موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كِتَابُ الإِيمَانِ إلى بَاب أُمُورِ الإِيمَان - شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الإِيمَانِ إلى بَاب أُمُورِ الإِيمَان
 بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إلى بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ إلى بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَل
 بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ عَلَى الحَقِيقَة إلى بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم
 بَابُ عَلاَمَةِ المُنَافِق إلى بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُه
 بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِه إلى بَاب خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُر
 بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري - كِتَابُ الإِيمَانِ إلى بَاب أُمُورِ الإِيمَان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم

اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه والحاضرين ولجميع المسلمين

قال الإمام أبو عبد الله؛ محمد بن إسماعيل البخاريّ في كتابه "الجامع الصحيح":

كِتَابُ الإِيمَانِ

بَابُ الإِيْمَانِ وقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ».

وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ(1)، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(2)، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى(3)، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ(4)، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا(5)، وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا(6)، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا(7)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا(8)، وَالحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ، " وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: «إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ، وَشَرَائِعَ، وَحُدُودًا، وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ»، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي(9)، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً»، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ»، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «لاَ يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ»، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «شَرَعَ لَكُمْ» أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» سَبِيلًا وَسُنَّةً.


بسم الله الرحمِن الرحيم

قال المؤلف رحمة الله عليه: "كتاب الإيمان وقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: بني الإسلام على خمس" وجاء في بعض النسخ "باب الإيمان" إلّا أنّ الذي استظهره كثير مِن أهل العلم أنّ هذا زائد في هذا المقام لأنه قال قبله "كتاب الإيمان" وقوله: قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "بني الإسلام على خمس" هذا حديث مرفوع سيأتي إنْ شاء الله وَصْلُ المؤلف رحمه الله له.

قال: "وهو قول وفعل" هو الآن لو تلاحظون ذَكَرَ وقال: "كتاب الإيمان" ثم قال: "بني الإسلام"، ثم قال: "وهو قول وفعل" ما هو الذي هو قول وفعل؟ هو الإيمان، قد يقول قائل: هو قال: "بني الإسلام"! فيقال له: إنَّ الإيمان البخاريّ ممن لا يرى فرقًا بين الإسلام والإيمان بل يراهما معنى واحد، وهذا مذهب عند طائفة مِن أهل السُّنَّة والجماعة، وقد نصره محمدُ بن نصر في كتابه "تعظيم قَدْرِ الصلاة" ونصَّ على أنّ الإمام البخاريّ يرى أنه لا فَرْقَ بين الإيمان والإسلام غيرُ واحد مِن أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن رجب وابن حجر وجماعة، نصّوا على أنّ الإمام البخاريّ رحمه الله يرى أنّ الإيمان والإسلام معناهما واحد، إذن إذا قال: "وهو قول وفعل" أي: أنّ الإيمان قول وفعل، والإيمان هو الإسلام؛ والإسلام هو الإيمان - عند الإمام البخاريّ رحمه الله -، وأيضًا هذا القول - وهو تساوي الإسلام والإيمان - حكاه بعضهم كابن نصر والحافظ ابن عبد البرّ عن كثير مِن العلماء المتقدمين، بل نصوا على أنّ أكثر العلماء على هذا القول؛ إلّا أنّ هذا القول منهما قد اعترضه غير واحد مِن أهل التحقيق كابن تيمية وابن رجب وغيرهما وذكروا أنّ غالب أهل العلم أو أكثر السلف على أنّ الإيمان له معنى والإسلام له معنى، لا شكّ أنهما يجتمعان ويفترقان، بمعنى أنه إذا اجتمع الإسلام والإيمان فُسِّرَ الإيمانُ بما يتعلق بأعمال القلوب وفُسِّرَ الإسلامُ بالأعمال الظاهرة على حديث جبريل عليه السلام، لأنه لمّا سأل النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عن الإيمان قال: «أنْ تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ وتؤمن بالقَدَر خيره وشره» فجعل الإيمان متعلقًا بالأعمال الباطنة، ولمّا سأله عن الإسلام ذَكَرَ له الأركان الخمسة وهي أعمال ظاهرة، أما إذا افترقا فيُفَسَّرُ الإسلامُ بالإيمان والإيمانُ بالإسلام، ولهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ(10) يُراد به الإسلام الذي هو بمعنى الإيمان، وعلى كلٍّ لا يمكن أنْ يُحكم على أحد بأنه مسلم - بمعنى الإسلام الشرعي لا الاستسلام الظاهر - إلّا ومعه إيمان، ولا يمكن أنْ يكون هناك مؤمن إلّا ومعه شيء مِن الإسلام، وهذا مما قطعَ به السلفُ رحمهم الله، يعني أنّ الإسلام لا يستغني عن الإيمان؛ وأنّ الإيمان لا يسغني عن الإسلام، إذن قوله "بني الإسلام على خمس" وهو قول وفعل، يعني أنّ الإيمان قول وفعل، الفعل هنا - عند بعض العلماء - هو بمعنى العمل، وهذا ظاهر مِن مقالة الإمام البخاريّ رحمه الله لمّا ذَكَرَ أنه أدرك مِن ألف مِن علماء الأنصار يقولون أنّ الإيمان قول وعمل، وهو يريد بالفعل هنا العمل، ولهذا جاء في بعض نسخ البخاريّ "قول وعمل"، بعض العلماء يجعل الفعل هو العمل وبعض العلماء يفرق بينهما، يقول: الفعل أعمّ مِن العمل؛ لأنّ الفعل يشمل القول وعمل الجوارح؛ وأما العمل فهو مختصّ بعمل الجوارح، لكنّ الذي ينبغي أنْ نفهم هنا أنه قال: "قول وفعل" يريد أنّ الإيمان قول وعمل.

