موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إلى بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَن - شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الإِيمَانِ إلى بَاب أُمُورِ الإِيمَان
 بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إلى بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ إلى بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَل
 بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَة إلى بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم
 بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق إلى بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُه
 بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِه إلى بَاب خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُر
 بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري - بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إلى بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَن

بَابٌ: المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ

- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


"بابٌ المسلم مَن سَلِمَ المسلمون مِن لسانه ويده" ويجوز لك أنْ تقول: "بابٌ: المسلمُ" على القطع ويجوز لك أنْ تقف تقول: "باب المسلم مَن سَلِمَ المسلمون مِن لسانه ويده".

قال: حدثنا آدم بن أبي إياس وهذا شيخ للإمام البخاريّ ولم يُخَرِّج عنه الإمام مسلم رحمه الله تعالى، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج الواسطي الإمام المشهور، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، في الكنى يقال - بفتح الفاء – السَّفَر، أبو السَّفَر، أما إذا كان في الأسماء فإنه يقال - بإسكان الفاء -، وهنا جاء كنيةً فيقال: عبد الله بن أبي السَّفْر، وإسماعيل هو ابن أبي خالد الذي تقدم، والشعبي عامر بن شراحيل الإمام المشهور، وهذا أيضًا إسناده خَرَّجَ له الشيخان وأصحاب الكتب السِّتَّة سوى آدم بن أبي إياس فإنه تفرَّد عنه البخاريّ دون مسلم، وهذا الحديث مما تفرّد به البخاريّ عن مسلم ولم يُخَرِّجْهُ في صحيحه وهو حديث «المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمون مِن لسانه ويده» والمؤلف قال: "بابٌ: المسلم مَن سَلِمَ المسلمون مِن لسانه ويده" وهذا تفسير منه رحمه الله للإيمان، لأنّ الإيمان والإسلام عنده شيء واحد، فدلَّ هذا الحديث على أنّ الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ وأنّ التروك أيضًا داخلة في مسمى الإيمان؛ وأنّ المسلمين أو المؤمنين درجات، ولهذا الحافظ ابن مندة في كتابه "الإيمان" ذَكَرَ هذا الحديث في باب "ذِكْرُ صفة درجة الإسلام والإيمان" وقد قال بعض العلماء: إنّ البخاريّ رحمه الله ذَكَرَ هذا الحديث ليُبيّن به صفةَ المسلم الكامل؛ وأنّ المسلم ليس هو مَن يشهد أنْ لا إله إلّا الله؛ وأنّ محمدًا رسول الله؛ ويأتي بالفرائض! ولكن لا يكون إيمانُه وإسلامُه تامًا إلّا إذا سَلِمَ المسلمون مِن لسانه ويده، يعني أنه لا يعتدي ولا يؤذي المؤمنين.

قال أبو عبد الله: وقال أبو معاوية، وأبو عبد الله هو البخاريّ طبعًا، قال: أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، حدثنا داود وهو ابن أبي هند، عن عامر، قال: سمعتُ عبد الله، هذا الإسناد المعلق وصله إسحاق بن راهويه وابن مندة وابن حبان، ومقصود الإمام البخاريّ رحمه الله لو تأملنا الإسناد السابق قال فيه: الشعبي عن عامر عن عبد الله بن عمرو والإسناد الذي يليه صَرَّحَ فيه عامر الشعبي بالسماع مِن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وإنما ذَكَرَ ذلك لأنّ الشعبي كوفي وعبد الله بن عمرو مكي واحتمال الانقطاع مع تباعد البلدان وارد، فأورد هذه الرواية لِيُبَيّن أنّ سماع عامر الشعبي مِن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، وقال عبد الأعلى، هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وهذا مِن معلقات البخاريّ لأنّ البخاريّ لم يدرك لا أبا معاوية ولا عبد الأعلى، لأنّ عبد الأعلى توفي سَنَة مئة وتسعة وثمانين وأبو معاوية توفي سَنَة مئة وخمسة وتسعين والإمام البخاريّ رحمه الله ولد سَنَة مئة وستة وتسعين أو سَنَة مئة وأربعة وتسعين، الشاهد أنّ الإمام البخاريّ لم يدركهما؛ فهذا مِن المعلقات في صحيح البخاري، وهذا الأثر - حديث عبد الأعلى - لم يصله الحافظ ابن حجر في التغليق ولا في الفتح، في الفتح أهمله، وفي التغليق بيَّض له قال: أما حديث عبد الأعلى وبيَّضه تركه! وهذا دليل على أنه لم يجده.


