خاله، عن عمرو بن يحيى بن عُمارة المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث أيضًا خَرَّجَه الإمام مسلم في صحيحه، ثم ذَكَرَ في آخر الحديث قال: "ألم تَرَ أنها تخرج صفراء ملتوية"، النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مَثَّلَ الذين يخرجون مِن النار بمثل الحِبة، والحِبة هي بذور تتساقط في وقت نزول الأمطار، فتساقطت خرجت بسرعة نبتت بسرعة، لكنها لَمّا تخرج تخرج صفراء ملتوية، فهكذا العصاة مِن الموحدين إذا أُخرجوا مِن النار بما معهم مِن الإيمان فإنهم يخرجون منها قال العلماء: سراعًا ويخرجون منها على هيئة الحبة يعني بمعنى أنهم يكونون في البداية ضِعَافًا إلّا أنهم سُرعان ما ينبتون كما تنبت الحِبةُ في جانب السيل أو في حميل السيل، فالحبة أول ما تخرج تخرج ضعيفة ثم سرعان ما تنبت، وهكذا مَن يُخْرَجون مِن النار ممن كان في قلبه مثقال حبة، فهذا فيه تفاضلُ أهل الإيمان، وهذا تنصيص الإمام البخاريّ رحمه الله أنهم يتفاضلون، والدليل على ذلك أنّ هؤلاء أُخرجوا مِن النار لِمَا في قلوبهم مِن الإيمان، قوله "حبة خردل مِن إيمان" إذن الذين دخلوا الجنة هم أكمل منهم إيمانًا، الذين دخلوا الجنة ولم تصبهم النار هم أكملُ منهم إيمانًا، ولمّا قال: "أخرجوا مَن كان في قلبه مثقال حبة مِن خردل مِن إيمان" دَلَّ ذلك على أنّ الإيمان يتعلق بالقلوب.

والحديث الآخر: قال وهيب: حدثنا عمرو: الحياة، وقال: خردل مِن خير، هذا يُبيّن أنّ رواية وهيب وهو ابن خالد بن عجلان البصري يُبيّن ما فيها مِن اختلاف مع هذه الرواية، لأنّ الرواية التي عندنا قال: "فيُلقون في نهر الحياء أو الحياة" شك مالك، فجاء البخاريّ برواية وهيب ليُبيّن أنّ الأرجح هو لفظ الحياة، وقال وهيب في روايته "مِن خردل مِن خير" والرواية التي معنا "خردل مِن إيمان" فدَلَّ ذلك على أنّ رواية "خردل مِن خير" أو "خردل مِن إيمان" أنّ المقصود بهما شيء واحد، وهذا التعليق وصله الإمام البخاريّ نفسه في كتاب الرِّقاق مِن صحيحه مِن رواية موسى بن إسماعيل عن وهيب بن خالد، وكذلك خَرَّجَه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه لكنه لم يَسُقْ لفظَه وإنما خَرَّجَ إسناده.

والحديث الثاني قال: حدثنا محمد بن عبيد الله وهو أبو ثابت القرشي المدني، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد وهو الزهري، عن صالح بن كيسان وهو مدني، وهذا تلقى العلم عن كِبَر، قد لقي عددًا مِن الصحابة ولكنه تلقى العلم في كِبَرِ سِنِّه ولهذا هو روى عن الإمام مالك مع أنه شيخ للإمام مالك رحمه الله، لأنهم ذكروا أنه طلب العلم حين جاز الستين، وهو ممن خُرَّجَ له في الكتب السِّتَّة وفي السُّنَن وفي غيرها، وحديثه معروف، وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الإمام المعروف التابعي الجليل، عن أبي أمامة بن سهل وهو أسعد بن سهل بن حنيف الأوسي وقد اختلف الناس في صحبته.