ذَكَرَ بعضُ العلماء قال: إنَّ الإمام البخاريّ لم يذَكَرِ الاعتقاد لأنه متفق عليه! طبعًا هذا الكلام غير صحيح، ولكن لو عرف معنى القول عند السلف وما ورد عنهم في هذا الباب مما يفسره لعرف أنّ قولهم قول يريدون به اعتقاد القلب وقول اللسان كما تقدم بيانُه.

"ويزيد وينقص" انتبهوا إذن قال: "قول وعمل يزيد وينقص" وقد تقدم أنّ الإمام البخاريّ ركّز على هاتين القضيتين، قضية كون العمل داخل في الإيمان، وكون الإيمان يزيد وينقص، وقوله: "يزيد وينقص" أي أنّ الإيمان يزيد وينقص، وسيعقد له الإمام البخاريّ رحمه الله "باب زيادة الإيمان ونقصانه" على ما سيأتي إنْ شاء الله تعالى، وبعض العلماء رحمهم الله يعبر عن الزيادة والنقصان بالتفاضل، كما عبّر بذلك ابن المبارك رحمه الله.

ثم ذَكَرَ جملة مِن الآيات الدالة على زيادة الإيمان، هو يقول: "الإيمان يزيد وينقص" ولم يأت بدليل على نقصان الإيمان! يعني لم يأت بنص على نقصان الإيمان! لكن عند العلماء رحمهم الله أنّ ما كان قابلًا للزيادة كان قابلًا للنقصان، فالنص - وإنْ لم يكن صريحًا في الآيات - إلّا أنه معروف بمقابله وهو الزيادة، وقد نَصَّ على ذلك جماعةٌ مِن العلماء كابن عيينة رحمه الله - كما خرجه عنه الآجريّ في الشريعة - وكذلك الإمام أحمد - كما نقله عنه الخلال في السُّنَّة - وكذلك أيضًا البيهقي قاله في كتابي الاعتقاد وشعب الإيمان وكذلك ابن بطال في شرح البخاريّ وابن حزم في الفِصَل والحافظ أيضًا ابن حجر فيما شرحه وكذلك الكرماني وغيرهم، ذكروا أنّ ما كان قابلًا للزيادة كان قابلًا للنقصان، فإذا أثبتنا أنّ الإيمان يزيد معناه أنه ينقص، وهذا محل إجماع عند سلف هذه الأمة خلافًا لمِن أنكر زيادة الإيمان ونقصانه، وهذه الآيات ظاهرة وواضحة.