بَابٌ: أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟

- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ».


هذا قال المؤلف: "بابٌ: أي الإسلام أفضل" والمراد به أيُّ أصحاب الإسلام أفضل؛ بدلالة أنّ الإمام مسلم رحمه الله خَرَّجَ هذا الحديث في صحيحه بلفظ "أيّ المسلمون خير" دلَّ ذلك على أنه يريد هنا أصحابَ الإسلام أو يريد به ذوي الإسلام ولا يريد به الإسلام نفسَه!

وقوله: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي هذا أحد شيوخ الأئمة السِّتَّة سوى ابن ماجة، وأبوه عُلِمَ مِن معرفة اسم ابنه، قال: حدثنا أبو بردة وهو بُرَيد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وأبو بردة عامر أو الحارث بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

وهذا الإسناد سند كوفي، رواته كلهم مِن أهل الكوفة، وقد خَرَّجَه الإمام مسلم رحمه الله تعالى، إذن هذا الباب "بابٌ أيُّ الإسلام أفضل" وفي رواية "أيّ المسلمين أفضل" تفاضل المسلمين يعني تفاضل الناس في الإيمان والإسلام، وإذا كانوا يتفاضلون فيه دلَّ ذلك على أنّ هذا الإسلام قابل للزيادة والنقصان، ففيه أمران:

الأمر الأول: يتعلق بالزيادة والنقصان عند حصول التفاضل فيه.

والثاني: أنه أطلقه على العمل؛ فدلَّ ذلك على أنّ العمل مِن الإيمان، وهذا شروع مِن المؤلف رحمه الله في هذه الأبواب في بيان تفاصيل ما يتعلق بالأصل الذي قرَّره في أول الكتاب وهو أنّ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، كثير مما بعده مِن الأبواب تتعلق بهذا الأصل.


بَابٌ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلاَمِ

- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».


"بابٌ: إطعام الطعام مِن الإسلام" وهذا كالباب الذي قبله، بمعنى أنّ الأعمالَ داخلةٌ في مسمى الإسلام الذي هو الإيمان، لأنّ البخاريّ يجعل الإيمانَ والإسلامَ بمعنى واحد، الباب الذي قَبْلَه كان متعلقًا بالمسلم نفسِه وهذا الباب متعلق بالعمل، وقلنا: هناك تلازم بين العمل والعامل.

"باب إطعام الطعام مِن الإسلام" والذي قَبْلَه "المسلم مَن سَلِمَ المسلمون مِن لسانه ويده" وباب "أيّ الإسلام أفضل" تلك متعلقة بالواجبات وهذا متعلق بالمستحبات، يعني هذا الباب يفترق عن البابين السابقين بكونه متعلقًا بالمستحبات والمندوبات، فدلَّ ذلك على أنّ الأعمال - سواء ما كان منها فرضًا أو ما كان منها مشروعًا على غير جهة الفرضية وإنما هو مِن باب النوافل والمستحبات - هو داخل في مسمى الإيمان، ولهذا قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف"، والبداءة بالسلام سُنَّةٌ، وإطعام الطعام ليس كلُّه واجبًا - قد يتعين وقد لا يتعين -؛ فدخل فيه ما كان غير متعين مِن الإطعام، وأيضًا يَدُلُّ على أنّ الإيمان يزيد وينقص لأنه لمّا ذَكَرَ هنا قال: "أيّ الإسلام خير" دلَّ ذلك على أنّ مراده هنا الإسلام الكامل وليس مراده مَن يأتي بأركان الإسلام مع أصل الإيمان! لكن هذه الدرجة الواردة في هذا الحديث - كما تقدم - ليست مِن المتحتمات، فدلَّ ذلك على أنّ الإيمان متعلق بأصل ما لا يتم الإيمان إلّا به فهو أصل وشيء نوع آخر مِن الأعمال متعلق بالإيمان يصح الإيمان بدونه لكن لا يَكْمُلُ الكمال الذي أوجبه الله إلّا به، وثالثها ما كان مكملًا للإيمان؛ فإذا تركه الإنسان لم يأثم؛ لكن إذا فعله زاد إيمانُه، والناس يتفاوتون في فعل هذه الأشياء، ولهذا العلماء رحمهم الله لَمّا ذكروا الإيمانَ ذكروا ما يتعلق بالأصل الواجب يعني الذي لا يمكن أنْ يُحْكَمَ على الإنسان بأنه مسلم أو مؤمن إلّا به، وهناك قسم مِن الواجبات لكن إذا تركه الإنسان لم يَبطل إيمانُه لكن يكون إيمانه ناقصًا، وفيه شيء آخر هو مِن المكملات التي يستحب للمسلم أنْ يأتي بها؛ فإذا لم يأت بها لم ينقص إيمانُه؛ فإذا جاء بها زاد إيمانُه.