وهذا الحديث قال: قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "بينا أنا نائم رأيتُ الناس يُعرَضون عليّ وعليهم القُمُص، منها ما يبلغ الثُّديّ ومنها ما دون ذلك، وعُرِضَ عليَّ عمرُ بن الخطاب وعليه قميص يجرُّه، قالوا: ما أوّلتَ ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين" أوَّلَه بالدين لأنّ الله تعالى قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ(5) ففيه لباس يُكسى به الجسد وهو خيرٌ مِن ذلك اللباس، فلمّا جمعهم هذا الاسم أَوَّلُ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ما رآه مِن القمص بالدين، وما رآه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في رؤياه حقٌّ لأنّ رؤيا الأنبياء حقٌّ؛ فلمّا ذَكَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم تفاضلَ الناس في هذه القُمُص التي أَوّلها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالدين دَلَّ ذلك على أنّ الناس هنا متفاضلون في الدين، وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف خَرَّجَه أيضًا مسلم في صحيحه وسنده سندٌ مدني.


بَابٌ: الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ».


"بابٌ: الحياء مِن الإيمان" قال: حدثنا عبد الله بن يوسف وهو التنيسي المصري، وهو مِن رواة الموطأ وقد سمع البخاريّ منه موطأ الإمام مالك رحمه الله، وخَرَّجَ له البخاريّ ولم يُخَرِّج له مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن أنس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه عبد الله بن عمر "أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مرَّ على رجل مِن الأنصار يعظ أخاه" وهذا الأخ قد يكون أخًا في النسب وقد يكون أخًا في الدين "وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: دعه؛ فإنّ الحياء مِن الإيمان" فقوله "مِن الإيمان" مِن هنا تبعيضية، دَلَّ ذلك على أنّ الأعمال مِن الإيمان، والحياءُ عملٌ قلبي، فدَلَّ ذلك على أنّ أعمال القلوب مِن الإيمان، وهذا الحديث خَرَّجَه مسلم في صحيحه.


بَابٌ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ(6).

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».


قال: "بابٌ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾" هذا الباب فيه بيان أنّ الإيمان لابُدّ فيه مِن القول ولابُدّ فيه مِن العمل لأنّ قولَه تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ(7) لأنهم حينئذ آمنوا، لأنّ القتل يكون للكفار، تخليةُ السبيل يكون لمِن أسلم، فلمّا قال: "فإنْ تابوا" يعني رجعوا مِن الكفر إلى الإسلام، وقد بَيّنَ هذا الرجوعَ في الحديث الذي ساقه المؤلف رحمه الله "أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلّا الله وأنّ محمدًا رسول الله" فدَلَّ ذلك على أنّ قوله "فإنْ تابوا" أي آمنوا "فإنْ شهدوا أنْ لا إله إلّا الله وأنّ محمدًا رسول الله" وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ(8) فهنا قال: "فخلوا سبيلهم" يعني لا تقتلوهم، فهم أظهروا الإسلام، وهذا الحكم - وهو التخلية - مرتبٌ على ثلاثة أشياء: على التوبة وهي "شهادة أنْ لا إله إلّا الله وأنّ محمدًا رسول الله"، والثاني: إقام الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، فدَلَّ ذلك على أنّ الإيمان لا يكفي - والمؤلف كما قلنا يرى أنّ الإيمان والإسلام شيء واحد -، فدَلَّت هذه الآية وهذا الحديث على أنّه لا يكفي في الإيمان مجردُ القول! لأنّ بعضهم يقول: يكفي فيه مجرد القول لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "أمرتُ انْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلّا الله؛ فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم" قالوا: هذا المرادُ به الكفّ إذا نطق بالشهادتين؛ ثم يُنظر في حاله بعد ذلك هل أقام الصلاة وآتى الزكاة أو لا؟ فإنْ لم يُقِمِ الصلاة ويؤت الزكاة فإنه يقاتل، ولهذا النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أنْ يغزو قومًا انتظر؛ فإنْ سمع الأذان لم يقاتلهم عليه الصّلاة والسّلام، ولمّا امتنعَ المرتدون مِن الزكاة قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه وبَيَّنَ أنه لا يُفرِّقُ بين الزكاة والصلاة، إذن فدَلَّ هذا التبويب على أنّ الإيمان قول وعمل بالجوارح؛ ولا يكفي القول! بل لابُدّ مِن العمل، فدَلَّ ذلك على أنّ القول والعمل أنهما كلاهما مِن الإيمان.