ثم ذَكَرَ قال: "والحبّ في الله والبغض في الله مِن الإيمان" هذا جاء في حديث عند أبي داود مِن رواية أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ولكنه حديث فيه ضعْف، وقد رواه ابن أبي شيبة موقوفًا، وقد جاءت له شواهد أخرى بمعناه، وقد ثبت عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم - كما سيأتي -: «ثلاث مَن كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان» وفيه «أنْ يُحب المرء لا يحبه إلّا لله» وهو مِن شواهد هذا الحديث، وقد نبّه بعضُ العلماء على أنّ الإمامَ البخاريّ رحمه الله لمّا كان هذا الحديث ليس على شرطه أو لم يثبت ذَكَرَ هذا اللفظ ولم يسنده إلى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، والبغض والحب يزيد وينقص، وإذا نظرت إلى الحبّ والبغض وجدتَه مِن أعمال القلوب، إذن الإيمان يزيد وينقص لأنّ الآيات المتقدمة: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ(11)، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(12)، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى(13) إلى آخره هذه فيه اطلاق زيادة الإيمان؛ فيشمل ذلك الزيادة القلبية وزيادته بالطاعات، ويشمل أيضًا النقص القلبي والنقص في الأعمال، وهنا "والحبّ في الله والبغض في الله" يتعلق بما كان بالقلب، أي أنَّ الإيمان يزيد وينقص حتى ما كان في القلب، وهذا فيه رَدٌّ على الذين يقولون: إنَّ الإيمان شيء واحد! إنَّ الإيمان الذي في القلب شيء واحد! لا يتفاوت الناس فيه؛ فهم في أصله سواء! فإيمانك كإيمان جبريل وميكائيل وكإيمان النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: لا يختلف! وإنما الاختلاف في الأعمال! فلمّا قال: "والحبّ في الله والبغض في الله" دلَّ على أنّ الأعمال القلبية مِن الإيمان؛ وأنّ الزيادة والنقصان يحصلان في الإيمان القلبي كما يحصلان في أعمال الجوارح، إذن هنا "بني الإسلام على خمس" و﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ(14) وهو قول وفعل وما تضمنته هذه الآيات دالّ على بيان حقيقة الإيمان عند أهل السُّنَّة والجماعة، إذن هو كأنه يُبيّن حقيقة الإيمان عند أهل السُّنَّة والجماعة، لأنَّ الإيمان في أصله مِن الأمن وهو الإقرار والطمأنينة، ومنهم مَن يقول: هو التصديق، والذي يقول مِن أهل السُّنَّة هو التصديق لا يعني ما يقول به أهلُ البدع مِن أنَّه مجرد التصديق! ولكنه هو تصديقٌ خاص مُقَيّد بالقيود الشرعية التي جاءت في الإيمان كبقية الحقائق التي تَرِدُ وتُحمل على معناها اللغوي لكنها تُقيّد بالقيود الشرعية التي جاءت في النصوص، وكونُه مِن الأمن هذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد أطال في بيان الفَرْق بين الإيمان والتصديق وأنَّهما غير مترادفين في كتابه "الإيمان".

قال: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي" عدي بن عدي بن أبي عميرة الكندي، وكان واليًا لعمر بن عبد العزيز على بلاد الجزيرة والموصل مِن بلاد العراق وتوفي سَنَة مائة وعشرين للهجرة، كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي، هذه الوصية التي أمامنا: "إنَّ للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا" الفرائض هنا فسَّرها بعضُهم الفرائضَ بالأصول والشرائعَ بالصفات، فالصلاة مثلًا أصل؛ واستقبال القبلة صفة، عندنا مثلًا الحج أصل؛ والمبيت بمزدلفة صفة، عندنا مثلًا القذف أصل - حكم القذف أصل - لكنّ الجلد ثمانون جلدة صفة، وهكذا البقية، وبعضهم فسَّرَ الفرائض بأنها الأعمال المفروضة، وفسَّرَ الشرائعَ بأنها العقائد الدينية، ولو قيل بالعكس لكان أيضًا هو الأقوى، وأما البقية وهي الحدود وهي ما نهى الله عزّ وجلّ عنه والسُّنَن وهي ما شرعه الله عزّ وجلّ لا على جهة الإلزام لعباده بل هي مِن باب الفضائل والمندوبات هذا الأثر الذي ذكره الإمامُ البخاريّ خَرَّجَه الإمام ابن أبي شيبة في "الإيمان" وكذلك الإمام أحمد خَرّجَه له في "الإيمان" وأيضًا خَرَّجَه الخلال.