قال: حدثنا عمرو بن خالد وهو الحرَّاني انفرد الإمام البخاريّ رحمه الله بالرواية عنه دون بقية الخمسة إلّا أنّ ابن ماجة روى عنه بالواسطة، عن يزيد هو أبي حبيب المصري، وهذا مما خُرِّجَ له في الصحيحين وفي السُّنَن، وقوله عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني، وأيضًا هذا مُخَرَّج له في الكتب السِّتَّة، وهذا الإسناد إسناد مصري وقد خَرَّجَه مسلم في صحيحه.


بَابٌ: مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ

- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».


"بابٌ: مِن الإيمان أنْ يحب لأخيه ما يحب لنفسه" قال: حدثنا مسدد بن مسرهد بن مسربل شيخ البخاري، ولم يُخَرِّج له الإمام مسلم، قال: حدثنا يحيى وهو ابن سعيد القطان الإمام العَلَم المشهور، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة عن أنس رضي الله عنه، قتادة بن دِعامة المُفَسّر، عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: وعن حسين المعلم، وهو الحسين بن ذكوان، قال: حدثنا قتادة عن أنس عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، قوله: وعن حسين معطوف على قوله عن شعبة، أي حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة وعن حسين المعلم، كلاهما عن قتادة، هذا تفسير الحديث، لكن ذَكَرَ العلماء أنّ الإمام البخاريّ أورده هكذا لأنه لم يُجمع له بالإسناد بين الشيخين، المعنى أنّ يحيى لَمّا حدثه في هذا الحديث لم يجمع له بين الشيخين - بين شعبة وحسين المعلم - وإنما روى له الحديث عن شعبة ثم روى له الحديث عن حسين المعلم، وهذا سند بصري، وقد خَرَّجَه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه.

هذا الحديث "بابٌ: مِن الإيمان أنْ يحب لأخيه ما يحب لنفسه" هنا نفيٌ للإيمان، ونفي الإيمان لا يكون إلّا على ترك واجب؛ أما المستحبات فلا ينفى الإيمانُ عن صاحبها، ومِن هنا كل ما نفى به النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أو جاء نفي الإيمان عن صاحبه - سواء كان في القرآن أو بالسُّنَّة - فاعلم إما أنه نفي لأصل الإيمان وإما نفي لكماله الواجب، لا تعلق له بالمستحبات، ولهذا المؤلف قال: "مِن الإيمان" يعني مِن الإيمان الواجب "أنْ يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ومعنى ذلك أنْ يتمنى مِن الخير لأخيه ما يتمناه لنفسه، وقد ترجم غيرُ واحد مِن العلماء على هذا الحديث بما يفيد معنى ما ذكره الإمام البخاري.