وقوله: حدثنا عبد الله بن محمد المسنَدي - بفتح النون - لأنه جمعَ المُسْنَد، ليس لأنه يُسنِد! ولكن جمع المسْنَد، الذي يُسند يقال: المسنِدي لكن هذا يقال: المسنَدي لأنه جمعَ المسند، قد خَرَّجَ له الإمامُ البخاريّ ولم يُخَرِّج له مسلم، قال: حدثنا أبو رَوح عن الحرمي أبو عمارة، الحرمي يجوز فيه إبقاء الألف واللام ويجوز حذف الألف واللام، الحرمي بن عمارة العتكي البصري، خَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، قال: حدثنا شعبة بن حجاج عن واقد بن محمد بن زيد بن الخطاب وقد خَرَّجَ له الشيخان، عن أبيه محمد بن زيد بن الخطاب، قال: سمعت أبي وهو محمد بن زيد وخُرِّجَ له الكتب السِّتَّة، عن ابن عمر يقول الحديث، وهذا الحديث - كما تقدم - شارح للآية ومُبيّن لها.


بَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(9) وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(10) عَنْ قَوْلِ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ(11).

- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ».


هذا "باب مَن قال: إنَّ الإيمان هو العمل" بعض السلف يقول: الإيمان العمل؛ والعمل الإيمان، لأنهما متلازمان، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وهنا قال: "باب مَن قال: إنَّ الإيمان هو العمل لقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(12) " والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: "واعلموا أنه لن يدخل الجنةَ إلّا نفس مؤمنة"(13)، هنا قال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فدخولهم للجنة كان بسبب أعمالهم، فدَلَّ ذلك على أنّ العمل هو الإيمان.

"وقال عدة مِن أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(14) عن قول: لا إله إلّا الله" وهذا جاء مِن حديث أنس عند الترمذي مرفوعًا ولا يصح لأنّ فيه ليث بن أبي سُلَيم، لكنه جاء موقوفًا على بعض الصحابة والتابعين كابن عمر ومجاهد فسروا قولَه تعالى: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: عن لا إله إلّا الله، ولا شك أنّ لا إله إلّا الله داخلة فيما يعملون - كما سبق وأنْ ذكرنا عن بعض العلماء أنه يرى أنّ القول مِن العمل - وممن نَصَّ على ذلك ابن مندة في كتابه الإيمان، وأيضًا ذَكَرَ قوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ(15) أي: لِمِثْل هذا، اسم الإشارة عائد إلى ما أعطاه الله عزّ وجلّ للمؤمنين مِن الكرامة في الآخرة والنجاة مِن النار، قال: تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ يعني فليعمل العامل في الدنيا لنفسه كما عملَ أولئك فأوجب اللهُ تعالى لهم بعملهم الجنةَ.

وقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ(16) أوجب اللهُ تعالى لهم بالعمل دخولَ الجنة؛ فدَلَّ ذلك على أنّ الإيمان الذي يدخل فيه الإنسانُ الجنةَ ليس هو مجرد الاعتقاد! وإنما مضاف إليه العمل، وهذه الآيات فيها عموم في العمل يشمل عمل الجوارح وعمل القلب، والحديث الذي ذكره وفيه "أيّ العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله؟ وهنا قال: يُراد بالإيمان بالله ورسوله يُراد به معنى الإقرار والتصديق، ومع ذلك سماه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عملًا لَمّا سُئِل "أيّ العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله" دَلَّ ذلك على أنّ الإيمان هو العمل، "قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، ثم ماذا؟ قال: حج مبرور" فكل هذه أعمال كما أنّ الإيمان عمل، المقصود بهذا الردّ على الذين يُخْرِجُون العمل عن مسمى الإيمان، فإذا كان الإيمان هو العمل؛ فلا يتحقق الإيمانُ إلّا بهذا العمل، وقد نَصَّ جمعٌ مِن أهل العلم مِن السلف على كفرِ مَن ترك العمل، يعني مَن قال: إنَّ الإيمان قول فقط! مَن قال: إنّ الأعمال غير داخلة في الإيمان! فقد كفر، نَصَّ على ذلك جماعةٌ مِن أهل العلم، وإنْ كان بعضُ مَن قال ذلك مِن مرجئة الفقهاء لهم تأويل منهم أئمة وعلماء وهؤلاء لا يُكَفّرون لأنّ لهم تأويل، حتى إنَّ في كلامهم ما حمل بعضَ أهل العلم - وهو أظنه لشيخ الإسلام ابن تيمية - أنّ الخلاف بينهم وبين جمهور العلماء خلاف لفظي وليس خلاف حقيقي، لكن يا إخوان عندنا مسألة العمل هذه مسألة مهمة والعلماء حينما يتكلمون عنها يطرأ على الإنسان سؤال، الآنْ لو جئنا إلى الأشاعرة وهم يأخذون برأي الجهم بن صفوان يرون أنّ التصديق هو المعرفة أو جئنا للكرامية أو جئنا للكلابية هؤلاء كلهم إذا رأيت في كتبهم يؤَثِّمون بترك الأعمال وبفعل الكبائر، فقد يطرأ سؤال يقول: ما الفرق بينهم وبين أهل السُّنَّة والجماعة؟ يقال: فيه فرق:

أولًا: أنّ أهل السُّنَّة والجماعة عندهم الإيمان يزيد وينقص؛ وهؤلاء عندهم الإيمان لا يزيد ولا ينقص! هذا واحد.

الأمر الثاني: أنّ أهل السُّنَّة والجماعة لا يجعلون تاركَ الفرائض كمرتكب الكبائر، أولئك يقولون: تارك الفرائض كمرتكب الكبائر؛ وأهل السُّنَّة يقولون: تارك الفرائض ليس كمرتكب الكبائر، ترك الفرائض كفرٌ يقصدون به على جهة العموم، تركُ الفرائض كفرٌ، يعني مَن ترك الفرائض كلها كَفَرَ - وإنِ اختلفوا في آحادها - فهم يتكلمون عن العموم، وأمّا فعل الذنوب فهو معصية فلا يكفر فيه صاحبها، لذا قال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(17)، أما اليهود كانوا يعرفون النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ولكنهم لم يؤمنوا به؛ فكفّرهم اللهُ تعالى فلم تُغْنِ عنهم المعرفةُ! وفرعون كان يعرف ربَّه فجحده فلم تُغْنِ عنه المعرفة فكَفّره الله تعالى، إذن انتبهوا، أهل السُّنَّة والجماعة يقولون: إنَّ الإيمان يزيد وينقص، ويقولون: ترك الفرائض ليس كفعل الكبائر، ويقولون: مسألة التخليد في النار لأنّ الأشاعرة وغيرهم - هم وإنْ أثَّموا تارك الفرائض وفاعل المنكرات - لكنه لا يُخَلَّدُ في النار، أما عندنا أهل السُّنَّةِ إذا ترك الفرائض؛ تركُ الفرائض تخليدُه في النار، لأنه يكون بترك الفرائض كافرًا خارجًا مِن الملة، والمقصود ليس هو فريضة بعينها! ولكن المقصود جنس الفرائض عند العلماء، وقد نَصَّ على ذلك سفيان بن عيينة واسحاق بن راهويه وغيرهما، فهذه المسألة ينبغي التنبه لها في مسألة الإيمان، نختم قبل أنْ نتوقف نختم بإسناد هذا الحديث الذي ذكره المؤلف قال: حدثنا أحمد بن يونس وهو أحمد بن عبد الله بن يونس، قد أطلق عليه الإمام أحمد شيخَ الإسلام كما أطلقه على شيخه يزيد بن هارون، وهذا مُخَرَّج له في الكتب السِّتَّة، قال: عن موسى بن إسماعيل وهو المنقري؛ أبو سلمة التبوذكي، وقد خَرَّجَ عنه أصحاب الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد الزهري سبط عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، قال: حدثنا ابن شهاب محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب الإمام المعروف الشهير عن أبي هريرة، وذكر هذا الحديث، وهذا الحديث أيضًا خَرَّجَه مسلم في صحيحه.


(1) البقرة: 225.
(2) البقرة: 225.
(3) البقرة: 225.
(4) البقرة: 225.
(5) الأعراف: 26.
(6) التوبة: 5.
(7) التوبة: 5.
(8) التوبة: 11.
(9) الزخرف: 72.
(10) الحجر: 92، 93.
(11) الصافات: 61.
(12) الزخرف: 72.
(13) سبق تخريجه.
(14) الحجر: 92، 93.
(15) الصافات: 61.
(16) الصافات: 61.
(17) طه: 121.