وقال إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي(15) يعني به الخليل عليه السلام في هذه الآية، قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ويراد به زيادة الإيمان، ولهذا جاء عن سعيد بن جبير قال: "ليزيد يقيني"، وفي بعض الروايات عنه "يزيد إيماني" وهذا المنقول عن سعيد بن جبير وافقه عليه عدد مِن السلف كمجاهد والنخعي والضحاك وقتادة ذكروا مثلما ذكره سعيد بن جبير ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي "ليزداد يقيني أو ليزداد إيماني"، فكونه يزداد الإيمان دليل على أنه ينقص، وهذا ظاهر.

"وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة" قوله "نؤمن ساعة" يعني نذَكَرَ الله كما جاء في الروايات، وهذا الأثر خَرَّجَه ابن أبي شيبة وأبو عبيد والخلّال وصححه الحافظ في التغليق موقوفًا على معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقوله "اجلس بنا نؤمن ساعة" وهذا الجلوس كان لذِكْرِ الله، وهذا دليل على أنّ الأعمال تزيد مِن الإيمان؛ وأنّ الزيادة كما تقع في القلب تقع أيضًا في العمل.

"وقال ابن مسعود رضي الله عنه: اليقين الإيمان كله" هذا رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه وأيضًا رواه الطبراني، وأوله "الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله"، والمراد باليقين هنا العلمُ الذي لا شكّ فيه، لأنّ العلم الذي لا شكّ فيه يأتي مِن جهتين: مِن جهة علم اليقين أو عين اليقين، فالأدلة إذا تظاهرت - سواء كانت عقلية أو نقلية - أورثتِ العلمَ اليقيني، وكذلك يقع اليقين بالعين وهي المشاهدة، فقوله: "اليقين الإيمان كله" ليس معناه أنّ الإيمان هو ما وقع في القلب فحسب! ولكن لهذا معنى ذكره العلماءُ رحمهم الله وهو أنّ الإنسان إذا بلغ مِن اليقين ما بلغ؛ فإنّ إيمانه يكون بمبلغ يقينه، لأنّ مَن عرف الله كان أشدَّ له خشية وعبادة، كما قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنا أعلمكم بالله وأتقاكم له أو وأشدكم خشية له» إذن كأنه يقول: إنَّ الإيمان تابع لليقين، فأعمال العباد بحسب يقينهم، فمَن كان ذا يقين؛ فإنّ أعماله وإيمانه تتبع هذا اليقين، وبحسب ضعف هذا اليقين يضعف الإيمان - لا في الاعتقاد ولا في العمل -، أو أنّ المراد أنّ اليقين هو أساس الإيمان على معنى أنّ مَن لم يكن موقنًا بقلبه؛ فإنّ أعمالَه لا قيمة لها ولا اعتبار لها في الشرع، إذن اليقين هو أساس الإيمان.

وقال ابن عمر رضي الله عنه: "لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك بالصدر" هذا الأثر عن ابن عمر رضي الله عنه نَصَّ الحافظ ابن رجب رحمه الله على أنه لم يقف عليه مِن حديث ابن عمر، ونصَّ أيضًا الحافظ في الفتح وفي التغليق على أنّ لم يقف عليه موصولًا عن ابن عمر رضي الله عنه؛ وإنما رأوه في البخاريّ هكذا، وهذا الأثر ذكره الإمام البخاريّ رحمه الله - وإنْ كان يتعلق بالتقوى - إلّا أنّ خصال التقوى هي خصال الإيمان، وأنت لو رأيتَ ما ذكره اللهُ تعالى في كتابه مفسرًا بالتقوى لرأيته منطبقًا على ما ذكره الله تعالى مِن تفصيله وبيانه للإيمان، وسيأتي إنْ شاء الله قولُه تعالى في الباب الثاني: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ(16) وأنه دالٌّ على هذا.