أورده أبو عوانة في مستخرجه قال: "باب بيان نفي الإيمان عن الذي يُحرم هذه الأخلاق المبيَّنة" ثم ذَكَرَ جملة مِن الأحاديث الدالة على الأخلاق ومنها هذا الحديث الذي معنا، وابن حبان في صحيحه قال: "ذِكْرُ نفي الإيمان عن مَن لا يحب لأخيه ما يحبه لنفسه"، وذَكَرَه الإمام النسائي في "باب علامة الإيمان"، وذكره أيضًا ابن مندة في "ذِكْرِ الخصال التي إذا فعلها المسلم ازداد إيمانًا"، فدَلَّ كلامُ أهل العلم على أشياء:

الأول: أنّ الإيمان قد ينفى عن صاحبه ولا يراد به خروجُه مِن الإيمان.

الثانية: أنّ للإيمان علامات ودلائل عليه، وهي الأعمال الظاهرة، وهي جزء منه؛ لأنّ السلف جعلوها مِن حقيقة الإيمان.

ثالثها: أنّ الأعمال تزيد في الإيمان، ولذا ذكرها ابن مندة في الباب الذي يفيد هذا.


بَابٌ: حُبُّ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الإِيمَانِ

- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ».

- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّا، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ح وحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».


قال: "باب حُبّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم مِن الإيمان" ويريدون بذلك الحبَّ الاختياري لا الحبَّ الطبيعي، وحبُّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم مِن الإيمان؛ بل لا يكون العبد مؤمنًا إلّا بمحبة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والحبُّ شيءٌ قلبيٌّ لكن له أثرٌ على الجوارح، في التبويب قال: "باب حُبّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم" والرسول هنا يُراد به النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم واللام فيه للعهد لأنه هو المذكور في الحديث "حتى أكون أحبّ إليه مِن ولده ووالده والناس أجمعين" - وإنْ كان حُبُّ الأنبياء جميعًا مِن الأمور المتعينة -، ثم ذَكَرَ الحديث.

قال: حدثنا أبو اليمان هو الحكم بن نافع الحمصي، قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة الحمصي أيضًا، قال: حدثنا أبو الزناد عبد الله بن ذكوان المدني، عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز وهو مدني أيضًا، عن أبي هريرة أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال، وهذا الحديث خَرَّجَه الإمام مسلم في صحيحه.

قال: "فوالذي نفسي بيده لا يؤمِن أحدكم" قلنا: نفي الإيمان لا يكون إلّا على واجب، والحديث الذي معنا "حتى أكون أحب إليه مِن ولده ووالده والناس أجمعين" والباب " باب حُبّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم مِن الإيمان" والذي في الحديث أخصّ مِن الباب، فإذا كان الإيمان ينتفي عن الإنسان - والمراد به انتفاء كماله الواجب - إذا لم يُقَدِّم محبةَ الرسول صلّى الله عليه وسلّم على محبته لولده ووالده والناس أجمعين دلَّ ذلك على أنّ أصل المحبة للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن بابَ أوجب، وعندنا محبةُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وهذا أمرٌ واجب فالذي لا يحب النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ليس بمؤمن قطعًا! وهذا أمر مجمع عليه لا خلاف فيه، فلو أنّ إنسانًا اتبعَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وعمل بما جاء لكنه يبغض هذا النَّبيَّ ويكره هذا النَّبيَّ فهو كافر بإجماع العلماء، لكنّ المسألة الثانية هي مسألة تقديم محبةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم على ولده ووالده والناس أجمعين، تقديمُ محبتِه صلّى الله عليه وسلّم هذا أمرٌ متعين، لكن لو لم يكن مِن الإنسان؛ فهل يقال: إنه كافر؟ لا يقال: إنه كافر، لكنه ناقص الإيمان، لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نفى عنه الإيمان في هذا النص، والدليل على ذلك أنّ عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله؛ إنك لأحب إليّ مِن كل شيء إلّا مِن نفسي، فقال: "لا يا بن الخطاب! حتى مِن نفسك" فقال: حتى مِن نفسي، قال: "الآن"(1) يعني الآن كَمُلَ إيمانُك، لكنه لم يأمره بتجديد الإيمان، ولم يقل له: إنك لم تكن مؤمنًا! ولا يمكن أنْ يكون عمر رضي الله عنه - مع صحبته للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مع إيمانه وجهاده - أنْ يكون عمر رضي الله عنه في تلك الفترة كان كافرًا؛ والوحي لا ينزل لبيان ذلك! إذن عمر رضي الله عنه كان على الإيمان لكن كان يُقَدِّمُ محبةَ نفسِه على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فبَيّن النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ إيمانَه لا يكمل إلّا بتقديم محبته صلّى الله عليه وسلّم على محبة مَن سواه، هذه المحبة ذَكَرَ العلماء أنّ لها أثرًا يعني لها علامة، ما علامة تقديم محبتك للرسول صلّى الله عليه وسلّم على محبتك لنفسك وعلى ولدك ووالدك؟ لها علامة وهي تقديم طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم على طاعة مَن سواه وعلى ما تهواه النفس، فإذا كان هناك أمرٌ مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فغلبتك نفسُك على خلافه ففيك نقص في المحبة، أو مثلًا كان هناك أمرٌ يريده ولدك على خلاف ما جاء به النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فقدمتَه صار ذلك نقصًا في الإيمان، لأنّ ذلك دليل على نقص محبتك له صلّى الله عليه وسلّم، ولو كنت تحبُّه لقدمتَ ما يحبه صلّى الله عليه وسلّم على ما تهواه نفسك وعلى ما يحبه غيرُك مِن ولدك ووالدك والناس أجمعين.