وقال مجاهد: "شرع لكم: أوصيناك يا محمد وإياه دينًا" يعني به قولَه تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ(17) قال: "أوصيناك يا محمد" يقول مجاهد في تفسيرها "أوصيناك يا محمد وإياه" أي أوصيناك يا محمد ونوحًا دينًا واحدًا، وهذا الأثر وصله عبد بن حُميد وابن جرير وابن المنذر في تفاسيرهم وصححه الحافظ ابن حجر في التغليق، والمراد - والله أعلم - بمراد البخاريّ رحمه الله لهذا هو أنّ ما جاءت به النصوص في كتاب الله وسُنَّةِ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم مِن بيانِ الإيمان هو الشرع الذي جاءت به رسلُ الله عليهم الصلاة والسلام على معنى أنهم كلهم متفقون على هذه الحقيقة - وهي حقيقة الإيمان -.

وقال ابن عباس رضي الله عنه: "شرعة ومنهاجًا" يعني في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا(18) أي لكل أمة مِن الأمم جعل اللهُ لهم شرعة ومنهاجًا، قال ابن عباس: "سبيلًا وسُنَّة" هذا الأثر خَرَّجَه عبد الرزاق والطبري وعبد بن حُميد في تفاسيرهم، وقوله "سبيلًا وسُنَّة" جاءت في بعضها "سبيلًا وسُنَّة" وجاءت في بعضها "سُنَّةً وسبيلًا"، ورجح الحافظ في التفسير أنّ الصواب "سبيلًا وسُنَّة" كما ذكره الإمام البخاريّ رحمه الله، والسبيل هي الطريق الواضحة المسلوك، والشرعة هي السُّنَن، ولهذا ابن القيم رحمه الله يقول: "إنَّ السبيل هو الطريق الواضحة، والشرعة هي تفاصيل ذلك السبيل"، ومِن العلماء مَن يرى أنّ الشرعة هي المدخل إلى ذلك السبيل أخذًا مِن مَشْرَعَةِ الماء وهي أول ما يشرب، إذن الشاهد مِن قوله "شرعة ومنهاجًا" أنّ هناك شرائع، هذه الشرائع توصل إلى الطريق، الشرائع هي السُّنَن، وعلى هذا كأنّ الإنسانَ إذا ازداد مِن السُّنَن ازداد استمساكًا بالسبيل - الذي هو الإيمان -؛ فدَلَّ ذلك على أنّ شرائعَ الإيمان وسُنَنَه مِن الإيمان.


بَابٌ دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».


"بابٌ: دعاؤكم إيمانكم" هذا في الحقيقة اختلفت نسخُ البخاريّ فيه، بعضها "باب دعاؤكم إيمانكم" وبعضها مباشرة "دعاؤكم وإيمانكم" وهي مرتبطة بما أورده المؤلف في الباب الذي قَبْلَ هذا، يعني أنّ ابن عباس قال: "شرعة ومنهاجًا: سبيلًا وسُنَّة" وقال: "دعاؤكم إيمانكم"، وقد ذَكَرَ الحافظ ابن حجر أنّ مِن عادات البخاريّ رحمه الله أنه يحذف حرف العطف عندما ينقل التفاسير، يعني "دعاؤكم إيمانكم".

وقوله: "دعاؤكم إيمانكم" مأخوذة مِن قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ(19) أي أنَّ الله تعالى لا يكترث بكم لولا دعاؤكم، وهذا الدعاء فُسِّر بأنَّه الإيمان، لأنَّ الدعاء نوعان: دعاء مسألةٍ، ودعاء طلب، فُسِّر الدعاء هنا بأنَّه الطاعات، أي: لولا طاعاتكم، والطاعات إيمان، لأنَّ الإنسان تارةً يدعو ربه جل وعلا بالسؤال - اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني -، وتارةً يدعوه بأعماله الصالحات، لأنَّها هي مُحَصّلُ دعائه، لأنَّ الإنسان إذا دعا بالمغفرة دعاؤه ذلك هو يوافق ما إذا تقرب إلى ربه بصلاةٍ وحجٍ وزكاةٍ لأنَّه يرجو بِرَّها ومغفرةَ الله تعالى له، فقوله "دعاؤكم إيمانكم" يعني به أنَّ ابن عباس رضي الله عنه فَسَّر الدعاء في الآية بالإيمان، والمراد بالدعاء في الآيات الطاعات؛ فدلّ ذلك على أنَّ الأعمال إيمانٌ، وفي هذا رَدٌّ على الذين يُخْرِجُون الأعمال عن مسمى الإيمان.

قوله هنا: عن عبيد الله بن موسى هو ابن باذام العبسي وهو شيخ البخاريّ وقد روى عنه كثيرًا، وحنظلة بن أبي سفيان الجمحي المكي، وعكرمة هنا هو ابن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة، وكل هؤلاء قد خُرِّج عنهم في الصحيحين وفي الكتب السِّتَّة، وقد أورد الإمام البخاريّ هذا الحديث وهو: "بني الإسلام على خمس" وهو الذي جعله بابًا "باب بني الإسلام على خمس" فذكره هناك معلقًا وذكره هنا موصولًا، وإيرادُ البخاريّ رحمه الله لهذا الحديث يَدُلُّ على أنَّه يرى أنَّ الإسلام والإيمان بمعنىً واحد.


بَابُ أُمُورِ الإِيمَانِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ(20)، وَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ(21) الآيَةَ.

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».


هذا "باب أمور الإيمان" وفي بعض النسخ "باب أمرِ الإيمان" وقد بَوَّبَ ابن مندة رحمه الله على هاتين الآيتين والحديث الذي ذكره المؤلف فقال: "ذِكْرُ ما يَدُلُّ على أنَّ اسم الإيمان يقع على غير ما ذَكَرَ جبريل عليه الصّلاة والسّلام؛ وأنَّ شهادة أنْ لا إله إلّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجَّ البيت أصلُ الإيمان وأساسُه؛ وأنَّه بضعٌ وستون شعبة" هكذا بَوَّبَ ابن مندة، وبهذا يتضح مرادُ الإمام البخاريّ رحمه الله في باب أمور الإيمان، معنى ذلك أنَّ الإمام البخاريّ يرى أنَّ الإيمان ليس مقصورًا على القلب فقط! وإنما الإيمان له متعلَّقات، شيءٌ متعلق بالقلب، وشيءٌ متعلقٌ في الجوارح، وشيءٌ متعلقٌ باللسان.

الآية الأولى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ(22) فهذه أعمال قلوب وهي الواردة في حديث جبرائيل عليه السلام: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ(23) إلى آخره هذه أعمال الجوارح، وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ(24) هذه مِن أعمال القلوب، قال: تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(25) فدلَّ على أنَّ الإيمانَ يقع حينما يكون بهذه الأشياء المذكورة، وقول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(26) إلى آخرها، هذه الآيات أيضًا تدل على ما دلت عليه الآية الأخرى، وأيضًا فيها أنَّ الترك مِن الإيمان، فالإيمان كما أنَّه أفعال هو أيضًا تروك، يعني بمعنى أنَّ الوقوف عند الحدود - كما قال عمر بن عبد العزيز: "فرائض وشرائع وحدود" - يعني يقف عندها الإنسان ولا ينتهكها؛ هذا مِن الإيمان، وثم أورد حديث "الإيمان بضعٌ وستون شعبة، والحياء شُعبةٌ مِن الإيمان" هذا الحديث طبعًا له روايات - سواء مِن رواية سليمان بن بلال أو من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن جده - جاء في بعضها "بضعٌ وسبعون" وبعضها "بضع وستون" وفي بعضها على الشك "بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون" وهذا الاختلاف لا يضرّ في دلالة هذا الحديث لأنَّ المقصود به أنَّ الإيمان ليس هو الوارد في حديث جبريل فقط! وأنّ الإيمان ليس هو مجرد التصديق! ولكنّ الإيمان شُعبٌ متعددة، وكما أنّ الإيمان شعب متعددة يعني إذا كان الشيء شعبًا متعددة وكان تعلق الشيء بأجزائه دلَّ ذلك على أنه يزيد وينقص كما سيأتي عند قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ(27)، إذن قوله "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة مِن الإيمان" هذه الشعب حاول بعض أهل العلم أنْ يجمعها، وأُلِّفَت في ذلك مصنفات كشعب الإيمان للحَلِيمي وشعب الإيمان للبيهقي - هذه الشعب التي ذكرها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم – واختلفوا في طريقة تصنيفها، الشاهد أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بَيَّنَ أنّ الإيمان شعبٌ، وهذا دليل على أنّ الإيمان يزيد وينقص، لأنه لو كان أصلًا واحدًا لمَا صح أنْ يُطلق عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنه شعبٌ! وفي هذا رَدٌّ على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بأنّ الإيمان أصل واحد! نقول لهم: إنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ذَكَرَ أنّ الإيمان بضع وسبعون شعبة - والشعبة هي الجزء - فكونكم تقولون: إنَّه أصل واحد إما أنْ يذهب كله وإما أنْ يبقى كله! هذا مخالف لقوله عليه الصّلاة والسّلام «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، إذن المؤلف يريد أنْ يُبَيّن أنّ الإيمان شعب، وهذه الشعب متعددة، منها يتعلق بالقلب، ومنها ما يتعلق بالجوارح، ومنها ما يتعلق باللسان، وجاء تفصيل ذلك في بعض روايات الحديث قال: «أفضلُها لا إله إلّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة مِن الإيمان» فأفضلها "لا إله إلّا الله" هذا قول، و"إماطة الأذى عن الطريق" عمل، و"الحياء" أمرٌ قلبيٌّ وجعله النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِن الإيمان إضافة إلى ما تقدم مِن أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم جعله شعبًا، وكون النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام جعله شعبًا يردّ على الخوارج الذين يجعلونه شيئًا واحدًا لا يتجزأ!