وقوله في الحديث الآخر حدثنا يعقوب بن إبراهيم هو الدورقي، قال: حدثنا ابن عُلَيّا وهو إسماعيل بن إبراهيم المشهور بابن عليَّا، وعليَّا هي أمه ولهذا يُكتب بالألف - لا تسقط الألف! -، عن عبد العزيز بن صهيب البُناني، كل هؤلاء المذكورون مِن رواة الكتب السِّتَّة ومِن المعروفين، ح وحدثنا آدم، ح حرف يكتبه العلماء للتحول مِن إسناد إلى إسناد آخر، ويُنطق مهملًا، قال: ح وحدثنا، ينطق على أنه حرف، لا ينطق على أنه اسم! لا يقال: حاء! يقال: ح وحدثنا، وحدثنا آدم ابن أبي إياس قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس وهؤلاء سبق ذِكْرُهم.


بَابُ حَلاَوَةِ الإِيمَانِ

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».


قال: "بابُ حلاوة الإيمان" على الإضافة، والمقصود عندنا الحلاوة ضد المرورة، والمقصود بها هنا لذة الإيمان التي يجدها الإنسان في قلبه، لأنّ القلب - كما قال العلماء -: إذا سَلِمَ مِن الآفات والأسقام المتعلقة بالشهوات والأهواء فإنه يَجِدُ للإيمان لذة وحلاوة في قلبه، أما إذا كان هناك شبهات وشهوات فإنه لا يستلذ بالإيمان كما يستلذ به مَن سَلِمَ منها، ويُنَظِّرُون لذلك بصحة الجسد، فإنّ الجسد الصحيح السالم مِن الأمراض يتذوق الطعامَ ويعرف حلاوتَه ويستلذ بهذه الحلاوة بخلاف الذي يكون به سقم ومرض ربما يُعطى أحسنَ الطعام وألذَّ الشراب ويجده مُرًّا أو لا يستلذه كما يستلذه غيره مِن الأصحاء.

عندنا "بابُ حلاوة الإيمان" هذا الباب تابعٌ للبابين السابقين لأنّ البابين السابقين "باب مِن الإيمان أنْ يحب لأخيه ما يحب لنفسه" و"باب حُبّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم مِن الإيمان" وهذا الباب مُكَمِّلٌ لذينك البابين.

"حلاوة الإيمان" قال: "ثلاث مَن كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان، أنْ يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما" كما قال: تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ(2) فهذا تهديد ووعيد لِمَن قَدَّمَ محبةَ غيرِ الله على محبة الله لهذا قال: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ثم قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فدلَّ ذلك على حصول الفسق لهم إذا لم يُقدّموا محبةَ الله ومحبةَ رسوله صلّى الله عليه وسلّم على محبةِ غيرِه، "وأنْ يحبَّ المرء لا يحبه إلّا لله" يعني أنْ يكون مبعثُ محبتِه للمرء هو محبة الله عزّ وجلّ، "وأنْ يكره أنْ يعود في الكفر كما يكره أنْ يقذف في النار" والمراد بذلك أنّ الإنسان إذا نجاه الله مِن الكفر بعد أنْ كان كافرًا أو لم يكن كافرًا أصلًا؛ فإنه يكره أنْ يعود في الكفر؛ يعني يرجع بالكفر - وقد مَنَّ الله عليه بالإيمان - كما يكره أنْ يقذف في النار، بمعنى أنه يكون شديد البغض للكفر؛ شديد التباعد عن أسبابه الموصلة إليه، إذن إذا كان الأمر كذلك حصلت له المحبةُ القلبيةُ الخالصةُ لله، وحصل أيضًا في قلبه محبةُ غير الله لمحبة الله، ثم أيضًا حصل التباعدُ عن أسباب الكفر، وإذا تباعد عن أسباب الكفر حقق الإيمانَ، لأنّ بالتروك وبالأعمال يتحقق الإيمان، لأنّ الكفر يكون بالقول والفعل والترك والاعتقاد، وكذلك الإيمان، وكلما تباعد الإنسان عن أسباب الكفر تَحَصَّلَ على أسباب الإيمان، وهنا عندنا كراهية وعندنا محبة، والكراهية والمحبة كلاهما مِن أعمال القلوب، فدَلَّ ذلك على أنّ الإيمان لا يجدُ الإنسان حلاوتَه إلّا إذا وَقَرَ هذا الإيمانُ في قلبه.


بَابٌ: عَلاَمَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ

- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ».


قال: "بابٌ علامة الإيمان حبُّ الأنصار" ويصح أنْ يقال: "بابُ علامة الإيمان" يعني يصح أنْ يكون بالقطع على التنوين أو بالإضافة.

"باب علامة الإيمان حبُّ الأنصار" محبة الأنصار إنما كانت مِن الإيمان لأنهم نصروا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم وآووه، فمحبتهم مِن أجلِ نصرتهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبغض الأنصار مِن جهة أنهم نصروا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نفاقٌ، والحب - كما قلنا - مِن الأعمال القلبية؛ فدَلَّ ذلك على أنّ الإيمان أيضًا يشمل الأعمالَ القلبيةَ؛ وأنّ للإيمان علامات.

وقوله: حدثنا أبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وشعبة هو ابن الحجاج، قال: أخبرني عبد الله بن عبد الله بن جَبْر هو ابن عتيك الأنصاري خَرَّجَ له البخاريّ ومسلم، وأبو الوليد الطيالسي خَرَّجَ له الشيخان وأصحاب السُّنَن، والحديث خَرَّجَه الإمام مسلم في صحيحه أيضًا.

فقوله: "آية الإيمان حبّ الأنصار" هذا دليل على أنّ أعمال القلوب مِن الإيمان، وهذا تفصيل لِمَا ذكره المؤلف كما تقدم.


بَابٌ

حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ - وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ -: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا؛ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ؛ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.