هذا الحديث الذي ذكره المؤلف - حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه - أورده الإمام الترمذي رحمه الله في سننه في "باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه" وأورده أبو داود في "باب رَدِّ الإرجاء"، ومعنى ذلك أنّه لمّا ذَكَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ الإيمان بضع وسبعون شعبة دلَّ ذلك على أنّ هذا الإيمان يتجزأ؛ وأنّ مَن أتى ببعض شعب الإيمان لا يُنفى عنه اسم الإيمان مطلقًا وإنما ينقص إيمانه؛ وأنّ مَن يأتي بأكثر شعبًا هو الأكثر إيمانًا، وأيضًا فيه رَدٌّ على المرجئة - على جميع أصنافهم - الذين يقولون: إنَّ الإيمان هو القول! أو أنّ الإيمان هو مجرد التصديق القولي فقط! فإنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ذَكَرَ أنه شعب وهذه الشعب لها تعلقاتها، وتفصيل الحديث الذي جاء في صحيح مسلم «وأفضلها قول لا إله إلّا الله، وأدناها إماطة الأذى، والحياء شعبة مِن الإيمان» هذا واضح في الدلالة.

طيب، الحديث السابق(28) قال: حدثنا عبد الله بن محمد هو شيخهم عبد الله بن محمد بن جعفر بن مسلم المُسنَدي - بفتح النون -، وقال: حدثنا أبو عامر العَقَدي وهو عبد الملك بن عمرو، وقال: حدثنا سليمان بن بلال المدني مولى آل الصديق، وهؤلاء مُخَرَّج لهم في الصحيحين والكتب السِّتَّة، وكذلك شيخه عبد الله بن دينار الجُمَحِي المدني شيخ الإمام مالك رحمه الله وقد أكثر عنه في الموطأ وكذلك أبو صالح ذكوان السّمّان كل هؤلاء مُخَرَّج عنهم في الكتب السِّتَّة، وهذا الحديث مِن سُداسيات الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى.


(1) الفتح: 4.
(2) الكهف: 13.
(3) مريم: 76.
(4) محمد: 17.
(5) المدثر: 31.
(6) التوبة: 124.
(7) آل عمران: 173.
(8) الأحزاب: 22.
(9) البقرة: 260.
(10) آل عمران: 19.
(11) الفتح: 4.
(12) الكهف: 13.
(13) مريم: 76.
(14) الفتح: 4.
(15) البقرة: 260.
(16) البقرة: 177.
(17) الشورى: 13.
(18) المائدة: 48.
(19) الفرقان: 77.
(20) البقرة: 177.
(21) المؤمنون: 1.
(22) البقرة: 177.
(23) البقرة: 177.
(24) البقرة: 177.
(25) البقرة: 177.
(26) المؤمنون: 1 - 6.
(27) المائدة: 3.
(28) الكلام على الإسناد استدركه الشيخ – حفظه الله – في أول التعليق على الحديث الثاني، فقمت بنقله إلى موضعه.