هذا الباب لم يترجم له المؤلف وإنما قال: "بابٌ" وهذا موجود في صحيح البخاريّ في مواضع مِن صحيحه، بعض العلماء ذكروا أنّ المؤلف رحمه الله هنا لم يذكر ترجمة لهذا الباب لأنّ هذا الباب تابع لِمَا قَبْلَه على اعتبار أنّ البخاريّ رحمه الله أراد به بيانَ السبب في تسمية الأنصار بهذا الاسم؛ فكأنه تابِعٌ لِمَا قَبْلَه وليس بأصل أراده المؤلف! لكن إذا نظرنا إلى الحديث فإنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ذَكَرَ فيه شأنَ أهلِ الكبائر؛ وأنّ مَن أصاب منهم شيئًا مِن هذه الكبائر فعُوقب في الدنيا فهو كفارة له؛ وأنّ مَن أصاب مِن ذلك شيئًا ثم ستره الله - يعني مات على غير توبة - فهو إلى الله؛ إنْ شاء عفا عنه وإنْ شاء عذبه، وهذا دليل على أنَّ المعاصي لا تنافي الإيمان، بل تجتمع مع الإيمان؛ لكن لا تعطي الرجل الاسم المطلق للإيمان، لا يقال: إنه مؤمِن الإيمان الكامل! لكنه يطلق عليه أنه مؤمن، فمطلق الاسم متحصل له، لكنّ الاسم المطلق لا يكون له بكبيرته هذه، فدَلَّ هذا على الردِّ على الخوارج الذين يقولون: إنَّ الكبائر تسلب الإيمانَ عن المؤمن! وكذلك فيه رَدّ على المعتزلة الذين يضمون قولهم إلى قول الخوارج، وأيضًا في الحديث لَمّا قال: "فمَن وفَى منكم فأجره على الله" ويصح أنْ تقول: "فمَن وفَّى منكم" كلاهما جاء بهما الضبطُ، "فمن وفى منكم فأجره على الله" فدَلَّ ذلك على أنّ الإيمان يزيد بترك هذه المحرمات، دلَّ ذلك على أنّ التروك لله تعالى مِن الإيمان، يعني مَن ترك هذه الأشياء السرقة والزنى والقتل - قتل الأولاد - وكذلك إذا ترك الإتيان بالبهتان الذي يُفترى بين الأيدي والأرجل والمراد به استلحاق ولدِ الزنى وعمَّمَه بعضُ العلماء فقال: هو عام في كل بهتان مِن الكذب والغيبة والنميمة، وذكر بعض أهل العلم أنّ المراد به قذفُ المحصنات، الشاهد أنّ مَن "وفَى" أو "وفَّى" فأجرُه على الله، ومِن المعلوم أنّ كلَّ واحدة مِن هذه لها حكمها ويترتب على تركها أجرها، وعندئذ الناس يتفاوتون في ترك هذه الأشياء كما يتفاوتون في فعلِ ما أُمِروا به، وعندئذ يقال: إنه قد يقال: إنَّ هذا الحديث يَدُلُّ على زيادة الإيمان لأنّه قال: "فمن وفَّى" أو "فمن وفَى فأجره على الله" والأجر مرتب على العمل، والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: "وإنه لن يدخل الجنةَ إلّا نفس مؤمنة"(3).


بَابٌ: مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ».


قال: "بابٌ مِن الدين الفرارُ مِن الفتن" تقدير هذا الباب - كما قدَّرَه بعضُ العلماء - بابٌ الفرار مِن الفتن شعبةٌ مِن الدين، لماذا؟ لأنَّ الفرارَ عملٌ؛ وهذا العمل جاء مِن حفظ الدين، فهو مِن الأعمال الصالحة وجعله شعبةً مِن شعب الإيمان، لأنَّ الإسلام والإيمان كلاهما دين ويطلق عليهما أنَّما دين لقوله في حديث جبريل: "هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم"، وهذا واضح مما تقدم.

وقوله: حدثنا عبد الله بن مَسْلَمة وهو القعنبي، مُخَرَّج له في الصحيحين، وهو مِن رواة موطأ الإمام مالك المشهورين، عن مالك بن أنس الإمام الجليل المعروف، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الخزرجي الأنصاري، خَرَّجَ له البخاريّ ولم يُخَرِّج له مسلم، عن أبيه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وقد خَرَّجَ له أيضًا البخاريّ ولم يُخَرِّج له مسلم، وهذا الحديث مِن أفراد الإمام البخاريّ وتفرّد به في صحيحه عن الإمام مسلم، وهو مسلسل بالمدنيين لأنَّ عبد الله بن مسلمة القعنبي - وإنْ كان بصريًا في أصله - إلّا أنَّه سكن المدينة.


(1) صحيح البخاري (6632) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) التوبة: 24.
(3) صحيح. الترمذي (3092) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا. الإرواء (4/ 302).